03‏/09‏/2015

ثوابت الإسلام بين توسيع المتشدِّدين وتمييع المتسيِّبين

د. محمود الزمناكويي
تمهيد:
في الآونة الاخيرة - وخصوصاً عندما بدأت اللجنة المشكلة من قبل البرلمان لأعداد مشروع دستور لإقليم كوردستان، بمناقشة المادة المتعلقة بموقع الشريعة الإسلامية فيه - كثر الحديث عن المراد بمصطلح (ثوابت الإسلام)، فانبرى لشرحه وتوضيحه من كل حدب وصوب، كلُ من هبَّ ودبَّ، من غير مراعاة التخصصات، شأنه شأن كل المواضيع المتعلقة بالإسلام، الذي أصبح كلأً مباحاً لكل من يسرح فيه ويمرح.
فاشتد التنازع بين الرؤى والآراء حول المصطلح، وتوزعت ما بين متشدد في الطرح، موسِّع في الإطار الذي تمثله
الثوابت، حتى أقحم فيها ما ليس من ضمنها، ويدخلون فيها فروعاً وجزئيات، اختلف فيها السلف والخلف، وما بين متساهل ومتسيب، حيث ميَّع مفهوم الثوابت، حتى أخرج منها كثيراً من أفرادها وجزئياتها، حتى وصل الأمر إلى التجاوز على ما نسميه الخطوط الحمر.
ولا شك أن كلا المسلكين خطأ وخطيئة، وخروج عن المسار العلمي، وخط الاعتدال، والميزان الذي لا يقبله الدِّين، ولا المنطق السليم.
ومن الغريب حقاً، بل والمدهش، أن يصل هذا البلاء، أو الوباء، إلى بعض العقول والنخب المثقفة، والقيادات من الأحزاب الإسلامية، أو خارجها، هؤلاء الذين تناط بهم الآمال، و تشرئب لهم الأعناق، في حفظ ثوابت الإسلام، والدفاع عنها، والدعوة إلى تطبيقها، والحيلولة دون المساس بجوهرها.
لكنه - مع الأسف - رأينا العكس تماماً، فقد خاض في ثوابت الشريعة، وتناولها - بدون علم وإدراك - بعض الكتاب الإسلاميين، على نفس الوتيرة التي ولغ فيها أعداء الشريعة، ومناوئوها، من العلمانيين.
فلقد تألمت كثيراً عندما وقع بصري على رسالة نشرها كاتب إسلامي، وهالني ما اقترفته يداه من تجاوزات بحق النصوص القطعية في الشريعة الإسلامية، محاولاً فيها - بزعمه - بلورة رؤية اجتهادية جديدة، حول مفهوم الثوابت في الإسلام، أقل ما يقال فيها - بنظري- أن هذا الاجتهاد - إن صحت التسمية - صادر من غير أهله، وواقع في غير محله.
حيث حصر الكاتب مفهوم الثوابت في: أصول العقائد، وشعائر العبادات، والقيم الأساسية، كالعدالة، والحرية، ونحوها. ورفض أن تكون من ضمنها: عقوبات التشريع الجنائي، المنصوصة في القرآن، بنصوص قطعية محكمة، والمعروفة في التراث الفقهي الموروث بـ (الحدود)، كحد الزنى، والسرقة، وغيرهما.
في المقابل، شكك في أن تكون فوائد البنوك (الربا) من ثوابت الإسلام، التي أجمع على تحريمها، وعلى أنها من الربا المحرم، المجامع الفقهية، والمؤتمرات الدولية، والإقليمية، كمجمع البحوث الإسلامية، ومجمع الفقه الإسلامي، ومجمع رابطة العالم الإسلامي، والمجمع الأوروبي، ومجمع فقهاء الهند([1]).
وبذلك أخرج أحكاماً قطعية، غير قابلة للاجتهاد، والتغيير، من ثوابت الإسلام، وأتى بنيان الشريعة من قواعدها - علم بذلك، أو لم يعلم- ووضع لبنة خبيثة، في الصرح الذي يريد العلمانيون تشييده على ربوع كوردستان، وأهدى لهم - بشكل مجاني - تحفة سخية، لم يحلموا بها قط.
ومن يدري - يا ترى - لعلَّ الكاتب، أو باحثاً آخر ـ وما أكثرهم!! ـ يباغتنا ـ في المستقبل القريب ـ باجتهاد جديد آخر! ربما المستهدف، هذه المرة، هو التشريعات القطعية المتعلقة بالأحوال الشخصية، من زواج و طلاق و ميراث ونفقات ... إلخ.
 أتوقع أن يقول: هذه الأحكام من التشريعات، التي تنظم الحقوق الشخصية، جاءت متناسبة مع ظروف وملابسات اجتماعية واقتصادية، كانت متدنية جداً في حينها، إلى حد أن المرأة كانت مهضومة الحقوق، منزوعة الكرامة، فكانت تورث كما تورث الأمتعة والأنعام.
 أما في عصرنا، الذي تقدم فيه الإنسان، حتى وصل إلى أعماق البحار، وأقطار السماء، فقد تحررت المرأة من العبودية، وأصبحت تتمتع بحقوق مساوية لحقوق الرجل. فالتشريعات التي تفرق بين الرجل والمرأة، إنما هي إعادة لعقارب الساعة إلى الوراء، وإرجاع للمرأة إلى ما كانت عليه، في سابق عهدها المتخلف، فلا داعي ـ مثلاً ـ لمثل الحديث عن قوامة الرجل في البيت، ووجوب المهر، والنفقة، والتفاضل بين الذكر والأنثى في الميراث.. وغير ذلك من أحكام الأحوال الشخصية!!.
قل لي، بالله عليك: ما الفرق بين من يجرف النصوص القطعية الواردة في الحدود، ويخرجها من الثوابت، وبين من يحرِّف النصوص القطعية في الأحوال الشخصية، ويرى أن العدالة تقتضي المساواة بين الرجل والمرأة، في الحقوق والواجبات، وكذلك الابن والبنت، في الميراث؟!.
وما الفرق بين قطعية قوله تعالى: [يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ]النساء: 11.
وبين قطعية قوله تعالى: [الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ] النور:2. أو قوله تعالى: [وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا] المائدة: 38.
أليس الكل منزَّل من رب العالمين، مسطَّر في كتاب يتلى آناء الليل، وأطراف النهار؟.
وأنا في الحقيقة لا أمزح حينما أقول: لا أستغرب أن يتطور الحال بنا، ويستساغ المُحال فينا، فيأتي باحث ثالث، يجُرُّه اجتهاده إلى تقديم رؤية جديدة، حول قلب الإسلام، وعمقه، المتمثل في أركان الإيمان والإسلام!!.
ألم تقرأ قبل سنوات، ما نشره باحث ذو خلفية إسلامية - أعرفه عن كثب -، في مقال له، في إحدى الجرائد، توصَّل فيه - بزعمه- إلى اجتهاد جديد! مفاده: أن الـتاريخ القديم يثبت لنا: أن الأصل في الأديان البشرية كلها، هو تعدد الآلهة، وأن الإنسان حرٌّ في اختيار الإله الذي يحلو له، وإن التوحيد الذي أتى به الإسلام، إنما جاء لطمس تعدد الآلهة، وسلب هذه الحرية من الإنسان، وفرض إله واحد عليه!!!
وقد حذر قديماً (الإمام الغزلي) من خطورة هذا التحلل، والتشكيك بدائرة القطعيات، وتضييق الخناق على نطاقها، بحجة تقديم اجتهاد جديد، ورؤية مغايرة عما عهدناه، وترعرعنا عليه.
فقد نقل (عبد العزيز البخاري) عن (الغزالي) قوله: لو صار الدليل ظنياً بكل احتمال، لم يبق دليل قطعي، لتطرق الاحتمال إلى جميع (العقليات)، من: دلائل التوحيد، والنبوة، وغيرها([2]).
وهكذا تجرنا الاجتهادات الجديدة، المبتسرة، والمبتورة، إلى سحق الثوابت الإسلامية، وعرضها لرياح تغيرات الزمان والمكان. وبالمقابل: إحلال المتغيرات، والمعطيات، التي أنتجتها الديمقراطية، في العالم الغربي - التي يتم ترويجها وتقديمها على أنها ثوابت لا تتبدل، وقطعيات لا تساورها الظنون، أو على حد تعبير (فوكوياما) أنها نهاية التاريخ - مكان أحكام الشريعة القطعية، وثوابتها.
وهذا ناتج - في نظري - عن قصور التصور لجوهر الإسلام، وعن الانهزام النفسي أمام الحضارة الغالبة، والاستلام لضغط الواقع المنحرف، الذي يعيشه مجتمعنا اليوم، من سيادة القوانين الوضعية الأجنبية، في معظم مجالات الحياة: الجنائية، والاقتصادية، والسياسية، والدولية، وغيرها.
وبذلك تحققت نبؤة النبـي d: (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبّ لاَتَّبَعْتُمُوهُمْ)([3]).
وصدقت حقاً مقولة (ابن خلدون)، إمام علم الاجتماع: المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب([4]).
وإلى الله المشتكى.

1- مفهوم الثابت في اللغة
كلمة (ثابت) ـ وجمعه ثوابت ـ من الثبوت، مصدر: ثبت الشيء، يثبت ثباتاً وثبوتاً، إذا دام واستقر، فهو ثابت.. ويقال: ثبت فلان في المكان، إذا أقام به. وأثبت فلاناً: لازمه، فلا يكاد يفارقه([5]).
وجاء في (معجم المقاييس): الثاء والباء والتاء كلمة واحدة، وهي دوام الشيء. يقال: ثبت ثباتاً وثبوتاً([6]).
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن: الدوام، والاستقرار، والضبط.
ومنه: (الثوابت)، التي يقصد بها الأحكام التي ثبتت واستقرت في الإسلام، فلا تقبل التغيير، والتعديل، والتأويل، مهما طرأت عليها الظروف، وتبدلت الأعراف والأحوال، أو الأزمنة والأمكنة.
2- نصوص الشريعة ثوابت ومتغيرات (محكمات ومتشابهات):
يرى بعض من لم يتعمق في أصول الفقه، وقواعد الاجتهاد، أن مصطلح (الثوابت) من مخترعات الحركات الإسلامية المعاصرة، وليس له وجود عند القدامى.
هذا صحيح من حيث مظهر المصطلح، حيث لا يوجد له أثر عندهم. أما من حيث الجوهر، فهو فهم مغلوط للنصوص، وتحكم في القول، وتجاوز على التراث الموروث، دون روية أو دراية. لأن من يتأمل نصوص الشريعة، ويطالع كتب أصول الفقه، يجد أن القرآن الكريم أشار إلى تقسيم نصوصه إلى (الحجة البالغة - المحكمات)، وإلى (المتشابهات). أو بتعبير العصر: إلى: الثوابت، والمتغيرات.
حيث ذكر القرآن الكريم ذلك في موضعين:
الموضع الأول: قوله تعالى:
[قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ، فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ] الأنعام/149.
وقد ورد في كلام المفسرين ما يدل على أن المراد بالحجة البالغة هنا: الدليل القطعي، بالمعنى الذي سيأتي.
 قال الطبري: ويعني بـ(البالغة): أنها تبلغ مراده، في ثبوتها على من احتج بها عليه، من خلقه، وقطع عذره، إذا انتهت إليه([7]).
وقال (القرطبـي) في تفسير: الحجة البالغة: أي التي تقطع عذر المحجوج، وتزيل الشك عمن نظر فيها([8])
الموضع الثاني: وهو أوضح من سابقه، وهو قوله تعالى: [هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ...]آل عمران:7.
قال (الزمخشري) في تفسيرها: مُحْكَماتٌ: أحكمت عبارتها، بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه. مُتَشابِهاتٌ: محتملات. هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ: أي أصل الكتاب، تُحمل المتشابهات عليها، وتردّ إليها([9])
وعلى المنوال نفسه، نرى الثوابت والمتغيرات، فيما سطرته أقلام الأصوليين، من مختلف المذاهب الإسلامية، في كتبهم، بعبارات متقاربة، ومضامين متماثلة، حينما تحدثوا عن المحكم والمتشابه:
فمثلاً: عرف (الشاشي) المحكم، فقال: وأما المحكم، فهو ما ازداد قوة على المفسر، بحيث لا يجوز خلافه أصلاً([10]).
وقال (إمام الحرمين): المحكم: كل ما علم معناه، وأدرك فحواه([11]).
وقال (الغزالي) في المحكم: المكشوف المعنى، الذي لا يتطرق إليه إشكال واحتمال. والمتشابه: ما تعارض فيه الاحتمال([12]).
وقال (الجصاص): المحكم، الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً([13]).
وقال (الشاطبـي) في المحكم: البيِّن الواضح، الذي لا يفتقر في بيان معناه إلى غيره([14]).
وقال (الأصفهاني): المحكم: المتضح المعنى، بحيث لا يتطرق إليه إشكال، ولا التباس([15]).
فالمحكم: هو الذي اتضح المراد منه بنفسه، من غير حاجة إلى غيره. وهذا يعني أنه واضح المعنى، لا يحتمل إلا معنى واحداً، ويقابله المتشابه.
والذي يطالع كتاباً من كتب أصول الفقه، سواء منها القديمة أو المعاصرة، يجد أنهم بينوا مراتب دلالات الألفاظ، من حيث وضوح الدلالة على المراد منها، أو خفائها. فذكروا أن أعلى مراتبها، من حيث الدلالة على المعنى المراد، هو المحكم، الذي عرفوه بما سبق.
ويتميز المحكم عن باقي الدلالات بأمور عديدة: أنه لا يقبل النسخ، أو الإلغاء، ولا التخصيص، ولا الـتأويل. وحكمه: وجوب العمل بمقتضاه بصورة قطعية، لأن دلالته على الحكم قطعية([16]).
فالمحكمات، أو الثوابت، في الشرع، بمثابة القاعدة التي يرجع إليها المختلفون، عند التنازع والاختلاف والتعارض.
قال (السرخسي): فالمحكم ممتنع من احتمال التأويل والنسخ والتبديل، ولهذا سمى الله تعالى المحكمات: أم الكتاب، أي: الأصل الذي يكون المرجع إليه بمنزلة الأم للولد، فإنه يرجع إليها، وسميت (مكة): أم القرى، لأن الناس يرجعون إليها للحج.. والمرجع ما ليس فيه احتمال التأويل، ولا احتمال النسخ والتبديل، وذلك لا يحتمل السقوط بحال، وإنما يظهر التفاوت في موجب هذه الأسامي عند التعارض، وفائدته ترك الأدنى بالأعلى، وترجيح الأقوى على الأضعف([17]).
فالخلاصة أن المحكم هو الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً، وهو الذي يبين المراد من مدلوله بنفسه، بصورة قطعية.
وبناء على ما سبق، إذا لم يكن ما قاله الأصوليون عن المحكم، بياناً للمعيار الذي به تعرف ثوابت الإسلام، وتأطيراً لنطاقها الذي لا يتوسع، وتحديداً لحماها الذي لا ينكمش أبداً، مهما طرأت عليها الظروف والأحوال، فما الذي يكون؟.
وهل بعد هذا التوضيح، يأتي من يدعي أن الثوابت مصطلح مخترع، أو أنها ليس لها معيار محدد، متفق عليه؟.
3- نصوص الشريعة أكثرها ظنية
نصوص الشريعة وأدلتها ليست كلها قطعيات، ولا جميعها ظنيات، بل تتضمن كلا القسمين. لكن نسبة القطعيات، في الشريعة، التي لا تحتمل إلا معنى واحداً، قليلة، ونطاقها ضيق جداً.
أما النصوص الظنية التي تحتمل أكثر من معنى، وأكثر من رأي واجتهاد، فهي أكثر من أن تعد وتحصى، وهذا ما أكده فقهاء الشريعة، وعلماء الأصول، من القدامى والمحدثين.
فقد حكى (الشاطبـي)، العالم المقاصدي، اتفاق العلماء على أن أدلة الشرع ليست كلها قطعية([18]) وذلك لأن النصوص متناهية، وحوادث الحياة ووقائعها غير متناهية، إذ هي في تطور دائم وتغير مستمر، ويستحيل عقلاً أن يحيط المتناهي والمحصور، بغير المتناهي، وغير المحصور.
 وقد أكد ذلك (إمام الحرمين) في (البرهان)، فقال: معظم الشريعة صدر عن الاجتهاد، والنصوص لا تفي بالعُشر من معشار الشريعة([19]).
في موضع آخر، قال بشكل أوضح وأوسع: نحن نعلم قطعاً أن الوقائع التي جرت فيها فتاوى علماء الصحابة، وأقضيتهم، تزيد على المنصوصات، زيادة لا يحصرها عدٌّ، ولا يحويها حدٌّ. فإنهم كانوا قايسين في قريب من مائة سنة، والوقائع تترى، والنفوس إلى البحث طلعة، وما سكتوا عن واقعة، صائرين إلى أنه لا نص فيها. والآيات والأخبار المشتملة على الأحكام، نصاً وظاهراً، بالإضافة إلى الأقضية والفتاوى، كغرفة من بحر لا ينزف.... ومن أنصف من نفسه، لم يُشكل عليه، إذا نظر في الفتاوى والأقضية، أن تسعة أعشارها صادرة عن الرأي المحض والاستنباط، ولا تعلق لها بالنصوص والظواهر... فأنى تفي الظواهر، ومقتضياتها، بالأحكام، التي طبقت طبق الأرض، والأقضية، التي فاتَتِ الحدَّ والعَدَّ([20]).
وقال (الشاطبـي) أيضاً: لا تجد المسائل المتفق عليها من الشريعة، بالنسبة إلى ما اختلف فيه، إلا القليل. ومعلوم أن المتفق عليه واضح، وأن المختلف فيه غير واضح، لأن مثار الاختلاف إنما هو التشابه الذي يقع في مناطه([21]).
وفي نفس السياق يقول الدكتور (القرضاوي): أكثر هذه النصوص ظني الدلالة، يحتمل أكثر من تفسير، ويقبل أكثر من رأي، سواء في ذلك القرآن والسنة. وإن كانت السنة تختلف عن القرآن، في أن غالبها ظني الثبوت أيضاً، بمعنى أنها أحاديث آحاد([22]).
إذاً، فنطاق المتغيرات في الفتاوى والأحكام الفقهية، الظنية، واسع جداً، وهو يشمل كل الاجتهادات الفقهية السابقة، إضافة إلى منطقة العفو، التي تقبل التغيرات بشكل واضح، حسب الاجتهادات الفقهية([23]).

4- نصوص الشريعة بين القطعية والظنية
اعتماداً على ما أشار اليه القرآن الكريم، من تقسيم النصوص إلى محكمات ومتشابهات، وجرياً على قانون الاستقراء، الذي اعتمد عليه علماء الأصول، تم تقسيم نصوص الشريعة، في الكتاب أو السنة، من حيث القطعية والظنية، إلى أربعة أقسام([24]):
القسم الأول: نصوص قطعية الثبوت والدلالة. وذلك كالحكم الذي يثبت بنص قطعي من حيث الثبوت، كالقرآن، أو السنة المتواترة، وقطعي من حيث الدلالة على معناه.
وذلك مثل عقوبات الجرائم (الحدود) المنصوصة في القرآن الكريم، كقوله تعالى: [الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ] النور:2. أو قوله تعالى: [وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا] المائدة: 38. وقوله تعالى: [كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى] البقرة: 178. وقوله تعالى: [كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ] البقرة:183.
قال الدكتور (القره داغي) في هذا القسم: والمراد به أن يكون النص دالاً على معنى واحد، واضح، ولا يحتمل غيره، مثل: [فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً]([25]).
ويقول أيضاً في تقسيم النصوص: نصوص قطعية الدلالة، بحيث لا تحتمل إلا معنى واحداً، وقطعية الثبوت والوصول...كما هو الحال في القرآن الكريم كله، والسنة النبوية المتواترة (القولية أو الفعلية). فهذه النصوص هي التي تشكل الثوابت المحكمات القواطع، والأسس والمبادئ العامة الكلية، التي لا تختلف بحسب الأعصار والأمصار والأحوال، ولا يجوز أن تختلف فيها الرؤى والاجتهادات، ولا أن تتنوع فيها الآراء والجماعات. وذلك لأن مدارك هذه الأحكام قطعية، ثبوتاً ودلالة، فلا مجال فيها للاجتهاد. وهذا هو المقصود بقول الأصوليين: (لا اجتهاد مع النص)، أي: النص القطعي، أو قصد مخالفة نص شرعي، وإن لم يكن قطعياً([26]).
ويقول الدكتور (الزلمي): القرآن قطعي الثبوت... أما دلالته على الأحكام، فقد تكون قطعية، وقد تكون ظنية. تكون دلالة النص قطعية، إذا لم يحتمل أكثر من حكم (أو: معنى) واحد. ومن أمثلة الدلالات القطعية للآيات القرآنية:
أ- قوله تعالى: [وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ...] النساء/12. فدلالة هذه الآية على أن نصيب الزوج النصف، إذا لم يكن لزوجته فرع وارث، والربع، إذا كان لها فرع وارث... دلالة قطعية، غير قابلة للاجتهاد والتعديل والتبديل، مهما تطورت الحياة، وتغير الزمان والمكان.
ب ـ قوله تعالى: [الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ] النور/2. يدل على أن عقوبة جريمة الزنا - إذا توافرت أركانها وشروطها، وانتفت موانعها: مائة جلدة- قطعية، غير قابلة للاجتهاد والتخفيف والتشديد([27]).
أما الأقسام الثلاثة الأخرى، فهي: نصوص قطعية الدلالة، ظنية الثبوت، أو العكس. أو ظنية الثبوت والدلالة معاً. ولا نفصل في تلك الأقسام، لأننا نقتصر الحديث عن الثوابت والقطعيات، دون المتغيرات والظنيات.
وهذه الأقسام الثلاثة ـ حسب الاستقراء ـ هي التي تشكل الحصة الكبرى من نصوص الشريعة، التي تقبل الاجتهاد والنظر والآراء المختلفة، كما قال (إمام الحرمين) سابقاً، وأكده إمام علم المقاصد (الشاطبـي)، الذي قال: أكثر الأدلة الشرعية ظنية الدلالة، أو المتن والدلالة معاً([28]).
ولا يجوز أن ينكر شخص، أو جهة، على من اجتهد فيها، إذا كان متمكناً من أدوات الاجتهاد، لأن هذه النصوص تندرج في إطار المتغيرات، التي تخضع لتجديد الفهم لها، تبعاً لتطورات الحياة، ومستجداتها، وتغير الوقائع، وملابساتها.
5- لا اجتهاد مع النص القطعي
يتبين مما سبق، أن القسم الأول من النصوص لا يقبل أبداً الاجتهاد والنزاع الذي يؤدي إلى فهمٍ وحكمٍ غير الذي نطق به النص الشرعي، وهو الذي يجب العمل بمقتضاه، من غير تأويل ولا تعديل ولا نسخ أو إلغاء، مهما تطورت الظروف، وتغيرت الأحوال.
ودور الاجتهاد والعقل هنا محصور في الفهم، وفي بيان الأركان والشروط المطلوبة للتطبيق، ونحو ذلك، وهذا ما يسمى بالاجتهاد لأجل فهم النص وتنزيله على الوقائع. وهذا ـ أي القسم الأول ـ هو المقصود بقول الفقهاء: (لا اجتهاد مع النص)، أي: لا يجوز الاجتهاد مع وجود نص قطعي الدلالة والثبوت، حيث لا يجوز البحث عن خلافِ مؤداه ومحتواه، كما هو الحال في النصوص الدالة على الأركان الخمسة، والحدود، والثوابت، في العقيدة، والفروع([29]).
وهذا الفهم لطبيعة النصوص من أبجديات علم أصول الفقه وقواعد الاجتهاد، التي لا ينكرها إلا الجاهلون لطبيعة الشريعة، والمتجرئون على تجاوز الخطوط الحمر. وذلك شأن المنهزمين نفسياً، والمنبهرين عقلياً، أمام منجزات الحضارة الغربية، الآخذين بحلوها ومرّها، وصالحها وطالحها، وصحيحها وسقيمها، وعجرها وبجرها!!.
وفيما يأتي نشير إلى كلام الأئمة من فقهاء الإسلام، وعلماء أصول الفقه، الذين أجمعوا على حظر الاجتهاد مع وجود نص قطعي الدلالة والثبوت.
قال الإمام (الشافعي) - وهو أول من دون في علم أصول الفقه - :كل ما أقام الله به الحجة في كتابه، أو على لسان نبيه، منصوصاً بيناً: لم يحل الاختلاف فيه لمن علمه. وما كان من ذلك يحتمل التأويل، ويُدرك قياساً، فذهب المتأول، أو القايس، إلى معنى يحتمله الخبر، أو القياس، وإن خالفه فيه غيره: لم أقل أنه يُضَيَّق عليه ضِيقَ الخلاف في المنصوص([30]).
وقال في موضع آخر عن القطعيات، وعن ما علم من الدين بالضرورة، فقال: وهذا الصِّنْف كلُّه مِن العلم، موجود نَصًّا في كتاب الله، وموْجوداً عامًّا عنْد أهلِ الإسلام، ينقله عَوَامُّهم عن مَن مضى من عوامِّهم، يَحْكونه عن رسول الله، ولا يتنازعون في حكايته، ولا وجوبه عليهم. وهذا العلم العام، الذي لا يمكن فيه الغلط مِن الخبر، ولا التأويلُ، ولا يجوز فيه التنازعُ([31]).
وعبّر الإمام (الغزالي) عن ذلك بأوضح عبارة، فقال: المجتَهَد فيه: كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي... وإنما نعني بالمجتَهَد فيه، ما لا يكون المخطئ فيه آثماً. ووجوب الصلوات الخمس، والزكوات، وما اتفقت عليه الأمة، من جليات الشرع، فيها أدلة قطعية يأثم فيها المخالف، فليس ذلك محل الاجتهاد([32]).
وتبعه في نفس المعنى والعبارة - تقريباً- الإمام (الزركشي) فقال: المجتهد فيه، وهو كل حكم شرعي عملي، أو علمي، يقصد به العلم، ليس فيه دليل قطعي([33]).
وكذلك المفسر والأصولي والفيلسوف الإمام (الرازي)، الذي قال: المجتَهََد فيه: هو كل حكم شرعي ليس فيه دليل قاطع... واحترزنا بقولنا: ليس فيه دليل قاطع، عن وجوب الصلوات الخمس، والزكوات، وما اتفقت عليه الأمة من جليات الشرع([34]).
وكذلك الفقيه والأصولي الإمام (الآمدي)، قال: وأما ما فيه الاجتهاد، فما كان من الأحكام الشرعية دليله ظني - أي ما عدا القسم الأول -. قولنا: "دليله ظني"، تمييز له عما كان دليله منها قطعياً، كالعبادات الخمس، ونحوها، فإنها ليست محلاً للاجتهاد فيها، لأن المخطئ فيها يعد آثما. والمسائل الاجتهادية ما لا يعد المخطئ فيها باجتهاده آثماً([35]).
وأيضاً العالم الحنبلي المشهور (أبو الحسن المرداوي)، الذي قال: لا اجتهاد في القطعيات([36]).
وأكده أيضاً الفقيه الحنبلي (ابن حمدان)، فقال: كل حكم يثبت بدليل ظني، فهو اجتهادي، إذ لا اجتهاد مع القطع،([37]) أي مع الدليل القطعي.
وهذا النوع من الدليل القطعي من الجانبين، في النصوص، هو الذي سماه (ابن تيمية) بالشرع المنزل، وهو ما شرعه الله ورسوله من الأقوال والأعمال، مما ليس للاجتهاد فيه مجال([38]).
قال (ابن تيمية): لفظ الشرع يقال في عرف الناس، على ثلاثة معان:
الأول:الشرع المنزل: وهو ما جاء به الرسول. وهذا يجب اتباعه، ومن خالفه وجبت عقوبته.
والثاني: الشرع المؤول: وهو آراء العلماء المجتهدين فيها، كمذهب مالك، ونحوه. فهذا يسوغ اتباعه، ولا يجب، ولا يحرم، وليس لأحد أن يلزم عموم الناس به، ولا يمنع عموم الناس منه.
 والثالث: الشرع المبدل: وهو الكذب على الله ورسوله d، أو على الناس، بشهادات الزور، ونحوها، والظلم البين. فمن قال إن هذا من شرع الله، فقد كفر بلا نزاع([39]).
وتبعه في ذلك تلميذه (ابن القيم)، فقال: إن ألفاظ القرآن والسنة ثلاثة أقسام:
1ـ نصوص لا تحتمل إلا معنى واحداً.
 2ـ وظواهر تحتمل غير معناها، احتمالاً بعيدا مرجوحاً.
 3- وألفاظ تحتاج إلى بيان، فهي بدون البيان عرضة الاحتمال.
فأما القسم الأول، فهو يفيد اليقين بمدلوله، قطعاً، كقوله تعالى: [فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً]العنكبوت/14. فلفظ الألف لا يحتمل غير مسماه، وكذلك لفظ الخمسين ... وقوله: [فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين]المجادلة/4. .. وقوله: [يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا]([40]).
وأظن فيما سقته من كلام أئمة الفقه، وأصوله، كفاية لمن احترم تخصصه، وشخصيته، وتواضع لمن هم أعلم منه، وأدرى، بجوهر الشريعة، ومقاصدها، وأسرارها. وإلا فلو أردتُ سرد ما في كتبهم في بيان هذا الجانب، لما اتسع المجال لذلك. ثم إن من يريد أن يعاند ويكابر، لو تنزلت عليه الآيات المبينات تترى، لما اقتنع بالحق، ولا استسلم للصواب.

6- الاجتهاد المقبول والمرفوض
لا شك أن الاجتهاد في الشريعة قسمان: مقبول ومرفوض. وقد بين ذلك الإمام (الشاطبـي) في (الموافقات)، فقال: الاجتهاد الواقع في الشريعة، ضربان:
أحدهما: الاجتهاد المعتبر شرعاً، وهو الصادر عن أهله، الذين اضطلعوا بمعرفة ما يفتقر إليه الاجتهاد. والثاني: غير المعتبر، وهو الصادر عمن ليس بعارف بما يفتقر الاجتهاد إليه..([41]).
والاجتهاد المقبول، أو المعتبر، في الشرع، يمكِّن صاحبَه من الحصول على أجرين، إذا أصاب: أجر الاجتهاد، وأجر الإصابة. أو على أجر واحد ـ أجر الاجتهاد ـ إذا أخطأ. وفي كلا الحالين، هو مأجور غير مأزور.
وهو ما بينه رسول الله d، في الحديث الذي رواه (الشيخان)، من حديث عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ d قَالَ (إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ)([42]).
لكن هذا الثواب، أو الأجر، لا يستحقه إلا من كان اجتهاده مقبولاً ومعتبراً شرعاً، ولا يكون ذلك إلا لمن توافر فيه شرطان:
الشرط الأول: أن يكون الشخص متمكناً من أدوات الاجتهاد، وشروطه، التي بينتها كتب أصول الفقه.([43])
فليس الاجتهاد أمراً سهلاً، ولا ميداناً متاحاً، حتى يرتاض فيه كل أحد. فلو مارس الاجتهاد من لم يستكمل أدواته، فقد أخطأ، وأثم، ولو أصاب، لأنه اقتحم مقاماً ليس له، واغتصب حقاً لغيره.
الشرط الثاني: أن يكون الاجتهاد فيما يجوز فيه الاجتهاد، وهو النصوص الظنية، غير المجمع عليها. أما النصوص القطعية، أو الظنية المجمع عليها، فلا تقبل الاجتهاد.
وقد لخص الأصوليون هذين الشرطين بعبارة موجزة معبرة، فقالوا: الاجتهاد المقبول هو: الاجتهاد الصادر من أهله، الواقع في محله.
وعلى ذلك، فإذا انعدم هذا الشرطان، أو أحدهما، في أية عملية اجتهادية، ردّ الاجتهاد، وما نتج عنه من معطيات، على صاحبه. بل لا يمكن أبداً ـ في نظري ـ أن نسمي تلك المحاولة اجتهاداً، إلا على سبيل المجاز والاستعارة، أو التهكم والاستهزاء.
وإذا توفر الشرطان، كانت عملية الاجتهاد، ومعطياته، مقبولة شرعاً، وصاحبه غير محروم من الأجر، أو الأجرين.
قال الإمام (الغزالي): والإثم ينتفي عن كل من جمع صفات المجتهدين، إذا تمم الاجتهاد في محله، فكل اجتهاد تام، إذا صدر من أهله، وصادف محله، فثمرته حق وصواب([44]).
ثم في موضع آخر، حصر الأمور التي يسند الخطأ إلى من يدعى الاجتهاد، وإن كان صائباً، في أربعة أمور، فقال: أن يصدر الاجتهاد من غير أهله، أو لا يستتم المجتهد نظره، أو يضعه في غير محله، بل في موضع فيه دليل قاطع، أو يخالف في اجتهاده دليلاً قاطعاً... وإنما ينتفي الخطأ، متى صدر الاجتهاد من أهله، وتم في نفسه، ووضع في محله، ولم يقع مخالفاً لدليل قاطع([45]).
وسار على نفس النمط (الشاطبـي)، فقال: فمن الأقوال ما يكون خلافاً لدليل قطعي، من نص متواتر، أو إجماع قطعي في حكم كلي. ومنها ما يكون خلافاً لدليل ظني - والأدلة الظنية متفاوتة: كأخبار الآحاد والقياس الجزئية- فأما المخالف للقطعي، فلا إشكال في اطراحه([46]).
أما الاجتهاد المرفوض، فهو: الاجتهاد الذي صدر ممن ادعاه، وهو غير متأهل له، أو الاجتهاد الذي صدر من أهله، لكنه وقع في مقابل دليل قطعي، لا يحتمل إلا معنى واحداً.
وبناء على ذلك، فإن صاحب الاجتهاد غير المقبول، قد ارتكب أمراً محرماً، ويتحمل هو إثمه و وزره. لأن ذلك ليس اجتهاداً، بالمعنى الحقيقي لمفهومه. وإنما حقيقته - كما قال الشاطبـي- رأيٌ بمجرد التشهي والأغراض، وخبط في عماية، واتباع للهوى. فكل رأي صدر على هذا الوجه، فلا مرية في عدم اعتباره، لأنه ضد الحق الذي أنزل الله، كما قال تعالى: [وأن احكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم]المائدة/ 49([47]).
وصرح بذلك الإمام (الغزالي)، فقال: لا تأثيم في محل الاجتهاد، ومن خالف الدليل القطعي، فهو آثم([48]).
وقال في موضع آخر: والمخطئ في القطعيات آثم....فالقطعية منها ـ أي قطعيات الفقه ـ وجوب الصلوات الخمس، والزكاة، والحج، والصوم، وتحريم الزنا، والقتل، والسرقة، والشرب، وكل ما علم قطعاً من دين الله، فالحق فيها واحد، وهو المعلوم، والمخالف فيها آثم.
وتبعه الأصولي الحنفي الإمام (عبد العزير البخاري)، بقوله: ومخالفة الدليل القطعي حرام، والدعوة إليه واجبة، كالدعوة إلى العمل بالكتاب والسنة والإجماع([49]).
ثم نضيف إلى ذلك، أن الأدلة القطعية في الشريعة، ليست خافية على من يريد أن يقف عليها، من أهل العلم، بل هي واضحة وضوح الشمس، حسب المعيار الذي وضعه علماء أصول الفقه، وسبق أن نقلناه عنهم.
وهذا ما صرح به الفقيه والفيلسوف الإمام (ابن رشد)، فقال: فإن الدليل القطعي قلما يخفى على أحد، ممن بلغ رتبة الاجتهاد، وإنما يتصور خفاؤه، لهوى، أو هوادة، أو لشيء على خلافه، أو غير ذلك من العوارض النفسية. ولهذا مراتب، بحسب مراتب الأدلة، ولذلك يكفر في بعضها، ويؤثم في بعض. ومدرك هذا التفاوت: الشرع([50]).
وبما أن النص القطعي يفيد، بعبارته نفسها، العلم واليقين، بمدلوه ومغزاه، من غير حاجة إلى غيرها - كما يقول علماء الأصول -، فإنه في النتيجة لا يقبل أبداً الانحراف بمفهومه، عما دل عليه منطوقه، بأي شكل من الأشكال، كالتأويل والتعديل والتخصيص والنسخ والإلغاء، ونحو ذلك.
قال الإمام (السبكي): الدليل القطعي: ما يفيد العلم اليقيني([51]).
وقال في موضع آخر: الدليل القطعي لا يحتمل الصرف عما دلّ عليه، بوجه من الوجوه، لا بالتخصيص، ولا بالتأويل([52]).
والسبب الذي يدفع من يحاول الاجتهاد من غير أدوات، أو في مقابل القطعيات، هو: الهوى، وشهوة الشهرة، وحب الظهور، والإعجاب بمصطلحات التجديد والابتكار، والانبهار بمعطيات حضارة العصر.
وفي هذا السياق يقول الإمام (الشاطبـي): أن يُعتَقَد في صاحبه - أي صاحب الاجتهاد-، أو يعتقد هو في نفسه، أنه من أهل الاجتهاد، وأن قوله معتد به. وتكون مخالفته تارة في جزئي، وهو أخف، وتارة في كلي من كليات الشريعة، وأصولها العامة، كانت من أصول الاعتقادات، أو الأعمال. فتراه آخذاً ببعض جزئياتها، في هدم كلياتها، حتى يصير منها إلى ما ظهر له، ببادئ رأيه، من غير إحاطة بمعانيها، ولا راجع رجوع الافتقار إليها، ولا مسلم لما روي عنهم في فهمها، ولا راجع إلى الله ورسوله في أمرها، كما قال تعالى: [فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول]النساء/59. ويكون الحامل على ذلك، بعض الأهواء الكامنة في النفوس، الحاملة على ترك الاهتداء بالدليل الواضح، واطراح النصفة ـ الإنصاف ـ، والاعتراف بالعجز، فيما لم يصل إليه علم الناظر. ويعين على هذا، الجهل بمقاصد الشريعة، وتوهم بلوغ درجة الاجتهاد، باستعجال نتيجة الطلب. فإن العاقل قلما يخاطر بنفسه في اقتحام المهالك، مع العلم بأنه مخاطر([53]).

7- أنواع الثوابت أو القطعيات في الإسلام
ومما سبق عرضه، وكذلك مما سيأتي من كلام أهل العلم، من القدامى والمحدثين، يتبين لنا أن ثوابت الإسلام تنقسم إلى ثلاثة أقسام، أو ثلاثة منظومات:
المنظومة الأولى: الأحكام التي وردت فيها نصوص قطعية، لا تحتمل إلا معنى واحداً، ولا تقبل الجدل والنقاش.
وموارد هذه الأحكام، هي نصوص القرآن الكريم، والسنة المتواترة، التي لا تدل إلا معنى واحداً، وهو ما حمله النص القطعي، وأوضحه.
وهذه المنظومة تتسع لعدة مجموعات متنوعة:
1ـ مجموعة أصول العقائد، وشعائر العبادات، التي تسمى بأركان الإيمان والإسلام، وما يتعلق بهما، مما ورد به نص قطعي محكم. كالإيمان بالله، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر.. وكذلك وجوب الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وغير ذلك.
2ـ مجموعة أمهات الفضائل والقيم والأخلاق، التي أجمعت عليها الشرائع السماوية، والتجمعات البشرية، ولا يختلف عليها عقلان مستويان. وذلك، كإقامة العدل والحرية والكرامة، ومنع الظلم والبغي والإكراه والإهانة، وأمثالها، التي وردت فيها عشرات النصوص القطعية الثابتة.
3ـ مجموعة المبادئ والقواعد، التي وردت بشأنها عشرات النصوص، وتنضوي تحتها ما لا يحصى من الجزئيات. كمبدأ الشورى في اختيار الحاكم، ومبدأ توزيع الثروة، وعدم تداولها في أيدي قليلة، ومبدأ لا ضرر ولا ضرار، ومبدأ رفع الحرج، ومبدأ الضرورات تبيح المحظورات، وغير ذلك من المبادئ والقواعد، التي تستنبط منها مئات الفروع والجزئيات.
4- مجموعة التشريعات التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال والأشخاص، وجاءت فيها نصوص شرعية قطعية محكمة. وذلك كالأحكام المتعلقة بالأحوال الشخصية، كتحريم المحرمات من النساء، المنصوص عليها في القرآن الكريم، أو أنصبة المواريث المحددة، أو الاحكام المتعلقة بالتشريع الجنائي الإسلامي، كعقوبات الجرائم، التي نص القرآن عليها، والمعروفة في الفقه الإسلامي بـ(الحدود): كحد الزنى (مائة جلدة)، أو حد السرقة (قطع اليد)، أو حد القذف (ثمانين جلدة). ومصطلح الحدّ هو: العقوبة المحددة شرعاً.
وفي سياق الحديث عن المنظومة الأولى، يقول العلامة (يوسف القرضاوي): منطقة لا يدخلها الاجتهاد بتغيير أو تعديل أو ترجيح أو تضعيف، وتلك منطقة (القطعيات)، التي يثبت الحكم فيها بنصوص قطعية في ثبوتها - أي بقرآن، أو سنة متواترة-، قطعية في دلالتها، بحيث لا يختلف فقيهان في فهمها، وذلك كفرضية الأركان الخمسة، من: الصلاة والزكاة والصوم والحج، وتحريم الزنى، والخمر، والربا، وتحريم الزواج من الأمهات والأخوات... وكون الذكر له حظ الأنثيين...وكون الزوجة لها الربع من ميراث زوجها، إن لم يكن له ولد، ولها الثمن إن كان له ولد. ونحو ذلك من الأحكام القطعية، التي جاءت بها محكمات النصوص، وأجمعت عليها الأمة، وتلقتها بالقبول جيلاً إثر جيل.. فلا يجوز أن يوضع شيء من هذه الأمور القطعية موضع الجدل والنقاش([54]).
ووافقه الدكتور (علي القره داغي)، في حقيبته الاقتصادية، فقال: فهذه النصوص هي التي تشكل الثوابت المحكمات القواطع، والأسس والمبادئ العامة الكلية، التي لا تختلف بحسب الأعصار والأمصار والأحوال، ولا يجوز أن تختلف فيها الرؤى والاجتهادات، ولا أن تتنوع فيها الآراء والجماعات. وذلك لأن مدارك هذه الأحكام قطعية، ثبوتاً ودلالة، فلا مجال فيها للاجتهاد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
 وهذا هو المقصود بقول الأصوليين: (لا اجتهاد مع النص)، أي: النص القطعي، أو قصد مخالفة نص شرعي، وإن لم يكن قطعياً. ويدخل في هذه الثوابت: النصوص القواطع، والكليات العامة، والمبادئ العامة: مبادئ العدل والإحسان والرحمة، وكرامة الإنسان، ومبدأ الحرية، وتحريم القتل بدون حق، وأكل أموال الناس بالباطل، والاعتداء على الأعراض، ونحوها...([55]).
المنظومة الثانية: الأحكام المأخوذة من الأدلة الظنية، كأحاديث الآحاد، لكن أجمعت عليه الأمة: (الإجماع الصحيح الأصولي)، حيث أصبح الحكم الظني، حكماً قطعياً من الثوابت، لأن الإجماع نقله من دائرة القسم الثاني، إلى نطاق القسم الأول (أي القطعيات)، مثل: الإجماع على أن (الجدة) لها السدس، الثابت بحديث الآحاد. وكذلك: الإجماع على تحريم الجمع بين المرأة مع عمتها، أو مع خالتها، الثابت – أيضاً-بحديث الآحاد.
ولكن الإجماع القائم على العرف، أو المصالح، ليس من الثوابت، من حيث المبدأ، بل يمكن تغييره باجتهادات معتبرة، تضاهيه، أو تتفوق عليه([56]).
وفي هذا الصدد قال الإمام (أبو العز) شارح الطحاوية: وخبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول، عملاً به، وتصديقاً له، يفيد العلم اليقيني عند جماهير الأمة، وهو أحد قسمي المتواتر. ولم يكن بين سلف الأمة في ذلك نزاع، كخبر (عمر بن الخطاب) (رض): (إنما الأعمال بالنيات).. وخبر (أبي هريرة): (لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها)، وكقوله: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)، وأمثال ذلك([57]).
وسبقه فيما قال (أبو العز)، (ابن تيمية)، حيث قال: وخبر الواحد، المتلقى بالقبول، يوجب العلم عند جمهور العلماء.. فإنه - وإن كان في نفسه لا يفيد إلا الظن- لكن لما اقترن به إجماع أهل العلم بالحديث، على تلقيه بالتصديق، كان بمنزلة إجماع أهل العلم بالفقه، على حكم، مستندين في ذلك إلى ظاهر، أو قياس، أو خبر واحد، فإن ذلك الحكم يصير قطعياً..([58]).
ويقول الدكتور (صلاح الصاوي)، في حديثه عن الثوابت: وخلاصته النص الصريح الذي لا معارض له، أو الإجماع الصريح الذي لا منازعة في ثبوته، إلا منازعة تعود من قبيل الزلة، أو الفلة، التي لا يعتد بها، ولا يعول عليها([59]).
وأكدَّ هذا النوع من الثوابت الدكتور (مصطفى الزلمي)، فقال: فائدة الإجماع في حالة كون السند نصاً، هي أن النص يصبح، بواسطة الإجماع، دليلاً قطعياً على حكمه، وإن كان ظني الدلالة، أو ظني الثبوت، في أصله.([60])
ولهذا كان بعض العلماء يقول: إجماعهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة([61]).
وجعل الإمام (السيوطي) ذلك، قاعدة عامة من قواعد الفقه الكلية، فقال:(القاعدة الخامسة والثلاثون: لا يُنكَر المختلف فيه، وإنما ينكر المجمع عليه)([62]).
المنظومة الثالثة: إن بعض الأحكام تتوارد عليها مجموعة من الأدلة الظنية، وتلقتها الأمة الإسلامية بالقبول. فهذه الأحكام أيضاً بمثابة المجمع عليها، التي لا يجوز مخالفتها. فهذه الأدلة في مفرداتها ظنية، ولكن في مجموعها، ومعاضدة بعضها لبعض، وتلقي الأمة لها بالقبول، تصبح قطعية، أو بمثابة القطعية، فلا يجوز مخالفتها([63]).

8- أهمية الثوابت أو القطعيات في الإسلام
وهذه الثوابت، أو القطعيات، هي بمثابة الحجر الاساس للإسلام، التي تبنى عليها الفروع والجزئيات، وتدور حولها المتغيرات، والمستجدات، التي تطرأ على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وغيرها.
 كما أنها بمثابة قطب الرحى، والقواسم المشتركة، التي يجب أن تلتف حولها الأمة الإسلامية، بمختلف مذاهبها وطرائقها.
يقول الدكتور (القرضاوي)، في أهمية الثوابث: الثابت في الدِّين: العقائد، والشعائر العبادية، والقيم، والفضائل، والأحكام القطعية، التي عليها تجتمع الأمة، وتتجسد فيها وحدتها العقدية والفكرية والشعورية والعملية، وهي تمثل ثوابت الأمة، التي لا يجوز اختراقها، ولا تجاوزها. وربما كانت هي قليلة جداً، ولكنها مهمة جداً. أما معظم أحكام الشريعة، فهي ظنية، وهي قابلة للاجتهاد والتجديد واختلاف الآراء، وفيها يتغير الاجتهاد، وتتغير الفتوى، بتغير الزمان والمكان والعرف والحال([64]).
وكذلك، فإن الثوابت هي بمثابة الحصن الحصين، الذي يحمى الأمة الإسلامية من الانصهار والذوبان في بوتقة الحضارة الغالبة، التي تجاول جاهدة النيل من كيانها الذاتي، واستقلالها العقدي والفكري، وتميزها التشريعي والقانوني.
وكما أن الإنسان في كل العصور، له ثوابته - بدون شك - ويتطور من خلال المتغيرات، وهو كائن تحميه الثوابت، من الانصهار في بوتقة الانحلال، وتحفظه من الانهيار والضعف والانكسار.
كذلك الشريعة، التي أنزلها اللطيف الخبير بهدايته، فيها الثوابت التي لا تتغير. فقد أودع الله تعالى في شريعته عناصر الثبات والخلود، وعناصر التطور والمرونة والسعة معاً: فهي الثبات، من حيث المصادر الأصلية النصية القطعية، وهي المرونة والتطور، من خلال الاجتهاد ومصادره. وهي الثبات، من حيث المقاصد والأهداف والغايات، وهي المرونة، من حيث الوسائل والآلات والأساليب. وهي الثبات، من حيث الأصول والكليات والقواعد العامة، وهي المرونة والتطور، من حيث الفروع والجزئيات. وهي الثبات، من حيث القيم الدينية والأخلاقية، وهي المرونة والتطور، من حيث الشؤون الدنيوية والعلمية([65]).
وبهذا المزية الجامعة بين الثبات والمرونة والتطور، يستطيع المجتمع المسلم أن يعيش ويستمر ويرتقي، ثابتاً على أصوله وقيمه وغاياته، متطوراً في معارفه وأساليبه وأدواته. فبالثبات يستعصي المجتمع المسلم على عوامل الانهيار والفناء والذوبان في المجتمعات الأخرى... وبالمرونة يستطيع هذا المجتمع أن يكيّف نفسه، وعلاقته، حسب تغير الزمن..([66]).
وأيضاً، فإن الشريعة الإسلامية إنما كتب لها الخلود والبقاء والديمومة - على تطور الإنسان، وتجدّد الأزمان، وتبدل الأحوال - لأنها تتضمن الثوابت والمتغيرات، القطعيات والظنيات، ولم تُصَغ نصوصها وأحكامها كلها على وتيرة واحدة، بأن تكون كلها قطعيات وثوابت، أو كلها ظنيات ومتغيرات.
وقد ذكر الدكتور (مصطفى الزلمي) شروط الأحكام العملية الجزئية، التي توصف بالخلود، فقال:
أولها: أن ترد بدليل قطعي الثبوت، كالكتاب الكريم، والسنة المتواترة.
ثانيها: أن ترد بدليل قطعي الدلالة، أي: لا يحتمل النص، الذي ورد فيه الحكم، إلا معنى واحداً محدداً.
ثالثها: أن ترد بتفصيل دقيق، وليس إجمالياً.
وقد تناول كتاب الله، وسنة رسوله، العبادات، وكثيراً من مسائل الأحوال الشخصية، وبعض الجرائم، وعقوباتها، بتفصيل دقيق، يستعصي على التغيير، بحيث ينبغي وصف أحكامها بالثبات المطلق، لأنها تستند إلى أصل تشريعي قطعي الثبوت([67]).

9- الحكمة من وجود الثوابت والمتغيرات (القطعيات والظنيات)
وهذا من حكمة الله تعالى البالغة، فلو شاء - جلّت قدرته - أن يجعل كتابه كله نصوصاً قطعية محكمة، لا تحتمل إلا معنى وحكماً واحداً، لفعله سهلاً ميسوراً. كما لو أراد أن يجعله جميعه نصوصاً ظنية تحتمل أكثر من معنى، لكان قادراً عليه، بلا ريب.
لكنه سبحانه وتعالى - رحمة بعباده - جعل نصوص الشريعة قسمين:
بعضها نصوص قطعية محكمة، حتى لا ينفرط عِقد الشريعة، وتنهشها الأهواء والآراء المختلفة.
وغالبها: نصوص ظنية، حتى تتفاعل معها عقول المجتهدين، مستكشفة الأحكام التي تلبـّي مصالح الخلق، وتراعي مقاصد الخالق، ومستلهمة - في الوقت ذاته- الرشد والبصيرة، من الثوابت والقطعيات الموجودة، حتى يرفع الحرج والمشقة عن الأمة، وتسير عملية الاجتهاد على خطى ثابتة، وعلى علم ودراية.
وفي هذا الصدد، يقول الإمام (الشاطبـي): فإن الله تعالى حكم بحكمته، أن تكون فروع هذه الملة قابلة للأنظار، ومجالاً للظنون. وقد ثبت عند النظار أن النظريات لا يمكن الاتفاق فيها عادة، فالظنيات عريقة في إمكان الاختلاف، لكن في الفروع دون الأصول، وفي الجزئيات دون الكليات، فلذلك لا يضر هذا الاختلاف([68]).
 وفي نفس المضمون تقريباً، وإن اختلفت العبارة، قال الإمام (الزركشي): اعلم أن الله تعالى لم ينصب على جميع الأحكام الشرعية أدلة قاطعة، بل جعلها ظنية، قصداً للتوسيع على المكلفين، لئلا ينحصروا في مذهب واحد، لقيام الدليل – أي: القاطع - عليه([69]).
وفيما يأتي صورة تقريبية للنصوص العامة، والمبادئ والقواعد العامة، ومقاصد الشريعة، والنصوص الظنية([70]).
 وبهذا الفكر المتوازن، والرؤية الوسطية - بعيداً عن التشديد، المتمثل في توسيع دائرة الثوابت، بحجة الحفاظ على الإسلام، وتجنباً عن التسيب المتمثل في تضييق نطاق الثوابت بل، وتجريفها - نستطيع صون الشريعة الإسلامية من معاول الهدم الثلاثة: (تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين)، ونتمكن من إقناع الناس - حكاماً ومحكومين- بأن الشريعة صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان. وبالتالي نحاول - تدريجاً - التحرر من ضغط الواقع المحرف، الذي فرض على مجتمعاتنا من غير إرادتها، ومحاصرة القوانين الوضعية، المخالفة لثوابت الشريعة الإسلامية، إلى أن يتم طردها من منظومة القوانين التشريعية للبلادq

الهوامش:






([1])يراجع: فوائد البنوك هي الربا المحرم للقرضاوي (ص137 وما بعدها).
([2])كشف الأسرار شرح أصول البزدوي (3/ 160).
([3])صحيح البخاري(3/ 1274) صحيح مسلم (8/ 57).
([4])مقدمة ابن خلدون (ص73).
([5])المصباح المنير في غريب الشرح الكبير (1/ 80) لسان العرب (2/ 19).
([6])مقاييس اللغة (1/ 399).
([7])تفسير الطبري (12/ 212).
([8])تفسيرالقرطبـي (7/ 128).
([9])تفسير الزمخشري (1/ 337ـ 338).
([10])أصول الشاشي (ص80).
([11])البرهان في أصول الفقه (1/ 155).
([12])المستصفى (ص85).
([13])الفصول في الأصول (1/ 377).
([14])الموافقات (3/ 309).
([15])بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب (1/474).
([16])ينظر على سبيل المثال: أصول السرخسي (1/165) كشف الأسرار للبخاري (2/ 34)أصول الفقه للزلمي (ص432ـ433).
([17])أصول السرخسي (1/ 165ـ166).
([18])الموافقات (2/ 80).
([19])البرهان في أصول الفقه (2/ 37).
([20])البرهان في أصول الفقه (2/ 13ـ15).
([21])الموافقات (3/ 305).
([22]) شريعة الإسلام صالح للتطبيق في كل زمان ومكان (ص105).
([23])الحقيبة الاقتصاية للقره داغي (1/27).
([24])كشف الأسرار شرح أصول البزدوي (1/ 84) أصول الفقه للزلمي (ص437) الحقيبة الاقتصاية للقره داغي (1/19).
([25])الحقيبة الاقتصاية للقره داغي (1/49).
([26])الحقيبة الاقتصاية (1/19).
([27])أصول الفقه للزلمي (ص33ـ24).
([28])الموافقات (2/ 80).
([29])الحقيبة الاقتصاية للقره داغي(1/49ـ50):
([30])الرسالة للشافعي (1/ 560).
([31])الرسالة للشافعي (1/ 358).
([32])المستصفى (ص: 345).
([33])البحرالمحيط في أصول الفقه (8/ 265).
([34])المحصول للرازي (6/ 27).
([35])الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (4/ 164).
([36])التحبير شرح التحرير (8/ 3866).
([37])صفة الفتوى (ص53).
([38])الثوابت والمتغيرات للصاوي:(ص31).
([39])مجموع الفتاوى (3/ 268).
([40])الصواعق المرسلة لابن القيم (2/ 670).
([41])الموافقات (5/ 131).
([42])صحيح البخاري (ص3662) صحيح مسلم (5/ 131).
([43])يراجع: البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي (8/ 229وما بعدها) الموافقات (5/ 41 وما بعدها).
([44])المستصفى (ص: 347).
([45])المستصفى (ص: 361).
([46])الموافقات (5/ 139).
([47])الموافقات (5/ 131).
([48])الصواعق المرسلة لابن القيم (2/ 670).
([49])كشف الأسرار شرح أصول البزدوي (3/ 221).
([50]) الضروري في أصول الفقه (ص: 141ـ142)
([51])الإبهاج في شرح المنهاج (3/ 210).
([52])الإبهاج في شرح المنهاج (2/ 325).
([53])الموافقات (5/ 142ـ 143).
([54]) شريعة الإسلام للقرضاوي (ص105ـ106).
([55])الحقيبة الاقتصادية (1/19).
([56])الحقيبة الاقتصادية (1/21) بتصرف.
([57])شرح الطحاوية (ص: 341ـ342).
([58])مجموع الفتاوى (18/ 41).
([59]) الثوابت والمتغيرات للصاوي (ص31ـ32).
([60])أصول الفقه للزلمي:(ص68).
([61])مجموع الفتاوى (30/ 80).
([62])الأشباه والنظائر للسيوطي (ص158).
([63])الحقيبة الاقتصادية (1/21).
([64])الدِّين والسياسة للقرضاوي (ص106).
([65])الحقيبة الاقتصادية للقره داغي (1/48).
([66])مدخل لدراسة الشريعة الإسلامية للقرضاوي (ص245).
([67]) مدخل لدراسة الشريعة للزلمي والبكري (ص48).
([68])الاعتصام للشاطبـي(2/ 168).
([69])البحرالمحيط في أصول الفقه (8/ 119).
([70])الحقيبة الاقتصادية للقر ه داغي (1/42).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق