01‏/07‏/2020

مفهوم الجريمة الألكترونية ومراحلها التاريخية


مريم عبدالرحمن
دهوك - محامية ومستشارة
    أدّى التطوّر التكنولوجي إلى ازدياد أهّمية الكمبيوتر(الحاسوب) في شتّى مجالات الحياة المعاصرة. ولم يعد يوجد فرع من أيّ نشاط إلا ويستخدم في معاملاته الكمبيوتر والانترنت، في أغلب بلدان العالم. ومن أكثر الأنشطة التي تستخدم الكمبيوتر: البنوك والشركات والهيئات والمطارات. ترجع هذه الأهمية الكبرى للحاسب الآلي بشكل أساسي لما يتضمّنه من برامج وأنظمه يعتمد عليها رجال الأعمال والمدراء والصـرّافون، فهي العقل المسيّر للحاسب الآلي، وذلك لأنها السبيل الوحيد في تنظيم وتخزين المعلومات وعرضها بشكل منظّم، ناهيك عن الشبكة العنكبوتية الـ(نت)، والتي تشتمل على الكثير من المعلومات المهمّة، والتي يتمّ من خلالها الكثير من الخدمات والعمليات القانونية، مثل البيع والشراء، حيث أصبح العالم كلّه في متناول اليد بفضل الشبكة العنكبوتية.

 إن هذا التطوّر المذهل للكمبيوتر أدى إلى نشوء جرائم ناتجة عن ذلك الاستخدام، وهذه الجرائم إمّا أن تقع على الكمبيوتر ذاته، وإمّا أن تقع بواسطة الكمبيوتر، حيث يصبح أداة في يد الجاني، يستخدمها لتحقيق أغراضه الإجرامية، وهو ما يصطلح على تسميته بالجريمة الألكترونية، وهي الجريمة التي تتم باستخدام جهاز الكمبيوتر من خلال الاتصال بالإنترنت، ويكون هدفها اختراق الشبكات، أو تخريبها، أو التحريف، أو التزوير، أو السـرقة، أو الاختلاس، أو قرصنة وسرقة حقوق الملكية الفكرية. ويشكّل السلوك الانحرافي جريمة بأركانها المادية والمعنوية.
 ففي عصـر انتشار تكنولوجيا المعلومات، نكون أكثر عرضة للوقوع كضحايا للجرائم الإلكترونية، فهي سلاح ذو حدّين، يمكن استخدامها من أجل تسهيل الاتّصالات بين النّاس، وتكون بذلك من أهمّ وسائل انتقال الثقافات المختلفة حول العالم، ومن أجل تقريب المسافات بين الدول والحضارات المختلفة، ولكن يمكن أيضاً استخدامها في التسبّب بأضـرار جسيمة لأشخاص بعينهم، أو مؤسّسات كاملة، من أجل خدمة أهداف سياسية، أو مادية شخصية.
 أمّا مفهوم الجريمة الألكترونية، فلها تعاريف كثيرة، وكلّ رأي يتبنّى مفهوماً بالنظر إلى الزاوية التي ينظر منها، فهناك جانب يرى تعريفها بالنظر إلى وسيلة ارتكابها، أو موضوعها، أو حسب توافر المعرفة بتقنية المعلومات لدى مرتكبها، أو استنادًا لمعايير أخرى، حسب القائلين بها. وهذا ما حدا بالأمم المتحدة– مدونتها بشأن الجريمة المعلوماتية – إلى عدم التوصّل لتعريف متّفق عليه دولياً.
 وتتكون الجريمة الإلكترونية من مقطعين هما: (cyber- crimes)، والمقصود بـ(crime) الجريمة،  و(cyber) الإلكترونية، ويستخدم مصطلح الإلكترونية لوصف فكرة جزء من الحاسب، أو عصـر المعلومات. أما الجريمة، فهي السلوكيات والأفعال الخارجة على القانون. ويمكن أن نقول إن الجرائم الإلكترونية هي "المخالفات التي ترتكب ضد الأفراد، أو المجموعات، بدافع الجريمة، وبقصد إيذاء سمعة الضحية، أو إلحاق أذى مادي أو عقلي بالضحية، بشكل مباشر أو غير مباشر، باستخدام شبكات الاتصالات، مثل الإنترنت، وغرف الدردشة، والبريد الإلكتروني، والموبايل.
 وعرّفها مكتب تقييم التقنية في الولايات المتحدة الأمريكية، من خلال تعريف الحاسب الآلي، بأنها: "الجرائم التي تقوم فيها بيانات الحاسب الآلي والبرامج المعلوماتية بدور رئيسي". كما عرّفت أيضاً بأنها: "نشاط جنائي يمثّل اعتداءً على برامج وبيانات الحاسب الإلكتروني". وأيضاً: "كل استخدام في صورة فعل، أو امتناع، غير مشـروع، للتقنية المعلوماتية، ويهدف إلى الاعتداء على أي مصلحة مشروعة، سواء أكانت مادية أو معنوية".
وعرّفها آخرون بأنها: "الجريمة ذات الطابع المادي، التي تتمثّل في كلّ سلوك غير قانوني، من خلال خسارة مقابلة. وغالباً ما يكون هدف هذه الجرائم هو القرصنة من أجل سرقة أو اتلاف المعلومات الموجودة في الأجهزة، ومن ثمّ ابتزاز الأشخاص باستخدام تلك المعلومات". والتعريف الأرجح هو: أنها عبارة عن" أفعال غير مشـروعة، يكون الحاسب الآلي محلاً لها، أو وسيلة لارتكابها".
ومن الناحية التاريخية، مرّت جرائم الأنترنت بتطوّر تاريخي، تبعاً لتطوّر التقنية، واستخداماتها. وقد مرّت بثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: ابتداءً من شيوع استخدام الحواسيب في الستينات والسبعينات. واقتصـرت المعالجة على مقالات ومواد صحفية تناقش التلاعب بالبيانات المخزّنة، وتدمير أنظمة الكمبيوتر. وترافقت هذه النقاشات مع التساؤل حول ما إذا كانت هذه الجرائم مجرد شيء عابر، أم هي ظاهرة إجرامية مستحدثة؟ وما إذا كانت جرائم بالمعنى القانوني، أم مجرد سلوكيات غير أخلاقية في بيئة أو مهنة الحوسبة؟ ومع تزايد استخدام الحواسيب الشخصية في السبعينات، ظهر عدد من الدراسات المسحيّة والقانونية التي اهتمّت بجرائم الكمبيوتر، وعالجت عدداً من قضايا الجرائم الفعلية، وبدأ الحديث عنها بوصفها ظاهرة إجرامية، لا مجرّد سلوكيات مرفوضة.
المرحلة الثانية: في الثمانينات، حيث طفا على السطح مفهوم جديد لجرائم الكمبيوتر والانترنت، ارتبط بعمليات اقتحام نظام الكمبيوتر عن بعد، وأنشطة نشـر وزرع الفيروسات الإلكترونية، التي تقوم بعملية تدميرية للملفات أو البرامج. وقد شاع اصطلاح (الهاكرز)، المعبّر عن مقتحمي النظم، لكن الحديث عن الدوافع لارتكاب هذه الأفعال ظلّ محصورًا في رغبة المحترفين تجاوز أمن المعلومات، وإظهار تفوّقهم التقني. لكن هؤلاء المغامرين أصبحوا أداة إجرام، وظهر المجرم المعلوماتي المتفوّق، المدفوع بأغراض إجرامية خطيرة، القادر على ارتكاب أفعال تستهدف الاستيلاء على المال، أو التجسّس، أو الاستيلاء على البيانات السرية (الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية).
المرحلة الثالثة: شهدت التسعينات تنامياً هائلاً في حقل الجرائم الإلكترونية، وتغيّراً في نطاقها ومفهومهاً، وكان ذلك بفعل ما أحدثته شبكة الانترنت من تسهيل لعمليات دخول الأنظمة، واقتحام شبكة المعلومات. وظهرت أنماط جديدة، تقوم على فكرة تعطيل نظام تقني، ومنعه من القيام بعمله المعتاد، وأكثر ما مورست ضد مواقع الانترنت التسويقية الهامّة، التي يتسبّب انقطاعها عن الخدمة لساعات، في خسائر مالية بالملايين.. ونشطت جرائم نشـر (الفيروسات) عبر المواقع الالكترونية، لما تسهّله من انتقالها إلى ملايين المستخدمين في ذات الوقت. وظهرت الرسائل المنشورة على الانترنت، أو المراسلة بالبريد الإلكتروني، المنطوية على إثارة الأحقاد، أو المروّجة للمواد غير القانونية، أو غير المشروعة.
ورغم تزايد الأبحاث، ومحاولات ابتكار أنظمة تكفل لأيّ كمبيوتر الحماية اللازمة، إلاّ أنه في المقابل يتمّ تطوير الإجراءات المضادة لهذه الحصون الأمنية. ومعنى ذلك أن خطر انتهاك أمن وسلامة الكمبيوتر، والجرائم المرتبطة به، سيظل قائماً ومستمراً مدى استمرارية التطور التكنولوجي.



منشور في مجلة الحوار | العدد 171 – 172 | صيف 2020

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق