30‏/03‏/2021

دحض مزاعم وجود أخطاء علمية في القرآن الكريم

 خالد كبير علَّال

نقض الزعم بأن القرآن قال بأن الأرض والسماء وُجدتا منذ نشأة الكون:

زعم بعض الملاحدة أن من أخطاء القرآن العلمية: أن "الأرض - وغلافها الجوي: السماء - موجودان منذ نشأة الكون"([1]). ثم أورد آيات قرآنية تتعلق بخلق الكون، هي: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ}(الأنبياء:30)، و{الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا}(الفرقان:59)، و{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ}(السجدة:4)، و{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ}(هود:7)، و{ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}(فصلت:11).

   ثم قال: "عمر كوكب الأرض حوالي 4،5 مليار عام، استغرقت الأرض بعد تكونها ملايين السنين لتبرد وتصير صالحة  للحياة، ويقال إن أصلها شظايا من انفجار نجم سوبرنوڤا متضخِّم، أو غبار وأجرام متجمعة، ما قبل أن تبرد الأرض يعرف بالعصـر الجحيميّ، أما عمر الكون فهو أكثر من ١٤ مليار سنة، قول القرآن بوجود الأرض وغلافها الجوي، )ولو أن مفهوم السماء القرآني غير دقيق، فهو لا يعرف الفرق بين الغلاف الجوي والكون كشـيء غير محدود(، منذ البدء خطأ علمياً وباطل. وكذلك خرافة مدة الستة أيام باطلة. كذلك ذكره مثل التوراة - كالتلميذ الذي يغش من تلميذ يجيب في الامتحان على نحوٍ خاطئ -وجود الماء وبخار الماء (الدخان كما فسـره كل المفسّـِرين) منذ بداية تشكل الكون المعروف الحاليّ خطأ علمياً. حيث من المعروف علمياً أول ما ظهر من الانفجار الكبير هو جسيمات تحت ذرية، ثم تكونت أول الذرات في الجدول الذري، ومن اندماجاتها النووية بفعل التجاذب داخل غيومها الكثيفة الكبيرة لاحقًا تشكَّلت النجوم كمستعرَّات نووية، منها نتجت كل العناصـر المعروفة. ومع ذلك فتعريف التوراة والقرآن للغلاف الجوي للكوكب، وهو مجموعة غازات، على أنه بخار أو دخان غير صحيح، وكذلك عدم تمييزهما بين الكون الغير محدود، والغلاف الجوي لكوكبنا المحدود، وتخيلهم أنه السماء الأولى مرصَّعة بالنجوم من داخله كالقبة المعدنية!"([2]).

     أقول: تلك المزاعم باطلة جملة وتفصيلاً، وفيها تحريف وغش وخداع، وتعصب للباطل. أولاً، لأن ذلك الكاتب لم يورد كل الآيات المتعلقة بالموضوع الذي تكلم فيه، ولا شـرح الآيات وبيّن معانيها، مع أن القرآن الكريم كتاب مُحكم يفسر نفسه بنفسه. ولا ذكر أقوال العلماء المعاصـرين الذين فسـروا آيات خلق الكون تفسيراً علمياً، ولو رجع إليها لتبيّن له بطلان مزاعمه. وأغفل آيات أخرى تُبطل زعمه المتعلق بالغلاف الجوي، وألحق قول القرآن الكريم في خلق الكون بما قالته التوراة عن خلقه، ولم يُفرّق بينهما، مع أن القرآن لم يقع في الأخطاء التي وقعت فيها التوراة. أغفل كل ذلك، وهجم على القرآن الكريم يُكذبه ويطعن فيه بهوى إلحاده، انتصاراً للباطل. وتصـرفه هذا هو دليل دامغ بأنه كاتب مُحرف مريض مُتعصب للباطل، ولا يبحث عن الحقيقة، ولا هو مُحايد، وإنما هو صاحب هوى جاحد معاند، هدفه النيل من القرآن، والانتصار لهواه وإلحاده بالتحريف والافتراء، وعدم قول الحق، والتعلق بالشبهات والظنون.

      ثانياً: ليس صحيحاً أن القرآن حدد عمر الكون بستة أيام، وإنما حدد المدة التي تمّ فيها خلق الكون، وهي ستة أيام، واليوم مقداره ألف سنة بحسابنا، ولا يعني اليوم الشمسي- 24 ساعة -، لأنه لم يكن وُجد أصلاً عند بداية خلق الكون، وإنما يعني اليوم الإلهي وليس يومنا نحن. والدليل على ذلك قوله سبحانه: {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ}(الحج : 47)، و{ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ}(السجدة: 5). وهذا اليوم ينطبق على قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}(يونس: 3). ومعنى ذلك أن خلق الكون مر بمراحل، وصفها القرآن بأنها ستة أيام، كل يوم مقداره ألف سنة. فلماذا أغفل ذلك الكاتب المُحرّف تلك المعطيات القرآنية؟

    وعندما خلق الله الإنسان كان الكون مخلوقاً تاماً جاهزاً لاستقبال الإنسان. وقد سبقته إلى العيش فيه مخلوقات كالحيوانات والجن. قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}البقرة: 30)، و{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ}الحجر:26-27)، و{هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً}الإنسان: 1). ومعنى ذلك أنه عندما خلق الله الإنسان كان عمر الكون أكثر من ستة آلاف سنة من دون شك. منها ستة آلاف سنة خاصة بخلق الكون، ثم تأتي مرحلة أخرى، وهي التي عاشت فيها المخلوقات التي سبقت ظهور الإنسان، منها: الجن، والحيوانات، والنباتات. وهذه المرحلة لا نعرف هل بدأت مباشرة بعدما تم خلق الكون، أم أنها ظهرت بعد زمن طويل من تهيئته؟ كما أننا لا نعرف عمرها الزمني، وحسب ما يقوله علم الجيولوجيا، وعلم الحفريات، فإنها كانت مرحلة زمنية كبيرة([3]).

     ثم بعد ذلك تأتي المرحلة الزمنية من خلق آدم - عليه السلام - إلى اليوم. والقرآن الكريم لم يُحدد المدة الزمنية من نزول آدم وزوجه إلى الأرض إلى ظهور الإسلام، ولا ثَبت ذلك بحديث نبوي صحيح. وتلك المرحلة تُقسم إلى مرحلتين كبيرتين: ما قبل التاريخ: وتتضمن تاريخ الإنسان غير المكتوب. وقد اختلف العلماء في تقديرها،  وهي تتراوح ما بين: 500 ألف، إلى نحو مليوني سنة.  ثم المرحلة التاريخية، وتبدأ بمعرفة الإنسان للكتابة إلى اليوم، والمقدرة بنحو: 6000 سنة([4]). فالقرآن الكريم لم يُحدد عمر الكون، ولا قال بأن عمره ستة أيام، كما زعم ذلك الكاتب المُحرف، وإنما حدد المدة التي استغرقتها عملية خلق الكون فقط قبل ظهور الأحياء التي تعيش فيه .

     ثالثاً: ليس صحيحاً أن القرآن أخطأ عندما تكلم عن المراحل الكبرى التي مر بها الكون؛ وإنما ذلك الكاتب المُحرف هو الذي افترى على القرآن وحرفه. وبيان ذلك أن القرآن الكريم ذكر المراحل الكبرى التي مرت بها عملية خلق الكون، وهي مراحل صحيحة، وتتفق تماماً مع ما يقوله العلم المعاصـر، ولا تخالفه . وتفصيل ذلك أنه يتبين من الآيات القرآنية أن الكون تكون في مراحل، أو دورات، أو فترات زمنية طويلة، ولم يظهر دفعة واحدة، فذكرت أنه مر بحالات؛ هي: الرتق- الالتئام- ، ثم الفتق – الشق ، الفصل، أو الانفجار- ، ثم الحالة الغازية- الدخان - ، ثم الحالة الملتهبة والسائلة، ثم الحالة الصلبة، وهذا كله مُستنبط من الآيات الآتية: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ}(الأنبياء: 30)، و{قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ([5]) سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}فصلت:9 - 12)، و{وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِـرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً}الإسراء: 12)، وهذه الآية تضمنت الإشارة إلى حالة القمر الأولى التي كان عليها، فكان ملتهباً ثم أصبح صلباً بعدما انطفأ. وهذه الحالة مرت بها - أيضاً - الكواكب الأخرى، عندما انفصلت من نجومها؛ ومنها: الأرض، وباقي كواكب المجموعة الشمسية، التي انفصلت من الشمس، كما هو معروف في علم الفلك([6]).

    رابعاً: إن قول البعض بأن القرآن أخطأ عندما قال بأن الأرض، بغلافها الجوي والسماء، كانتا موجودتين عند بداية نشأة الكون([7])؛ هو زعم باطل، وشاهد على تحريفه وغشه وتعصبه للباطل. لأنه بيّنا سابقاً أن القرآن ذكر أن الكون ظهر في مراحل؛ هي: الرتق، ثم الفتق، ثم الحالة الغازية، ثم المنصهرة، ثم الصلبة، وهنا تكونت الأرض وغيرها من الكواكب. وكذلك السماء ظهرت بمكوناتها بعد المرحلة الغازية.

  وأما الزعم بأن القرآن لا يعرف الفرق بين الغلاف الجوي للأرض والكون، فهو زعم باطل أيضاً، وشاهد على التحريف والتعصب للباطل. كما أن صاحبه لم يؤيد زعمه بدليل من القرآن، ولا جمع الآيات التي تحدثت عن الأرض وغلافها الغازي وعلاقتها بالكون. ولو كان محايداً وباحثاً عن الحق، لجمع تلك الآيات، وأوردها، وتركها تتكلم وتُعرفنا بما قاله القرآن عن ذلك الموضوع. لم يفعل ذلك، واتهم القرآن - زوراً وبهتاناً -، لأنه يعلم أنه كاذب ومُحرف، ولا يبحث عن الحقيقة، وإنما يبحث عن أي شيء يطعن به في القرآن الكريم انتصاراً لهواه وإلحاده وحقده على الإسلام. ولو أوردها لفضحته، ولظهر للقارئ أنه كاتب مُحرف، متعصب للباطل.

     وأما الآيات التي تُبطل زعمه، فمنها قوله تعالى: {أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ. وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ. وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ. وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}(الأنبياء: 30-33). وكذلك قوله تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ}(الزمر:5). {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ  وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}(يس:38- 40).

         تلك الآيات تكفي وحدها لإبطال زعم ذلك الكاتب، أولاً، أنها فرقت بين السموات والأرض، فالأرض بكل مكوناتها هي جزء من الكون، وخصها القرآن بالذكر لأهميتها للبشـر، ومكانتها. ثانياً: إن الأرض محمية بسماء خاصة بها، سمّاها القرآن سقفاً محفوظاً، وهو الغلاف الغازي، إنه غلاف محيط بالأرض يحميها من المخاطر. فهو سقف يحميها من مخاطر الفضاء، كالأشعة، والأجسام التي تسبح في الفضاء، والنيازك والشهب، فهو سقف يحمي الأرض. ثالثاً: إن القرآن بعد ذلك تكلم عن الأرض، ضمن كلامه عن الشمس والقمر والليل والنهار، وميزها - كما ميّز الشمس والقمر - وأن كلا منها يسبح في فلكه. لكنه لم يذكر الأرض باسمها، وإنما أشار إليها بذكره لليل والنهار، وأنهما يسبحان، ولا يُمكن لهما أن يسبحا إلا بوجود الأرض التي تتحرك حول نفسها، فيحدث تعاقب الليل والنهار. وهذه الحقيقة مُتضمنة أيضاً في قوله تعالى: {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ}(الزمر: 5). وهذا إعجاز قرآني مُذهل من جهتين: عندما نزل القرآن كان الفلاسفة، وغيرهم من أهل العلم، وعامة الناس، يعتقدون أن الأرض ثابتة ولا تتحرك([8])، لكن الحقيقة هي أن الأرض تتحرك حول نفسها، كما قال القرآن، وأثبته العلم الحديث. والجهة الثانية، هي أن القرآن الكريم، في الوقت الذي أشار إلى حركة الأرض حول نفسها، فإنه لم يقل بصراحة أنها ثابتة، ولا أنها مُتحركة، لكنه أشار إلى حركتها حول نفسها. وبذلك لم يصدم الناس، ولا أعطاهم دليلاً ضده، ولم يقرّهم على خطأهم، وهذا إعجاز مُبهر بلا شك.

    علماً بأن القرآن الكريم كما أنه جعل الأرض جزءاً من هذا الكون، وميّزها عن باقي مكوناته، بخصائصها، وبمكانتها، وأهميتها للإنسان من جهة؛ فإنه جعلها - من جهة أخرى - جزءاً منه في حركته وتمدده اللانهائي. وقد عبّر القرآن عن ذلك بقوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ}(الذاريات:47). وهنا عبّر عن العالم بالسماء، فهو بناء متحرك.

  وأما زعم ذلك الكاتب بأن تعريف القرآن للغلاف الغازي الأرضي بأنه دخان، ووصف التوراة له بأنه بخار، وهو تعريف ليس بصحيح - حسب قوله -؛ فإن الأمر ليس كذلك. فبالنسبة للقرآن، فهو لم يقل إن ذلك الغلاف هو دخان، لأن الدخان ذكره القرآن عند بداية خلق الكون، وقبل خلق السموات، وأما الغلاف الغازي، فلم يصفه بأنه دخان أبداً، وإنما وصفه بأنه سقف محفوظ، وهو سقف مكون من غازات يحمي الأرض.

   وأما بالنسبة للتوراة، فهي أيضاً لم تقل إن الغلاف الغازي مُكوّن من بخار، وإنما ذكرت - كما سيأتي قريباً – أن الله خلق الكون من الماء، فَفَصَل الماء إلى قسمين بجلد، قسم كوّن السماء، وقسم كوّن الأرض. ولم تشـر إلى الغلاف الغازي أصلاً، وإنما ذكرت السماء والأرض.

      وأما زعمه بأن القرآن كالتوراة قال بأن السماء الأولى - السماء الدنيا - "مُرصّعة بالنجوم من داخله، كالقبّة المعدنية"، فهو زعم باطل بلا شك. لأن القرآن الكريم فرّق بين السماء الدنيا، ومكوناتها، من الناحية الطبيعية، وبين نظرة الناس إليها من الأرض. فمن الناحية الطبيعية، أن السماء الدنيا هي واحدة من السموات السبع، كما سيأتي لاحقاً، وتوجد بها الكواكب والنجوم، وهي ليست مرصعة من الداخل كقبة معدنية، وإنما هي أجسام كثيرة تسبح في أفلاكها ضمن نظام مُحكم، من جهة؛ وتتحرك ضمن حركة الكون كله في تمدده، من جهة ثانية.

      وأما من ناحية نظر الناس إلى السماء الدنيا من الأرض، بما فيها من كواكب ونجوم وجمال، فهي نظرة جمالية تظهر للناس كأنها مرصعة في السماء، مع أنها ليست كذلك.  والقرآن أشار إلى الجانب الجمالي، لكنه لم يقل أنها مرصعة، ولا أنها تظهر للناس مرصعة من داخلها كالقبة المعدنية؛ وإنما قال: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ}(الملك: 5). و{إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ}(6). والمصابيح هي النجوم، منها: الشمس. والكواكب هي أجسام صلبة، وليست ملتهبة، منها: الأرض، والقمر.

   خامساً: من الشواهد على ممارسة ذلك الكاتب للتحريف والخداع، أنه ألحق القرآن الكريم بالتوراة فيما قالته عن خلق الكون، ولم يورد نص التوراة، واكتفى بالزعم بأن القرآن قال بما قالته التوراة تأثراً بها. وهذا باطل وكذب، ولو كان موضوعياً وباحثاً عن الحق لأورد النص التوراتي لتوثيق زعمه. ولكي يرى القارئ بنفسه، ويتأكد من كذب ذلك الكاتب، ولبيان مدى تحريفه وخداعه للقراء، أورد هنا النص التوراتي كاملاً، يقول:  "في البدء خلق الله السموات والأرض. وكانت الأرض خربة، وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة، وروح الله يرف على وجه المياه. وقال الله ليكن نور، فكان نور. ورأى الله النور أنه حسن، وفصل الله بين النور والظلمة. ودعا الله النور نهاراً، والظلمة دعاها ليلاً، وكان مساء، وكان صباح، يوماً واحداً. وقال الله ليكن جلد في وسط المياه، وليكن فاصلاً بين مياه ومياه، فعمل الله الجلد، وفصل بين المياه التي تحت الجلد، والمياه التي فوق الجلد، وكان كذلك. ودعا الله الجلد سماء، وكان مساء، وكان صباح، يوماً ثانياً. وقال الله لتجتمع المياه تحت السماء إلى مكان واحد، ولتظهر اليابسة، وكان كذلك. ودعا الله اليابسة أرضاً، ومجتمع المياه دعاه بحاراً، ورأى الله ذلك أنه حسن. وقال الله لتنبت الأرض عشباً وبقلاً، يبزر بزراً، وشجراً ذا ثمر يعمل ثمراً كجنسه، بزره فيه على الأرض، وكان كذلك. فأخرجت الأرض عشباً وبقلاً يبزر بزراً كجنسه، وشجراً يعمل ثمراً بزره فيه كجنسه، ورأى الله ذلك أنه حسن. وكان مساء، وكان صباح، يوماً ثالثاً. وقال الله لتكن أنوار في جلد السماء لتفصل بين النهار والليل، وتكون لآيات وأوقات وأيام وسنين. وتكون أنواراً في جلد السماء، لتنير على الأرض، وكان كذلك. فعمل الله النورين العظيمين النور الأكبر لحكم النهار، والنور الأصغر لحكم الليل، والنجوم، وجعلها الله في جلد السماء لتنير على الأرض. ولتحكم على النهار والليل، ولتفصل بين النور والظلمة، ورأى الله ذلك أنه حسن. وكان مساء، وكان صباح، يوماً رابعاً. وقال الله لتفض المياه زحافات ذات نفس حية، وليطر طير فوق الأرض على وجه جلد السماء. فخلق الله التنانين العظام، وكل ذوات الأنفس الحية، الدبابة، التي فاضت بها المياه كأجناسها، وكل طائر ذي جناح كجنسه، ورأى الله ذلك أنه حسن. وباركها الله قائلاً أثمري، أكثري، واملئي المياه في البحار، وليكثر الطير على الأرض. وكان مساء، وكان صباح، يوماً خامساً. وقال الله لتخرج الأرض ذوات أنفس حية كجنسها بهائم و دبابات ووحوش أرض كأجناسها وكان كذلك. فعمل الله وحوش الأرض كأجناسها والبهائم كأجناسها وجميع دبابات الأرض كأجناسها، ورأى الله ذلك أنه حسن. وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا، فيتسلطون على سمك البحر، وعلى طير السماء، وعلى البهائم، وعلى كل الأرض، وعلى جميع الدبابات التي تدب على الأرض، فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله، خلقه ذكراً وأنثى، خلقهم وباركهم الله، وقال لهم أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض               وأخضعوها، وتسلطوا على سمك البحر، وعلى طير السماء، وعلى كل حيوان يدب على الأرض. وقال الله إني قد أعطيتكم كل بقل يبزر بزراً على وجه كل الأرض، وكل شجر فيه ثمر، شجر يبزر بزراً لكم يكون طعاماً. ولكل حيوان الأرض، وكل طير السماء، وكل دبابة على الأرض، فيها نفس حية أعطيت كل عشب أخضـر طعاماً، وكان كذلك. ورأى الله كل ما عمله فإذا هو حسن جداً، وكان مساء وكان صباح يوماً سادساً. فأكملت السماوات والأرض وكل جندها. وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل، فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل. وبارك الله اليوم السابع وقدسه، لأنه فيه استراح من جميع عمله الذي عمل الله خالقاً(سِفر التكوين 1/ 1- 30 . 2/ 1- 3) .

   أقول: واضح من ذلك النص التوراتي أن الفرق كبير جداً بين ما قاله القرآن، وبين ما قالته التوراة عن خلق الكون من جهة؛ وأن النص التوراتي فيه أخطاء علمية كثيرة لا وجود لها في القرآن، مقابل تضمنه لإشارات إعجازية مُبهرة، من جهة أخرى. لكن ذلك الكاتب المُحرف ألحق القرآن بالتوراة، وزعم أنهما أخطآ فيما قالاه عن خلق الكون، وتناسى أخطاء التوراة، وغفل عمداً عن صواب القرآن، وإعجاز ما قاله عن خلق الكون.

      ومن أخطاء التوراة، التي تضمنها ذلك النص، وغفل عنها الكاتب المحرف، أنها زعمت أن العالم تكوّن وخُلقت جميع مخلوقاته في ستة أيام، التي تعني أيامنا المعروفة عندنا - 24 ساعة في اليوم - بدليل أن النص التوراتي أكد ذلك وكرره عندما قال: وكان صباحاً، وكان مساءً. وقولها هذا غير صحيح قطعاً، لأنه جعل الكون بكل مخلوقاته تكوّن في: 144 ساعة - 6 أيام - .فهو زعم باطل مخالف للقرآن والعلم معاً. وقد بيّنت الأبحاث والاكتشافات الحديثة أن الكون خُلق في أحقاب ومراحل جيولوجية مديدة([9])، ولا يُمكن أن يكون قد خُلق في 144 ساعة بكل مخلوقاته، منها الإنسان. والكائنات الحية لم تظهر دفعة واحدة، وفي وقت قصير، وإنما ظهرت في مراحل وفترات طويلة زمنياً، كان الإنسان آخرها ظهوراً، بعدما هيّأ له الله تعالى الأرض منذ نحو مليوني عام([10]).

     ومن أخطاء ذلك النص التوراتي أيضاً قوله بظهور الأرض والنور في اليوم الأول، قبل أن تظهر الشمس التي ستُخلق في اليوم الرابع، حسب زعمه. ثم يعود وينقض ما قاله عن الأرض، ويقول بأن الأرض خُلقت في اليوم الثالث. ثم ذكر أن الشمس والقمر تكوّنا في اليوم الرابع، بعدما خُلقت الأرض، وظهر النبات، في اليوم الثالث. علماً بأنه كان قد ذكر أن النور – النهار - قد ظهر في اليوم الأول، قبل أن تُخلق الشمس، التي ستظهر في اليوم الرابع. ولا شك أن كلامه هذا باطل كله، جملة وتفصيلاً، فليس من العلم الصحيح، ولا من المنطق الصـريح، أن تُخلق الأرض مرتين من جهة، ثم تسبق الشمس في الظهور، ويكون عليها نور قبل ظهور الشمس، من جهة أخرى. وليس من العلم أن تظهر المياه والنباتات والنهار قبل أن تُخلق الشمس .

    واضح من ذلك أن التوراة أخطأت فيما قالته عن خلق الكون في ستة أيام من أيامنا المعروفة، لكن القرآن لم يقع في ذلك الخطأ، فعندما قال بأن الكون خُلق في ستة أيام، فقد بيّن أن المقصود بها مراحل مقدارها 6000 سنة – مدة الخلق فقط - كما بيناه سابقاً، كما أنه لم يجعل خلق الإنسان تابعاً لتلك المدة، فهو متأخر عنه. لكن  الغريب أن ذلك الكاتب لما كان مُحرفاً ومخادعاً سكت عن ذلك، وزعم أن القرآن قال بقول التوراة، وتأثر به، في قوله بخلق الكون، وشبهه بالتلميذ الذي يغش في الامتحان من تلميذ آخر، وينقل منه بالخطأ!! فانظر وتدبر في فعل هذا الكاتب المفتري المحرف، فلم يكتف بأنه أخفى كثيراً من أخطاء التوراة، وأغفل إشارات إعجازية قرآنية مُذهلة عن خلق الكون!!  وكيف يكون القرآن مُتأثراً بالتوراة وهو قد خالفها، ولم يقع في أخطائها، ولا وجدت فيها إشارات إعجازية كالتي في القرآن الكريم!! إن ذلك الكاتب جاحد معاند مُتعصب للباطل،  يبحث عن هواه وإلحاده، ولا يبحث عن الحقيقية!! كما أنه لا يستحي، ولا يتورع من ممارسة التحريف والغش والخداع، انتصاراً لهواه.

*   *  *

·          نقض الزعم بخطأ القرآن في ترتيبه لظهور المخلوقات؛ كالأرض، والأحياء:

  وزعم ذلك الكاتب أن القرآن أخطأ في ترتيبه لظهور المخلوقات، فأورد آيات قرآنية تتعلق بذلك، ثم شـرحها بهواه. الآيات هي: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}(البقرة:29)، و{قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}(فصلت:9- 12)، و{أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا  رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا  وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ}(النازعات:27-33).

   ثم علّق عليها بقوله: "والآن ماذا ترى؟! نلاحظ ترتيب أحداث الخلق الأسطوري بدراسة الآيات، والجمع بينهن، كالتالي: خلق الله الأرضَ، وقدَّر فيها موادها الخام في باطنها، ثم خلق الكائنات، ثم السماء، والسماوات السبع الخرافية، ثم خلق المرعى، أي النباتات، ثم خلق الإنسان يوم الجمعة، آخر الأيام الستة، كما تقول الأحاديث الصحيحة. كما ترى فهذا ترتيب ظريف جداً، ومضحك، فالحيوانات عاشت ليومين تقريبًا بدون الأوكسجين، الذي ليتواجد يحتاج للنباتات وعمليتها الخاصة بالتمثيل الضوئي، مع أني لا أعتقد أن حتى لو توفرت النباتات ليومين أو أسبوع فسيكون هذا كافيًا لإنتاج كمية مناسبة لتوفير أكسوجين بكميات وافية لحياة الكائنات، وحسب هذا فالله خلق الأنعام والحيوان قبل خلق الأكسوجين الخارج من تعاملات كلوروفيل أو يخضور النباتات. كذلك فعملية التمثيل الضوئي هي أساس وأول سلسلة الغذاء بإنتاج الخلايا النباتية التي تتغذى عليها العاشبات. كذلك فمعنى هذه القصة الخرافية أن الكائنات ظلت يومين بدون غلاف جويّ، أي سماء، وهذا كافٍ لإبادتها تمامًا، لعدم وجود حماية من الأشعة الكونية الكثيفة المميتة من الفضاء، كما هو معروف علمياً، والتي يحمينا من معظمها الغلاف الجوي"([11]) .

     أقول: تلك المزاعم باطلة، وتشهد على صاحبها بالتحريف والغش والتلاعب، وعدم الفهم الصحيح لما قاله القرآن الكريم عن خلق الكون والكائنات الحية، أو التعمّد في عدم فهمها فهماً صحيحاً. والقرآن كتاب مُحكم حَكيم يفسـّر نفسه بنفسه، ويجب جمع كل آيات الموضوع الواحد لفهمه فهماً صحيحاً كما يريد القرآن، وليس كما يريد أهل الأهواء، منهم ذلك الكاتب، الذي لم يفعل ذلك ليُحرف القرآن، ويطعن فيه، انتصاراً لهواه.

   وبيان ذلك أولاً: إن قوله تعالى عن الأرض: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}(البقرة: 29)، هو كلام مُجمل عن خلق الأرض والسموات، ولا يتعلق بكل المخلوقات التي خلقها الله على الأرض، وإنما يتعلق بخلق الأرض، وما جعله فيها، خلال المراحل الست الأولى، وأكد الله – سبحانه - أنه هو الذي خلقها جميعاً، ولم يُشاركه في خلقها أحد. وذلك الكلام المُجمل فصّله الله تعالى في قوله: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}(فصلت:9 - 11). وفصلها – أيضاً - قوله سبحانه: {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ}(النازعات: 27- 33).

     واضح من ذلك أن تلك المخلوقات خُلقت في ستة أيام، وتساوي: 6000 سنة، كما بيّناه سابقاً، وبها هيأ الله الأرض للكائنات الحية، التي سَتُخلق فيما بعد وتعيش عليها. ولم يَرد فيها أن الله خلق الحيوانات والإنسان في تلك المدة، كما زعم ذلك الكاتب المحرف. وذلك يعني أنه ليس صحيحاً أن الحيوانات سبقت ظهور النباتات، كما زعم ذلك الكاتب، وإنما النباتات هي التي سبقتها، لأن الماء والنبات يندرجان ضمن تقدير الأقوات الذي حدث في المراحل الأربعة التي مرّت بها الأرض. وبذلك يتبين أنه لا يوجد في تلك الآيات أي خطأ علمي، ولا أي تناقض في ترتيب ظهور المخلوقات.

     وأما خلق الحيوانات على اختلاف أنواعها، فهي لم تخلق إلا بعد انتهاء الأيّام الستة، وبها أصبحت الأرض جاهزة لاستقبال الدواب، وهذا يستلزم توفر الهواء، والماء، والنبات. والشاهد على ذلك قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشـِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(45). وهذه الآية تتعلق بخلق الدواب أول مرة، وخلقها بالتناسل أيضاً فيما بعد. وهي تعني أن خلق الحيوانات جاء بعد المراحل الست الأساسية التي مر بها الكون، فأصبح الماء متوفراً، ومنه خلق الله تعالى الدواب التي تدب على الأرض، وهذا يستلزم حتماً وجود النبات بعد توفر الهواء والماء، ولا يُمكن أن تعيش تلك الدواب دون توفر تلك العناصـر. وهذا يعني أن خلق الدواب جاء بعد خلق الماء والنبات، خلاف زعم ذلك الكاتب المُحرف.

      ثم بعد ذلك خلق الله تعالى الإنسان، فهو لم يُخلق في المراحل الست الأولى، ولا في مرحلة خلق الحيوانات الأولى، وإنما تأخر عنها كثيراً بعدما هيأ الله له الأرض، وحان الوقت الذي حدده لخلقه. قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}(البقرة: 30)، و{هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً}(الإنسان: 1).

      وحتى بعد خلق الإنسان، فإن عمليات خلق الحيوانات استمرت وتكررت ولم تتوقف إلى اليوم، بدليل قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير}(العنكبوت: 19- 20). تشير الآية الأولى إلى بداية خلق الأحياء وتكراره، فالله تعالى بدأ الخلق وكرره مراراً، فهناك عمليات بدء للخلق، وإعادته من جديد، وهكذا كما بيناه سابقاً. وهذا الأمر كما بيّنه القرآن، فإن العلم يشهد به أيضاً، ويتفق تماماً مع ما ذكره القرآن، كما سنبينه عندما نتكلم عن ظهور الحياة والأحياء على الأرض.

     ثانياً: إن مزاعم ذلك الكاتب تشهد عليه أنه مُحرّف ومخادع، ولا يبحث عن الحق، وإنما يبحث عن الأباطيل والشبهات ليطعن بها في دين الإسلام. بدليل انه مُصِـرّ على إلحاق القرآن بالتوراة، في قولها بأن الكون مخلوق في ستة أيام كأيام من أيامنا. مُصـر على ذلك مع أنه يعلم أن القرآن أشار إلى أن اليوم عند الله يختلف عن اليوم عند البشـر، كما في قوله تعالى: {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ}(الحج: 47)، و{يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ}(السجدة: 5)، و{تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}(المعارج: 4). وليس في القرآن - أبداً - ما ذكرته التوراة عن أيام الخلق، وتسلسل المخلوقات فيها، وقد سبق أن أوردناه كاملاً. فلماذا هو مُصـر على موقفه رغم بطلانه؟!

      ومن ذلك – أيضاً - زعمه بأن الإسلام قال بأن آدم – أول إنسان- خُلق يوم الجمعة، وهو آخر الأيام الستة، كما تقول الأحاديث الصحيحة([12]). وقوله هذا باطل وافتراء مُتعمد على القرآن والسنة النبوية. لأن القرآن لم يقل ذلك، كما بيناه، والحديث الصحيح يقول إن النبي - صلى الله عليه و سلم - قال: (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أُخرج منها)([13]). فالحديث لا يتكلم عن أيام خلق الكون، كما هو في القرآن، ولا كما هو في التوراة، وإنما يتكلم عن أيامنا المعروفة عندنا، منها يوم الجمعة، وفيه خلق الله آدم. فلماذا هذا الإصـرار على الباطل للطعن به في الإسلام؟!

*       *       *

* نقض الزعم بخطأ القرآن في قوله بوجود سبع سماوات:

   زعم ذلك الكاتب المُحرف أن من أخطاء القرآن العلمية، وخرافاته، قوله بوجود سبع سموات، ثم أورد آيات قرآنية ذكرت سبع سماوات، منها {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصـَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ}(الملك: 3). ثم ذكر أن قدماء العرب، واليونان، وغيرهم، كانوا لا يعرفون من المجرة إلا خمسة كواكب؛ هي: عطارد، والزهرة، والمريخ، والمشتري، وزحل، ومعها الشمس والقمر، واعتقدوا أن كل كوكب في سماء، ومجموعها يمثل السموات السبع عندهم([14]).

    ثم زعم أنه لا توجد سبع سموات، و"البشـر خرجوا إلى الفضاء، ورأوا بعض ما هو عليه، وهذه التصورات البدائية لا معنى لها اليوم، فهي خاصة بالإنسان البدائي عديم المعارف. ولا مغزى لأن نعتقد بهراء كهذا"([15]). وقال أيضاً: "ومما يؤكّد أن فهمنا لهذا الخطأ العلمي القرآني سليم، هو أن القرآن افترض أن الناس ترى هذه السماوات السبع بالعين المجردة، فهو إذن يتحدّث عن الخمس كواكب المذكورة والشمس والقمر"([16]). ثم أورد آيات زعم أنها تؤيد فهمه المُحرِف للقرآن، منها قوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا}(النبأ:6- 12)، و{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا}(الإسراء: 99)، و{أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا  وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا}(نوح: 15- 16)، و{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ}(إبراهيم: 19)، و{الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَـرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ}(الملك: 3). ثم عقّب عليها بقوله: "لا للأسف لم أر سبع سماوات، لأنها لا وجود لها! وتفترض هذه النصوص، والتي في سورة الملك، أننا نرى تلك السماوات المزعومة، وهو ما يؤكد صحة من قالوا إنها الأجرام الخمسة المعروفة لهم في منظموتنا الشمسية، التي أمكنهم رؤيتها بالعين المجردة، مع الشمس والقمر، حيث ظنوها في سماوات"([17]).

     أقول: تلك المزاعم باطلة جملة وتفصيلاً، وتشهد على صاحبها بالتحريف والكذب، والغش والخداع، وممارسته للانتقاء والإغفال، حسب هواه في تعامله مع آيات القرآن الكريم. وتفصيل ذلك: أولاً: إن قول القرآن الكريم بوجود سبع سماوات ليس خطأ علمياً، ولا يخالف التصور العقلي السليم ولا العلمي الصحيح، ولم يثبت علمياً عدم وجودها، ولا أن الكون فيه سماء واحدة. وذلك المُحرّف لم يذكر ولا دليلاً علمياً صحيحاً واحداً، وإنما زعم أن الإنسان خرج إلى الفضاء ولم ير سبع سماوات. واستدلاله هذا متهافت، وشاهد على إفلاسه وتحريفه وتلاعبه وخداعه. لأن الإنسان عندما خرج من الأرض إلى القمر - مثلاً - لم يخرج من السماء الدنيا التي نراها، ويراها العلماء بالأجهزة العلمية العملاقة. والعلم إلى اليوم لا يعرف من الفضاء إلا السماء الدنيا، ولا يعلم عنها إلا القليل. وبما أن العلم لا يعرف إلا سماءً واحدة هي السماء الدنيا، فماذا يوجد بعدها؟ ولماذا لا تكون سماوات أخرى فوقها طباقاً؟ أليس إنكار وجود سماوات أخرى هو تصور بدائي، وقول بلا علم، وافتراء على العقل والعلم؟! وأليس من الهراء، وقلّة العلم، إنكار وجود سبع سماوات؟!

   ثانياً: إن زعم ذلك الكاتب بأن القرآن جعل الكواكب الخمسة التابعة للمجموعة الشمسية، بما فيها الشمس، هي السماوات السبع، هو زعم باطل، وكذب على القرآن، وتحريف له. بدليل الشواهد الآتية: منها أن القرآن لم يقل أبداً أن كواكب المجموعة الشمسية هي السماوات السبع، ولا توجد ولا آية منها أشارت من قريب، ولا من بعيد، إلى ذلك الزعم. والآيات التي استشهد بها الكاتب على زعمه، هي آيات منتقاة، وأوّلها تأويلاً تحريفياً حسب هواه، وسنعود إليها لاحقاً، لنبيّن فساد تأويل لتلك الآيات.

      ومنها: أن القرآن الكريم وصف السماوات السبع بأنها طباق {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَـرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ}(الملك: 3)، بمعنى أنها طبقات فوق بعضها، ولم يقل أنها كواكب ولا نجوم. وهذا يبطل زعم ذلك الكاتب، لأن الكواكب التي ذكرها، بما فيها الشمس، حسب زعمه، ليست طبقات، وإنما هي أجسام كروية، كل جسم يتحرك في مداره، يدور حول نفسه يومياً، وحول الشمس سنوياً، ضمن المجموعة الشمسية.

    ومنها، قوله تعالى: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ}(الصافات:6)، فالسماء الدنيا هي واحدة من السماوات السبع، وتضم السماء الدنيا الكواكب التي جعلها الله تعالى زينة. فالكواكب التي ذكرها ذلك الكاتب، وغيرها من الكواكب الأخرى، ليست هي السموات السبع، ولا هي السماء الدنيا، وإنما هي من موجودات السماء الدنيا.

    منها أيضاً، قوله تعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}(فصلت: 12). واضح من الآية أن السماء الدنيا هي سماء من بين السماوات السبع، التي خلقها الله تعالى في مرحلتين. والنجوم، ومن بينها الشمس - التي زعم ذلك الكاتب أنها من السماوات السبع – هي كالكواكب من موجودات السماء الدنيا، وليست الشمس هي سماء من بين السموات السبع، كما زعم ذلك الكاتب المُحرف.

     ومنها، قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ}(الطلاق: 12)، واضح من الآية أن السموات السبع ليست هي الكواكب، وأن الأرض ليست سماء من بين تلك السموات. فالآية فرقت بينهما من جهة طبيعة كل من السماء والأرض، وسوّت بينهما في العدد. وهذا خلاف ما زعمه ذلك الكاتب المُحرف.

   آخرها قوله تعالى: {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا، وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا}(النبأ:12 - 13). واضح من الآية أن السماوات السبع ليست كواكب ولا نجوماً، لأنها تمثل بناءً قوياً، يحمي الكون كله. والكواكب والنجوم ليست بناء واقياً، وإنما هي أجسام كروية. ويؤكد ذلك أن الآية، ذكرت الشمس، وسمّتها سراجاً وهاجاً، وذكرتها على أنها مخلوق آخر، لا أنها هي من السموات السبع، كما زعم ذلك الكاتب.

    وبذلك يتبين قطعاً من تلك الآيات، أن القرآن لم يقل بأن سبع كواكب من المجموعة الشمسية، بما فيها الشمس، هي السماوات السبع، كما زعم ذلك المُحرف؛ وإنما ذكر أن السماوات السبع هي طبقات قوية، وليست هي الكواكب ولا النجوم، من جهة؛ والقرآن الكريم فرّق بينهما بوضوح، من جهة أخرى. لكن ذلك الكاتب لما كان محرفاً ومُخادعاً وكاذباً، لم يذكر الآيات التي أوردناها، وإنما أغفلها، وأورد آيات أخرى توهم أنه يستطيع تأويلها حسب هواه لتأييد طعنه في القرآن الكريم، وتحريفه له.

   ثالثاً: أما استشهاد ذلك الكاتب بآيات قرآنية لتأييد زعمه بأن القرآن جعل كواكب من المجموعة الشمسية، بما فيها الشمس، جعلها هي السماوات السبع، وأن القرآن افترض أن الناس يرونها بالعين المجردة؛ فهو استشهاد باطل قطعاً، وزعم متهافت، بدليل الشواهد الآتية:

   أولها: إن دعوة القرآن الناس إلى النظر في السماوات، ومختلف الظواهر الكونية، لا يعني بالضـرورة أنهم يرونها بالعين المجردة، ولا أنهم يرون السماوات السبع، ولا أنها أمرتهم بذلك، وإنما هي - في الأساس - دعوة إلى النظر العقلي والعلمي، ودعوة إلى التدبر والاعتبار، ودعوة إلى إعمال الفكر بنظر سليم في مختلف ظواهر الكون. واستخدام القرآن لعبارة {أَوَ لَمْ يَرَوْا}، لا يعني النظر بالعين المجردة، وإنما يعني أساساً النظر العقلي والعلمي، القائم على البحث والتدقيق والتجربة والتمحيص والاعتبار. وأمره بذلك قد يجمع بين النَظر بالعين، والنظر بالعقل والعلم، وسياق الآية هو الذي يحدد المقصود. فإذا أمر القرآن بالنظر في أمر لا يُمكن رؤيته بالعين، فلا شك أنه يأمر بالنظر العقلي والعلمي، وإذا أمر بالنظر إلى أمر يُمكن رؤيته بالعين، فهو يأمر بالنظر بالعين والعقل والعلم. وبما أن الأمر كذلك، فزعم ذلك الكاتب باطل، لأنه بناه على مقدمة باطلة، انتصاراً لهواه وإلحاده، وطعناً في القرآن الكريم.

   الشاهد الثاني: إن الآيات التي أوردناها أعلاه، وأثبتنا بها بطلان زعم ذلك الكاتب، هي أدلة قطعية تُثبت تهافت وزيف استشهاده بالآيات التي زعم أنها تقول بأن السماوات السبع هي سبعة كواكب من المجموعة الشمسية، بما فيها الشمس، حسب زعمه. وبما أنه أثبتنا بطلان زعمه هذا بآيات كثيرة، فلا يُمكن أن يكون استشهاده بآيات أخرى صحيحاً، لأن القرآن الكريم كتاب مُحكم حَكيم لا تناقض فيه، ويُفسـّر نفسه بنفسه، ولا يأتيه الباطل أبداً.

    الشاهد الثالث: إن الآيات التي استشهد بها ذلك الكاتب على زعمه لا تؤيده، ولم تقل أن كواكب من المجموعة الشمسية هي السماوات السبع، ولا أمرت بالنظر إليها على أنها هي السماوات السبع؛ وإنما ذلك الكاتب المحرف هو الذي وجهها حسب هواه، وقوّلها ما لم تقله. فالآية الأولى مثلاً: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا  وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا  وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا  وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا  وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا  وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا}(النبأ:6- 12)، لم تقل انظروا إلى تلك المخلوقات وهي السموات السبع؛ وإنما تضمنت دعوة الناس إلى النظر بالعقل والعين والتدبر في تلك المخلوقات التي سخرها الله تعالى لهم، لعلهم يؤمنون بربهم، ويشكرونه، ويلتزمون بدينه.

   وأما الآية الثانية {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا}(الإسراء: 99)، فهي لم تأمر بالنظر في السموات والأرض، ولا قالت بأنها هي من كواكب المجموعة الشمسية؛ وإنما أمرت بالنظر العقلي والتدبر في قدرة الله تعالى المطلقة، فهو سبحانه كما خلق السماوات والأرض، قادر على أن يخلق مثلها، وأكثر منها.

       الآية الثالثة: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا}(نوح: 15- 16)، لم تقل أن السموات السبع هي من كواكب المجموعة الشمسية، وإنما فرقت بينها وبين القمر والشمس، وهما من عناصـر المجموعة الشمسية. ولم تقل: انظروا بالعين المجردة إلى السموات السبع؛ وإنما دعت الناس إلى النظر والتفكر والتدبر في كيفية خلق الله تعالى للسموات السبع، وهذا لا يتم بالنظر بالعين المجردة، لأن خلق السماوات السبع هو من الماضي، ولا يُمكن رؤيته مباشرة. وتضمنت – أيضاً - الدعوة إلى رؤية ذلك - بعد النظر العقلي – عن طريق البحث في تاريخ خلق الكون، ومروره بمراحل كثيرة. وهذا الأمر أكده قوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(العنكبوت: 20). وهذا لا يتم إلا بتطبيق النظر العقلي والمنهج التجريبي. فأين ما ادعاه ذلك الكاتب المُحرف؟!

    الآية الرابعة: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ}(إبراهيم: 19). لم تقل: انظروا إلى السماوات السبع إنها هي من كواكب المجموعة الشمسية، وإنما فرقت بينها وبين الأرض، وهذا ينقض زعم ذلك المحرف، الذي ادعى أن القرآن جعل الأرض من السماوات السبع. كما أنها لم تدع الإنسان إلى النظر بالعين المجردة إلى السموات السبع، وإنما أمرته بالنظر العقلي، والتدبر، والتذكر بأن الله تعالى هو الذي خلق السماوات والأرض. فأين ما ادعاه ذلك الكاتب المُحرف؟!

 الآية الخامسة: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ}(الملك:3). هذه الآية لكي تُفهم جيداً يجب إرجاعها إلى ما سبقها، لكن الكاتب المحرف قطعها، وهذا سياقها: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَـرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ}(الملك:1- 3). هذه الآيات لم تقل أن السموات السبع هي من كواكب المجموعة الشمسية، ولا أمرت بالنظر إليها بالعين المجردة؛ وإنما ذكرت أن الله تعالى بيده المُلك، وعلى كل شيء قدير، وخلق الموت والحياة، وهو الذي خلق سبع سماوات، ثم  أكدت على أنه لا يظهر ولا يُرى ولا يُوجد في مخلوقات الله من اضطراب، وعبث، ولا ما يُخالف مُقتضـى الحكمة. فالأمر هنا بالنظر العقلي، وبالعين المجردة، ليس خاصاً بالسماوات السبع، وإنما يتعلق بكل مخلوقات الله، ولا قال بأن السماوات هي من كواكب المجموعة الشمسية، كما زعم ذلك الكاتب.

  وبذلك يتبين – قطعاً - بطلان زعم ذلك الكاتب المحرف، عندما افترى على القرآن الكريم، وقوّله ما لم يقل؛ فالقرآن الكريم لم يجعل السموات السبع هي من كواكب المجموعة الشمسية، من جهة، وفرق بينها وبين الشمس والقمر وباقي كواكب المجموعة الشمسية الأخرى، من جهة أخرى. وإنما ذلك الكاتب تعمد تحريف القرآن، والافتراء عليه، انتصاراً لهواه وإلحاده.



([1])  لؤي عشري: القبر المحفور لدين الإسلام: النقد الشامل لنصوص الإسلام، الأخطاء العلمية والتاريخية في القرآن والحديث، الباب الأول: الأخطاء العلمية، ص: 1.

([2])  لؤي عشري: القبر المحفور لدين الإسلام: النقد الشامل لنصوص الإسلام، الأخطاء العلمية والتاريخية في القرآن والحديث، الباب الأول: الأخطاء العلمية، ص: 1.

([3])  الموسوعة العربية العالمية، مادة: الأرض. وللتوسع في ذلك انظر كتابنا: نقض شجرة التطور العضوي بالقرآن الكريم وعلم الحفريات. والكتاب متوفر إلكترونياً في الشبكة المعلوماتية.

([4])  انظر: الموسوعة العربية العالمية: مادة: العالم ، تاريخ، شعوب ما قبل التاريخ.

([5])  لاحظ قال أربعة أيام، لأنه أدخل فيها اليومين السابقيّن المتعلقيّن بالأرض ككل، فيكون مجموع الأيام التي خُلق فيها الكون كله ستة أيام. وهذا أكده القرآن الكريم في عدة آيات، والقرآن يفسر نفسه بنفسه.

([6])  انظر مثلاً: الموسوعة العربية العالمية، مادة: الشمس، الكون، الفلك.

([7])  لؤي عشري: القبر المحفور لدين الإسلام: النقد الشامل لنصوص الإسلام، الأخطاء العلمية والتاريخية في القرآن والحديث، الباب الأول: الأخطاء العلمية، ص: 1.

([8])  انظر: ماجد فخري: أرسطو ، ص: 56 ، 57.  تاريخ الفلسفة اليونانية، ص: 119، 128.  يوسف كرم : تاريخ الفلسفة اليونانية، ص: 190 وما بعدها. علي حسن موسى و آخرون: تاريخ علم الفلك، ط1 ، دار دمشق، دمشق، 1984، ص: 50.  علي أبو ريان: تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1992، ص: 227.  محمد عبد الرحمن مرحبا: الكندي؛ فلسفته– عويدات، بيروت، 1985، ص: 71.

([9])  الموسوعة العربية العالمية ، مادة: الأرض.

([10])  الموسوعة العربية العالمية ، مادة: المدينة .

([11])  لؤي عشري: القبر المحفور لدين الإسلام: النقد الشامل لنصوص الإسلام، الأخطاء العلمية والتاريخية في القرآن والحديث، الباب الأول: الأخطاء العلمية، ص:  49-50 .

([12])  لؤي عشري: القبر المحفور لدين الإسلام: النقد الشامل لنصوص الإسلام، الأخطاء العلمية والتاريخية في القرآن والحديث، الباب الأول: الأخطاء العلمية، ص:  49-50 .

([13])  مسلم : الصحيح، ج 3 ص: 6 ، رقم الحديث: 2013 .

([14]) لؤي عشري: القبر المحفور لدين الإسلام: النقد الشامل لنصوص الإسلام، الأخطاء العلمية والتاريخية  في القرآن والحديث، الباب الأول : الأخطاء العلمية، ص: 134.

([15]) المصدر السابق، ص 135.

([16]) المصدر السابق، ص 135.

([17]) المصدر السابق، ص136.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق