01‏/07‏/2020

الســـحر وتسخير الجنّ والعلاج بالقرآن..


هفال عارف برواري
المقـدمـــة
  شغلت العالم الإسلامي أمور تافهة، جعلت المسلمين في الحضيض، وجعلتهم عالة على العالم أجمع، وجعلوا من القرآن العظيم كتاباً فقط للقراءة على الموتى، مع أنه جاء للأحياء، وجعلوه لعلاج الأغبياء، مع أنه جاء للعقلاء، وجعلوه مخدّراً للعقول، مع أنه جاء لتحريك العقول، وجعلوه مصدراً للاتّكال على القضاء والقدر، مع أنه جاء للتفكير والتحفيز والأخذ بالأسباب..
فالمسلمون لقرون عديدة انغمسوا في متاهات الإسرائيليات، واخترقت كتبهم كلّ الخزعبلات والخرافات والأساطير على مرّ التاريخ، وعاشوا في معتقدات خرافية لا أساس لها.. ومن المفجع أنّهم فسّـروا آيات القرآن على هذه الأسس، فتجدها في ملفات عقول غالبية المسلمين؛ مخزونة في ذاكرتهم.. والحقيقة أنه عند التكلّم عن آية
في القرآن، يجب أن تحكمنا:
1 -قواعد اللغة.
2 -قواعد استقصاء الكلمة في القرآن.
٣ - قواعد المعنى، ولازم المعنى.
٤ -والمراد من الكلمة في الآية.
٥- وكذلك أن يقابل الحجّة بحجّة من نفس المصدر..
أي عند التكلّم عن آية، فلا يكون الردّ بحديث، فلا يقابل القرآن بالسنّة، أو السنّة بالقرآن، عند دعم موضوع أو ردّه..
وقد تلطّخت أيدي اليهود بتحريف التوراة، وتأليف الأنجيل، ولكنهم وصلوا إلى قناعة إلى أنه لا يمكنهم تحريف القرآن، بعد أن حاولوا بجدّ في هذا الباب، فقرّروا الدخول من باب الأحاديث، والعمل على هدم العقيدة والتوحيد!! فدخلوا في إسرائيليات التفاسير، ووضع الأحاديث الموضوعة، اخترق بعضها لتصل إلى درجات الأحاديث الصحيحة!
أمّا التفاسير، فقد اخترقتها أيضاً الإسرائيليات، ومن أمثلة تفاسير الإسرائيليات أنّك عندما تقوم بقرائتها ستقول لك عن ابن عباس!! وإذا تكلّم ابن عباس، فما أدراك من تكلّم؟؟ وعند التحقيق فيه، سيجدون أنه غير مرفوع إلى الرسول؟
بالإضافة أنه لا يوجد جديد في المكتبة الإسلامية، ومن يجدّد سيتهم بالابتداع، وكما قال الله تعالى: [إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ]الزخرف.. والشيطان بطبعه لا يستحي من أحد حتّى يخفي ما سيفعله، فهو في حضرة الله قال بكل وضوح بيّنه القرآن [فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ]..

أوّلاً: قضية المسّ والشيطان والجنّ، وشرح المعنى الحقيقي لها:
فلو أنّ الجنّي أو الساحر يقوم بمنعك من القيام بأعمال معيّنة، كالزواج، أو التفرقة بين الزوجين، أو أي عمل آخر، بمعنى أن له قدرة على تغيير الأقدار! وله القدرة على السيطرة على ما تقوم به! فلماذا لا نعبد السّاحر، ولماذا لا نعبد الجنّي؟ ولماذا لا يرفع القلم عن المسحور؟! بل جاء في الحديث أن الذي يرفع عنه القلم هم: الصبي، والنائم، والمجنون، فقط.. فأين المسحور في الحديث؟! وإذا كان أحد ممسوساً، فكيف يشخّص حالة المسّ؟ وكيف يعرف أنّه ممسوس؟ وماذا يقرأ عليه؟ ومن أين أتى بهذا الدليل؟ وكيف نعرف أن هذا مسحور؟ لذلك، فمن باب أن القرآن هو تبيان: [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ]النحل، وأن القرآن هو منهج ودستور حياة، فعلينا إعادة النظر إلى مفهوم المسّ والجنّ والسحر..
آيات المسّ: يقول الله تعالى: [إن الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ، ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا، وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا، فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إلى اللَّهِ، وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]سورة البقرة..
والسؤال المطروح، والذي يستدلّ به هؤلاء، أنها دليل على أن الشيطان والجنّ يخترقون جسم الإنسان، ويتلاعبون به. فهل الآية تتكلّم عن المسّ، أو تتحدّث عن الرّبا؟  لا شكّ أن الآية تتحدّث عن الربا، وآكل الربا يوصف ويشبّه بالمجنون الممسوس ساعة أن يقوم يوم القيامة من قبره وهو يتخبّط كالمجنون.. فالمسّ مصطلح لغويّ معناه الجنون، حتّى إنه قبل الإسلام كانوا يطلقون على الجنون بمعنى المسّ! فالشيطان يتخبّطه لأنه ممسوس، أي هو كالمجنون والمريض نفسياً !!
فالجزاء من جنس العمل، فهو لم يحرّك الأموال لكي يستفيد ويفيد غيره، فأصبح كالمجنون الذي يستطيع الشيطان أن يتخبّط فيه، حتّى إن القرآن وضَّح ذلك عندما بيّن في الآية أنهم قالوا [إنما البيع مثل الربا]! فهذا كلام مجانين؟
كيف يكون البيع مثل الربا؟ عمليتان مختلفتان تماماً؟ والله أحلّ البيع وحرّم الربا.. فالأمر واضح.
وعندما نعكس الآية ونقلبها، نجد الجواب العكسي في (سورة الأعراف). وقد بيّنه القرآن:
[إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ]سورة الأعراف.. هكذا نفهم الآية.. فالمتّقي لا يستطيع أن يؤثّر فيه الشيطان، حتى في الوسوسة التي هي مهمّة الشيطان الرئيسة والأساسية.. لذلك بيّن القرآن في هذه الآية، على لسان الشيطان:
[قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ]، أي الأنبياء فقط.. لكن كان جواب الله: [إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ]. فالله وسّع دائرة عدم استطاعته للغواية كي يشمل كلّ عابد يعبد الله على حقّ، وحقّق العبودية الكاملة بالإخلاص !
هكذا نفهم مراد الله من الآيات البيّنات.. إذاً، لا علاقة بالمسّ الشيطاني والجنّي في هذه الآية..
وهل يتخبطه الشيطان بالمسّ، أو من المسّ؟
تأمّل في الآية مرّة أخرى ستجد أنها من المسّ. أي إنّ المسّ موجود عند المتخبّط أساساً، أي هو ممسوس أصلاً، فيتخبّطه الشيطان بالوسوسة فقط.. فالمسّ موجود للمتخبّط، والجن لا يمسّ، ولا يدخل، ولا يخرج!
واستخدامات المسّ في اللغة تأتي بمعنى الجنون والمرض النفسـي الذي فيه، ولا علاقة له بما تداوله النّاس عن كلمة ومعنى المسّ. فآكل الربا كالذي يتخبّطه الشيطان من المسّ.. أي إذا وسوس إليه أطاعه كالمجنون، وآيات الحجر تتحدّث عن طريق الغواية. والشيطان بطبعه - حسب نصّ آيات القرآن - لا يتمكّن من غالبيتهم بقوله تعالى: [إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ]الحجر.
وحتّى الذين له عليهم سلطان، ذكر الله على لسان الشيطان اعترافه، في قوله تعالى: [وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي، فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم]إبراهيم.. والاستجابة تكون بالوسوسة فقط دون الدخول والخروج واللمس واللبس.. كما بيّنته (سورة النّاس): [...الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ].. فالوسوسة تكون من الجنّ والنّاس..
والتراث كبَّر موضوع الشياطين، وجعل كيده عظيماً، مع أن الله يقول: [إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا]..
والقرآن العظيم ذكر وصف الشيطان في بداية خلق الإنسان الخليفة المتمثّل بآدم، والذي يعبّر بشكل دقيق عن قدرات الشيطان وإمكانيّاته..
في هذه الآية، ومن هذه الآية يتبيّن كلّ شيء، فأشهر آية هي:
[قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ. ثُمَّ لاتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَاٰنِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ  وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَٰكِرِينَ].. فلم يبيّن القرآن أنّه يدخل فيه أو يسحره.. فمجالات قدرات الشيطان أيضاً بيّنها القرآن بالتفصيل في قوله تعالى: [وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ، وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا]النساء..
١- الضلال
٢- التمنّي
٣- ومن ثمّ لآمرنهم
وأيضاً لا يوجد دخول والتحكّم فيه.
أمّا هذه الآية: [لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إلىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا]الإسراء ٦٢.
الاحتناك هو مقيّد وليس مطلقاً.. فهناك من لا يستطيع أن يحتنكهم، بل هناك من احتنكهم، ومن ثمّ تاب وخرج من الهالة الشيطانية.. والاحتناك ليس كما فسّـره المفسّرون بأنه يجعله كالدواب، يحرّكه كيفما يشاء! ولو كان كذلك لما كان أحد ملتزماً بصلاة أو صيام، ولرفع الحرج على الناس يوم القيامة!! لأنّهم مسيّرون تماماً! بل أصل الاحتناك هو تشبيه بالفَرَس فقط، لأن الاحتناك هي لغة بين الفارس والفَرَس، عندما يوجّه الفارس الفَرَس، بحيث يكون في مصلحة الفَرَس أيضاً، وإلا لن يستجيب الفَرَس للفارس! فهناك مثل يقول: (إنك تستطيع أن تجلب الجواد إلى النهر، لكنك لن تستطيع أن تجبره على شرب الماء)! أي إن الشيطان لن يسير الإنسان إلا بما يوافق هواه هو، وليس إجباراً ! لذلك الشيطان كان دقيقاً فيما يقوله!
إذاً لا مكان لما يقال بالمسّ الشيطاني، ولا للسحر، هنا أيضاً.
وعند التأمّل في هذه الآيات العظيمة الجامعة، ستجد العلاقة الحقيقية بين الإنسان والشيطان.
ومن السخف التحدّث بعد ذلك عن الجنّ والشيطان والسحر.
[قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا. وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ  وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا]الإسراء/64- 65.
فالله تحدّى الشيطان بعد مبدأ  الاحتناك، حسب هذا المفهوم الجديد، بل زاد على ذلك بأن يقوم بالاستفزاز أيضاً، عن طريق:
١- صوته، أي الوسوسة. واذا لم ينفعه هذا، فليكن:
٢- أجلب عليهم بخيلك ورجلك. وهو تعبير عن معركة كاملة: مشاة ومركبات! أي استخدام جنوده من الجنّ والإنس أيضاً، وشياطين الأنس أكثر سوءاً من شياطين الجنّ.
٣ - وشاركهم في الأموال والأولاد.. الأموال هي الربا والحرام والسرقات و .. و..  والأولاد، أي التفرقة بينهم، والمشاركة في النطفة، وفي البنية الأساسية للبنة الأولاد، بأن لا يكونوا من صلب الأبوين، كالزنا.. وليس كما قيل عن مشاركة الشيطان مع الزوجين عند المضاجعة الزوجية!!
فهل تركيبة الإنس هي ذات تركيبة الجنّ، في غرائزهم، حتّى يتمّ الجماع بينهم. إنها كارثة، لأنّه تمّ بعد ذلك تسويق فكرة أن هناك حالات زواج بين الإنس والجنّ. لكن السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هو: من الذي عقد القران بين الجنّ والإنس؟ هل هم من الأنس، أو الجنّ؟ أو هل هم مرضى ويتوهمون ذلك!!؟

ثانياً/ قضية الترابط بين الجنّ والإنس. ودليلهم هذه الآية، وهي قوله تعالى:
{وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا}الجن.
ويستدلّون بها على أن هناك ترابطاً بين الجنّ والإنس. فهذه الآية تتحدّث عن الماضي (كان)، أي قبل البعثة !ولم يقل وأنه ما زال رجال من الجنّ.. وقضية الاستشهاد بهذه الآية كانت خاطئة، فكلمة (كان) في حقّ الله فقط من الكينونة الأزلية الأبدية، أمّا ما عداه فهو فعل ماض ناقص ناسخ. فكلمة {كان رجال} هو ماض، أي فيما مضـى كان كذلك، وليس الآن..
وكلمة {رهقاً} لها معان عدّة في لسان العرب، وليس معناها كما يدّعيه من يدّعون تسليم الجنّ، وأن هناك من الجنّ من يسخّرون الإنس!! بل الصحيح أن لهم رهقاً، أي إنّ هذا الإنسان فيه مسّ، وهو ممسوس، أي كالمجنون والسفيه وخفيف العقل، لذلك لم يقولوا أعوذ بالله من الجنّ، بل قالوا نعوذ بالجنّ!! فزادوهم رهقاً، أي فزادوهم في الضلال وخفّة العقل. وقد كانوا كذلك في الماضي، فكان الجنّ يستغلّون الذين بهم رهق وهم في ضلال وخفّة العقل والجنون، بسبب بعدهم عن منهج الله. وسبب بعدهم عن الله هو اتّباع الهوى! كما قال تعالى:
{بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ  فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ  وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ}الروم..
أما حال الجنّ الآن، فكما بيّنه القرآن:
{وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ  فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا}الجن..
أي إنّهم لم يعودوا يستطيعون استراق السمع، إكراماً لنزول القرآن.. فقد عرف الجنّ أن القرآن نزل عندما كان يسترقون السمع، فوجدوا الشهاب، فعلموا أن هناك حدثاً عظيماً قد وقع! فأدلّتهم مردودة، عندما يكون دليلهم هذه الآية على تسخير الجنّ من قبل الإنسان !

ثالثاً/ الســحـر والساحر، والمعنى القرآني لها
هل الساحر هو الذي يتعلّم السحر، أم هو الذي يتعلّم تسخير الجنّ، لكي يقوم الجنّ بعملية السحر؟
وهذا الأخير هو الشائع بين النّاس، وهو موجود في التراث الإسلامي، مع الأسف.
لكن القرآن يقول إن الساحر هو الذي يقوم بتعليم السحر، وهو ما كان في عهد موسى عندما سحروا أعين الناس واسترهبوهم.. انظر إلى آيات القرآن:
{وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ  وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ  وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ  وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ  وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ  وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ  وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ  وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ  لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}.
نلاحظ هنا من الآيات أن الذي يعلّم السحر (أي الفاعل) هو جمع (الشياطين)، وفاعل التفرقة بين المرء وزوجه هو مثنى {منهما} (الملكين)!! أي إن هناك موضوعين مختلفين؟ فمهمّة الملكين كانت التفرقة بين المرء وزوجه، والله قد بيّن أنها فتنة، كي (لا) يقوموا بها؟ أي بيّنها الله لنا كي نبتعد عنها!! فكما هو الذي هدانا النجدين، أي بيّن لنا سُبُل الخير والشـرّ، فبيان سبيل الشـرّ لكي نتفاداه، وليس للترغيب فيه واتّباعه!
وعند ملاحظة بداية الحديث عن الملكين {وما أُنزل}، وهي ما نافية تنفي النزول.. وهو يوهم الناس أن علومهما إلهية، وصناعتهما روحانية، وهم لا يريدون إلا الخير.. والله يُكَذِّب في هذه الآية دعواهما أنهما ملكين جاءا من السماء لتعليم الناس، وكانوا يقولان نحن فتنة فمن لم يؤمن بنا فهو في الضلال المبين! والتعقيب الإلهي كان: وما هم بضارّين به من أحد، إلا بإذن الله! ولفظ الملكين موجود في العرف الجاري، ومصطلح السحر الشائع في تراثنا أنه الذي يفرّق بين المرء وأهله، وهذا ليس بصحيح مطلقاً، فالسحر هو سحر أعين النّاس مع خفّة اليد فقط، كما ذكره القرآن. أمّا التفرقة بين الزوجين، والتدخّل في تغيير سلوكيات البشـر، فليس بصحيح أيضاً، بل التفرقة تكون بالغيبة والنميمة. والشياطين هم من يعلّمون السحر، ولا يسخّرون الجن، كما روّج عبر التاريخ، ولم يقله القرآن!! ولم يقرن القرآن والسنّة ارتباطاً بين السحر والجنّ إطلاقاً، إلا ما شاع عند البعض في عصـرنا، مع الأسف.
فعند النظر إلى القرآن سنرى أنه تحدّث عن السحر في آيات من قصة البقرة، وفي قصة موسى فقط. وعند النظر إلى قصة فرعون، سنرى أن حُكم فرعون قائم على السحر، لكن السحر فيها هي {سحروا أعين الناس واسترهبوهم} فقط، فهو حكم قائم على الوهم، ولا يوجد فيه تسخير للجنّ مطلقاً !!
وقضية موسى مع فرعون هي قضية الحقيقة والعقيدة الصحيحة، مقابل عقيدة الوهم والتخيّل! فكانت العقيدة الصحيحة لموسى عندما ردّ على فرعون  :
١-  {وَقَالَ مُوسَىٰ يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ}.
من (التي تفيد للعاقل)، في مبدأ الألوهية المتمثّل بالعصا! فالله هو المحيي والمميت، والحيّة أحياها الله من الجماد، ومن ثمّ أماتها! والعصا رمز القوّة، فلا زوال لمُلك الظالمين إلا بالعصا والقوّة.
٢- ومبدأ الربوبية المتمثّل باليد، عندما ردّ على سؤال فرعون: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ}، (ما التي تفيد لغير العاقل)، فاليد تمثّل مبدأ الربوبية، التي كانت سمراء على هيئة جسمه، فأخرجها وهي بيضاء.. فهو ربّي وربّك وربّ العالمين الذي بيده كلّ شيء، وبهذه اليد سيتمّ نزع ملكك! فكان الردّ {قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ* يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ}الشعراء. أين موقع الجنّ؟ هل تحدّثوا عن الجنّ؟! فمن أين جاء تراثنا، وعلاجهم، بربطهم السحر بالجنّ؟؟ وربط السحر بتسخير الجنّ؟! وكيف يمكن للجنّ سرقة بعض من أموال الناس، ولا يستطيعون سرقة بنك دولي مثلاً؟! ولماذا يتدخّل الجن في المناطق الشعبية والطبقات الجاهلة، ولا يتواجدون في المناطق الراقية، وعند الطبقات المثقفة؟!
فالسحر في القرآن هو {فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ}الأعراف.
فالسحر هو - كما قلنا - التخييل الذي يقوم به الساحر معتمداً على خفّة يده، مع الاعتماد على الحالة النفسية للمشاهد، أي على حالة الرائي أو المشاهد النفسية. فهو نصّاب ينصب على المغفّل، ولا يستطيع أن ينصب على الواعي.
وللعلم، فإن ارتباط السحر بالجنّ لم يتحدّث عنه إلا بعد تحدّث (الأزهري) عنه، قبل ٥٠٠ سنة! طبعاً مع العلم أنه كانت الجنّ حينها - أيْ في عهد موسى- تسترق السمع، ولم يجدوا لهم شهاباً يترصّدهم إلا بعد نزول القرآن !{وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ  فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا}الجنّ. ومع ذلك لم يلجأ السحرة إلى الجنّ.. والله يذكّرنا في (سورة الجن) أن الله وحده هو عالم الغيب: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا}.
أما الحديث المروي عند (البخاري): ( من أكل حين يصبح سبع تمرات عجوة، لم يضـرّه ذلك اليوم سمّ ولا سحر)، فصحيح، لأن أكل التمر - علميّاً – وجد أن له فوائد مهمّة، من حيث مقاومة السموم! أمّا السحر، فقرآنياً هو التخييل فقط، ومصدر التخيّل يكون في العيون، أي يؤثّر على العيون. وللتمر فوائد علمية فعّالة في تقوية البصـر والتركيز. وهذا هو مراد الحديث، لا أكثر ولا أقل..
وكذلك الحديث المرويّ عن (مسلم)، في (سورة البقرة): (فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البَطَلَة). وقالوا إن (البطلة) بمعنى السحرة. والصحيح عند اللغويين أن البطلة ليس بمعنى السحرة، كما راج وترّسخ في عقلية المسلمين، وتمّ تداوله جيلاً بعد جيل، بل معناها أنه هو الذي يعمل عملاً ليس مطلوباً منه! أي يأتي بالعمل في غير المراد فيه، فكأنّما قام بإبطال العمل به، فالذي عمل به، والذي لم يعمل به، سواء! أي قرأوا سورة البقرة من أجل القراءة فقط!! هذا هو معنى الكلمة في هذا الحديث، فلا يستطيع أن يأخذ بركتها الذين يقرأون من أجل القراءة دون فهمها والعمل بها.. الأمر إذاً متعلّق بالعقيدة والعبودية. فالله هو المحيط، وهو المهيمن، وهو القوي، فأين مكان السحر؟! والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

رابعاً / روايات سحر الرسول:
أمّا ما هو موجود في  الصحيحين، أي في أحاديث البخاري ومسلم، عن سحر الرسول، فقد ردّها كثير من العلماء، أمثال الشيخ محمد الطاهر عاشور، وابنه الشيخ محمد الفاضل عاشور، علامة تونس، والشيخ محمد رشيد رضا، والشيخ محمد عبده، والشيخ أحمد مصطفى المراغي، والشيخ عبدالجليل عيسى (صاحب كتاب صفوة صحيح البخاري)، والشيخ محمد الغزالي، وغيرهم.. فما الضير أن يكون من بين ما يقارب ٧٠٠٠ حديثاً، بعض الأحاديث المردودة، أو غير الصحيحة؟! وقد انتقد العلامة المحدّث اللغوي الدارقطني ما يقارب ٢٠٠ حديث من الصحيحين، ومن غير المكرّر. فكل ابن آدم خطّاء، بل إن العالم الكبير أبو بكر الرازي الجصّاص، العلامة الحنفي الكبير، مجتهد المذهب، وصاحب كتاب (أحكام القرآن)، قال إنّ هذا الحديث وضِع من قبل الملحدين، ليشكّكوا في صدقيّة رسالة الرسول!! والغريب أنه يرويه عن هشام فقط، وعن عروة فقط، وعن عائشة فقط!! وهو أن يهوديّاً يقال له لبيد سحر الرسول!! فكيف يسحر النبيّ في بعض الرويات إلى ستة أشهر؟! حتّى صار يخيّل له - في بعض الروايات- أنّه يفعل الشـيء ولا يفعله!! وأنّه أتى زوجته، ولم يأتها! ثم إذا كان اليهودي لبيد - حسب الرواية المذكورة - نجح حقيقة في سحر الرسول، فلماذا لم يعدها مرّة أُخرى؟
ولماذا لم يسحر الصحابة من حوله، الذين كانوا أسهل لسحرهم من الرسول؟ وهل سحر آخرين قبل الرسول؟ ولماذا لم يسحر زوجات الرسول، حتّى يفرّقوا بين الزوج وأهله؟ إن قضية سحر الرسول وضعها اليهود الذين اخترقوا مؤسّسات تدوين الروايات، وكان الغرض من هذه الرواية الباطلة أن يشكّكوا في صدقيّة كلام الوحي المنزّل على الرسول، فهل كان واعياً حين نزل إليه الوحي؟ هل كان يهيّأ إليه عند نقل الوحي، فاختلط الوحي بكلام من عنده، أو حتّى من الشيطان، لأنه كان يهذي - حاشاه -؟! ولماذا لم تذكر قضية سحر الرسول في القرآن، بينما ذكر ما هو أقلّ شأناً من هذه الحادثة؟
علماً أنّ هذا الحديث مناقض تماماً للقرآن، ويعارضه، فقد بيّن القرآن: {إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا}الإسراء، فهل نحن من الظالمين الذين يقولون إنه قد سُحِر الرسول؟ وهو الذي قد ثبتت عصمته من عند الله {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس}المائدة، وهو الذي قال الله له: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ}الضحى.. بعد أن بيّن له الله أنه لم يدعه، ولم يقله، ولم يمنع عنه الوحي، ولسوف يكون ما يأتيه من الوحي بعد ذلك {وللآخرة} خير من بداية الوحي {الأولى}! وليس كما نفهمه أنه في الآخرة ستكون خير من الدنيا، فهذا يعرفه كل أحد! بل التطمين الإلهي جاء بعد قسم الله بالضحى ..
ثمّ ما هي آليّات السحر؟ فالحديث يتحدّث عن أخذ بعض من شعر الرسول، وهو في بيته، ليسحروه!! فمن الذي اخترق بيت الرسول؟ ومن الذي خانه؟ هل هنّ زوجاته، أم إحداهنّ، أم خدمه؟ ثمّ ما هي آليّات العمل على بعض من الشعر؟ ما الذي فعله الجنّ حتّى يهذي الرسول!! أو يتمّ التفريق بين المرء وزوجه؟ ولماذا لم يكرّرها ما دام نجح في أوّل مرّة؟ وكيف يقولون إن الجنّ قد حال بينه وبين قلبه، والله يقول: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}!
والله يقول لنا عندما نُصاب بشيء، أو يلمّ بنا هَمّ أو غمّ، أن نستعين بالصبر والصلاة: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ}.. وكان الرسول إذا حزبه أمرٌ  فزع إلى الصلاة..
وكيف يسحر الرسول، وقد أنزلت عليه سورة الفلق! {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ  * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}.. لكن كانت التفاسير تبيّن أن النفّاثات في العقد هي السحر والساحر!! وهذا خطأ كبير، فالنفّاثات هي أنّ النّاس التي تمشي بالنميمة لحلّ العقد والروابط، وليس عقد السحر..
فكلّ رابطة تسمّى عقدة لغةً.. وهذا هو مراد الله في الآية 102 المذكورة في (سورة البقرة): {وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ}.. أي التفرقة بين زوجين، أو شريكين، أو أيّ رابطة، وأيّ عقدة -كما يُقال في الشائع (عقد الزواج)- بالنميمة والغيبة، وهذه الأمراض النفسية التي تفتك بالعقد الاجتماعي. لذلك ختمت سورة الفلق بشـرّ الحاسد والحسد، التي هي من أخطر الأنواع الأُخرى، فالحسد مرض كارثي يريد زوال نعم الغير!

خامساً/ مشاركة الجني مع الإنسي، وقضية الاستمتاع والاستكثار!
أمّا عن مشاركة الجنّي مع الإنس، خاصّة في الجماع، بدليل الاستمتاع المذكور في القرآن، ناهيك عن الأحاديث!
فقد قاموا بتحريف المعنى اللغوي لكلمة الاستمتاع على أنّه المتعة الجنسية، مع أن القرآن يقول: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَـرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الْإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا}الأنعام. هناك نداء إلى معشـر الجنّ، لكن العجيب أن الردّ جاء من الإنس أولياء الجنّ! وهذا يدلّ على أن الجنّ يفعلون ويعملون ولا يتكلّمون، والإنس يتكلّمون بالنيابة عنهم!
والاستمتاع في كلمة (استمتع) لا علاقة لها - لغةً - بالجنس والشهوة، كما هو رائج، ولم يفسّرها أحد على أنّها بمعنى المتعة الجنسية. والمعنى الحقيقي للاستمتاع هو كما بيّنه الحسن البصري عندما قال: المعنى أن الجنّ أُمرت، والإنس نفّذت.. وأن شياطين الجنّ استمتعوا بالأنس الذين كانوا يتّبعونهم، بعد أن سجد الملائكة، ما عدا إبليس الذي كان من الجنّ، وأن الإنس استمتعوا باتّباع الجن، لأنّ الجنّ كان يقوم بحلّ مشاكله عوضاً عن الله! لذلك عند تكملة الآية التي تليها، فهي تبيّن أن الاستمتاع مرتبط بقضية الولاية، وأن معنى الاستكثار ليس بالزواج !! بل هو مرتبط بمفهوم الولاية أيضاً، والولاية هي الصحبة، والولاية للشيطان. فالشيطان يستكثر بمثل هؤلاء، وهم يستمتعون بتلك الولاية.
والآية تبدأ بكلمة {وكذلك}: {وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}، ومن طبع الإنسان أنك لا تجد أكثرهم شاكرين: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين}، {وما يؤمنون بالله إلا وهم مشـركون}.. لذلك يكون أولياء الشيطان كثيرون..
ثم كيف تكون هناك لذّة جنسية بينهما، وهما كائنان لا يلتقيان في أيّ شيء، فالإنسان مخلوق من التراب، والجنّ مخلوقات خلقت من النّار! ومعنى آية: {وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ} الإسراء، بمعنى من حيث استقطابه لكي يكون ولداً فاسداً، وليس المشاركة الجنسية!! أمّا الاستدلال بهذه الآية: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ}الرحمن، المعنى من الطمث، أي إن الإنسيّ لم يطمثها إنسيّ، والجنّي لم يطمثها جنّي.
أمّا عن كلمة تسخير الجنّ، فهو مفهوم كارثي على العقيدة الإسلامية، لأن التسخير لا يكون إلا لله. أمّا عن قصة سليمان، فقد سُخٍّر له الجن، أي من قبل الله: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ  وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ}سبأ، لاحظ كلمة {بإذن ربّه}..
{وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ}ص، وهي حالة خاصّة لسليمان عليه السلام، وحتّى في حادثة موته لم تعلم الجنّ بذلك، وقالت: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ}سبأ.. ولم يتحدّث القرآن في قصة سليمان عن اختراق الجنّ لجسم الإنسان!
فلو كان الجنّ يستطيع أن يدخل جسم الإنسان، فمعناه أنه قادر على ذلك منذ عهد آدم عليه السلام، فكيف لا يذكره القرآن؟ وكيف لا يقوم به إبليس، ويخترق كلّ البشـر؟ لكنه قال: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}ص، ولم يقل: فبعزتك لأدخلّنّ أجسادهم أجمعين!
لكن البعد التاريخي يقول إن هذه القضية قد بدأت مؤخّراً، وليس عمر هذا النوع من العلاجات التي انتشـرت بين المسلمين ذا جذور عميقة، فلم يكن ذلك في عهد الصحابة، ولا في وعهد التابعين، وإنّما دخل موضوع العلاج بالقرآن، وما شابه ذلك، منذ أن كتب فيه ابن تيمية، وتلميذه ابن القيّم، مع الأسف. وخاصّة عندما فتح الشيخ ابن تيمية باب الأخذ بالحديث الضعيف - طبعاً في الترغيب والترهيب -، ومن هنا بدأت بداية الدخول في باب الضعيف، وهذه المتاهة، وازداد الطين بلّةً في العصـر الفاطمي، وخاصة في مصـر، واستغلال الأزهر الشريف..

سادساً/ رؤية الجنّ وتفسير الأحلام
أمّا عن رؤية الجنّ، فإنّ أوّل من أنكر رؤية الجنّ هو الإمام الشافعي - رحمه الله - بقوله: (من زعم أنه يرى الجنّ رددنا شهادته، إلا أن يكون نبيّاً)؛ وهو ما يوافق قوله جل وعلا: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ}، ويعتبر صاحبه شاهد زور.. لذلك فالذي يقول إنه شاهد الجنّ، سنقول له بأن القرآن يقول: {إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم}،  أي إن الجنّ لا يُرى – قرآنياً -، ومن يدّعي أنّه يرى الجنّ فهو مريض نفسياً، يجب أن يُعالج !
والعقيدة الإسلامية قائمة على رفض وردّ كل ما يقال عن قدرات الجنّ والشياطين والسحرة، وأنّ النفع والضـرّ بيد الله فقط، كما بيّنه الله تعالى في كتابه: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}يونس..
أمّا عن تفسير الأحلام، فلا أحد يعلم تفسيرها، ولا يوجد علم له قواعده لكي نتعلّم على أساسه تفسير الأحلام. وهو أمر كان خاصّاً لإبراهيم وإسحاق، وأبنائه، وآل يعقوب -عليهم السلام-، فالله هو الذي علّمهم تأويل الأحاديث، وهو علم خاصّ بهم فقط، ولا علاقة له بفرع إسماعيل! بقوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}يوسف.. ويوسف لم يؤوّل كلّ الأحاديث، بل علّمه الله (من) تأويل الأحاديث. أمّا الرسول محمّد - صلى عليه الله وسلم - فقد أعطاه البلاغة اللسانية، ودقّة الكلمة، وجوامع الكلم..
ولذلك فكلّ فرد معرّض لوساوس الشيطان، وآليّة الخلاص من الوساوس هي التّقوى، لذلك يقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِـرُونَ}.. فكلّ منّا معرّض في صلاته وقراءته وعلمه وعمله، في كلّ فقرة من فقرات حياته، معرّض لطائف من المسّ، والعلاج هو التذكرة، ولا يفعله إلا المتّقون..

سابعاً/ هل القرآن هو علاج للأمراض، أو شفاء لها، كما روّج في هذا العصـر:
العلاج بالقرآن هي كلمة خاطئة، والصحيح لغوياً هو: الشفاء بالقرآن. فالقرآن هو شفاء، وليس علاجاً، ولكنه شفاء عقائدي! فهو كتاب عقائد وذكر وهداية، وهو كتاب شفاءٍ لما في الصدور. وقد ذكر الشفاء في القرآن في أماكن منها: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}، فهو شفاء للمؤمنين، وليس للمرضى! {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا}، {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ}. ومن العجب عند البحث في كتب الأحاديث، في البخاري ومسلم، نجد فيها (كتاب الطبّ)، لكن أحدهم لم يذكر عن العلاج بالقرآن، كما روّج له في عصـرنا وتاجر به المتاجرون بالدين!! بل لم يتحدّثوا حتى عن الشفاء بالقرآن! بل يوجد الشفاء بالعسل في حديث الرسول، ولم يذكر العلاج: "الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: شَرْبَةِ عَسَلٍ، وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ، وَكَيَّةِ نَارٍ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ".. فلا يوجد فيها علاج أو شفاء بالقرآن!! ولم يذكره الرسول!
بل إنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الكيّ، والحِجامة كانت علاج ذلك العصـر، فبقي العسل. لذلك بيّن القرآن عن العسل أن فيه شفاءً من المرض للنّاس أجمعين: {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}، فهو شفاء للنّاس جميعاً! أمّا القرآن، فهو شفاء لما في الصدور، وهو شفاء عقائدي من المعتقدات الخرافية التي تجتاح العالم، وهداية ورحمة وإنذار وموعظة وذكرى للعالمين.. فالقرآن هو علاج في تقويم العقيدة..
والعجيب أن الذين يعالجون الناس بالقرآن ممّا يسمّى بدخول الجن، يصرخون ويرتجفون عند سماع القرآن، مع أن الله يقول: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}!


ثامناً/ الرقية الشرعية
هذا المصطلح المتداول لم نر ما يعاكسه، أيْ: رقية غير شرعية، حتّى نقول إنها شرعية، والكل يقول إنها شرعية!
المهمّ حتى الرقية الشـرعية نهى عنها الرسول، وهو موجود في رواية صحيح مسلم! ثمّ رخّص في الحمّى والعين والنملة، وكان علاج عصـره آنذاك.
بل الحديث الموجود في البخاري ومسلم يتكلّم عن السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنّة بغير حساب، ومن صفاتهم أنهم (لا يرقون ولا يسترقون)، وعلى ربّهم يتوكلون! والرسول رقّى بالمعوّذتين، وليس بالفاتحة! وهناك حديث عن الفاتحة في أناس فعلوا ذلك، ولم يذكر الحديث أن الرسول استرقى بالفاتحة، أو أمر بذلك !
والاسترقاء كانت لأن أسباب الشفاء من المرض كانت محدودة جداً حينها. والرقية تستخدم في حالات الضيق في النفس والهموم الدنيوية، وفي الحالات التي تستشعر عند تلاوة القرآن بسلامة في الصدور والنفوس، والأفضل أن يسترقي الشخص هو بنفسه.

وأخيراً..
إن هذا الإله الحقّ لا يُعبد إلا بإذنه، ولا يُعلم إلا بعلمه. فآدم عليه السلام لما أكل من الشجرة، لم يأكلها بسبب الجوع، بل أكلها لأنه أراد أن لا يموت، وأن يكون من الخالدين! وفي هذه اللحظة كان آدم يعبد هواه.. لذلك على الشيوخ والعلماء أن يخافوا من اتّباع الهوى، قبل غيرهم من العوام، ومن السخرية أنه عند مقابلة كل هؤلاء الذين يسمّون بالشيوخ أنهم يقولون في الحقيقة إننا لم نر الجن يخترق الإنس، ولكن عند العامة لا يقولون ذلك، لأنه يؤثّر على أعمالهم ومكانتهم، وأيضاً تجارتهم!! والمجتمعات المغفّلة والجاهلة يحبّون من يقنعهم بالأوهام، وهؤلاء الشيوخ يجدون مكانتهم المرموقة والرفيعة عندهم، فيكتمون الحقّ والحقيقة!! فعندما يقول من يسمّون بالمعالجين إن هناك من عمل لك سحراً كي لا تتزوج، أو لا تنجب، فهل السحر أو الجنّ تدخّل في قدرة الله، والله سبحانه يقول: {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِير}، إنها إذاً قضية متعلّقة بالعقيدة، وقد ثبت علمياً أن الذي يُعالج والمعالَج الاثنين مرضى نفسيين!!
وهناك مقولة متداولة في علم النفس، وهي العلاج بالوهم!! أي إن المريض النفسـي يتقبّل أيّ نوع من العلاج من الذي يظنّ أن بيده الشفاء، وعند اقتناعه قناعة تامّة بالمعالج، فإنّ أيّ شيء يقوله له، يقتنع به تماماً، وتستجيب كل خلاياه بما يقوله، فيقتنع قناعة تامة أنه هو الذي قام بعلاجه، ولا يعرف أن قناعته التامة به أدت إلى شفائه من هذا المرض الوهمي أو الحقيقي.. فهو في الحقيقة يعالج نفسه.
ومن جهة أُخرى، إن طقوس علاج السحر، ودخول الجنّ وخروجه، موجودة في الديانات الأخرى، مثل المسيحية واليهودية، فيقوم القسّ مثلاً بعلاج المرضى عن طريق تعويذات من الإنجيل، ويستجيب مرضاهم لما يقتنعون به، ويتمّ شفاؤهم!! بل هناك من البوذيين والهندوس من يعالجون آلاف المرضى بتعويذاتهم وترنيماتهم المختلفة!! فهل عقائدهم ودياناتهم أيضاً صحيحة؟ أم أنهم يستغلون قناعات النّاس لكي يستخدمونها في فكّ عقدهم الوهمية، مع كسب مكانة رفيعة وهالة من القداسة المزيّفة عندهم .

المرجع:
الدكتور محمد هدايه:
-ماجستير في تحقيق التراث والمخطوطات، كلّية الدراسات العربية  .
-  دكتوراه تحقيق التراث العربي والإسلامي. موضوع الرسالة (مناهج بحث وتحقيق التراث الإسلامي بين الإصابة والخطأ).
- له دراسات معمّقة في إعادة تفسير القرآن، وتحرير الكلمة القرآنية، متّبعاً اللسان القرآني المبين.

منشور في مجلة الحوار | العدد 171 – 172 | صيف 2020

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق