الأحد، 1 يوليو 2018

بدايات ظهور العلمانية في كوردستان


أ. د. فرست مرعي
العلمانية ذلك المصطلح الذي أثار من الجدل والصراع منذ بداية القرن العشـرين ما لم يثره مصطلح آخر في المجتمعات الإسلامية؛ حتى غدت ثنائية العلماني والإسلامي أكثر الثنائيات تداولاً، وأعتاها تأبيّاً على التجاهل أو التناسي، فضلاً عن الإهمال والتلاشي. ولم يكن المجتمع الكوردي، أو بالأحرى كوردستان، بدعاً في هذا المجال. فكانت غالبية أراضي كوردستان واقعة تحت حكم دولة الخلافة العثمانية، وكان يطلق عليها (كوردستان العثمانية)، فيما كان الجزء الأصغر واقعاً تحت سيطرة  الدولة القاجارية، ويطلق عليها(كوردستان الإيرانية).
وعندما بدأت الأفكار الأوروبية الحديثة، الخاصة بالعلمانية والديمقراطية والقومية، تصل تباعاً إلى عاصمة الخلافة العثمانية (الاستانة – استانبول)، فلا غرو أن تأثر بها المثقفون الكورد؛ من موظفين وضباط وطلاب المعاهد العالية، كما أن سيطرة جمعية الاتحاد والترقي على مقاليد الأمور عام1908- 1909م، وعزل السلطان عبد الحميد
الثاني، والمناداة بالجنس التركي، كل ذلك أفضى إلى تساؤل النخبة المثقفة الكوردية، وغيرها، عن مدى شرعية هذه الدولة، التي كانوا لا يزالون يعدّونها دولة الخلافة التي يجب عليهم إطاعة أوامرها في حدود الشرع الإسلامي.

ظهور الجمعيات الكوردية
   يبدو جلياً أن أول جمعية كوردية قد ظهرت في تلك الحقبة عام 1908م، وهي: (جمعية التعاون والترقي الكوردية)، التي كان جلّ أعضائها من أبناء رؤساء العشائر، ومن المثقفين الكورد، وكانت مبادئها تجمع بين الإسلام والقومية. وقد بعث مؤسسو الجمعية رسالة إلى السفير البريطاني في الاستانة، تضمنت الأسباب التي دفعتهم إلى تشكيل الجمعية، مطالبين منه إشعار حكومته بذلك، ودعوتها إلى تقديم العون والمساعدة للشعب الكوردي لتحقيق أهدافهم. ومع ذلك، فإنها كانت تتوقع مد يد العون من فرنسا، في تلك الحقبة، لأنهم كانوا متأثرين - إلى حدّ ما - بالأفكار الديمقراطية لمبادئ الثورة الفرنسية (حرية – إخاء – مساواة)، نتيجة العلاقات التاريخية بين الباب العالي والحكومة الفرنسية، واعتماد النظام القضائي العثماني على التشريعات الفرنسية والسويسرية، بعد إقرار نظام الإصلاحات العثماني، الذي أقرّ في منتصف القرن التاسع عشـر جراء ضغوط أوروبية بشأن كيفية التعامل مع الأقليات غير الإسلامية، واعتبارهم مواطنين؛ كل ذلك مما زاد من جرعات المنتجات الحضارية غير الإسلامية، في الساحتين السياسية والثقافية للمثقفين المسلمين العثمانيين من شتى الأعراق: التركية والعربية والكوردية وغيرها.
   وفي التاسع من شهر آب 1912م، قرّر بعض الطلاب الكورد، الدارسون في معهد (خلق ألي زراعي)، وأكاديمية الطب، في استنبول، تأسيس جمعية (هيفي الكوردية- أمل الكورد). وكان لعائلة (جميل باشا)، من (ديار بكر)، الدور الأساسي في تأسيس هذه الجمعية، التي كان لها دور أساسي في الحياة السياسية الكوردية فيما بعد، وفي إيقاظ الشعور القومي الكوردي. وعقدت الجمعية مؤتمرها الأول في مدينة (لوزان) السويسـرية في عام1913م، وانتخب فيها (ممدوح سليم) سكرتيراً للجمعية، الذي هاجم في كلمته الافتتاحية مواقف بعض رؤوساء العشائر الكوردية تجاه القضية القومية، كما انتقد الدعوات المطالبة بعدم تدخل الشباب الكوردي في السياسة. وعلى الرغم من القيود التي فرضتها السلطات العثمانية على (جمعية هيفي)؛ إلا أن أعضاءها قرروا مواصلة نشاطهم الثقافي والسياسي، بهدف تعريف الشعوب العثمانية بالهوية الكوردية، فأصدروا في نفس العام 1913م مجلة (روزي كورد- شمس الكورد)، التي كانت ذا توجه قومي وثقافي في آن واحد، حيث تناولت، في أعدادها الصادرة، طبيعة الحركة الكوردية، ونضال الشعب الكوردي من أجل الحرية والاستقلال ضمن الدولة العثمانية، لا سيما بعد أن سمحت الحكومة العثمانية للقوميات غير التركية بالتعبير عن آرائها.
    إلى جانب هاتين الجمعيتين، تأسست في الرابع من تشـرين الثاني/نوفمبر 1913م، في كوردستان إيران، وبالتحديد في مدينة (خوي)، جمعية (جيهانداني- العالمية)، من قبل (عبدالرزاق بدرخان باشا)، هدفها نشر الجانب التعليمي والثقافي بين سكان المدينة. ويبدو أن السبب في تشكيل الجمعية خارج الأراضي العثمانية، هو أن عبدالرزاق بدرخان كان ملاحقاً من قبل السلطان العثماني عبدالحميد الثاني، بتهمة العلاقة مع روسيا، وفيما بعد ألقت السلطات العثمانية القبض عليه سنة 1916م في مدينة (رواندوز)، في كوردستان العراق، وحكمت عليه بالإعدام، بتهمة التخابر مع دولة أجنبية (= روسيا القيصرية).
   ومن الجدير بالذكر، أن حزب خويبون (= الاستقلال) يعتقد بأنه أول حزب كوردي قومي ليبرالي، تأسس عام 1927م في مدينة (بحمدون) اللبنانية، عبر توحيد أربعة منظمات كوردية، بدعم أرمني وفرنسي. وكان من أبرز قادته: الأمراء من أسرة بدرخان باشا: (جلادت بن أمين عالي بن بدرخان باشا)، وأخاه (كاميران بدرخان)، وبعض الشخصيات من أسرة جميل باشا، وبعض رؤساء العشائر الكوردية المتنفذة في سوريا. وبهذا الصدد، فإن زعيم الحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني (= عبدالرحمن قاسملو- قتل في شهر تموز/يوليو عام 1989م على يد المخابرات الإيرانية في النمسا) هاجم هذا الحزب بقوله: "... وبالنظر لضيق مصالح قادة الحزب(= خويبون) لم يناشد الحلفاء الحقيقيين (= الاتحاد السوفيتي)، بل اعتمد على تأييد الدول الاستعمارية(= فرنسا)، التي كانت ترى المسألة الكوردية وسيلة للضغط السياسي على تركيا...".
    وعلى السياق نفسه، فقد تأسس حزب (هيوا- الأمل) المحافظ، من شخصيات عشائرية ومثقفين، في كوردستان العراق، عام 1939م، بزعامة (رفيق حلمي) ذي الميول البريطانية.

أسباب تغير آيديولوجيات الأحزاب الكوردية من الليبرالية إلى اليسار:
    هناك أسباب عديدة لتغير أفكار وآيديولوجيات الأحزاب والمنظمات الكوردية تباعاً من الليبرالية إلى اليسار، أثناء سنوات الحرب العالمية الثانية، وما بعدها، يبدو أن أهمها خسارة النازية، بقيادة هتلر، وبروز الاتحاد السوفيتي كقوة عظمى مؤثرة، والتي كان الحزب الشيوعي يقود مقاليد الحكم فيها، وقرب كوردستان جغرافياً منه، والدعم السوفيتي للقوى الديمقراطية(= اليسارية) في كوردستان إيران، على حدّ تعبير السياسي الكوردي الإيراني ( عبد الرحمن قاسملو)، حينما تأسس الحزب الديمقراطي الكوردي في جمهورية مهاباد في كوردستان إيران عام 1945م، وما تلاها من تأسيس الحزب الشقيق له (= الديمقراطي الكوردي) في كوردستان العراق في 16 أب/اغسطس عام 1946م، حيث كانت مصطلحات الماركسية والاشتراكية واضحة في بنود وبرامج هذه الأحزاب التأسيسية الكوردية، التي كانت غالبيتها، أو جلها الأعظم، ماركسية أو يسارية، لأنها تشكّلت من تيارات وحركات شيوعية أو يسارية، لا سيّما بعد انتصار الاتحاد السوفيتي على المانيا الهتلرية عام 1945م ، وتأسيس جمهورية مهاباد في كوردستان إيران عام 1946م، المدعومة سوفيتياً، بعكس الحقبة الأولى، حيث كانت غالبية الأحزاب والمنظمات الكوردية قومية محافظة، أو ليبرالية، تعتمد على دعم المستعمرين البريطاني أو الفرنسي.
   كما لا يمكن نسيان دور الحزب الشيوعي العراقي (= تأسس عام 1934م)، وفرعه الكوردي (= شورش- الثورة)، في الترويج للفكر الماركسـي- اللينيني (= الإلحاد)، ومعاداة الإسلام، كدين ونظام معاً، عن طريق التهجم على علماء الإسلام (= الشيوخ والملالي)، واعتبارهم سند الرجعية، في حين أن الأحزاب الليبرالية تعادي الإسلام كنظام حياة، وتنادي بفصل الدين عن الحياة.
 لذا، فإن المراقب والمتتبع يرى بوضوح بأن العلمانية، التي تنادي بها الطبقة الحزبية والمثقفة على الأبجديات الماركسية – اللينينية والماوية، هي علمانية متشددة (= لائكية) على الطراز الفرنسي أو الآتاتوركي التركي؛ التي تحاول استئصال جذور الإسلام من كوردستان، بشتى السبل؛ حتى وصل الأمر بها إلى اتهام الإسلاميين المعتدلين بالإرهاب!، بل واتهام الإسلام، وعقائده وتشريعاته، بالتخلف والظلامية! إلى غيرها من مفردات قاموسهم الأسود.
وللأمانة فإن الأفكار العلمانية قد غزت المجتمع الكوردي، مثله في ذلك مثل بقية المجتمعات الإسلامية المحيطة به، لأسباب عديدة، قد لا يكون المجتمع الكوردي بدعاً في هذا المجال. فضلاً عن ذلك، فإن الأحزاب الكوردية العلمانية، بشتى أصنافها؛ من قومية ويسارية (= اشتراكية وماركسية)، كان لها دور كبير في تعزيز القيم المناوئة للإسلام، دينًا ونظام حياة، خاصة بعد سيطرتها على مقاليد الأمور في كوردستان العراق، اعتباراً من سنة 1992م، ولحدّ كتابة هذه الأسطر.
ويبدو واضحاً أن الحزبين الرئيسيين: الديمقراطي الكوردستاني(= حدك)، والاتحاد الوطني الكوردستاني(= آوك)، وبعيداً عن صراعهما على السلطة، كانا في مواجهة الإسلاميين، منهمكين في نضال خفي حول التوجه الذي يجب أن تتخذه الحركة القومية الكوردية، وكذلك حول تحديد هوية وتوجه حكومة إقليم كوردستان العراق. فالقيادة الكوردية كانت تتباهى دائماً بتزعمها حركة قومية علمانية ديمقراطية. وبالفعل، كما يوضح أحد الباحثين العراقيين الماركسيين (= فالح عبدالجبار): "فإن الفكر القومي الكوردي كان يتميز بصبغة إثنية علمانية، تتناقض تناقضاً صارخاً مع الفكر الإسلامي الذي انتشـر في العالم العربي... وأصبحت مقاتلة الإسلاميين المتشددين مشـروعاً مشتركاً لـ(حدك) و(آوك)، للفوز بدعم الكورد من ذوي الفكر العلماني، والنجاح في نفس الوقت، في تحسين صورة الكورد في أعين الولايات المتحدة، وتوحيد الصفوف معها، عشية حرب العراق".

وفي عام 2002م، أعلن برهم صالح، رئيس حكومة إقليم كوردستان/ إدارة الاتحاد الوطني الكوردستاني: "أن كوردستان ستصبح منارة للديمقراطية في المنطقة". وعلى السياق نفسه، ذكرت صحيفة Kurdish Globe في 9 مايس/ أيار عام 2007م : "بدأت في أيار/ مايس 2007م حملة جمع تواقيع، دعماً لفكرة علمنة دستور إقليم كوردستان(= العراق)".
وعلى الوتيرة نفسها، تقول ناشطة كوردية في مجال حرية المرأة (= هوزان محمود)، في لقاء مع صحيفة (هاولاتي- المواطن)، في عددها الصادر في مارس 2010م، التي تصدر في مدينة السليمانية: "إن قانون الأحوال الشخصية الحالي يحافظ على العادات الأبوية والدينية المحافظة، والتي فيها تمييز ضد المرأة. لقد فشلت الحكومة فشلاً ذريعاً في مجال تحقيق المساواة، وحقوق المرأة، والحقوق والحريات الفردية. فهم يصـرّون على تطبيق الشريعة الإسلامية، والمحافظة على التقاليد القومية والقبلية والدينية، بدلاً من القانون العائلي المعاصر. إن مشكلاتنا الأساسية تكمن في الطبقة الحاكمة، التي تقسم المجتمع على أساس الجنس والدين والقومية والعرق".
وهذه الحملة، التي قادتها ناشطات كورديات أخريات، بدعم خفي من الأحزاب العلمانية الكوردية الحاكمة، وغير الحاكمة، بالإضافة إلى الجمعيات الغربية المطالبة بحقوق المرأة، وعن طريق حملة منظمة بواسطة الإعلام المرئي والمسموع والمقروء، فضلاً عن المنتديات الثقافية والمحاضرات الأسبوعية المتنوعة للطبقة المثقفة، كاتحاد الأدباء والكتاب وغيرهم، التي كانت تتهجم على ثوابت الإسلام دون خوف أو وجل، في الوقت الذي كان الرقيب يقابل كل همسة أو نسمة تمسّ الأقليات الدينية غير الإسلامية، بالويل والثبور وعظائم الأمور؛ ما جعل البرلمان المحلي (= المجلس الوطني الكوردستاني) يحاول إصدار تشريعات قانونية تتنافى مع ثوابت الإسلام، كمنع تعدد الزوجات، التي كانت محل استياء التيار الإسلامي، والتقليدي، على استحياء، رغم تقاطعه التام، قانونياً ودستورياً، مع الدستور العراقي، الذي أقرّه حوالي 78% من سكان العراق، بما فيه إقليم كوردستان، حول عدم إصدار أيّ قانون يتعارض مع بديهيات الإسلام وثوابته.

كما يجب أن لا ننسى جهود المنصّرين (= المبشّرين)، البروتستانت والكاثوليك، في الترويج لبضاعتهم في كوردستان العراق، لا سيما بعد حربي الخليج الأولى والثانية. وكانت الحكومة المحلية الكوردية تمنح قطع أراضي لهؤلاء المنصـّرين، لبناء كنائسهم ومدارسهم التنصيرية عليها، وتمنح مؤسساتهم الموافقات الأصولية، لفتح المعاهد والمدارس والمكتبات، وطبع الكتب باللغات العربية والكوردية، بلهجتيها الرئيستين (الكرمانجية الشمالية والجنوبية)، حيث يتعلم الكثير من أبناء المسؤولين في هذه المدارس التنصيرية، وغيرها من المدارس الأجنبية المتواجدة في الإقليم، رغم خطورتها على النشء، بحجة تعليم اللغة الإنكليزية. حتى وصل الأمر بأحد المسؤولين الكبار في حكومة الإقليم إلى القول: "إنه يحبّ أن يرى كورداً دخلوا في المسيحية، على أن يراهم مسلمين متشددين".
ومن الجدير بالإشارة، أنه تمّ فتح جامعتين أمريكيتين في مدينتي السليمانية ودهوك، على التوالي، وتمّ صرف مبالغ طائلة لإنشاء بنايات ومنشآت الجامعتين من ميزانية الحكومة المحلية، ومن الهبات والتبرعات، التي أغدقها عليها بعض أغنياء مدينة السليمانية تحديداً. وهاتان الجامعتان تذكّران بجامعتي بيروت والقاهرة، التي أنشأها المرسلون البروتستانت الأمريكيون في العالم العربي؛ الأولى في بيروت قبل أكثر من قرن، لإنشاء جيل جديد يتربى على قيم وأخلاق الغرب، ولكي يتبوأ مكانه في عملية قيادة المجتمع العربي فيما بعد. والأمر كذلك بالنسبة للمجتمع الكوردي، بعد قرن كامل تقريباً.
وفي الثامن من شهر كانون الأول/ ديسمبر عام2015م، ولأول مرة على مستوى الشـرق الأوسط، تمّ افتتاح الجامعة الكاثوليكية في بلدة عينكاوه المسيحية، إحدى ضواحي العاصمة أربيل، برعاية السيد نيجيرفان بارزاني، رئيس حكومة إقليم كوردستان..
وتستطيع هذه الجامعة الاستفادة من خدمات ( 215) جامعة كاثوليكية، والتي توجد في أكثر من 65 دولة حول العالم، كما جدّد التأكيد على أن هذه الجامعة مفتوحة للجميع، ولا تفرق بين أي طالب يدرس فيها.
كما عبّر المطران بشارة وردة، رئيس أساقفة أربيل، عن شكره لرئيس إقليم كوردستان، ورئيس حكومة الإقليم، والمسؤولين، لدعمهم فتح الجامعة الكاثوليكية.
ومن جهة أخرى، فإن الهيئات التنصيرية تحاول بشتى السبل الضغط على المؤسسات التشـريعية والتنفيذية، ومنظمات المجتمع المدني، في إقليم كوردستان العراق، بقصد تغيير قانون الأحوال الشخصية المبني على الشـريعة الإسلامية، للسماح للكورد المرتدين (المتنصّرين) بتغيير هويتهم الإسلامية إلى الهوية النصـرانية، وكذلك الأمر بالنسبة لعوائلهم التي تنصّرت، ومن ثمّ جعله قانوناً ساري المفعول، في إشارة إلى حرية المعتقد والضمير، وعدم اعتبارهم مرتدين طبقاً لأصول العقيدة الإسلامية، التي لا تزال سارية المفعول في جميع أنحاء العراق، بما فيها إقليم كوردستان. 

مسارب العلمانية في كوردستان:
    لا يمكن إجراء أيّ مناقشة للتاريخ السياسي الكوردي، أو لغيره من الشعوب العثمانية، أو للأفكار القومية أو العلمانية، من دون ذكر الجمعية العثمانية (الفتاة)، التي كانت شديدة التأثر بالمفكرين الفرنسيين الذين سبقوا الثورة الفرنسية الكبرى، وكانت أعمال هؤلاء قد ترجمت قبلئذ إلى اللغة التركية، مثل: (جان جاك روسو)، و(مونتسيكيو)، وسواهما. وكانت النزعة القومية الليبرالية عند جماعة (العثمانية الفتاة) ما تزال متلبسة لبوس المفاهيم الإسلامية التقليدية.
وعلى سبيل المثال، فإن (علي سوافي)، أحد مفكري جماعة (العثمانية الفتاة)، دعا إلى القيام بـ "إصلاح ديني، بوصفه نقطة انطلاق إحياء الدولة الإسلامية والقانون الإسلامي". ونجد أن هذه الجماعة شرحت أن (حب الوطن من الإيمان)، اعتماداً على الحديث النبوي (= مشكوك في صحته)، مثلما أكّدت أن الدستورية ليست سوى مبدأ الشورى في ثوب آخر. وكان هذا التداخل بين الديني والدنيوي سبباً في توصيف علي سوافي بأنه (لاهوتي ليبرالي)، أو (ثوري معمم). وأن هذا المثقف بالذات، هو الذي قطع الصلة بالوطنية العثمانية، مباشرة عقب الحرب البروسية- الألمانية – الفرنسية عام 1870م، لينتقل بالكامل إلى مفهوم القومية (التركية)، المختلف عن الولاء الإسلامي العثماني. وهذا ما أفصحت عنه بوضوح (جمعية تركيا الفتاة) التي خلفتها.
توجّت هذه الحركة، أو الثورة، كما تحلو للاتجاهات العلمانية تسميتها، بسنوات كثيرة من النشاط السري في الدولة العثمانية، بعد انبثاق جمعية الاتحاد والترقي منها،  والتي كان أتباعها من أصول قومية متنوعة، وذوي مطامع متناقضة غالباً. إلا أنه على الرغم من هذه الفروق؛ كان يوحدهم إعجابهم المشترك بالمؤسسات الغربية، وكراهيتهم الشديدة للسلطان العثماني عبد الحميد الثاني، وكان الأعضاء الرئيسيون للجمعية، الذين هربوا من الدولة العثمانية، واستقروا في أوروبا، متشبعين بالأفكار الاجتماعية والسياسية الغربية، وكانوا متأثرين خاصة بأفكار المساواة والتحرر التي دعت إليها الثورة الفرنسية عام 1789م، والنزعة القومية المتشددة بعيد عام 1848م، إثر صعود الحركات القومية الألمانية والإيطالية وقتذاك، في سبيل تحقيق الذات القومية في أمة – دولة، ومذهب الوضعية الكونتية (نسبة إلى المفكر الفرنسي أوغست كونت).
وتأثرت جمعية الاتحاد والترقي، بوصفها منظمة تآمرية سرية، بعدد من الجمعيات السـرية الأوروبية، خصوصاً: الكاربوناري الإيطالية، والمنظمة الثورية المقدونية الدولية، والماسونيين.
وهذه الحركة، كما هو معروف/ طوّرت اتجاهين: لا مركزي، يستهدف إعطاء المجموعات الإثنية (= القومية) غير التركية حقوق استقلال ذاتي (بما في ذلك العرب والكورد)، واتجاه آخر مركزي متشدد (= الاتحاد والترقي)، يركّز على الإصلاح الدستوري للدولة المركزية.
لعب الكورد، أو بعض الأشخاص من ذوي الأصول الكوردية، دوراً مهماً في الجمعية      (= الاتحاد والترقي)، منذ تأسيسها على يد الطلاب عام 1889م، وكان اثنان من الأعضاء المؤسسين لجمعية الاتحاد والترقي كورديين، هما: إسحاق سكوتي، وعبدالله جودت، وانضمّ كورد بارزون إلى الحركة، وشاركوا مشاركة فعالة في نشاطاتها. واعتقل عدد من أعضائها عام 1895م، وأرسلوا إلى المنفى، ومنهم: إسحاق سكوتي؛ الذي نفي إلى (جزيرة رودس)، التابعة لليونان، وعبدالله جودت؛ الذي نفي إلى طرابلس الغرب في ليبيا.
واشترك كوردي آخر، هو الشيخ عبد القادر بن الشيخ عبيدالله النهري (= قائد الثورة الكوردية لعام 1880م ضد الدولة القاجارية الإيرانية)، في مؤامرة فاشلة لجمعية الاتحاد والترقي، للانقلاب على السلطان عبد الحميد الثاني، عام 1896م، وقد أعدم في شهر حزيران/يونيو عام1925م، بتهمة المشاركة في ثورة عام 1925م الكوردية، بقيادة الشيخ سعيد بيران، ضد السلطات التركية الكمالية.
وكان السلطان عبد الحميد الثاني - قبل قيام حركة الاتحاد والترقي بالسيطرة على مقاليد الأمور في الدولة العثمانية عام 1908م - قد أنشأ سنة 1892م تشكيلاً عسكرياً يدعى بالفرسان الحميدية، وقد أدخل في هذا التشكيل الآلاف من رجال القبائل الكوردية، للاستفادة من شجاعتهم وفروسيتهم في قتال الروس والأرمن، المتمردين على سلطة الخلافة الإسلامية، الذين كانوا يعيشون جنباً إلى جنب مع الكورد. لا سيّما بعد تمرد الأرمن الشهير عام1894م، في شرق الأناضول، ودعم الروس لهم.
ولكن بعد سقوط السلطان عبدالحميد، ودعوة جمعية الاتحاد والترقي إلى الطورانية، وسياسة التتريك، توجسّ أبناء القوميات الأخرى؛ من العرب والكورد والألبان، خوفاً، وبدأوا يطالبون بحقوقهم القومية أسوة بالأتراك.
  حينما كانت الدولة العثمانية إسلامية، كان الجميع يعيشون في ظلّها إخوة متحابين، عملاً بالحديث النبوي الشريف: ((لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى))، لذلك بدأ المثقفون والضباط الأكراد، الذين كانوا يعيشون في إستانبول العاصمة، القيام بنشاطات سياسية وثقافية من أجل تشكيل جمعيات وحركات قومية، وفيما بعد أحزاب سياسية، للمطالبة بالحقوق القومية الكوردية في ظل الدولة العثمانية.
وهذا ما حفّز النخب الكوردية على تلقي خطاب القومية الجديد، أسوة بالدول الأوروبية.
وعلى أية حال، فإن جمعية الاتحاد والترقي قامت بانقلابها الشهير في شهر تموز/يوليو 1908م، ضد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني(1876-1909م)، الذي كانت له آثار عميقة في مصائر شعوب البلدان التي شكّلت الدولة العثمانية.

الحركة الثقافية الكوردية في ظل الاستعمار الفرنسي:
   في دمشق، التي كانت واقعة آنذاك تحت سلطة الاستعمار الفرنسـي، أصدر العضو القيادي في حزب (خويبون- الاستقلال)، الأمير (جلادت أمين عالي بدرخان - المتوفى سنة 1952م)، والهارب من تركيا، لأسباب سياسية، مجلة (هاوار – النداء)، باللهجة الكرمانجية، وبالأحرف اللاتينية، في شهر مايو/ أيار 1932م. وطور الأبجدية اللاتينية، على غرار الأبجدية التركية الجديدة، التي وضعها (مصطفى أتاتورك) عام1928-1929م، بوصفها مناسبة أكثر للغات الهندو – أوروبية، كالكوردية.
 وفي السياق نفسه، قامت المنظمات والأحزاب الكوردية في سوريا، بفتح دورات سرية في منطقة الجزيرة (= شمال شرق سوريا)، لتعليم اللغة الكوردية، قراءة وكتابة، بالحروف اللاتينية، أسوة بأكراد تركيا، باعتبارها الأكثر ملاءمة مع اللغة الكوردية. يدعم ذلك قول المستشرق والمبشـر الفرنسـي الدومنيكاني (توماس بوا/ المتوفى عام1974م): "إن الكتابة باللاتينية، التي تطمح بأن تصبح شاملة، تشجع التبادل الثقافي والتقني والتجاري، كما يصير بإمكان الشرقيين تعلم اللغات الغربية بسهولة، لينضموا إلى ركب العالم المتمدن، وبالمقابل يصير في وسع الغربيين تعلم اللغة الكوردية بسهولة ". بينما يقول باحث وضابط استخبارات فرنسي آخر (بيير روندو): "إن واقع اختيار المثقفين الأكراد للأحرف اللاتينية، جعلهم يبتعدون عن الأوساط الثقافية العربية والإيرانية... ليتموضعوا بوضوح في حقل علماني". وبالمقابل، دافع بعض مؤيدي آل بدرخان؛ من الملالي والشيوخ المنخرطين في القضية القومية الكوردية، مثل الشيخ (عبدالرحمن غريزي)، عن (ألفباء) آل بدرخان، بقوله: "لم ينزّل الله علينا تعاليمه بأحرف وصور، بل بالكلام". وقرّر الأخوان: (جلادت بدرخان) و(كاميران بدرخان)، عقب ذلك، رغم ميولهما العلمانية؛ ترجمة القرآن الكريم بأحرف لاتينية.
وقد أثارت الألفباء الكوردية التي وضعت في سورية؛ ردّات فعل متنوعة، ليس في العراق وحده. فالقوميون العرب رأوا في مسار اللَتننة اتجاهاً خطيراً، لا سيّما تلك التي بدأها العقيد الكوردي العراقي (توفيق وهبي) في العراق، بالتعاون مع المستعمر البريطاني، وتحديداً مع المستشار البريطاني في وزارة الداخلية العراقية في العهد الملكي: (أدموندز- مؤلف كتاب: كورد وعرب وترك)، وقد نشـرا معاً بعض البحوث والدراسات، لا شك أن القاموس الإنكليزي – الكوردي كان من أهمها.
ويبدو أن التعاون والتنسيق بين الشخصيتين الكورديتين: (جلادت بدرخان)، و(توفيق وهبي)، لم يصل إلى نتيجة، بسبب الخلاف حول الألفباء الكوردية، ما بين اللهجتين الكرمانجية الشمالية (= البهدينانية)، والكرمانجية الجنوبية (= السورانية)، والخلاف بين الدولتين المستعمرتين (فرنسا وبريطانيا) حول أجندتهما في هذا المجال. ففرنسا، كانت تدعم الكورد، وباقي الأقليات الدينية والمذهبية في سوريا، على أمل تقسيم سوريا إلى عدة دول، كما هو معلوم. أما بريطانيا، فهي التي ألحقت ولاية الموصل، ذات الغالبية الكوردية، بالعراق، وفق معاهدة 1926م، وكانت تحاول الاستفادة من نفط شمال العراق، دعماً لماكنتها الحربية.
 وعلى أية حال، فإن الفرنسيين داوموا على تشجيع آل بدرخان على اللتننة، من خلال المستشرق الفرنسـي (روجيه لسكوت)، بوصفها مظهر تقدّم ومدنية، وذلك حتى نهاية الانتداب الفرنسي على سوريا، في العام 1946م.
 وفي الجانب الكوردي، رأى المنضوون تحت راية حزب (خويبون)، والحلقات القريبة منه، في هذه العملية، خطوة إلى الأمام على طريق التقدم. في حين أثارت الأوساط الإسلامية المحافظة أحكامها المسبقة ضد هذا التغيير، الذي رأته مساساً بالقرآن الكريم وبالدين الإسلامي، وبوحدة المجتمع المسلم.
 وفي الوقت الحاضر، فإن النخبة الثقافية الكوردية، وغالبية قيادات وكوادر الأحزاب الكوردية العلمانية، في جميع أجزاء كوردستان، يكنّون احتراماً وتقديراً لآل بدرخان        (= جلادت، وأخيه كاميران)، على ما بذلوه من جهود في خدمة القضية الكوردية، من النواحي السياسية والثقافية، وبأنهم كانوا الرواد نحو نقل المجتمع الكوردي إلى مضمار التقدم والمدنية والحداثة.

دور الأحزاب والتيارات السياسية في تعزيز العلمانية في كوردستان:
   كما في كل البلدان الإسلامية، يوجد في كوردستان تيارات علمانية:  تيار متطرف استئصالي- شامل(= لائكي) هو الغالب، وتيار معتدل(= جزئي)،  ومن بين المذاهب العلمانية هناك: القوميون واليساريون والماركسيون.
1- القوميون: أكبر حزبين في كوردستان العراق هما: الحزب الديمقراطي الكوردستاني، الذي تأسس سنة 1946م، ويتزعمه مسعود البرزاني ابن الملا مصطفى البرزاني، وتغلب النزعة القومية المحافظة على الحزب، مع وجود ميول يسارية، جاءت بفعل الجذور التاريخية لمؤسسيه: (حمزة عبدالله- الشيوعي القديم)، و(إبراهيم أحمد- اليساري)، وانضمام عدد من القيادات الشيوعية والماركسية واليسارية إليه، في حقبات مختلفة، بدءاً من التأسيس، وحتى الوقت الحاضر.
وقيادة الحزب حكر على  أسرة الملا مصطفى البارزاني تحديداً، فالبارزانيون - كما هو سائد عنهم - لا يشكّلون قبيلة بحد ذاتها، ولم يعرف نظامهم الاقتصادي أي نوع من الإقطاع، فهم يشكلون اتحاداً قبلياً  ظهر إلى عالم الوجود في العقد الأول من القرن العشرين، حينما انقسمت قبيلة الزيبار (= تقع مساكنها شماليّ قضاء عقرة) إلى قسمين، إثر النزاع الذي حدث بين أغوات الزيبار وشيوخ بارزان، وتحول إلى صراع دموي، كان النصر فيه حليف شيوخ بارزان، مما أدى إلى تشعب قبيلة الزيباريين إلى قسمين : قسم بقي خاضعاً للأغوات، وهؤلاء استقروا في المنطقة الواقعة غربيّ نهر الزاب الكبير، وكانوا موالين للحكومات التي تعاقبت على حكم العراق. والقسم الآخر انتصـروا لشيوخ بارزان، وهم المعروفون بالبروژيين (= مقابل الشمس)، الساكنين أصلاً شرق نهر الزاب الكبير، وانضم إليهم - قبل وبعد ذلك - عشائر أخرى مجاورة، بتأثير الدعوة الصوفية النقشبندية، كالشيروانيين، والبروژيين، والنزاريين، والمزوريين، والدولمريين، والهركي بنجه، وغيرهم.
ويبدو أن تاريخ بارزان يبدأ منذ العقد الرابع من القرن التاسع عشـر، حينما سلّم الشيخ طه النهري (المتوفى سنة1853م) خلافة الطريقة النقشبندية، إلى الشيخ تاج الدين عبد الرحمن بن ملا عبدالله بن ملا محمد البارزاني، رأس عائلة الشيوخ في بارزان.
والحزب الآخر، هو الاتحاد الوطني الكوردستاني، الذي يتزعمه جلال الدين حسام الطالباني. وقد كان سابقاً اتحاداً بين ثلاثة أجنحة: الرئيسية منه، وتدعى: (العصبة الماركسية اللينينية الكوردستانية، ومختصـرها:  الكومله). وثانيهما: الحركة الاشتراكية الكوردستانية، ومختصرها (البزوتنه وه). وثالثها: الخط العريض، وهي تضم شخصيات عشائرية، ومثقفة، مرتبطة شخصياً بالسيد الطالباني.
وتعود بداية تأسيس العصبة الماركسية اللينينية (= الكومله) إلى فترة الانشقاق الذي حدث بين جناحي الحزب الديمقراطي الكوردستاني العراقي عام 1964م، المحافظ بقيادة ملا مصطفى البارزاني، واليساري، أو ما يطلق عليه جناح المكتب السياسي، بقيادة المحاميين: إبراهيم أحمد، وجلال الطالباني. وقد استثمر جلال الطالباني أجواء الحرية التي وفرّها لهم التحالف مع نظام الفريق عبد الرحمن محمد عارف، رئيس الجمهورية العراقية عام 1966م، لتطبيق نظريات كبار المفكرين الماركسيين في العالم، وخصوصاً الزعيم الصيني (ماوتسـي تونغ)، على المجتمع الكوردي في العراق، الذي تطغى عليه الصبغة العشائرية.  وترجع أسباب تأثر الطالباني بالفكر الماوي، وبالتجربة الصينية، في تطبيق الاشتراكية، إلى اعتقاده أنها أكثر ملائمة للتطبيق في كوردستان العراق من التجربة السوفيتية، التي تعتمد على وجود طبقة عاملة متماسكة، وهو ما يفتقده مجتمع كوردستان العراق ذو الطبيعة الفلاحية، والذي يتشابه مع المجتمع الصيني.
كما أن الطالباني، شأنه في ذلك شأن كل المتأثرين بالتيار الصيني الماوي، كان يتّهم القيادة السوفيتية آنذاك بالتحريفية، وبالخروج على الخط الذي ينبغي أن تسير عليه الحركة الاشتراكية العالمية.
وفي ظل تلك الظروف التقى جلال الطالباني بالسياسي الإيراني الدكتور (كورش لاشائي)، الملّقب بالدكتور جلال، مسؤول منظمة الثورة الإيرانية (= سازمان انقلاب إيران)، الذي انشق عن حزب توده الإيراني، ودخل إلى العراق عام1965م، كمعارض سياسي للشاه محمد رضا بهلوي، فتأثر الطالباني بأفكاره الثورية، واقتنع منه بضـرورة العمل على إنشاء نواة ماركسية خالصة، تتحول بالتدريج إلى حزب ثوري قادر على النهوض بمسؤولياته، وفق الشروط التالية: الأولى: وجود منبر إعلامي يبث أفكاره بين الجماهير ويمهد الطريق أمام الحزب الثوري. وثانيهما: تكوين خلايا تنظيمية سرية، يتم تثقيفها على ضوء ما يجري طرحه في برنامج المنبر الإعلامي.
 ورغم وجود بقايا ماركسية ماوية ويسارية في الحزب، إلا أنه يتجه أكثر فأكثر نحو الاتجاه القومي الصرف، على نمط الديمقراطي الكوردستاني، وتتحدث أدبيات الحزب الآن عمّا يمكن تسميته اتجاهاً اشتراكياً ديمقراطياً، على نمط أحزاب الاشتراكية الدولية.
 وهناك عدد كبير من الأحزاب القومية، إلا أن فارق الثقل بينها وبين الحزبين الرئيسين كبير جداً.
والحزب الآخر الرئيس، هو حزب العمال الكوردستاني، في كوردستان تركيا، الذي يعرف اختصاراً بـ PKK، أو (كاركه ر- باللغة الكوردية)، وهو حزب منبثق من منظمة تركية شيوعية، كانت تعمل في السبعينيات باسم منظمة الشباب الثوري. وقد أسس عبد الله أوجلان، الذي كان معروفاً شعبياً باسم (آپو)، وتعني: (العم)، هذا الحزب، عام 1978، مع بعض زملائه، عندما كان طالباً في كلية العلوم السياسية، في جامعة أنقرة، حيث أحس بمدى الظلم والإجحاف الذي كان الشعب الكوردي يعانيه في تركيا، على يد الأنظمة العلمانية التي تعاقبت على حكم تركيا، بدءاً من حكم أتاتورك، ومروراً بحكم عصمت إينونو، وانتهاءً بنظام كنعان أفرين، وغيره.
وقد أعلن هذا الحزب النضال الشعبي (حرب الأنصار)، ابتداءً من عام 1984م، ضد نظام الرئيس التركي الجنرال (كنعان أفرين)، انطلاقاً من قواعده في سوريا والعراق.
  ويؤكد الحزب في برنامجه الداخلي على أن الماركسية اللينينية أيديولوجيته في العمل. وهو يهدف إلى إنشاء دولة كوردية ديمقراطية مستقلة في الشـرق الأوسط. وكانت استراتيجيته ترتكز على استعمال العنف، وتصعيده، في مواجهة عنف القوات التركية، مما خلق هوة واسعة بينه وبين الأحزاب الكوردية الأخرى.
 وقد دعم الرئيس السوري السابق (حافظ الأسد)، هذا الحزب، بكل قوة، وأنشأ له مقرات في سهل البقاع اللبناني، حيث كان يتواجد المقر الرئيسي لعبدالله أوجلان، كما كانت له قواعد داخل الأراضي السورية، ومنها كان ينطلق لشنّ هجمات ضد النظام التركي. ولكن بعد القبض على زعيمه عبد الله أوجلان، عام 1999م، أوقف الحزب أنشطته المسلحة، بدعوة من أوجلان، الذي أعلن عن مبادرة سلام، تتضمن الحوار مع أنقرة، غير أنه غيّر اسمه إلى (مؤتمر كوردستان الحرية والديمقراطية)، ثم عاد عام 2005م إلى النشاطات المسلحة، متخذاً من مناطق قنديل، وغيرها، في كوردستان العراق، مأوى له. وللحزب نفوذ سياسي وعسكري قوي في المناطق الحدودية مع العراق وسوريا، كما يحظى بنفوذ قوي لدى العلويين من الكورد، في منطقة تونجلي(= درسيم).
ولهذا الحزب الماركسـي أجنحة في أجزاء كوردستان الأخرى، في إيران(= حزب الحياة الكوردستاني)، والعراق، وسوريا، بأسماء مختلفة. لا شك أن أقواها هو حزب (الاتحاد الديمقراطي الكوردستاني)، المعروف باختصار (په يه ده)، بزعامة المهندس صالح مسلم، المدعوم أمريكياً وروسياً، على حد سواء.
وبخصوص كوردستان الشرقية(= إيران)، فهناك الحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني، وهو حزب يساري، تأسس عام1945م، متطوراً من جمعية (ژياني كورد) (= جمعية البعث الكوردي)، ذي التوجه الماركسي، وكانت غالبية قياداته تنتمي إلى البرجوازية الصغيرة، ذات النفس اليساري الماركسي. ولقي هذا الحزب دعماً من الاتحاد السوفيتي، نظراً لهيمنته على مناطق أذربيجان، وكوردستان، خلال سنوات الحرب العالمية الثانية. وكان لهذا الحزب دور رئيسـي في تأسيس جمهورية مهاباد الكوردية، بقيادة القاضي محمد عام1946م، والتي سقطت خلال أقل من سنة، بعد توقف الدعم السوفيتي، المادي والمعنوي، نتيجة انسحابهم من شمال إيران، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.
وتوالت على قيادة الحزب شخصيات يسارية مهمة، من أبرزهم (الدكتور عبدالرحمن قاسملو)، الذي اغتيل على يد السلطات الإيرانية في شهر تموز/يوليو عام 1989م، في فيينا عاصمة النمسا.
وكان قد انشق تيار من هذا الحزب تحت اسم(الكومله)، أي عصبة الكادحين، عام1967م، بقيادة الشيخ عز الدين، وهو تنظيم ماركسـي ينحو نحو الكفاح المسلح، وتحاول السلطات الإيرانية الحد من نشاطه عبر اتهام نشطائه بالعنصـرية (= العرقية – القومية)، والجاهلية (= الماركسية ومعاداة الإسلام)، وعن طريق إعدام كوادره ونشطائه.
وفي الآونة الأخيرة ظهر منافس قوي لهما، وهو (حزب الحياة الحرة الكوردستاني)، أي جناح حزب العمال الكوردستاني الإيراني، وهو تنظيم ماركسـي متشدد، على غرار تنظيم الحزب الأم: العمال الكوردستاني (pkk).
2- الماركسيون: يعتبر الحزب الشيوعي العراقي أقدم الأحزاب العراقية، وله مقرات في كوردستان. وقد كان الكورد الشيوعيون يعملون بداخله، وكان لهم مركز ثقل كبير داخل قيادة الحزب. فقد وصل إلى سدة القيادة – سكرتارية اللجنة المركزية، كل من (بهاء الدين نوري، وهو من أهالي منطقة السليمانية، وسلام عادل، سكرتير الحزب، وهو كوردي فيلي(= شيعي)، أعدمه البعثيون والقوميون العرب سنة 1963م. بالإضافة إلى (عزيز محمد)، سكرتير الحزب طوال سنوات السبعينات والثمانينات من القرن العشـرين. وعلاوة على ذلك، كان من بينهم عدد كبير من أعضاء اللجنة المركزية، والمكتب السياسي، لكن يبدو أن الحزب ارتأى أنه من الأفضل مراعاة الخصوصية الكوردية، فتشكّل من ثمّ الحزب الشيوعي الكوردستاني عام 1992م، بعيد انتفاضة آذار عام1991م، بزعامة كريم أحمد، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي.
 وكلا الحزبين لهما وجود ضئيل وهامشـي، وقد كان الحزب الشيوعي دوماً ضعيف التأثير في كوردستان، بسبب الخلفية الإلحادية للحزب، وبسبب عدم تبنيه لطروحات قومية على غرار الحزب الديمقراطي الكوردستاني، ولتبعيته المباشرة للحزب الشيوعي السوفيتي من ناحية اتخاذ القرارات، كما أنه كان عالة على الأحزاب الكوردية الرئيسية من ناحية التمويل والدعم، ومع ذلك فقد كان له تأثير مباشر على البنية السياسية والفكرية والعقائدية لغالبية الأحزاب الكوردية برمتها، ما عدا الإسلامية.
كما يجب الإشارة إلى الحزب الشيوعي السوري، حيث كان قائده (خالد بكداش) من أصول كوردية ، لذا كان الحزبان الشيوعيان العراقي والسوري يسميان بأحزاب الأقليات، لكثرة الكورد والأرمن والكلدان والآشوريين في صفوفه.
بالإضافة إلى وجود تيار ماركسـي متطرّف مراهق (= الحزب الشيوعي العمالي الكوردستاني)، الذي يتبنى طروحات طفولية بعيدة عن الواقع، ومن ثم ليست له شعبية على أي مستوى، حتى بين باقي اليساريين.
3- اليساريون: وقد كان هناك، في ثمانينات القرن العشـرين خصوصاً، تيار اشتراكي غير ماركسـي، مراعاة للعادات والتقاليد السائدة في المجتمع الكوردي(= الإسلام)، وكذلك مسايرة لموضة العصر: الاشتراكية، إلا أنه ما لبث أن تلاشى، خصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.
والحقيقة أن التيار اليساري لم يكن له في السابق من شعبية، رغم أنه استطاع كسب قطاع من المثقفين. أمّا الآن، فهو يعاني من تقهقر كبير، ويمثّلهم الآن الحزب الاشتراكي الكوردستاني(= حسك)، ومركز ثقله الرئيسي يتركز في جنوب شرق السليمانية، حيث معقل زعيمه (محمد الحاج محمود).
وهناك حزب يساري آخر، يدعى (حزب كادحي كوردستان)، يؤمن بالاشتراكية العلمية (الماركسية – اللينينية)، وبالربط الجدلي بين النضالين القومي والطبقي في كوردستان العراق. وقد انشق هذا الحزب عن الحركة الاشتراكية الكوردستانية، وكان يقف على يسارها، وانشق عنها، بسبب مواقفه القريبة من إيران.
    وكنموذج لكتابات بعض الشيوعيين ضد الإسلام، نقتطف بعض أفكار المفكر الشيوعي الكوردي، والوزير السابق في الحكومة العراقية: (مكرم الطالباني)، في أحد مؤلفاته حول الدين، بقوله: "يهدف الأصوليون إلى العودة إلى المبادئ الأصلية للإسلام قبل أن تنخر فيها أفكار التجزأة، كما يهدف السلفيون (= الإسلاميون، بصورة عامة) إلى العودة إلى سيرة السلف الصالح، ونبذ ما تعلق بأمور الدين من أحكام وطقوس".
وفي تطرّقه حول دولة الخلافة العثمانية، يقول: "وفي عهد الاحتلال العثماني لمعظم أقاليم كوردستان، أخذ الدين طابعاً ضد الكولونيالية العثمانية، بالتوفيق بين رجال الدين المؤمنين، والبرجوازية الكوردية العلمانية، في وقت توجهت البرجوازية التركية نفسها لتحطيم الطابع الديني للسلطة، وإلغاء الخلافة الإسلامية (= حزب الاتحاد والترقي – وأتاتورك)...".
وفي محاولة منه للفصل بين تيارين من تيارات رجال الدين (= علماء الدين)، حسب قوله: "وأصبح واضحاً انشطار رجال الدين (سلفيين)، وهم يهدفون إلى التوفيق بين الإقطاعية المتخلفة والبرجوازية النامية و(متجددين)، يريدون محو التخلف الإقطاعي (= التيار القريب من السلطة = وعاظ السلاطين)...".
 ويحاول الشيوعي مكرم الطالباني إحداث فجوة بين الإسلام، كدين، وبين الأحزاب والتيارات الإسلامية، بقوله: "ويقتضـي عدم الخلط بين الدين وبين الأحزاب والتيارات الدينية، فالأخيرة - كأيّ حزب سياسي، قد يكون تقدمياً أو رجعياً - فالتيار الديني السلفي (= الإسلاميون) هو تيار يدافع عن مصالح كبار ملاك الأراضي، وفئة كبار التجار، فهو يجد الحنين إلى استعادة الماضي (= عهود الخلافة الإسلامية)، والاستعانة به، لحل التناقضات الموجودة مع الإمبريالية، أو بالمغازلة معها. وهو يرى أن إلغاء المجتمع الحالي يجري بالعودة إلى المجتمع السابق، بعد تجريده (خيالياً) من تناقضاته، وإن أحسن طريقة للمضيّ إلى الامام بالتقهقر إلى الوراء. ويعبّر هذا التيار عن آراء ملاك الأراضي الإقطاعيين، والتجار التقليديين، الذين عارضوا التحولات البرجوازية منذ ثورة 14تموز1958م، ولحد الآن؛ إن ذلك تعبير عن الاغتراب عن التحول الديمقراطي في البلاد، والالتفات إلى الوراء لا إلى الأمام".
وحول تفسيره للتاريخ، حسب وجهة نظره (= المادية التاريخية)، البعيدة عن القيم الروحية والأخلاقية، يقول: "إن كل مساوئ التاريخ، بنظر هؤلاء(= الإسلاميون) هي انحرافات طارئة على الثوابت الإسلامية، وإن أساس السلوك الأخلاقي، حسب رأيهم، في انتشار مفاهيم معينة في المجتمع، وليس علاقات اجتماعية معينة. إن الحل - حسب رأيهم- (= الإسلاميون) يكمن في تغيير سلوك الإنسان، لا في تغيير المجتمع أو العلاقات الاجتماعية، ويعتبرون أن الصراع الأخلاقي إنما هو بين الروح والمادة، فينظرون إلى النظامين الاجتماعيين: الرأسمالي والاشتراكي، بمقياس واحد. فالرأسمالية تهمل الأخلاق والقيم المعنوية، والاشتراكية تنكر الروح الفردية، وهي حضارة مادية تركض وراء إشباع الغرائز، دون تحديد تلك الغرائز، وسبل إشباعها، أو دون تحديد جوهر (الروحانية الطاهرة)".
ويحاول المفكر الشيوعي إسقاط مفاهيم وتصورات الدولة الدينية النصـرانية (= الثيوقراطية)، في العصور الوسطى، على الدولة المدنية الإسلامية، وتحميل الأخيرة كافة أوزار الدولة الثيوقراطية النصرانية، بقوله: "فهم يرون أن الدولة الإسلامية ممثلة السيادة، أو تمنح الحرية الكلية، مخولّة بفرض هذه المنظومة، وأن اساس البلاء هو في الانفصال بين السيادة والأخلاق، فيكون المخرج - برأيهم - هو الانتقال من الإسلام كدين للدولة، إلى الإسلام كدولة دينية، أيْ إقامة دولة (ثيوقراطية) تسبغ على حكم طبقة معينة طابعاً مقدساً، لا يملكون المساس به، وغير قابل للاعتراض. وقد يكون ذلك بشكل معارضة للتحولات البرجوازية (في تصفية النظام الإقطاعي)، أو احتجاج على التبعية والنهب الإمبريالي، أو السخط على أزمات النظام الرأسمالي، وكساد التجارة، والتدهور الخلقي (الجرائم والبغاء والترفية ..إلخ)، وغالباً ما يجري صياغة ذلك في إطار معاد للماركسيين يؤيدون التحولات الاجتماعية التقدمية التي تقوم بها البرجوازية الوطنية".
ويحاول المفكر الشيوعي دقّ أسفين بين الطرق الصوفية العاملة في كوردستان، فيتهم الطريقة القادرية بدعم الدولة العثمانية، فيما يعدّ الطريقة النقشبندية معارضة للدولة، وهي التي قامت بأغلب الانتفاضات الكوردية ضد الدولة العثمانية؛ والحقيقة أن الشيخ عبيدالله النهري النقشبندي قام بانتفاضة ضد الدولة القاجارية الإيرانية الشيعية عام1880م، ولم يتعرض للدولة العثمانية، لأن السلطان الحاكم آنذاك (عبدالحميد الثاني) دعا إلى الجامعة الإسلامية، بدعم من المصلح جمال الدين الافغاني (المتوفى سنة1897م)، فيما قامت الثورة النقشبندية الثانية (ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925م) ضد السلطات التركية الكمالية، رداً على إلغاء الخلافة الإسلامية، وتأسيس النظام العلماني.
 فيقول ما نصه: "أما رجال الدين المتصوفين، وأهمهم مرشدو الطريقة القادرية والطريقة النقشبندية، فبقدر ما أيّد مرشدو الطريقة القادرية الدولة العثمانية، عارض النقشبنديون الكولونيالية العثمانية، وحدثت انتفاضات هنا وهناك ضد الدولة العثمانية. وكثيراً ما اتهم خصومهم تلك الانتفاضات بأنها موحى بها من قبل الأجانب، فلا غرابة في مثل هذه الاتهامات، الصادرة من الحكومات المناوئة للحقوق القومية للقوميات في الإمبراطورية العثمانية".
وبشأن موقفه من بعض كبار علماء الإسلام الكورد، واتهامه بتقويض كيان الإمارة السورانية عام1836م، وهي مزاعم طالما رددها العلمانيون، بشتى صنوفهم، دون أيّ دليل، فالملا محمد الخطيّ كان عالماً كبيراً، ومفتي الإمارة السورانية التي كان يحكمها الأمير (محمد باشا)، في الثلث الأول من القرن التاسع عشر، وكان الأمير يستشيره فيما يستجد من أمور، ويحاول العلمانيون الجدد إلصاق تهمة سقوط الإمارة به، في الوقت الذي حاول السلطان العثماني محمود الثاني (1808-1839م) القضاء على الإمارات الكوردية شبه المستقلة، الواحدة تلو الأخرى، بدعوى إعادة النظام المركزي إلى النظام السياسي العثماني. فيقول ما نصه: "وفي وقت الذي عمل رجل الدين الكوردي، مولانا حكيم الدين إدريس البدليسي، لتثبيت كيانات الإمارات الكوردية شبه المستقلة، عمل (مه لاى خه تى- الملا محمد الخطي) لتقويض كيان إمارة سوران؛ عندما ثار أميرها (محمد باشا كور) ضد السلطة العثمانية، فأصدر فتوى بتحريم رفع السلاح بوجه  الخلافة الإسلامية...".

هناك تعليقان (2):