الخميس، 9 يناير 2020

آخر الكلام/ الجري وراء أوهام السياسة!


محمد واني
عندما تريد أن تدخل فيلاً في قمقم صغير، فلن تستطيع مهما حاولت، لأن حجم الفيل أكبر بكثير من حجم القارورة، ولأن التفكير بهذا الشكل السقيم – أصلاً - ضرب من العبث، وجنون يتناقض مع طبيعة الأشياء. وهذا بالضبط ما حاول الإسلاميون فعله أوائل القرن العشرين، عندما رأوا انهيار الدولة العثمانية(1924)، وتقسيم الدول الإسلامية، واحتلالها، على يد المستعمرين الغربيين، فاندفعوا إلى إنشاء الحركات والتنظيمات الإسلامية السياسية، كوسيلة معاصرة لمواجهتم سلمياً، بعد أن يئسوا من مواجهتم عن طريق القوة. وطبقاً لمفاهيمهم وآلياتهم (الناعمة)، طفقوا يساهمون في العمليات الديمقراطية، جنباً إلى جنب مع العلمانيين السياسيين، بمختلف اتجاهاتهم، ويشاركون معهم في الانتخابات والحكومات لتحقيق هدف واحد هو (إحياء الأمّة الإسلامية، وإصلاح المجتمعات المسلمة، واستعادة أمجادها السابقة)، ولكن دون أن يحققوا إنجازاً سياسياً مهمّاً، يمكّنهم من استلام السلطة التي ظلوا يحلمون بها لغاية اليوم. ورغم دوافع (الإسلامويين) الطيبة، ونيّتهم الصادقة، فإنهم لم يستطيعوا - في عملهم السياسي - أن يجاروا العلمانيين، وينتزعوا منهم السلطة بطرق سلمية، وظلوا يراوحون مكانهم على الهامش، دون أن يحققوا شيئاً ملموساً.. إلى أن جاء اليوم الذي انتصروا فيه، وحقّقوا قفزة نوعية، ولكن لفترة محدودة جداً، عندما انتخب الشعب المصري (محمد مرسي) رئيساً للبلاد، إذ سرعان ما انتزعت
منهم السلطة (الحلم)، وعادوا إلى المربع الأول!
المشكلة ليست في عجز (الإسلاميين) في إدارة البلاد، وإقامة السلطة الناجحة، ولكن المشكلة تكمن في عدم وضوح الرؤية، وازدواجية الولاء السياسي، وعدم القدرة على جمع الإسلام والسياسة في بوتقة واحدة، فبرنامج الاتجاهين مختلف في بعض جوانبه الأساسية. وبسبب هذه الرؤية الضبابية، انفصلت العديد من الحركات عن التنظيم الأم، واتجهت إلى تشكيل تنظيم آخر مستقل، أكثر وضوحاً مع النفس ومع الآخرين!
فعندما تحشر الإسلام، بسعته الشمولية الكونية، ووضوحه المنقطع النظير، ومباشرته، وتلقائيته السلسة، وبساطته، في ضيق السياسة، ودهاليزها الملتوية، فإنك تقف أمام عملية معقدة وصعبة جداً، لا يمكن أن تخرج منها سالماً فكرياً وسياسياً أبداً.. من المستحيل أن توفّق بين قول (ميكافيلي): "لا بأس بالأخلاق ما دامت تخدمك، ولكن لا يجب التوقف عندها كثيراً، إذا عارضت المصالح"، وقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، أو قول الرئيس الفرنسي (شارل ديغول) عن السياسة إنها فن استغفال الناس!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق