01‏/07‏/2020

قراءة موضوعية سريعة لفيلم (الرسالة)


حامد محمد علي              
يعد فيلم الرسالة الذي يجسد سيرة الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) باختصار، واحداً من أنجح الأفلام السينمائية العالمية، وأکثرها إثارة وجاذبية.
 الفيلم تم إنتاجه عام 1976 من قبل المخرج الأمريكي الجنسية السوري الأصل (مصطفى العقاد)، وبنسختين؛ واحدة بالعربية والأخرى بالإنجليزية، بميزانية بلغت 10 ملايين دولاراً.. وقد جرى تصوير جميع المشاهد في المغرب، ولاحقاً في ليبيا، ويستغرق عرضه (198) دقيقة، أي 3 ساعات و 18 دقيقة.
 واجه الفيلم في البداية معارضة شديدة، خاصة من السعودية، إذ مارست ضغوطات على المغرب لإيقاف تصويره، كما أن مصـر منعت عرضه منذ البداية.
ولا شك أن تلكم المواقف كانت لها صلة بآراء علماء السعودية ذوي الاتجاه (السلفي)، وكذلك علماء الأزهر،
فيما يتعلق بإشكالية تجسيد الصحابة في الفيلم.
ومن الانتقادات التي وجهت فيما بعد إلى (الرسالة)؛ مشاهد المواجهات العسكرية (الغزوات) التي عكف المخرج على إبرازها، إذ قد توحي بأن الدعوة الإسلامية فرضت بحدّ السيف، كما يدعي بعض أعداء الإسلام. حيث لم يتطرق المخرج بهذا الوضوح إلى الخطوات المدنية والحضارية التي انتهجها الرسول في نشـر رسالته.
 أصحاب هذه الانتقادات يرون أن ثلمة الفيلم تكمن في الإيحاء للمشاهد بأن مهمة الرسول كانت مقتصـرة - طيلة أعوام النبوة والدعوة الـ23- على التسلح والاستعداد للغزوات والحرب فقط.
وأنا شخصياً كانت لدي ملاحظات على مشاهد من هذا القبيل في الفيلم؛ لكني لم أبح بها إلا نادراً، ولم أكتب عنها شيئاً، لأن الحديث عنها ربما سيجرنا إلى متاهات الاتهام والظنون والتشكيك بنوايا القائمين على إنتاج هذا العمل السينمائي الضخم. والله وحده عالم بالنوايا وسرائر القلوب.
 ربما قراءة بسيطة لسيرة حياة منتج الفيلم ومخرجه (مصطفى العقاد)، وهو سوري الأصل ويحمل الجنسية الأمريكية، وكذلك كاتب السيناريو الإيرلندي المسيحي (هاري كريج)؛ تثير شكوكاً في نفوس البعض.
لكن قراءة دقيقة وعميقة للفيلم تقودنا إلى جملة رسائل هامة ضمها محتوى الفيلم، تحتم علينا دراستها من نواح عدة. 
ومن هنا ارتأيت - نظراً لإثارتي المآخذ على الفيلم في المقدمة- أن أثبت عدة نقاط حول الرسائل المهمة التي استطاع هذا العمل السينمائي أن يجسدها باقتدار، مع أني أحسب أن مقاطع الغزوات أخذت فعلا حيزاً كبيراً من اهتمامات المشاهدين على حساب جوانب أكثر أهمية.. وهذه  النقاط هي:-
أولاً: الرسائل التي بعثها النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأباطرة، قبل أن يتخذ أية خطوة أخرى، وقد تضمنت مناشدات سلمية؛ لاختيار عقيدة التوحيد، واعتناق الإسلام؛ باعتباره خاتم الأديان السماوية، ولأنه الضمان الوحيد للفلاح في الدنيا والآخرة.
ثانياً: إظهار (بلال الحبشي) العبد ذو البشـرة السوداء، بوصفه رمزاً للمساواة في الإسلام، والبداية لمناهضة العبودية، وتراثها الشائع في المجتمع العربي، في تلك الحقبة من الزمان.
ثالثاً: إظهار شجاعة وفتوة (حمزة بن عبد المطلب)، وبطولته كفارس، حيث شكّل إسلامه قوة معنوية كبرى للرسول ذاته، وللقلة المؤمنة به صلى الله عليه وسلم.
رابعاً: إظهار كيفية إسلام (عمر بن الخطاب)، وما أحدثته الآيات القرآنية من تأثير فيه، حتى تمكنت من قلبه وروحه، وخطت وجهته الجديدة، فبات هو الآخر (رضي الله عنه) سنداً للنبي ورسالته.
خامساً: إظهار حجم تضحيات صحابة الرسول في سبيل تحقيق رسالة الإسلام، ابتداءً من أبي بكر الصديق الذي كان على استعداد تام للتضحية بحياته حين رافقه في الهجرة، والاحتماء من المشركين في غار جبل ثور، بالإضافة إلى إعتاق بلال، ومواقف أخرى، مروراً بـ (علي بن أبي طالب) الذي افتدى الرسول؛ حين نام في فراشه ليلة الهجرة إلى المدينة، حماية له من مكيدة مشركي قريش.
سادساً: مشاهد أظهرت دور النساء في مسيرة الدعوة الإسلامية؛ منذ بداية نزول الوحي لغاية الفتح المبين، إذ لم يكن دورهن أقل من دور الرجال، فقد بينت المشاهد دور (السيدة خديجة) في الشد من أزر الرسول ليلة الوحي الأولى، وكذلك دور (أسماء بنت أبي بكر الصديق) في الترتيب للهجرة إلى المدينة، ناهيك عن دور (سمية) إلى جانب زوجها ياسـر، واستشهادهما على أيدي أكابر من مشركي قريش، فقد عدّت أول شهيدة في الإسلام.
ومما سبق؛ أمثلة حصرية لنماذج من تضحيات الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وهناك عشرات الأمثلة الأخرى قد ورد ذكرها بالتواتر في مصادر عديدة.
سابعاً: الهجرة الأولى للمسلمين إلى الحبشة، ونجاح رئيس الوفد (جعفر بن أبي طالب) في محاورة النجاشي، والتأثير في موقفه، بعد بيان موقف الإسلام (كما جاء في القرآن) من المسيح ابن مريم.
لا شك أن مشهد الحوار بين جعفر والنجاشي هو بحد ذاته رسالة مهمة وواضحة إلى العالم المسيحي.
ثامناً: إبراز مشهد بناء  المسجد بجهد جماعي، كأوّل خطوة للرسول صلى الله عليه وسلم، بعد هجرته إلى (المدينة)، إذ يمكن اعتبار ذلك أولوية و عملاً هادفاً توخى إظهار دور المسجد في حياة المجتمع الإسلامي.
تاسعاً: صياغة وثيقة المدينة، بوصفها دستوراً ينظم العلاقة بين جميع مكونات المدينة، وتثبيت مبادىء التعايش السلمي المشترك، وتحديد الواجبات والحقوق. وهذه الوثيقة بحسب رأي الكثير من المختصين والخبراء أول دستور مكتوب في تاريخ الإنسانية.
عاشراً: إيلاء الفيلم الاهتمام بـمسألة (التوحيد)، باعتباره أساس الإيمان الذي ينادي به الإسلام.
حادي عشر: إظهار نوع العلاقة بين الرسول وعمه (أبو طالب)، فرغم مساندة الأخير له، لكن الرسول لم يساوم على رسالته البتة.
ثاني عشر: إبراز دور الشباب في مساندة الرسول، بعد الإيمان المطلق برسالته، فكانوا يحيطون به، ويذودون عنه، بخلاف الشيوخ، كما ورد في الحديث الشريف.
ثالث عشر: لا شك أن النسخة الإنجليزية للفيلم، أتاحت لإجيال من غير المسلمين -بكافة مستوياتها- الاطلاع على سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم والتعرف على رسالته السمحاء.
ورغم مرور 44 عاماً  على إنتاجه بتلك التقنيات البسيطة، لا زال هذا الفيلم يمنح متعة المشاهدة الممتزجة بعمق المعنى ،ورغم معارضة البعض له ، إلا أنه أصبح مرغوباً ومتداولاً في جميع البلاد العربية والإسلامية تقريباً فيما بعد، وما زال يحتفظ بحيوته وجاذبيته حتى اليوم.
وختاماً، آمل أني قد وفقت - من خلال هذه القراءة السـريعة- في الإشارة إلى الجوانب المهمة لهذا الإنتاج السينمائي الإسلامي الضخم.



منشور في مجلة الحوار | العدد 171 – 172 | صيف 2020

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق