10‏/01‏/2024

عولمة التَّفاهة؛ أكبرُ تهديدٍ للمجتمع البشريّ

 د. سعد صهيب خضر

  العقلُ هِبَةٌ رَبَّانيَّة، ونِعْمَةٌ إلهيَّة؛ تُزيِّنُ الإنسانَ، وتُميِّزه عن سَائِر الكائِنات، فهو آلةُ الإدراكِ الّتي تُميِّزُ الإنسانَ عنِ الحيوانِ، وهو أساسُ الفَضَائِلِ والمَعَارِف، ومَصْدرُ الحِكْمةِ والتَّكليفِ، ووسيلةُ الإبداعِ، وعِلَّةُ الابتكارِ، وهُوَ النُّورُ الّذي يُضِـيء الظُّلمات، والسُلُّم نَحْوَ مَرَاقِي الكَمَالات، وقد شدَّدَ القُرآن الوصيَّةَ على الإنسانِ؛ لكَيْ يُفكِّر في الكَوْنِ والحياة والمخلُوقات، واللّبيبُ مَنْ يُحْسِن استخدامَهُ للخَيْرِ والإحْسانِ، ويَسْتثمِرُه في التمدُّنِ والعُمْران، ويُعْمِلُه لِما فيه صلاحُ الإنسانيَّة، ونماؤُها وازدهارُها. ولا شكَّ أنَّ للعَقْلِ أهميَّةً كبيرةً في فَهْمِ الخِطاب القُرآنيّ - بصُورةٍ صحيحةٍ سليمةٍ -، وتنزيلِه على الواقِع.

وقد جعلُوا للعَقْلِ ثلاثةَ مَرَاتِبٍ؛ وهِيَ الحِكْمةُ، والتَّهوُّرُ، والغَبَاء، والحِكمةُ هِيَ قيمةٌ وُسْطى بينَ التَّهوُّرِ والغَباء، والحِكْمةُ؛ هِيَ امتثالُ الحقِّ، واجتنابُ الباطِل، وجَلْبُ المنافِع، ودَرْءُ المَفَاسِد. أمَّا التَّهوُّر؛ فهُوَ الإفراطُ في العقلِ، والإقدامُ على أمرٍ، والاندفاعُ نحوَهُ بقُوَّةٍ، دُونَ مُبَالاةٍ، أو تَصَوُّرٍ للعَوَاقِب! أمَّا الغَبَاءُ؛ فهُوَ الجَهْلُ، والعَجْزُ عنِ التَّفكيرِ، والافتقارُ إلى الذَّكاءِ، ويشيرُ إلى نَقْصٍ في القُدُراتِ العقليَّةِ الّتي تَتَسبَّبُ في صعُوبةٍ في الفَهْم والاستيعاب!

    والتَّفاهةُ في معاجِم اللُّغةِ؛ تَعْني: الشَّيءَ التّافِهَ الرَّديءَ، السَّاقِطَ الرَّخيصَ، المُهْمَلَ المُبْتذَل الّذي لا قِيمةَ لَهُ. ومن سِمَات التَّافهين الّتي تُميِّزُهم عن غيرهِم؛ السَّذَاجةُ والغَبَاء، والسَّطحيَّةُ في التَّفكير، والرَّكاكةُ في الأسلُوب، والرَّداءةُ والإسفافُ في السّلُوك، والطَّرْحُ الغثِّ، والهُزْءُ العَقِيم، والهَزْلُ الفَارِغ، والسُّخْريّةُ والاستخفافُ، والميُوعةُ والوَقاحةِ، والمجُونُ والابْتِذال. ومِنْ علاماتِ التَّفاهةِ الفارِقة: ضَحَالةُ المُحْتوى، والتَّسطيحُ والتَّدليس، والتَّزييفُ والتَّشويه، وتَسْويقُ الوَهْم واللّامعنى، والتَّرويجُ للعبثيَّة، وتغييبُ العَقْل، وإهدارُ القِيَم، ومُصادمةُ الأخلاق ومُصادرتُها، وإلهاءُ العقُول، وإغراءُ النّفُوسِ، وإغواءُ المَشَاعِر، وإثارةُ النّزواتِ الدَّفينة.

     والتَّفاهةُ كما عرَّفَها الفيلسُوف الكنديُّ المُعاصِر (آلان دونو)؛ هِيَ: "النِّظامُ الاجتماعيُّ الّذي تُسيطِر فيه طبقةُ الأشخاصِ التَّافهينَ على جميعِ مناحِي الحياة، وبمُوجبِه تَتِمُّ مُكافأة الرَّداءة والتَّفاهة، عِوَضاً عن العملِ الجادِّ والمُلتزِم". إنّ التّفاهة أضحتْ بحقٍّ؛ هِيَ داءُ العَصْر. ولعلَّ الفيلسُوفَ الكنديَّ المُعاصِر (آلان دونو)؛ هُوَ أشهر مَنْ تطرَّق إليها بشجاعة، فألّف في هذا المجال كِتاباً بعنوان: (نِظام التَّفاهة)؛ حملَ صرخةً تحذيريَّةً لعالَمٍ يتخبَّطُ في وَحْلِ التَّفاهة، ويُسَلّم زِمام أمُوره في مجالاتٍ حيويَّةٍ مُهمَّةٍ شتّى إلى التَّافهين([1]). ويدورُ موضُوع هذا الكِتاب حولَ فِكْرةٍ مِحوريّة: نحنُ نعيشُ مرحلةً تاريخيَّةً غيرَ مسبُوقةٍ، تتعلّق بسيادةِ نِظامٍ أدّى، تدريجيَّاً، إلى سيطرةِ التَّافهين على جميعِ مفاصِل الدَّولة الحديثة([2]). وقد أكّد (دونو) ذلك؛ بقولِه: ما الغرضُ مِنْ حضارةِ اليَوْم؟ إنّهُ تحويلُ كُلّ شيءٍ إلى مَصْدرٍ للمُتْعةِ فَحَسبْ([3]).

  وعلى امتدادِ جُغرافيَّة العالَمِ الواسِع؛ يلحظُ المرءُ صعُوداً غريباً لقواعِدَ تتَّسِمُ بالرَّداءةِ والانحطاطِ المعياريِّين، وهُمِّشَتْ منظوماتُ القِيَم، وبرزتِ الأذواقُ المُنحطّة، وأُبعِدَ الأَكْفَاءُ، وخلتِ السَّاحةُ مِنَ التحديّات، فتسيَّدتْ إثر ذلك شريحةٌ كامِلةٌ مِنَ التَّافهِين والجاهلِين، وذَوِي البَسَاطة الفِكريَّة، وكُلّ ذلِك لخدمةِ أغراضِ السُّوقِ بالنِّهاية، ودائِماً تحتَ شعاراتِ الدِّيمقراطيّة، والشّعبويَّة، والحُريَّة الفرديَّة، والخيار الشخصيّ([4]).

  تتمثّلُ أطرُوحة الكِتاب في أنّ كُلّ نَشاطٍ في الفضاءِ العامِّ (سياسة، إعلام، تِجارة...)؛ أصبحَ يستبعدُ القيمَ مِنَ الاعتبار، فيختزلُ النّشاطَ المُتعلِّقَ به إلى مُجرَّدِ مصالِح مُتعلِّقة بالرِّبحِ والخسارةِ الماديَّين؛ كـ(المالِ والثّروة)، أو المعنويَّينِ؛ كـ(السُّمْعةِ والشُّهْرة)([5]). فالتسفُّل أيسرُ مِنَ الترفُّع، كما قال جمال الدِّين الأفغاني. هذا لأنّ للأمرِ تفسيراً فيزيائيّاً معرُوفاً: فكُلُّ مُرتفعٍ يُقاوِم الجاذبيَّة الأرضيَّة، فيما كُلّ مُنحدِرٍ يسلم نفسَهُ إليها بيُسرٍ([6]). 

  لقد ازدحمتْ حياتُنا الاجتماعيّةُ اليوم بكُلِّ مظاهِر التَّفاهةِ والابْتِذَال. ويَكْفي أنْ تدخُلَ في أَرْوِقَةِ إحدى شبكاتِ التَّواصُل الاجتماعيّ؛ لتُداهِمَك التّفاهةُ والسَّخافةُ، والإسفافُ والانحطاطُ، مِنْ كُلِّ جانِب، ويزادُ شعُورك بالقَرَفِ والغَثَيانِ مِنْ كَثْرةِ المَنْشُوراتِ الهابِطة، والمَرْئيّاتِ السَّافِلة، والصُّوَرِ الخاليةِ مِنَ المَعْنى، وعلى الرَّغْمِ من ذِلك؛ تحصدُ ملايينَ المُشاهدات!([7]). إنّ المُنْتَج التّافِه أيّاً كان، يستَقْطِبُ الجماهيريّة. وبعُمْقِ درجةِ التّفاهةِ؛ تتّسِعُ دائِرةُ الجماهيريَّة. والجماهيريَّةُ اليوم قُوَّةٌ ماديّةٌ ومعنويّة، ومن ثَمَّ، فإنّ التّفاهةَ ستُفْرِضُ قانونَها على الجميع؛ لأنّها الأشدُّ تأثيراً حتَّى على أُولئكَ الّذين يظنُّون أنَّهُم بمَنْجَاةٍ مِنْ آثارِها المُدمِّرة. بَلْ حتّى أُولئكَ الّذين يظنُّون أنَّهُم يُحارِبُونها؛ سيخضَعُون لقانُونِها مِنْ حيثُ يشعرُون أو لا يشعرُون([8]).

     إنّهُ زمنُ التّفاهةِ بامتياز، إذ تمكّنَ فيه التّافِهُونَ والتّافِهاتُ مِنَ السَّيْطرة على حياتِنا، وأمسكُوا بمراكِز تأثير حيويّة في عالَمٍ يبدُو أنّهُ أصبح يُكافِئ التّفاهة والسَّطحيّة، عِوَضاً عن الجَّدارة والإبداع، والسَّعي لإفراغ المفاهيم والقِيَم السياسيَّة والاجتماعيَّة والإنسانيَّة والأخلاقيَّة مِنْ معناها، واستبدالِها بمفاهِيمَ وقِيَم الرِّبح والخَصْخَصة والتّنافُسيَّة وسُوق العمل([9]). وقد تحوّلتِ العديدُ مِنَ الجامِعاتِ مِنْ مُنْتجٍ للمعرِفة إلى تاجرٍ يبيعُ الشَّهادات([10]). لقد أصبحتْ جامعاتُنا - مع الأسف - مقبرةً للمواهِب، ومزرعةً للمذاهِب، وأصبحَ الكثيرُ مِنْ أساتذتِها مَهْوُوسون بهاجِس وَهْمِ امتلاكِ المعرِفة الّتي لا تدفعُ عجلة الحضارةِ قَيْدَ أَنْمُلة. و"أصبحتِ الأرضُ العربيَّةُ مزرعةً للأُميَّةِ في أبشعِ صُوَرِها، وأنكى تجليَّاتِها"([11])، بعدَ أنِ اختطفَتْ وسائِلُ التَّواصُل الاجتماعيّ عيُون النَّاسِ، وعقُولَهُم، ووقتَهُم، وحوَّلَتْهُمْ إلى كائِناتٍ سلبيَّة تتلقَّى ما يُصبُّ في عقُولِها؛ دُونَ مجهُودٍ في البَحْثِ، أو الإمْعَانِ، أو التَّفسير([12]). وقد تحوَّل هؤلاءِ - بمرُورِ الزَّمَنِ - إلى أدواتٌ يُتلاعَب بها، بَلْ تُباع وتُشْترَى. والحقيقةُ الصَّارِخةُ الّتي يجهلُها الكثيرُون: أنَّكَ إذا رأَيْتَ مُنْتجاً مجانيَّاً؛ فاعْلَمْ أنَّكَ أنتَ السِّلْعة!

   لقد أصبحتِ التّفاهةُ مُنْتَجاً مَرْغُوباً فيهِ، وثقافةً مُبرَّرة، ووَضْعاً غيرَ منكُورٍ لدى غالبيَّةِ النَّاس، وأصبحنا نرى توجُّهاً يكادُ يكونُ عالميَّاً؛ ألَا وهُوَ التَّهافُت نحو كُلِّ ما هُو تافِهٌ وردىء. فكُلُّ شيءٍ تقريباً يَتِمُّ "تَتْفِيهُهُ" الآن([13]). وقد توغّل التاّفِهُون طُفيليَّاً في بنيةِ الأنظمةِ المعرفيَّةِ الإنسانيَّةِ كُلِّها؛ من فكرٍ وسِياسةٍ وتاريخٍ، واقتصادٍ وإدارةٍ، وثّقافةٍ وإعلامٍ وتعليم. وقد تحوّلتِ الثّقافةُ "في عَصْرِ التّفاهةِ هذا؛ إلى (سِلْعةٍ) تخضعُ لقوانينِ السُّوق، ولا تبحثُ عن القيمةِ الفكريَّة والتنويريَّة؛ بقَدْر بَحْثِها عن الرِّبحِ والخَسارة. وقد جعلَ التّافِهُون المُعْطى الثقافيّ مادّةً للتَّسلية لا التّوعية، والتّرفيه لا للتّوجيه، وتحقيق الرِّبح السَّريع، بعيداً عنِ الوطنيَّة، والقِيَم الإنسانيَّة النَّبيلة، والإبداع البنَّاء"([14]).

   والأمثلةُ لا تَنْضبُ عن إسهامِ التَّفاهة في إفسادِ اللّغة، وتلويثِ الفنِّ، وتشويهِ الفِكْر، وتزييفِ الثّقافةِ، وتدنِّي الاقتصاد. فالسياسيُّون يتهرَّبُونَ مِنَ المواضِيع المُثيرة للجَدَل، ويقومُ الباحِثُون بأبحاثٍ تُرْضِي المُموَّلين، ويعملُ الجامعيُّون كزبائنَ لدى السُّلطةِ والشَّركات، ناهيكَ عن وَقاحةِ الصَّحافةِ الصَّفراء([15]). ويشهدُ الجميعُ أنَّ صفحةً رياضيَّةً، أو مجلّةً فضائحيَّة؛ تَحْظى دائماً بأضعافِ ما يُمْكِن أنْ يَحْظى به مقالٌ جادٌّ، أو تحقيقٌ صحفيٌّ مُوَثَّقٌ. فمعرُوفٌ أنَّ صفحاتِ الرِّياضة، والفنِّ، وأخبارِ المشاهير؛ كانتْ هِيَ الضَّامِنة لمقروئيَّة كثيرٍ مِنَ الصُّحف، بَلْ وكثير منها كانتْ تعتمدُ على عُنْصرِ (التَّفاهة) في النُّهُوض بمسؤوليَّتها الماديَّة، وبالاحتيال لتمريرِ رسالتِها الثقافيَّةِ في العمُوم([16]).

   وفي يومِنا هذا؛ ازدهرتِ التَّفاهةُ؛ بفَضْلِ وسائِلِ التَّواصُل الاجتماعيّ. وأصبحَ العبثيُّ، والمُضْحِك، واللاَّمعقول والمُضَاد للعِلْم، والخرافيّ والغرائبي، مادَّة اجتماعيَّة دَسِمة؛ يُنْتِجها الجميعُ، ويَسْتهلِكُها الجميعُ. فبعدَ ثورةِ الإنترنت، أصبحَ الفردُ العاديُّ يَقْضي ساعاتٍ طويلةٍ على وسائِلِ التَّواصُلِ الاجتماعيّ، وهُوَ يُغَذِّي بالتَّافِه ويَتَغذَّى به. ورُبمَّا لَوْ خَصَّصَ نِصْفَ هذه السَّاعاتِ للقِراءة الجادَّة؛ لاستطاعَ في عَشْرِ سَنَواتٍ قِراءةَ المِئاتِ من أُمّهَاتِ كُتُبِ اللّغةِ والأدبِ، والتَّاريخِ، والفَلْسفة، والسِّياسةِ، والاجتماع([17]).

 فأنتَ اليوم؛ لا تجدُ في الألفِ واحِداً مِنْ كُلِّ هذه الملايين الغارِقة في بَحْرِ التَّفاهة المُتلاطم؛ مَنْ قرأَ (العقد الفريد) لابن عبد ربه، أو (عيُون الأخبار) لابن قتيبة، أو (رسائِل الجاحظ)، أو (زهر الآداب) للحصري، أو (الكامل في التّاريخ) لابن الأثير، أو دواوين شُعراء العربيّة الكِبار، أو أهمّ روايات الأديب المصريّ نجيب محفوظ، أو نجيب الكيلاني، والكُتُب الأدبيَّة لمصطفى صادِق الرَّافعيّ، وأحمد حسن الزيّات، وأحمد أمين، وغيرهم، بينما قد تجدُ في الألفِ (999) كُلّهم؛ قد شاهدُوا آخِرَ مقطعٍ سخيفٍ على وسائِلِ التَّواصُلِ الاجتماعيّ!([18]).

    بينَ الفينةِ والأُخرى أُقارِنُ بين عَصْرِنا الرّاهِن - الّذي دخلَتْ فيه منصَّات التَّواصُل الاجتماعيّ في السِّباق الإعلاميّ، دُون أدواتٍ معرفيّة أو مهنيّة -، وبين العهدِ القديمِ وإعلامه المرئيّ والمسمُوع والمقرُوء. فلقبُ الـ(إعلاميّ) في السّابق؛ مثلاً، كان يُطْلَق على فئةٍ مُحدّدة مِنَ النّاس، وبشرُوطٍ صَعْبة. وكانتْ لباقتُهم، وجَوْدة طَرْحهم؛ هي الفيصلُ في قَبُوِلهم اجتماعيَّاً، وكانتْ أساليبُهم على درجةٍ كبيرةٍ مِنَ التميُّزِ الّذي لا يُمكِن أبداً مُقارنتُه بما يحدُثُ الآن من تَهْريجٍ وتَهْييجٍ([19]).

    أمَّا الآن، فقد تصدَّرَ المشهدَ الإعلاميَّ - في الغَالبِ الأعمِّ - المُرْتَزقةُ والمُطبِّلونَ والحَرْبَاوِيُّونَ، ضَعيفُو التَّأهيلِ والتَّكوين. لقد ضاعَتْ رِسالةُ الإعلامِ التنويريَّة والتّثقيفيَّة، وحَلَّ الإسفافُ والرَّداءة محلَّها. ونظرةٌ عابرة في الشَّبكاتِ الإعلاميّة؛ ستُطْلعنا على حَجْمِ التَّضليلِ والتَّجهيلِ والتَّشويه، والشَّائعاتِ المُفَبْركة، فَضْلاً عنِ الأخبارِ مجهُولةِ المَصادِر، مَشْكُوكةِ المِصداقيَّة، بالإضافةِ إلى شيُوعِ التَّحليلاتِ السَّطحيّةِ، والعناوينِ الفَخْمة المُضلِّلةِ غير الحقيقيَّة([20]).

     ومِنَ المُصطلَحات المُثيرة جِدَّاً للانتباهِ؛ مُصْطَلَح سياسات ما بعد الحقيقة (Post-truth politics)، وقدِ استخدَمَهُ لأوَّل مرَّةٍ الصحفيّ الأميركيّ (ستيف تشيس) في مجلة (ذا نايشن) (The nation)، عام 1992، وقَدْ لَقِيَ هذا الاصطلاحُ رَواجاً في الأوساطِ الصحفيَّة، ثم الأكاديمية، وصُولاً إلى عام 2016؛ حينما اختارَ (قامُوس أوكسفورد) "Post-truth" ليُصْبِحَ كلِمةَ العامّ (Word of the Year)؛ لأنَّهُ كانَ الأكثرَ رَواجاً، وتسبُّبا للجَدَل، خاصَّةً بعدَ صعُود (دونالد ترامب) إلى السُّلْطة، والتَّغيير الجذريّ الّذي أحدثَهُ في (الخِطاب السياسيّ). ومع الوَقْتِ أصبحَ هذا المُصْطلَحُ (ما بعدَ الحقيقة) (Post-truth)، أكبرَ مِنْ مُجرَّد اصطلاحٍ سياسيّ، لقد أصبحَ ماركةً (علامة) رسميَّةً للعَصْرِ الّذي نعيشُ فيهِ، عَصْرِ (ما بعدَ الحقيقة)؛ حيثُ يُمارِسُ النَّاسُ الكَذِبَ، والخِدَاعَ، والتَّضليلَ في كُلِّ شيءٍ - تقريباً -، وكأنَّها عادةٌ يوميَّةٌ، أو أسلُوبُ حياةٍ. في تلكَ الحالةِ مِنَ الفَوْضَى؛ لا تكونُ لدينا أيُّ مرجعيَّةٍ سِوَى القُدْرة على رَفْعِ الصَّوْت، أَوْ شَحْذ المَشَاعِر إلى أقْصَاها([21]). وهذا ما تقومُ به القنواتُ المُسيّسة الّتي تعتمدُ على نشرِ الأكاذيب الّتي تتحوّلُ إلى حقائِق؛ إذا تَمَّ تَكْرَارُها بِما يَكْفِي([22]).

    يُشير اصطلاحُ (ما بعدَ الحقيقة) إلى توجُّهٍ يعتمِدُ على أنْ يكُونَ التَّفاعُل في النِّقاش السياسيِّ؛ قائِماً على الانفعالاتِ الفرديَّة، واللّعب على وَتَرِ الغَرَائِز، والمَشَاعِر، والمُعْتقداتِ الخاصَّة بالأفراد، بغضِّ النَّظرِ عن الوَقائِع أو الحَقائِق، وتَبَعاً لذلِك يُمكِن أنْ يلجأَ رِجالُ السِّياسةِ، أو الوسائِل الإعلاميَّة الّتي تَدْعَمُ حِزْباً أو جِهةً ما، إلى الأكاذيبِ، أو التَّضليلِ المُتعمَّدِ والمُستمِرِّ والكثيفِ؛ لدَعْمِ تلكَ التوجُّهات السياسيَّة الّتي ينتمُون إليها، حتى لو كانَتْ ادِّعاءاتٍ كاذِبة. وفي تلكَ الأجواءِ المَشْحُونة عاطفيّاً، تُصْبِح الحقائِقُ الموضُوعيَّة؛ أقلَّ تأثيراً في الرَّأْي العامّ، ومِنْ ثَمَّ تُصْبِح الحقيقةُ عُمْلةً غير ذاتِ قِيمةٍ على الإطلاق، أو كما قالَ ذات مرَّةٍ (مايكل ديكون)، مُحرِّر صحيفة (التليغراف) البريطانيّة الشَّهيرة: "الحقائِقُ سلبيَّة، الحقائِقُ مُتشائِمة، الحقائِقُ غيرُ وطنيَّة". إذا كانَ هُناكَ شيءٌ يُمْكِن أنْ نعتبِرهُ مُمثِّلاً رئيساً للعَصْر الرَّاهِن؛ فهُوَ - لا شكَّ - الأخبارُ الكاذِبة الّتي نتعرَّضُ لها يوميَّاً بصُورٍ مُختلِفة، والأسوأُ مِنْ وجُودها؛ هُوَ قابليّتُنا لتصدِيقها، إذ مِنَ المُؤكَّد؛ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَّا - مَهْما بَلغَتْ ثقافتُه -؛ قَدْ وقعَ في أَسْرِ أحدِها، ولَوْ مرَّةً واحِدةً على الأقلِّ([23]).

   والأنكى من ذلِكَ - حسب ما يراهُ (جاي فان بافيل - Jay Van Bavel)، من جامعة نيويورك -؛ أنَّ الأمر لا يرتبطُ فَقَطْ بجَهْلِ المُواطِن العاديّ بالحقائِق، أو بقُدْرةِ الأخبارِ الكاذِبة على أنْ تكُونَ أكثرَ إِبْهَاراً، أو غَرَابةً، مِنَ الأخبارِ العادِيّة المُمِلَّة؛ لكِنَّهُ يتخطَّى ذلِكَ كُلّه ليتعامَلَ مُبَاشرةً مع هُويَّاتِنا، أو اعتقادَاتِنا حَوْلَ أنفُسِنا. وتُسَمَّى هذِه الفِكْرةُ بـ(أنمُوذج القناعاتِ القائِمة على الهُويَّة)، فحينما نتعرَّضُ لمجمُوعةٍ مِنَ الأفكارِ عن أحدِ الموضُوعاتِ الّتي نهتمُّ بها عبرَ (فيسبوك)، أو (تويتر)، أو (التِّلفاز)؛ فإنَّنا نُعْطِي تقييماً لها؛ يعتمِدُ - أساساً - على ميُولِنا، أو قناعاتِنا السياسيَّة. في تلكَ النُّقْطة؛ فإنَّ ما يُحدِّد الخطأَ والصَّوابَ، ليسَ الحقائِقَ الموضُوعيّة، ولكِنْ مَدَى التَّوافُق السَّابِق مع ميُولِنا. لَمْ يَعُدْ هذا صادِماً بعدَ اليَوْم، فجميعُنا - تقريباً - سَوْفَ نميلُ إلى تصديقِ الخبرِ الكاذِب؛ إذا كانَ يَتَماشَى مع قناعاتِنا، ويُؤيِّد الحِزْبَ، أو التوجُّهَ السياسيَّ الّذي نَنْتمِي إليه([24]).

   في الواقع، فإنّ جَوْدة الخبرِ المَعْرُوضِ أمامَك؛ لا تَعْني بالضَّرُورة أنّكَ سَوْف تُصدِّقه، مَهْما كانَ مدعُوماً بالحقائِق، أو المَصَادِر المَوْثُوقة؛ ذلِكَ لأنَّكَ قَدْ تميلُ إلى الانتماءِ الخاصِّ بِكَ على حِسَاب الدِّقّة، أو الموضُوعيَّة، وقد يمتدُّ هذا الانتماء للأفكارِ المُسْبقة - في بعض الأحيان -؛ إلى المُعارَضة الصَّريحةِ للحقائِق. كما أنَّ مُواجهةَ النَّاسِ بالحقائِق؛ قَدْ لا تُقْنِعُهم بالعدُولِ عن آرائِهم، بَلْ على العَكْسِ تماماً، قَدْ تجعلُهم أكثرَ تمسُّكاً بها، ويُسمّى هذا بـ(تأثيرِ ردِّ الفِعْل العكسيّ) (Backfire Effect)، وهو تحيُّز إدراكيّ؛ يقُول: إنّ مُواجهةَ النَّاسِ بالحقائِق المُثْبتة الّتي تَنْفي قناعاتِهِم؛ تَجْعلُهم أكثرَ تمسُّكاً بِها في ردِّ فِعْلٍ عكسيّ، ويُعَدُّ ذلِكَ نَوْعاً مِنْ أنواعِ (التحيُّزِ التَّأكيديّ)، حيثُ يَمِيلُ الواحِدُ مِنَّا للبَحْث عن تفسيرٍ يُؤيِّد طَرْحَهُ، بَلْ وتذكُّر المعلُومات بطريقةٍ تتوافَقُ فَقَطْ معَ قناعاتِه السَّابقة، بَيْنما - في المُقَابِل -؛ لا يُعْطي اِنتباهاً مُمَاثِلاً للحقائِق، أو الدَّلائِل الّتي تَقِفُ على النَّقيضِ مِنْ قناعاتِه([25]).

   ففي عَصْرِنا هذا؛ عَصْرِ (ما بعدَ الحقيقة)؛ أمعنتِ الكثيرُ مِنَ الوسائِلِ الإعلاميّة في مُمارسَةِ الكَذِب، والخِدَاع، والتَّضليل، والتَّشويه، والتَّزييف، وأكبرُ دليلٍ على ذلك اليَوْم (حَرْبُ غزَّة)؛ الّتي أصبحَتْ مادَّةً دَسِمةً لقنواتٍ مُسيَّسة مُغْرِضة مُؤَدْلَجة؛ تَلْعبُ على وَتَرِ الغَرَائِز، والمَشَاعِر، والمُعْتقداتِ، بصَرْفِ النَّظرِ عن الوَقائِع أو الحَقائِق، وهذا لا يرتبطُ البتَّة بجَهْلِ المُشاهدين بالحقائِق الدّامِغة الّتي تقومُ بعَرْضِها قنواتٌ تَتَّسِمُ بالنَّزاهةِ، والحِياد؛ كـ(الجزيرة) مثلاً، لكنَّهُ يَتَخطَّى ذلِكَ كُلّه؛ إلى التَّعامُل مع ميُولِ المُشاهدينَ، وهُويَّاتِهِم، واعتقادَاتِهم، والتَّوجُّهاتِ الرسميَّةِ للدُّوَلِ الّتي يعيشُون فيها - كما في بعضِ دُوَل الخليج -؛ إذ نرى الكثيرَ مِنَ هؤلاءِ يميلُون إلى دَعْمِ توجُّهاتِهم السِّياسيَّة، وأفكارِهم المُسْبقة، وانتماءاتِهم الخاصَّة؛ على حِسابِ المصادِر الموثُوقة، والمعلُومات المدعُومة بالأدِلّة والحقائِق، بَلْ وإلى مُعارضةِ الآراء الأُخرى، واتِّهام أصحابِها بالخِيانة والعَمالة والتَّواطؤ. هذا إذا كانتِ القنواتُ مُسيَّسة ومدعُومة مِنْ جِهاتٍ رسميَّة هُنا أو هُناك، ولكن هُناك، إضافةً إلى تلك؛ قنواتٌ أُخرى كثيرةٌ هُمُّها الّذي يهمُّها (العائِدات الماديَّة)؛ بصَرْفِ النّظرِ عن (النَّزاهةِ)، أو (المِصْداقيّة)، أو (القِيَم الأخلاقيّة).

    فوسائِلُ الإعلامِ اليوم؛ أصبحتْ تنظرُ إلى العائِد الماديّ، قبلَ أنْ تنظُرَ إلى المُحْتوى المعنويّ. وتُقيِّم هذه الوسائِل بكَثْرةِ مُشَاهدِيها، ولِهذا؛ فهِيَ لا تأبَهُ بما تُقدِّمه، ما دام ذلك يُوفِّر لها عائِداً ماليّاً ضَخْماً! وقد أكّدت ذلك الدكتورة مشاعل عبدالعزيز؛ بقولِها: "للصّحافة طبيعةٌ اختزاليّةٌ، إذ تقومُ بصياغةِ الأخبارِ وَفْقَ ما يُلائِمُ مصالِحَ مُلّاكها، وتوجُّهاتهم السياسيَّة أو الاقتصاديَّة. وَلْنتذكَّرْ أنّ الصّحافةَ صِناعةٌ بالنِّهاية، والصِّناعةُ يُحرِّكُها دائِماً؛ هاجِسَا: المَصْلحة، والتَّسْويق"([26]). ويلفتُ (ألان دونو) النَّظرَ إلى صحافةِ التابلويد Tabloid تحديداً؛ وهي: النَّمطُ الصّحفيُّ الّذي يهتمُّ بموضوعاتِ الفضائِحِ والتّرفيهِ، وأخبارِ المشاهير.. إنّ صحافةَ التابلويد تقومُ - في جانِبٍ كبيرٍ - على نَشْرِ المادّة التّافِهة للقُرّاء، وأغلبُها يتعلّقُ بمُلاحقةِ المشاهير، وتصويرهم، والتنصُّت عليهم([27]).

  وفيما يتعلّق باللّغة؛ نلحظُ ركاكةً في الأسلُوب، وتفاهةً في المُحْتوى، وضَعْفاً في التّعبير، وكُلّها سِماتٌ أصبحت ماركة مُسجّلة بحقّ التّافهين الّذينَ يَسْخَرُون من أصحابِ اللّغة الرّاقية، والتّعبير الرَّفيع، والأسلوب البديع. ولا غَرْوَ أنَّ للتّفاهةِ أداةً مُهمَّةً؛ ألَا وهِيَ (اللّغةُ الخشبيَّة)، ويعني بها (آلان دونو)؛ اللّغةَ الجَوْفاء الّتي تقومُ على الحَشْوِ أو مُجرّد التَّكرارِ بـألفاظٍ مُختلِفة، وكأنّ في الأمرِ قضيّةً جديدةً، ولكنّها في الحقيقةِ لا تُضِيفُ شيئاً. مِمّا يعني أنّها مَحْضُ ألفاظٍ زائِدةٍ عن أصلِ المعنى من دُونِ فائِدة([28]). ومِنَ الكُتُبِ الثوريَّة الّتي رَصَدَتْ حالةَ التغوُّل العِلْميّ؛ (الهمجيَّة زمنُ عِلْمٍ بِلا ثقافة)، للفيلسوف الفرنسي ميشيل هنري، ويشيرُ فيه إلى تلك الهمجيَّة الّتي أمعنَتْ في تَقْويضِ أشكالِ الثَّقافة التّقليديَّة. وقد لَقِي هذا الكِتابُ صدًى واسِعاً، وانتقاداتٍ شَرِسة حول نَبْرتِه الحازِمة، ولغتِه العنيفة الّتي تَرْثي حالَ ثقافةٍ في طريقِها إلى الزَّوالِ! وينطلِقُ هذا الكِتابُ مِنْ فكرةِ أنّ عصرَنا؛ يتفرّدُ بتطوُّرٍ غيرِ مسبُوقٍ للمَعْرِفة، ويسيرُ جنباً إلى جنبٍ مع تداعِي الثّقافة([29]). في هذا الصِّنْفِ مِنَ التّواصُل؛ لا أحدَ يتواصَلُ مع أحد، وتزدادُ المعلُومةُ فَقْراً؛ كُلّما ازدادتْ سُرْعتُها! في هذا الصِّنْف مِنَ التّواصُل؛ المعلُومات مُضَاعفة ومُتَهافتة ومُجْتزأة مِنْ كُلِّ تحليلٍ وكُلّ مِعيارٍ تقويميّ، وكُلّ مبدأٍ للمعقُوليَّة([30]). ويتساءَلُ هنري في أطروحتِه؛ بحَسْرةٍ وأسى: ما السَّببُ في أنّنا نَرْصُدُ طَمْساً وحشيَّاً وتدريجيَّاً لقِيَم الفنِّ والدِّين، وليسَ مُجرّد تَضَعْضُعِها أو وهنِها؟ لأنَّ المسألةَ – فِعْليّاً –؛ ليستْ مسألةَ أزمةٍ في الثّقافة، بَلْ دمارِها!([31]).

     وفي زمنِنا المُعاصِر، أشارَ المفكِّر الجزائريّ مالِك بن نبي إلى هذه اللّغةِ الخشبيّة - الّتي أومأ إليها (دونو) -؛ بقولِه: "لَكَمْ رأيْنَا أُناساً يتصدَّرُونَ الحياةَ العامَّةَ، فيتناوَلُونَ الأشياءَ لمُجرَّدِ التّفاصُح والتّشدُّقِ بها، لا لدَفْعِها ناشِطةً إلى مجالِ العمل. فكَلامُهم في هذا ليسَ إلّا ضَرْباً مِنَ الكلامِ مُجرّدٍ من أيِّ طاقةٍ اجتماعيّة، أو قُوّةٍ أخلاقيّة، على الرَّغمِ مِنْ أنّ هذِه القُوّة؛ هِيَ الفَيْصلُ الوحيدُ بينَ المواقِف الفعّالة؛ الأخلاقيّة والماديّة"([32]). ونحنُ نجدُ في كُلِّ يومٍ في الفَضَاءِ الافتراضيّ؛ أفواجاً حاشِدة مِنَ التَّافهين التَّائهين؛ وهم يتهافَتُونَ ويتسابَقُونَ على تسويقِ الإنتاجِ الرَّخيص، وتَتْفِيهِ حياةِ النَّاشئينَ مِنْ الأجيالِ الواعِدة، وتشتيتِ أفكارِهم، وتثويرِ نزواتِهم، وتفجيرِها!

      "وحين تغرُب شمسُ الثّقافة، ويفسد الذَّوْق العامّ، وتتراجَعُ فنُون الأدبِ، وتتدنَّى الأخلاق في مُجتمعٍ ما، يُصْبِح الأقزامُ في أحجامِ العمالِقة، ويَخْفُت صوتُ العُقَلاء، ويَعلُو صوتُ الجُهَلاء، وتسودُ السطحيَّة، ومِنْ هُنا تتبدَّل المعاييرُ، وتنقلبُ المفاهيمُ عندَ العوامّ؛ فيضعُونَ الصَّغيرَ مكانَ الكبيرِ، والجاهِلَ مكانَ العالِم، ويُقدِّمون التَّفاهة على القِيمة، فتنشأُ أجيالٌ تتصوّر أنّ التدنِّي والرَّداءة؛ هُما القاعِدة وغيرهُما استثناءٌ، بعدَ أنْ تصدَّرَ وسائِل التَّواصُل الاجتماعيّ، نخبةٌ مِنَ التَّافهينَ الَّذينَ أسهمُوا في تشكيلِ وعي النَّاسِ، وتسميمِ ثقافتِهم، وتهجينِ أفكارِهم، وتوجيه سلُوكِهم"([33]).

    ولا جرمَ أنّ النِّظامَ الاجتماعيَّ اليوم - على امتدادِ جغرافيّة العالَم - أصبحَ يُسيطِر فيه شريحةٌ واسِعةٌ من (الأُميِّين الجُدُد)؛ الّذينَ هيمنُوا على مُعظمِ مفاصِل الحياةِ العامَّة، ونحنُ نشهدُ - في كُلِّ يومٍ - زيادةً ملحوظةً لجحافِل التَّافهين التَّائهين، مِمّنْ يأخذُون على مَنْشوراتِ التَّفاهة والابْتِذال مكافآتٍ ماليةً مُغْرية بمقدارِ حَجْمِ المُعْجبين، من لَدُنْ جهاتٍ مُغْرِضة لا تَنِي في دَعْمِ النّشرِ التَّافِه الرَّخيص، بدلاً من مُكافأة التميُّز والتفرُّد، والجَوْدة في العمل، ودَعْم أصحابِها، وتمويل مشاريعهم؛ وقد أصبحنا نرى التَّافِهينَ التَّائهينَ يَقْبِضُون أموالاً سخيَّة هنا أو هُناك. وقد أصبحَ المالُ؛ هو المِعيارُ الأوّلِ والأوحد للنَّجاح في عصرِنا الرَّاهِن! فـ"اليوتيوب مثلاً يقيِّمُ البرامِجَ؛ بعددِ المُشاهداتِ الّتي تصلُ إلى الملايين، بغضِّ النّظرِ عن المُحتوى والقِيمة الفكريّة أو العِلميّة أو المَعْنويّة الّتي تحمِلُها"([34]).

    والتّافِهُون الّذين يقُومون بإنتاج التّفاهة؛ لا ينظرُون البتّة إلى القِيمةِ المعنويَّةِ مِنْ وراءِ أعمالِهم، وإنّما هدفهُم الأوحد؛ هو القِيمةُ الماديَّةُ البَحْتة. ولنعلَمْ جيِّداً أنَّ التَّافِهين، على امتدادِ جغرافيَّة العالَمِ الرَّحيب؛ إنَّما يتغذّون على الملايين مِمَّن يمنحون لهم الإعجاب. يقولُ (لافونتين): "إنَّ الكَذَّابَ والدجَّالَ والمُتملِّق؛ يعيشُونَ على حِسَابِ مَنْ يُصْغِي إليهم"! ولَوْ عاشَ (لافونتين) في عصرِنا هذا؛ لأضافَ إلى جانبِ هؤلاءِ المذكُورينَ (التّافِه) أيضاً، ورُبَّما جعلَهُ في صدرِ القائِمة! فحتَّى الأحمقُ -  كمال قال دوستويفسكي - يُصْبِحُ بالمالِ عِمْلاقاً! ولكن مع كُلِّ ذلِكَ؛ فإنَّ النَّجاحَ كما قال رَجُل الأعمال الأمريكيّ  (جون بول دي جوريا) ليسَ في مقدار المال، أو مقدارَ القُوَّة الّتي لديكَ، إنَّما هُوَ مدى جَوْدةِ ما تفعلُه، دُونَ رَقابة أحدٍ عليكَ، والاستمرار في فِعْل ذلِك. الأشخاصُ النَّاجِحُون يفعلُون كُلَّ الأشياء الّتي لا يريدُ الأشخاصُ الفاشِلُون القيامَ بها. وقد أكّد (فولتير) هذا المعنى؛ بقولِه: لا تعتقِدْ أبداً أنَّ المالَ يَصْنعُ كُلَّ شيءٍ، وإلّا فسَوْفَ يَنْتهي بكَ الأمرُ إلى فِعْلِ كُلِّ شيءٍ لكَسْبِ المال! وقد كتبَ (روديارد كيبلينج)؛ ناصِحاً: "لا تُفرِّط في الاهتمامِ بالثَّرْوةِ، أو السُّلْطةِ، أو الشُّهْرة. وإلّا فإنَّكَ ستُقابِلُ يَوْماً ما شَخْصاً لا يُبالِي بأيٍّ مِنْ تلكَ الأشياءِ، وسَوْفَ تُدْرِكُ حينَها إلى أيِّ مدًى أصبحْتَ فقيراً"([35]). وقد أكّد هذا المعنى (فيدور دوستويفسكي)؛ حينَ قالَ: "كُلُّ شيءٍ يُشْترَى بالمالِ ليسَ ثميناً". وقد ذكرَ (بنجامين فرانكلين): "مَنْ يُؤْمِنُ أنَّ المالَ يفعلُ كُلَّ شيءٍ؛ سيفعلُ كُلَّ شيءٍ مِنْ أجلِ المال"!

  فما يُميِّز عالمَنا اليوم؛ هُوَ شيُوع ظاهِرة "التَّسطيح الفكريّ"؛ أي الاكتفاءُ بالقشُورِ وظواهِر الأشياء، دون النّفاذِ إلى أعماقِها، "فالتَّسطيحُ بدأَ يَضْرِبُ بجذُورِه في المُجتمعاتِ بهدُوءٍ وإصْرَار، حتّى أصبحَ الجَسَدُ الاجتماعيُّ مُصَاباً بالفَسَادِ بصُورةٍ بنيويَّة. وقد أنتجتِ الثّقافة - الّتي تأثَّرتْ بقِيَم التَّافهين - لُغةً ومُصطلحاتٍ غريبة، فتحوَّلَ مُصْطلَح جرائِم الزِّنى إلى جرائِم الآداب. وهو ما أفقدَ الإحساسَ الاجتماعيَّ بالمَعْنى السَّليم. وانتشرتْ ظاهِرةُ (الأميِّين الجُدُد) الّذين تحدَّث عنهم الشَّاعِرُ الإسبانيُّ (بيدرو ساليناس). وصارَ بإمكانِ التّافهينَ؛ أنْ يكُونوا رمُوزاً اجتماعيِّينَ من خلالِ عددِ الإعجاباتِ الّتي يحصلُون عليها. وتغيَّر مفهُوم النّجاح الّذي كان معيارُه المُثَابَرةُ والجِدُّ والاجتهاد، والعملُ الجادُّ، والتّفوّق والتميُّز، لصالِح مِعيارٍ جديدٍ وحيدٍ؛ هو المالُ فقط. وهناك أمرانِ جعلا التّفاهة تنتشرُ وتترسَّخ؛ وهما: البَهْرجة، والابتذال. فبعضُ النّاسِ قد يلجأُ إلى الفضائِح بَحْثاً عنِ الشُّهْرة وبَهْرجتها. لذلِك كان السياسيُّ الفرنسيُّ في القَرْنِ الثّامِن عَشَر (تاليران)؛ يقول: "كُلّ ما يُبالَغ فيه هو أمرٌ غيرُ ذِي أهميَّة". والثّانِي: المُبالغة في التّفاصيل؛ وهُنا تضيعُ الحقيقةُ، ويغيبُ المعنى. وقد وصفَهُم الفيلسُوف (نيتشه) بقولٍ بليغ؛ عندما تحدّثَ عنِ الشُّعراءِ الّذين يهتمُّونَ بالقصائِد الخالية مِنَ القيمة؛ بقولِه: "هؤلاءِ يَكْدرُون مياهَهُم؛ كَيْ تبدُو عمِيقةً". فالتّفاصيلُ مُرهِقة ومُضلِّلة([36]).  

     لم يَعُدْ أحدٌ يُفكِّر بالمعرفة، بَلْ لو سألْتَ أيّ إنسانٍ عن أحلامِه؟ سيجيبُكَ أنّ حلمَهُ سيّارةٌ فاخِرة، وفتاةٌ جميلة حَسْناء، وبَيْتٌ على البَحْر، وحِسَاباتٌ بنكيّة، فيها أموالٌ لا تَنْتهي! دُونَ بَحْثٍ عن مَصْدرها، فالمالُ مُقدَّم على كُلِّ القِيَم والمبادِئ. أمّا السُّلطة، فالجميعُ يريدُونها ليسَ لتقدّم المجتمعِ وازدهاره؛ بَلْ لتقدُّم الذّاتِ واشتهارِها. فالمصلحةُ الشخصيّةُ هِيَ المُحرِّك الرّئيس لطالبي السُّلْطة، أمّا مصلحةُ المُجتمع؛ فهي غِطاءٌ رمزيّ لخداعِ الجماهير([37]).

     وقد كتبَ (جورد سيميل Georg Simmel)  عام 1916م: "لقَدْ أصبحتِ النّقُود تحديداً غايةَ الغاياتِ لغالبيَّة النّاسِ في حضارتِنا، إذ إنَّ حيازةَ النّقُود؛ هِيَ ما يُمثِّل الهدفَ الأعلى لجميعِ الأنشطةِ الهادِفة الّتي تقومُ بها هذه الغالبيَّة... ففي عقلِ الرّجُلِ الحديثِ، ما عادتْ فِكرةُ الاحتياجِ؛ تَعْني: احتياجَ السِّلَعِ الماديَّة، ولكِنْ - فَقَطْ - احتياج النّقُود اللّازِمة لشِراءِ هذِه السِّلَع"([38]).    

   فإذا أردتَّ أنْ تكُونَ ناجِحاً في هذا العَصْر المأزُوم؛ فما عليكَ إلّا أنْ تتوسَّل إلى استخدامِ تلكَ الوسائِل الّتي تُدرُّ عليكَ المالَ الوفير، مهما كانتْ سافِلةً وضيعةً، فغايةُ جَني الأموالِ؛ تبرِّرُ الوسيلةَ مَهْما كانتْ هابِطة مُبتذَلة، وكُلّما زادَ رصيدُك الماديُّ؛ زادتْ مكانتُك الاجتماعيَّة، فهُناك إذاً؛ علاقةٌ طرديَّة في هذا الشَّأْن، فإذا أردتَّ تكوينَ مكانةٍ اجتماعيَّةٍ لائقةً اليوم؛ فما عليكَ إلّا أنْ تُمارِسَ ضَرْباً مِنَ ضرُوبِ التَّفاهة في إحدى وسائِل التّواصُلِ الاجتماعيّ، وإذا أردتَّ تحقيقَ ثروةٍ طائِلة - بغضِّ النّظرِ عن طرُقِ الكَسْب المشرُوع ووسائلِه -؛ فما عليكَ إلّا أنْ تجيدَ هذه الصّناعة بحِرَفيَّة ومهنيّة عالية، وكُلّما زاد جحافُل المُتابعين لكَ؛ زادَ رصيدُك الماليّ، وارتفعتْ مكانتُكَ الاجتماعيَّة. فلماذا إذاً على الشّبابِ - مِمَّنْ ينظرُون إلى الحياةِ بمنظُورٍ ماديّ بَحْت -؛ "أنْ يبدأُوا بالخطواتِ التقليديَّة المُعتادة الطَّويلة الأمد، وبَذْلِ الجهُودِ والطّاقاتِ في المدارِسِ والجامِعات، لكي يتخرَّجُوا بعدَ ذلك مُجرَّد مُوظّفين، أو ترُوساً ضِمْنَ آلةِ عملٍ ضَخْمة، تَضْمَنُ لهم قُوْت يومِهم بشقِّ الأنفُس. أمّا الثَّراءُ السُّريع المَضْمُون؛ فلن يتحقّقَ إلّا في عالَمِ الميُوعةِ والمجُون، والتَّفاهة والابْتِذال!"([39]).

   هؤلاءِ الشّباب، – لا رَيْبَ – سيتصوَّرُونَ، بقليلٍ مِنَ التّفكير؛ أنّ الطّريقَ نحوَ الثّراءِ العاجِل؛ لا يتطلَّبُ مُؤهِّلاتٍ علميَّة، ولا شهاداتٍ جامعيَّة، ولا خِبْراتٍ عمليَّة، بل مُمارساتٍ رَخِيصة شائِهة، وأداءاتٍ سَخِيفةٍ هازِئة! لقد أثّر الابْتِذال في وسائِل التَّواصُل على قناعاتِنا وثقافاتِنا، وصِرْنا نُسْهِم بشَكْلٍ أو بآخَر في تعميقِ تَغَلْغُل التَّافِهين في حياتنا عَبْر مُشاهدتِهم ومُتابعتِهم، وأصبحَ أبناؤنا يَتسابَقُون لمُجاراة ما يَتِمُّ عَرْضُه عبرَ هذه الوسَائِل، بقَصْدِ الوصُولِ للشُّهْرة والثَّراءِ السَّريع، وكَثُرَ السَّاقِطُون في هذا الوَحْلِ الآسِن دُون بلُوغ المَقْصِد، ونُحِرَت الفضيلةُ، وانْزَوى الحياءُ، وتَمَّ التَّخلِّي عن مبادئِ الدِّين والتّربيةِ، والعاداتِ الاجتماعيّة الفاضِلة، وأصبحتِ الغايةُ تُبرِّر الوسيلةَ، مَهْما كلّفَ الأمرُ، ومَهْما بلغَ قَدْرُ التّنازُل([40]).

    وقد حذَّر المُفكِّر (حسن إسميك) مِنْ عُقْدة التشبُّه بالفارِغين وتقليدِهِمْ؛ فقال: تُصدِّر وسائِلُ التَّواصُلِ الاجتماعيّ، عن طريقِ المشاهيرِ أو المُؤثرين، أساليبَ حياةٍ فارِهة، يَرَاها النَّاسُ مثاليّةً، ويَسْعَوْن إلى امتلاكِها، ويُحاوِلُون التشبُّه بأولئكَ المشاهيرِ في لِباسهم، وتصرُّفاتِهم، وعاداتِهم اليوميَّة، وما يرتادونه مِنْ مَطاعِمَ وأماكِن.. هو أسلوبٌ جديد للتَّسويق، أصبحنا نَعِي ذلك. لكنْ، إنْ صحَّ قولُ (آرثر شوبنهاور)؛ بأنَّنا "نفقدُ ثلاثةَ أرباع أنفُسِنا؛ كَيْ نُصْبِح مثلَ الآخرين". فإنَّ ذلِكَ يَعْني أنَّنا بتنا نعيشُ في عالَمٍ زائِف، لا أحدَ فيه على طبيعتِه، ولَنْ يطُولَ الوَقْتُ حتَّى نَفْقِدَ الرُّبْعَ البَاقِي دُونَ أنْ نَشْعُر. وما أروعَ ذلِك المجازَ الّذي استخدمَهُ (لورد بايرون) في التَّهافُتِ على الشُّهرة؛ بقولِه: "تُحِبُّ الحَماقةُ الشَّهادةَ في سبيلِ الشُّهْرة"!، وقد أكّد (إميل سيوران) هذه الرّغبة الجامِحة لدى البَعْضِ؛ بقولِه: "الرَّغبةُ في الشُّهْرة؛ هِيَ الرَّغبةُ في أنْ يمُوتَ المَرْء مَكْرُوهاً، عن أنْ يمُوتَ مَنْسِيَّاً".

   فالنَّجَاحُ الّذي تُحقِّقُه في حياتِكَ - كما قال أوسكار وايلد -؛ يصنعُ لكَ أعداءً كثيرينَ، ولكِي تكُونَ ذا شعبيَّةٍ كبيرةً؛ كُنْ تافِهاً، وبارِعاً في إنتاجِ التّفاهة! وما أروع ما ذكرهُ (محمَّد الماغوط) في هذا الشّأن؛ بقولِه: "لا تَكُنْ مُتفوِّقاً في عالَمٍ مُنحط؛ ستكونُ مثلَ بُقْعةِ عَسَلٍ وَسْطَ عالَمِ الذُّبابِ، ستُفْنَى، ويَبْقى الذُّباب!"، فأنتَ "إذا أردْتَّ أنْ تَخْسَرَ النَّاسَ؛ صَارِحْهُمْ، وإذا أردْتَّ أنْ تَكُونَ مكرُوهاً؛ قُلْ كلِمةَ حقٍّ، وإذا أردْتَّ أنْ تَكُونَ مشهُوراً؛ كُنْ مُنْحرِفاً، وإذا أردْتَّ أنْ تَكْسِبَ النّاسَ؛ كُنْ مُنافِقاً!". وأنَّك في الدُّوَل العربيّةِ فقط: كُلّما زادَ عِلْمُكَ؛ اقترَبْتَ مِنَ السِّجْن، وكُلّما زادَ جَهْلُكَ؛ اقترَبْتَ مِنَ السُّلْطة، وكُلّما زادت تفاهَتُكَ؛ اقترَبْتَ مِنَ الشُّهْرة! وقد وصفتِ النَّاشِطةُ السعُوديَّةُ (سارة الغامديّ)؛ بلهجةٍ ساخِرة، الواقِع العربيّ المأزوم؛ بقولِها: "أكبرُ جامِعةٍ في العالَم وأفضلُها؛ هِيَ سجُونُ آل سعُود، لِما فيها مِنْ كَثْرةِ العُلماءِ والدَّكاتِرة، والدُّعاة المُصْلحينَ، والشُّرَفاء. وشرُوط دخُولِها: "كلمةُ حقٍّ" في وَجْهِ سُلْطانٍ جائِر"!

