الاثنين، 26 ديسمبر، 2011

صيادو الأسماك في الموصل وذكريات الزمن الجميل


الموصل – عماد ابراهيم




حالها كحال جميع المدن الواقعة على ضفاف الأنهار، تربطها روابط وشيجة بالنهر، وبكل ما يمت إليه بصلة من اسماك وطيور ونباتات وغير ذلك.
الموصل ونهر دجلة، ذكريات  تعانقت فيها المدينة مع الماضي الجميل لتتحدث شفاه أبنائها عن بعض النواحي الجميلة من ذاك الماضي، ولتشرأب الأعناق ولتتوقف الأنفاس عند بعض تلك الذكريات، لغرابتها وتتعالى الضحكات عند بعضها، لفكاهتها.. ذكريات رواها لمجلتنا صيادو السمك في الموصل، عبر ذكريات عشرات من السنين خلت، ذكريات كانت في خزينة التاريخ، أخرجتها أسئلتنا للحاج (خزعل الشطيب) والذي يعد من أكبر صيادي السمك في الموصل (من العاملين في صيد السمك منذ ما يقرب من 50 سنة ولحد الآن)...


الحوار.  كيف كانت بداياتك مع مهنة صيد السمك؟.
-نحن في العائلة نتوارث المهنة عن آبائنا وأجدادنا، فأنا ورثت مهنة صيد السمك عن أبي؛ وهو بدوره عن أبيه صعوداً، فلا أذكر من من أجدادي بدأ باحتراف هذه المهنة،  فمن خلال سكننا في منطقة (جوبة البكارة) ومن المعلوم بأن هذه المنطقة تقع على حافة نهر دجلة من الجهة الغربية، فهذه المنطقة لطالما خرج منها صيادوا سمك مهرة، فلقد كان جدي يركب على (الكلك) لينزل بها إلى بغداد، ويعود بالطرد، والكلك، هو عبارة عن جلود الغنم المملوءة بالهواء ويربط عليها ألواح خشب، لتستخدم كقوارب تستخدم في النهر نزولاً، والطرد هو مركب خشبي كبير يصل طوله إلى حوالي ال40 متراً، ويتم سحبه من قبل الرجال بواسطة الحبال، وكانت هذه هي وسائط النقل المائي في العراق من الشمال نزولا إلى البصرة.                                               
الحوار. ما هي وسائط وآلات الصيد المستخدمة في صيد السمك؟ا.
-الوسائل متعددة ومنها، الخيط أو المَدّة، الشبكة الحذّافة (المدورة)، شبكة الصيد الكبيرة، شبكة النايلون، وكل هذه الوسائل من وسائل الصيد المشروع، أما الوسائل غير المشروعة فمنها، الزهر، البمبة (القنبلة اليدوية)، الصيد بالكهرباء. ومنها ما يستخدم في النهر ومنها ما يستخدم في المسطحات المائية مثل البحيرات والأهوار وغيرها.
الحوار. من أين تأتون بالشباك؟.
-قديما كنا نذهب إلى بغداد، حيث أن هناك نساجون خاصون بالشبك والحذافة والخيط؛ بل وحتى صنارة الصيد الحديدية، كل ذلك كان يصنع محلياً، فالخيط كان يصنع قديماً من ذيل الحصان بحيث يُبرم لمسافة شبرين أو نصف متر تقريباً وتُعقد ليصبح لديه خيط ٌ طويل، وهناك أيضا خيوط قطنية.
أما الشباك فكانت هناك نساء متخصصات يصنعن الشباك من خيوط (الستلي)، وفي الموصل كانت هناك امرأة مسيحية تسكن في محلة الفيصلية معروفة باسم (بنت فشك) وهذه المرأة كانت تصنع أنواع الخيوط والشبك.
الحوار. هل هناك طرق خاصة لصيد بعض الأنواع؟.
- لكل نوع من أنواع السمك طريقة خاصة لصيده، على سبيل المثال:                                         (سمك البز) نضع في الخيط طعماً مكونا من سمكة يصل وزنها إلى نحو الكيلوغرام الواحد، وكنا في السابق نصطاد البز في النهر، ولكن الآن لا يوجد من اسماك البز الكبيرة الحجم إلا في بحيرة سد الموصل وذلك يعود لعدة أسباب ومنها الممارسات الخاطئة من قبل بعض الجهات المسؤولة وكذلك للصيد الجائر.                        
(سمك الشبوط) نقوم بإحاطة مناطق خاصة من النهر بشباك كبيرة ونرمي بداخلها علفاً مكونا من الحنطة والشعير في الليل، ومن ثم نأتي في الصباح لنقوم بسحب الشباك التي تحوي الشبوط مع غيره من أنواع السمك. 
أما باقي أنواع السمك مثل (الشصان) و(الكاريبي) فهي تصطاد بالشبكة العادية.
الحوار.  ماهي أهم أنواع السمك في العراق؟.
-إذا أردنا الإحاطة بأنواع اسماك العراق، فهذا حديث يطول، ولكن الأهم بين هذه الأنواع هي.                                           
(البز، الشبوط، الكطان، الشصان، القشاش، البرعان، البني، اللطاع، الجري، سقنقور، المرمريج، ابو السويد، الزولي، الكاريبي بأنواعه، العثري الصديقي، العثري الكذيبي، الدنبك، وغيرها من الأنواع).                     
ومن هذه الأنواع ماهو موجود الآن؛ ومنه ما هو مهدد بالانقراض، ومن هذه الأنواع، البز فقد انحسر صيده بشكل كبير، وهو محصور فقط في بحيرة سد الموصل.  
الحوار. ما هي المناطق التي تحبذ الصيد فيها؟.
-أنا لله الحمد تنقلت في كافة المسطحات المائية والأنهر الصغيرة والكبيرة في كل العراق؛ فقد اصطدت في انهار الشمال وبحيراته، وكذلك في دجلة والفرات وفي الأهوار، ولم أترك ماءاً يوجد فيه سمك في أرض العراق إلا واصطدت فيه، وكلما اصطدنا كمية مناسبة عدنا بها إلى أقرب سوق سمك، ولكن، المحبب إلي هو دجلة الخير، لأنه ملف الذكريات وأرشيف الزمن الجميل.
الحوار. من المعروف لدى الصيادين في الموصل بأنك صياد سمك البز من الدرجة الأولى، ماهي أهم ذكرياتك مع صيد البز؟.
-ذات مرة نزلت أنا وبرفقتي الحاج سالم المعروف بين أهل الكار بـ(سالم البارود)، نزلنا في النهر كما هو معتاد لدينا للصيد نزولا من الموصل إلى مناطق حمام العليل والقيارة، وفي حدود منطقة القيارة تمكنت من اصطياد سمكة بز عملاقة وصل وزنها إل 107 كيلو غرام وكذلك في نفس اليوم اصطاد الحاج سالم سمكة بز أخرى وصل وزنها إلى 80 كيلو غرام، وهذه السمكة هي الأكبر التي اصطدتها في سني عملي كصياد سمك.
الحوار. الآن وقد انحسر الصيد داخل حدود مدينة الموصل، من أين يأتي السمك للمدينة؟.
-منذ سنين خلت والقوات الأمنية في المحافظة منعتنا من النزول بقواربنا إلى النهر من اجل الصيد، ولا ندري ماهو السبب، ولهذا كان السمك شحيحاً إلى حد ما في سوق السمك بالموصل، ومن أجل ذلك كنا نأتي بالسمك من بحيرة سد الموصل وكميات أخرى تأتي من مدن الزاب وكميات من المدن الجنوبية، وقد كان الصيد في النهر داخل حدود مدينة الموصل محصورا على الصيد بالخيط والكهرباء. وبالطبع فهذه الكميات لا تكفي مدينة كبيرة كمدينة الموصل، علما بأن أهل الموصل يحبون تناول السمك.
الحوار. من المعلوم بأن الموصليين يورثون المهن والحرف كما هو الحال معك، فمن هم أشهر الصيادين الموصليين الذي مازالوا يمتهنون صيد السمك؟.
-الملا وليد وأخوته الذين ورثوا المهنة عن آبائهم، حازم وسالم أولاد أمين، الحاج سالم محمود، محمد حسو، وهو من الصياين المعروفين بالقوة، كذلك الياس عبدو وأخوته، ابراهيم وخضروعادل، محمود جرجيس، أولاد دكو، حازم ابو العضلات، وهؤلاء كلهم من أشهر صيادي منطقة الميدان.
أما منطقة الجوبة فمن أشهر الصيادين فيها؛ محمود الغربي وأخوته، محمد واحمد، واولاد ستة حامد، ومحمود وعبدالله سمير وولده سمير، وشطيب وأولاده، طه وصالح وخزعل((المتحدث))، وسيد حسن شهاب، وابراهيم((برهي)) واولاده، حمادي ابو يونس، والسادة مجيد واحمد ومحمود مالو، حسين وقادر واحمد العلو، وهؤلاء هم الصيادون الأشهر في القرن الماضي ممن لا زلت أذكرهم، وأعتذر لكل من خانتني الذاكرة ولم أذكره.
الحوار. مالسبب وراء ارتفاع سعر السمك الآن؟.
-قلت في سياق حديثي إن السمك الآن يأتي إلى الموصل من خارج المدينة وليس من داخلها، إذن فقد دخل في المعادلة أكثر من طرف إضافي والكل يريد أن يكسب من الصيد، فالصياد والدلال وأجور النقل إلى المدينة، كل ذلك أضاف تكاليف مالية على عملية بيع السمك؛ فلو أننا تمكنا من صيد السمك في النهر وداخل حدود المدينة لساعد ذلك في وجود سعر مناسب للسمك في المدينة، كما أن الصيد الجائر ساعد كذلك على ارتفاع الأسعار أيضاً.
خلال حديثنا هذا دخل علينا الحاج سالم المعروف بـ(سالم البارود) (مواليد 1929) ليزيد على الجلسة والذكريات بهاءاً، وحدثني عن أغرب ما مر معه في سني عمله في مهنة الصيد، يقول:
ذات مرة ومنذ سنين طويلة كنت أصطاد في منطقة سيبة شمال العراق، وإذا بي بسمكة تبلغ من الحجم ما يوازي حجم القارب الذي أركبه في الماء والبالغ 10 أمتار، فسارعت لقطع الخيط الذي في فمها وتركتها لشدة خوفي منها، ولقد كانت بحسب تقديراتي تزن بحدود الـ 200 كيلوغرام، وهذا هو أغرب حادث مر معي.
ولكن هناك الكثير من المفارقات المؤلمة وكذلك السعيدة مرت بي في سني العمل التي تجاوزت السبعين عاماً، ومنها أنني ذات مرة أوقدت ناراً على حافة الماء لعمل الشاي بعد يوم شتوي شيق، وما أن وضعت الإبريق على النار حتى تحركت النار هروباً إلى الماء وانقلب الإبريق فخفت واندهشت للوهلة الأولى، ولكن خلال ثواني قليلة تبين بأن حيوان الرفش كان قد حفر له حفرة على حافة النهر ولسوء حظه جئت لأشعل النار على ظهره.
ذات مرة كنت مع الحاج خزعل في رحلة صيد جنوب الموصل وكنا قد اصطدنا كمية جيدة من السمك ووضعناها في شباك مربوطة في الماء بالحبال إلى القارب، ففاجأتنا فتاة من على حافة الماء تطلب سمكة (وهذا أمر تعودنا عليه، فكلما جئنا من رحلة صيد أعطينا لمن يسألنا سمكة أو اثنتين، وهذا كنا نعده من زكاة الرحلة)، فأعطيناها مارزقها الله من السمك، وبعدها بقليل جاءنا شيخ كبير في السن وطلب منا أن نعطيه من الصيد ايضاً، ولكننا امتنعنا من اعطائه لأننا أعطينا قبل قليل، وهنا حصلت المفاجئة، فعندما سحبنا الشباك من الماء لم نجد فيها أي سمكة، فأيقنّا بأنها دعوة ذلك الشيخ الكبير علينا أصابتنا فلم تبق لنا شيئاً.
بعد كل تلك الذكريات الجميلة التي أتحفنا بها كل من الحاج خزعل والحاج سالم، أقول، بعد كل ذلك فأنا متأكد من وجود الكثير مما لم يذكر بعد، كيف لا وكل منهما قضى عشرات السنين بين مياه العراق وشواطئه، يصطاد من الخيرات التي حبا الله تعالى هذا البلد بها منذ أن خلق الله تبارك في علاه الأرض ومن عليها.                                         

هل أعجبك الموضوع ؟

0 التعليقات:

إرسال تعليق