    وفي هذا الصَّدد يقول (آلان دونو) بأنّ "التَّافِهينَ رَبِحُوا الحربَ، وسَيْطرُوا على عالَمنا، وباتُوا يحكمُونه. فالقابليّة للتّعليب؛ حلَّت محلَّ التَّفكير العميق"، ولهذا يُوصينا هذا الفيلسُوف الكنديُّ بنبرةٍ لا تخلُو من (كوميديا سَوْداء)، قائِلاً: "ضَعْ كُتُبَك المُعقَّدة جانِباً، لا تَكُنْ فَخُوراً، ولا رُوحانيَّاً، فهذا يُظْهِرُكَ مُتكبِّراً، خَفِّفْ من شَغَفِكَ، لا تُقدِّمْ أيَّ "فِكْرةٍ جيِّدة"؛ فستكونُ عُرْضةً للنَّقْد، لا تَحْمِلْ نظرةً ثاقِبة، وَسِّعْ مُقْلتَيْكَ، أرْخِ شَفَتَيْكَ، فَكِّر بميُوعةٍ وكُنْ كذلِك، عليكَ أنْ تكًونَ قابلاً للتَّعليبِ والتَّصنيف، لقد تغيَّر الزَّمَنُ، فالتَّافِهُونَ قد أمسكُوا بالسُّلْطة"([41]). وما أروع ما ذكرَهُ (دستويفسكي) في هذا الصَّدَد: "سيَصِلُ العالَمُ إلى زَمنٍ يُمْنَع فيهِ الأذكياءُ مِنَ التَّفكيرِ؛ حتّى لا يُسِيئُوا إلى الحَمْقى!". ففي الزَّمنِ الجميل؛ كانَ الحَمْقى والأغبياءُ؛ لا يتكلّمُون في المَجالِس العامّة؛ حتّى لا يُسيئُوا إلى أصحابِ العقُول الواعية، ويُسِيئُوا إلى أنفسِهم، أمّا اليوم؛ فقدِ انقلبَ الأمرُ رَأْساً على عَقِب، وأصبحَ على ذَوْي العَقْلِ والبَصيرة؛ أنْ يأخذُوا حِذْرَهُم حينَ يتكلَّمُونَ مع الحَمْقى؛ كَيْ لا يُسِيئُوا إليهم. "فهذا زمنُ الأغبياءِ، والويلُ كلُّ الوَيْلِ لِمَنْ فَهِم!"([42]).

    وقد سُئِلَ الكاتِبُ الرُّوسيُّ (أنطون تشيخوف): كيفَ تكونُ المُجتمعاتُ الفاشِلَةُ؟ فأجابَ: "في المُجتمعاتِ الفاشِلةِ ثمّةَ ألفُ أحمقٍ، مُقابِل عَقْلٍ راجِح، وألفُ كلمةٍ خَرْقاءَ إزاء كُلِّ كلِمةٍ وَاعِية. تظلُّ الغالبيّةُ بَلْهاءَ على الدَّوَام. ولها الغَلَبةُ دائِماً على العاقِل". وما أروع ما ذكرَهُ (جورج كريستوف) في هذا المعنى أيضاً: "نحنُ نعيشُ في عالَمٍ؛ حيثُ أحمقُ واحِد ينتجُ الكثيرَ مِنَ الحَمْقَى، وحكيمٌ واحِد ينتجُ القليلَ مِنَ الحُكَماء". وأنتَ "إذا رأَيْتَ الموضُوعاتِ التَّافِهةَ؛ تعلُو في أحدِ المُجتمعاتِ على الكلامِ الواعِي الرَّصين، ويتصدَّرُ التّافِهُونَ المَشْهدَ؛ فأنتَ تتحدَّثُ عن مُجتمعٍ فاشِلٍ جِدّاً"! ولهذا؛ فليس غريباً أنْ تَجِدَ أصحابَ الوعي الرَّشيد؛ وهُمْ يعيشُونَ في معركةٍ مُتواصِلة مع حشُودٍ مِنَ التَّافهينَ الّذين اقتحمُوا كُلَّ مجالاتِ الحياة. وقد أجملَ (فرانس كافكا)؛ هذِه الحالةَ؛ بقولِه: "الحياةُ حَرْبٌ؛ حَرْبٌ معَ نفسِكَ، وحَرْبٌ معَ ظرُوفِكَ، وحَرْبٌ معَ الحَمْقى الّذينَ أوجَدُوا هذِه الظّرُوف". وقد صرَّح الكاتِب (محمّد القدومي) في تأييد هذه الفكرة؛ بقولِه: "أفكارُ الحَمْقى تنتشِرُ سريعاً؛ لأنَّها لَمْ تَجِدْ مَنْ يُحارِبُها. أمَّا أفكارُ الأذكياءِ، فسَتَجِدُ جيوشاً مِنَ الحَمْقى يُحارِبُونَها!". ولِهذا ينبغي علينا - كما قال تولستوي - أنْ نهتمَّ برَأْي الأغبياء ونُقَدِّرَهُ، كونُهم هُمُ الأغلبيَّة". وقد ذكرَ الروائيُّ الفرنسيّ - مِنْ أصُولٍ تشيكيَّة - (ميلان كونديرا)؛ بقولِه لَقْد: "أدركنا منذُ زمنٍ طويلٍ؛ أنّهُ لَمْ يَعُدْ بالإمكانِ قلبُ هذا العالَم، ولا تغييرهُ إلى الأَفضلِ، ولا إيقافُ جَرَيانِه البَائِس إلى الأمامِ، لَمْ يَكُنْ هُناكَ سِوَى مُقاومةٍ وحيدةٍ مُمْكِنة: ألّا نأخُذَهُ على مَحْمَلِ الجِدّ"([43]).

  وقد بلغَت الحَسْرةُ بأحدِ الكُتَّاب إلى أنْ يقولُ: ضَعْ شهاداتِكَ وخِبْراتِكَ جانِباً، لقد تصدَّر التَّافِهُون المَشْهدَ في مِنَصَّاتِ التّواصُلِ الاجتماعيّ، فكُلّما كُنْتَ أكثرَ تفاهةً وتبذُّلاً؛ حَصَدْتَّ عدداً لا حدودُ لَهُ مِنَ المُتابعين والمُشَاهدات. لقد أصبحَ نظرُ فئاتٍ كثيرةٍ مِنْ أفرادِ المُجْتمع إلى المُؤثِّرين على أنَّهم مُجرَّد أرقام، وصارَ قياس مُسْتوى النَّجاح المُتحقّق؛ بعددِ المُشَاهدات أو المُتابعين، فليسَ مَطْلُوباً أنْ تُقدِّم مُحْتوًى مُفِيداً، بَلْ على العَكْسِ تماماً، كُلَّما كان المُحْتوى الّذي تُقدِّمه مُبْتذَلاً وهابِطاً؛ كانَ أدعى لكَسْبِ المُشَاهداتِ والمُتابعِين([44]).

أصبحَ العديدُ مِنْ عناصِر مُجتمعنا تافهينَ إلى أقصى درجاتِ التّفاهة، حتَّى بدأَ التّافِهُون يتصدَّرُون المنابر، ويتلاعبُون بالمصادِر، في وقتٍ كان العِلْمُ حَكْراً على الفلاسفةِ والعُلماءِ والمُفكِّرين، إلّا أنّنا اليومَ أصبحنا نُطالِع ثقافةً تافِهةً يُنْتِجها التّافِهونَ على امتدادِ شبكاتِ التّواصُلِ الاجتماعيّ، بأقصى درجاتِ التّفاهة، وهُمْ يَحْسَبُون أنّهم يُحْسِنون صُنْعاً، وهذا ضَرْبٌ مِنَ الجَهْلِ المُركّب، إذ لا يدري أنّه جاهِل، وما ينشرُه شيءٌ مِنَ الجَهْلِ الّذي لا يصلُح نشرُه أو تسويقُه، ولكنّه مع ذلك لا يَنِي في تسويقِ جَهْلِه ونَشْرِه مع خَرْق كُلِّ مبادئ النّشر العلميّ المنهجيّ. فهؤلاءِ شأنُهم كشأنِ عُلماء آخرِ الزّمان الّذين وصفَهُم الرّسُول المُصطفى بأنّهُمْ غُثاءٌ كغثاءِ السَّيْلِ لا خَيْرَ فِيهم.

   لقد أصبحَ المِقْياسُ الحديثُ في الأخلاقِ؛ - كما قالَ أُوسكار وايلد - قبولَ مقاييسِ العَصْر الّذي نعيشُ فيه. أمّا أنا فأقولُ: إنّ قَبُولَ مَقَاييس العَصْرِ الّذي نعيشُ فيهِ، عملٌ مُنافٍ للأخلاقِ، وخطأٌ لا يُغْتَفَر لأيِّ رَجُلٍ مُثقَّف. ومِنْ مقاييسِ هذا العَصْرِ المأزُوم؛ الاهتمامُ بالمظاهِر إلى حدِّ الاستغراق، وانحدارُ الأذواق، والكِلْفُ بالماديَّاتِ، وإهدارُ المعنويَّاتِ، والتملُّقُ والتزلُّف إلى حدِّ الإهانة، والعُجْبُ والرِّياء إلى حدِّ الاسْتِهتارِ، والإحنُ والبَغْضاء، والغِلُّ والخِدَاع، والحِقْدُ والحَسَد، والنِّفاقُ والمُخَاتَلَة، فأصبحَتْ حَياتُنا - معَ الأسَف - بمثابةِ مَسْرحٍ كبير؛ يُؤدِّي فيهِ كُلُّ فَرْدٍ دورهُ، ويُقدِّم بِضاعتَهُ، تَحْقيقاً لمَنْفعةٍ عاجِلة، وتَحْصيلاً لرَغْبةٍ زائِلة، وفي جُعْبةِ كُلِّ واحِدٍ مِنْ هؤلاءِ، العَشَراتُ مِنَ الأقنعةِ الزّائِفة الّتي يسترُونَ خلفَها وجُوهَهُمْ العابِسَة البائِسَة، فهُناكَ مَنْ يُؤدِّي دورَه بتميُّزٍ واحترافٍ ومِهنيَّة، وهُناكَ مَنْ يُؤدِّي دورَهُ بتفاهةٍ وسَفالةٍ وإسْفَاف، وكِلاهُما في سِبَاقِ النِّفاقِ سَوَاء! فأنتَ في كُلِّ مُناسبةٍ - هُنا أو هُناك - تُداهِمُكَ المَظاهِر التَّافِهة، وتَجِدُ المعنويَّاتِ؛ وقَدْ تجرَّدَتْ من معانِيها، ففي عَصْرِ التَّفاهةِ هذا - كما عبَّر إدواردو غاليانو([45])-؛ أصبحَ حفلُ الزِّفافِ أهَمُّ مِنَ الحُبِّ، ومراسِم الدّفْن أهمُّ مِنَ المَيْت، واللِّباسُ أهمُّ مِنَ الجَسَد، والمَعْبدُ أهمُّ مِنَ الله.

    "نحنُ نظريّاً وعمليّاً؛ نعيشُ عصرَ التَّفاهة، أو عصرَ الرُّوَيْبِضة (الرّجُل التّافِه يتكلَّمُ في أمرِ العامة)، وهو الّذي حذَّرنا منه نبيُّنا الكريم - عليه الصّلاة والسّلام -. فنحنُ نرى في مُجْتمعاتِنا اليومَ آلافَ الرُّوَيْبِضات؛ وهِيَ تتحدَّثُ في السِّياسةِ والاقتصادِ والدِّين والفِكْر والثّقافة، وغير ذلِك من مجالاتِ الحياةِ المُتعدِّدة، بلا عِلْمٍ ولا فِكْرٍ ولا قِيَم أو أخلاق"([46]). لقد أصبحَ التَّافِهُونَ "رِجال أعمالٍ"، و"أثرياء"، وصارُوا "مشاهيرَ"، و"مُؤثِّرين"، وكُلُّ وسائِلِ التَّواصُل الاجتماعيّ تَصُبُّ في تعزيزِ "التَّفاهة المُمَنْهجة"، وأصبحتِ "الجماهيرُ"، و"الغَوْغاءُ"؛ تقودُ بعضَها، وتحتقِرُ "النُّخَب"، وأصبحتْ مفاهيمُ "العِلْم"، و"الفَلْسفة"؛ تثير السُّخْرية لدى التَّافهين([47]).

   وقد أكّد (دونو) بصريحِ العِبارةِ: "أنّ التَّافهينَ قَدْ حسُموا المعركةَ لصالحِهم في هذه الأيَّام، لقد تغيَّر الزَّمَنُ زمن الحقِّ والقِيَم، ذلك أنَّ التافهينَ أمسُكوا بكُلِّ شيءٍ، بكُلِّ تفاهتِهم وفسادِهم؛ فعندَ غيابِ القِيَم والمبادئ الرَّاقية، يطفُو الفسادُ المُبَرمَج؛ ذَوْقاً وأخلاقاً وقِيَماً؛ إنَّهُ زَمَنُ الصَّعاليك الهابِط... ‏وكُلَّما تعمَّق الإنسان في الإسفاف والابتذال والهبوط ازدادَ جماهيريَّةً وشُهْرة... إنّ مواقِعَ التَّواصُل  أسهمتْ في تكوينِ "عَقْلٍ جمعيّ" مِنْ خِلالِ نَشْرِ الكثيرِ مِنَ الموادِّ التّافِهة، وقَدْ نَجَحتْ هذِه المواقِع في "تَرْميزِ التَّافهينَ"، كما يُقال؛ أي: تحويلهم إلى رمُوز([48])، حيثُ صارَ بإمكان أيِّ جميلةٍ بَلْهاء، أو وسيمٍ فارِغ - بتعبير دونو - أنْ يفرضوا أنفُسَهم على المشاهدين، عبر عِدَّة منصَّات تلفزيونيَّة عامَّة، هِيَ أغلبُها منصات هلاميَّة وغير منتجة، لا تخرج لنا بأيِّ منتج قيمي صالح لتحدِّي الزَّمان.

   فوسائِلُ التّواصُلِ الاجتماعيّ وفَّرَتْ لهؤلاءِ التَّافهينَ فُرْصةً للظهُورِ والانتشارِ، والخرُوج من جحُورِهم، بعدَما تطبَّع النَّاسُ تدريجيَّاً مع العَبَثِ الإلكترونيّ، من خلالِ الدَّفْعِ بهؤلاءِ النّكرات والمجاهيل الّذين لم يكونُوا شَيْئاً مَذْكُوراً، دَفَعَتْ بهم إلى مَدارِج الشُّهْرة، ومَراقي النجُوميَّة، نتيجةَ قيامِهم بأدوارٍ تافِهة، بأعمالٍ عبثيَّة، ولو على حِسَاب الإعلامِ الرَّصِين، وأضحى بعضُهم يُفْتي، ويُحلِّل، ويُناقِش، ويَنْتقِد، بدُون أدواتٍ معرفيَّة، بل حوَّل نفسَهُ إلى مرجعيَّة للإفتاءِ، والتَّحليلِ، والنَّقْد([49]). وهذا ما رسمَ صُورةً قاتِمةً لمجتمِعنا الّذي نعيشُ فيه، وقد أصابَ الدكتور علي الورديّ كبدَ الحقيقةِ؛ حينَ قال: "انْظُرْ إلى الأشخاصِ الّذينَ يُقَدِّرُهم المُجتمع؛ تَعْرِفْ الاتِّجاهَ الحضاريَّ السَّائِدَ في ذلِك المُجتمع ومصيره"([50]). فمنصَّاتُ التّواصُلِ الاجتماعيِّ - كما عبَّر ياسر العظمة - أعطتِ المجانينَ والجَهلة حقَّ التَّحليقِ في فضاءِ الرِّيادةِ؛ مثلهم مثلُ الفلاسِفة والعُلماء.

   وقدِ انتشرَ مُؤخَّراً شِعارُ "توقّفْ عن تَحْويلِ الأغبياءِ إلى مشاهير" في العديدِ مِنَ الأماكِن العامَّة في الولاياتِ المُتَّحِدة الأمريكيَّة، وكندا، وأوروبا، وأُستراليا؛ بعدَ أنْ تمَّ استغلالُ تطبيقاتِ الإنترنت، ومواقِع التَّواصُل الاجتماعيِّ، وحِسَابات المشاهير؛ لترويجِ (التَّفاهة)، ونَشْرِ الشَّائِعات، وأحياناً نَشْرِ معلُوماتٍ ثقافيّة وعِلميّة وطِبيَّة مغلُوطة. فالدَّفْعُ بالتَّافِهينَ إلى الوَاجِهة والمُقدّمة، يُعَدُّ جريمةً بحقِّ الوطنِ والحضارةِ والقِيَم الإنسانيَّة، والأجيال النَّاشِئة([51])، وهُوَ - فضلاً عن ذلِك -؛ يثيرُ اشمئزازَنا؛ لتعدِّيهِ على قِيَمنا الأخلاقيَّة والفكريَّة والثقافيّة. إنَّ هذا الشّعُور بالاشمئزاز؛ لا يُمثِّل شعُورَنا فقط، بَلْ كُلِّ إنسانٍ سويّ على وَجْهِ المعمُورة. فها هُوَ الكاتِبُ النَّمساوي (كارل كراوس)؛ يقولُ: "هَوَتْ شَمْسُ الثَّقافةِ أَرْضاً، حتَّى أصبحَ الأقزامُ أنفسُهم يَظْهرُون بمَظْهرِ العَمَالِقة"!

   وما أدقّ ما ذكرهُ الفيلسُوف والرِّوائي والنّاقد الإيطاليّ (Umberto Eco أمبيرتو إيكو)، عام 2015، قبلَ وفاتِه بعامٍ؛ بقولِه: "وسائِلُ التّواصُل الاجتماعي تَمْنَحُ جَحَافِلَ الْحَمْقى الحقَّ في الكلامِ؛ بعدَ أنْ كانُوا يتحدَّثُون فَقَطْ في الحانةِ، بعدَ كَأْسٍ مِنَ النّبيذِ، دُون الإضْرارِ بالمُجْتمع، ثُمّ سُرْعَانَ ما كانَ يَتِمُّ إسكاتُهم، لكنَّ الآن صارَ لديهِم الحقُّ نفسُهُ في الكلامِ؛ مثلَ الفائِز بجائِزة (نُوبل). إنَّهُ غَزْو الحَمْقَى"! وهؤلاءِ الحَمْقَى "مِنَ الرِّعاعِ؛ اعتنقُوا أفكارَهُمْ بدُونِ براهينَ، فكيفَ يُمكِنُكَ أنْ تُقْنِعَهُم بزَيْفِها مِنْ خِلال البَرَاهين؟ إنَّ الإقناعَ في سُوقِ الرِّعاعِ؛ لا يقومُ إلّا على نَبرَاتِ الصَّوْتِ، وحَرَكاتِ الجَسَد، أمَّا البراهينُ؛ فهِيَ تثيرُ نفُورَهُمْ"([52]). فالمُشكلةُ أنّ التَّافهينَ السُّفهاءَ اليومَ؛ لا يعترِفُون بتفاهتِهم، الّتي تضحَكُ مِنْ إسفافِها الأُمَم، المُشكلِةُ أنَّهُم لا يَرَوْنَ أنفُسَهم - أصلاً - تافهينَ، ويعتبِرُونَ سُخريّة الأُمَمِ على تفاهتِهم؛ مُؤامرةً تَسْتوجبُ التّنديد!

   وقد أكّد الفيلسوف الإنكليزيّ (برتراند رسل)؛ بقولِه: "مُشكِلة العالَم؛ أنّ الأغبياءَ والمُتشدِّدينَ واثِقُونَ بأنفسِهم أشدَّ الثِّقةِ دائِماً، أمّا الحُكَماءُ فتَمْلَؤُهُم الشّكُوك"! فإحْدَى مصائِب العالَم اليوم؛ أنَّ قليلَ الأدبِ يعتقِدُ أنَّ شخصيَّتَهُ قويَّةٌ. وما أروع ما ذكرَهُ دوستويفسكي؛ بقولِه - وكأنّهُ يصفُ مجتمعَنا اليَوْم -: زمنٌ عجيب: الرَّخِيصُ أصبحَ يتظاهَرُ بالعِزّة، والخائِنُ يتحدّثُ عنِ الوَفَاء، والمُنافِق يُجادِل في الصِّدْق! وما أرقى ما عبَّرَ بهِ (د.مصطفى السُّباعي) في هذا المَنْحَى؛ بقولِه: "عندما يُمْسِكُ بالقلَمِ جاهِلٌ، وبالبُنْدقيَّةِ مُجْرِمٌ، وبالسُّلْطةِ خائِنٌ؛ يتحوَّلُ الوطنُ إلى غابةٍ لا تَصْلُحُ لحياةِ البَشـَر"([53])! ومعَ انتشارِ الوَقَاحةِ؛ أصبحَ الأدبُ مُلْفِتاً للنَّظَرِ! ومِنْ طريفِ ما ذكرَهُ (ألبير كامو) في هذا الشَّأنِ؛ بقولِه: "منذُ زَمَنٍ ليسَ ببعيدٍ؛ كانتِ الأفعالُ السَّيِّئةُ؛ هِيَ الّتي تتطلّبُ تَبْريراً، أمَّا اليوم؛ فالأفعالُ الجيِّدةُ؛ هِيَ الّتي تتطلَّبُ ذلِك أيضاً. يا لبُؤْس هذا العالَم!". ولهذا؛ حقَّ مَنْ قالَ: إنَّ لكُلِّ عصرٍ جاهليَّتَهُ، والتَّافِهُون اليومَ؛ جمعُوا جاهليَّةَ كُلِّ العصُور!

ونحنُ لا نعلمُ مَنْ هُو (العبقريُّ) الّذي أطلقَ لقبَ (صُنَّاع المُحْتوى)، و(المُؤثِّرين)، على طائفةٍ مِنَ الشّبابِ الّذين يقدِّمُون التّفاهة على طبقٍ مِنْ ذهَب! ولَوْ كانَ الأمرُ بأيدينا؛ لاسْتَدْعيناهُمْ إلى المُحاكمةِ؛ بتُهْمةِ التورُّطِ في إغواءِ النَّاشِئين وإغرائِهم، وإفسادِهمْ، والإساءةِ للآدابِ العامَّة([54]). فهؤلاءِ أشخاصٌ مَنَحهُمُ المجتمعُ قيمةً معنويَّة دُون وَجْهِ حقٍّ، فخَسِرَ أفرادَهُ قيمتَهُم، وما أدقَّ ما عبَّر عنه – ألبير كامو – في هذا النَّسَق: هُناكَ أشخاصٌ يجبُ ألَّا نمنَحَهُم أكبرَ مِنْ حجمِهم؛ كي لا نَخْسَرَ الكثيرَ مِنْ حَجْمِنا! والمُجْتَمع الّذي يُساعِدُ على إشهارِ الفارِغينَ؛ لَيْسَ مِنْ حقِّهِ الاعتراضُ على حَمَاقاتِهِمْ!([55])

  والأنظمةُ الفرديَّةُ الشمُوليَّةُ التوتاليتاريَّة؛ تُفَضِّل التّفاهةَ على الجِديَّة، والتَّسليةَ على التَّوعية، والتَّرفيهَ على التَّوجيه، والسّطحيَّة على التعمُّق، والغَباءَ على التَّفكير،  لأنّ التَّفكيرَ؛ يدفعُ أحياناً إلى التمرُّدِ، والمُقاومةِ، والثَّورة. ولِهذا فهِي تَدْفعُ الأجورَ لِمَنْ يُسْهِم في تَسْويقِ السَّفاهة والتّفاهة، والإسفاف والانحطاط، من أجلِ تَغْييبِ الوَعْي، وتَشْويهِ الفِكْر، وتزييفِ الحقائِق، وإلهاءِ الجماهيرِ عنِ الأزَماتِ الحقيقيّة. ويحضرُني ها هُنا المثلُ الفرنسيُّ؛ الّذي يقولُ: "مَنْ يدفعُ أتعابَ الفِرْقة المُوسيقيَّة؛ هو الّذي يَخْتارُ نَوْع المَعْزُوفة"، فمَنْ يتحكَّمُ في وسائِلِ الإنتاجِ والإكراهِ؛ هُوَ الّذي سيُحدِّدُ مُحْتوى (الرُّوتين اليوميّ) للمُواطنين([56]). فهِذه الأنظمةُ هِيَ الّتي تختارُ المَعْزوفة الّتي تُسْهم في مُصَادرة الوَعي الجماهيريّ، ومُصادمتِه، ليَبْقى غائِباً سائِباً في فضاءاتِ الحَيْرة والتِّيه والضَّيَاع.

   والوعيُ الّذي يتسلَّحُ بِه النَّاسُ؛ هو ما يُحصِّنهم من عمليّةِ تَدْجينِهم وتَرْويضِهم بفَضْلِ قَنَواتِ التّواصُل الاجتماعيّة المُتَاحة عبرَ الإنترنت. هذا، وقد رفضَ (ديفيد سارنوف /David Sarnoff) - أحدُ أقطابِ الإعلام، ورائِد الإذاعة في شبكةِ آر سي أي (RCA)، وشبكة (NBC) - خِلال كلمةٍ ألقاها في جامعة (نوتردام) في هولندا، عام 1955م، الانتقاداتِ المُوجَّهةَ لوسائِلِ الإعلامِ، الّتي تقومُ عليها إمبراطُوريَّتُه وثَرْوتُه، وألقى باللَّوْمِ على المُسْتمِعينَ والمُشاهدِينَ، لا على التِّقْنِيّاتِ المُسْتخدَمة؛ فقالَ: "نحنُ نميلُ - إلى حدٍّ كبير - إلى جَعْلِ الأدواتِ التِّقْنِيّةِ؛ كَبْشَ فِداءٍ لآثامِ هؤلاءِ الّذينَ يُحْكِمُونَ سيطرَتَهُمْ عليها. فمُنتجاتُ العِلْمِ الحديثِ؛ لَيْستْ جيِّدة، أو سيِّئة - بحدِّ ذاتِها -، بَلْ إنَّ الطّريقةَ الّتي تُسْتخدَم بها هذِه المُنْتجَاتُ؛ هِيَ الّتي تُحدِّدُ قيمتَها"([57]). ومِنَ التَّوجُّهاتِ الحديثةِ الّتي تُتدَاوَل عبرَ وسائِل التَّواصُلِ الاجتماعيّ؛ أنّ "الإنترنت لَمْ يُفْسِد المُجْتمعَ، المُجْتمعُ فاسِدٌ، والإنترنتُ أظهرهُ على حقيقتِه!". ولا شكَّ أنّ الإنترنت سِلاحٌ ذُو حدَّيْنِ، يُمكن أنْ يُستعمَل في أمُورِ الخَيْرِ والصَّلاحِ؛ إذْ وفّرتِ الكثيرَ مِنَ الوَقْتِ والجُهْد، وساعَدَتِ الشّرائِحَ الاجتماعيَّةَ كافّةً على مُتابعةِ القنواتِ المُفيدة الهادِفة، وأعانتِ الدّارسين على تحميلِ أحدثِ الكُتبِ والدِّراسات، وأمكنتِ الرّاغبين مِنَ الطّلبة - مِنْ ذَوِي الدّخلِ المحدُودِ - على خاصيَّةِ التعلُّمِ عن بُعْد، فَضْلاً عن مَعْرفةِ ما يحدثُ في العالَمِ أجمع لَحْظةً بلَحْظة، والتّواصُل مع النّاسِ - أينما كانُوا - بيُسرٍ وسهُولة، دُونَ الحاجةِ إلى المُكالماتِ الباهِظة، ويُمكن أنْ يُستعمَل في أمُورِ الشّرِّ والفَسَاد؛ كالقَرْصنة، والتجسُّسِ على المعلُوماتِ الشّخصيَّة، ونَشْرِ المعلُوماتِ المُضلِّلة، وابتزازِ أموالِ النَّاسِ دُونَ وَجْهِ حقٍّ، وإهدارِ الوَقْتِ والجُهْدِ بِما لا يُفيد، والإدمانِ على المَقَاطِع الإباحيَّة، وإثارةِ المُشاكِل الاجتماعيّة، واضطرابِ النَّوْمِ والأرَق، والتّسبُّبِ بالعاهاتِ الجسديَّة؛ كالخمُولِ والسُّمْنَة، والصُّداعِ المُستمِرّ، وأمراضِ القَلْب، وارتفاعِ ضَغْطِ الدَّم، فَضْلاً عنِ الاعتلالاتِ النفسيَّة؛ كالاكتئابِ، والتوتُّرِ والقَلَقِ، والانفعالِ والغَضَب، وغيرها.

     ففي كتابِ (الأسلِحة الصَّامتة للحرُوبِ الهادِئة /Silent Weapons for Quiet Wars)، تناول (نعوم تشومسكي)(10) استراتيجياتٍ ناعِمة للسَّيْطرة على الجماهير، مِنْ ضِمْنها استراتيجيَّة (الإلهاء)، الّتي تقولُ: "حافِظُوا على تحويلِ انتباهِ الرّأْي العامِّ؛ بعيداً عنِ المشاكِل الاجتماعيَّة الحقيقيَّة، اجعلُوهُ مَفْتُوناً بمسائِلَ تافِهة لا أهميّةَ حقيقيّة لها، اِبْقَوا الجمهُور مَشْغُولاً، مَشْغُولاً، مَشْغُولاً، دُونَ أنْ يكُونَ لديهِ أيُّ وقتٍ للتَّفكير، وعليهِ العَوْدة فَقَطْ إلى المَزْرعة مع غيرِه مِنَ الحيواناتِ الأُخرى". هذا هو أهمُّ رافِدٍ بالنِّسبة للسُّلْطة من وراءِ برُوزِ هذِه القَضَايا في المُجْتمع، وتضخيمِ أبطالِها، وكأنَّها قضايا الأمنِ القوميّ([58]). فأخبارُ الفنّ والفنّانين، والرِّياضة والرِّياضيِّين، والتّفاهةِ والتّافهينَ؛ هي الّتي هيمَنَتْ على واقعِنا الاجتماعيّ، وتقومُ الأنظمةُ الحاكِمةُ بدَعْمِ ما يُسْهِم في تغييبِ وعي الجماهير، وتعليبِه، وإلغاء دورها الحضاريّ في البناءِ والتَّنمية.

    وقد ذكر المُفكِّر والفيلسُوف الأمريكيّ (نعوم تشومسكي) أيضاً؛ إنَّ استراتيجيّة الإلهاء؛ هِيَ عُنْصرٌ رئيسٌ في التحكُّمِ بالمُجْتمعاتِ؛ وهِيَ تتمثَّلُ في تحويلِ انتباهِ الرَّأْي العامِّ عنِ المشاكِل المُهمَّة، والتَّغييرات الّتي تُقرِّرُها النُّخَب السِّياسيَّة والاقتصاديَّة، ويَتِمُّ ذلِكَ عبرَ وابلٍ مُتواصِل مِنَ الإلهاءاتِ، والمعلُوماتِ التَّافِهة([59]).

 ومِنَ الاستراتيجيَّاتِ العَشْرة الأساسيَّة - الّتي ذكرَها نعوم تشومسكي -؛ للتحكُّمِ بالشُّعُوب والسَّيْطرةِ عليها: (1) استراتيجيَّةُ الإلهاء. (2) اختلاقُ المشاكِل، وتقديمُ الحلُول، (3) التوسُّلُ إلى أسلوُبِ التدرُّج، (4) استراتيجيَّةُ التأجيل، (5) مُخاطبةُ العامَّةِ كأنَّهُمْ أطفال، (6) استثارةُ العاطِفة بدلاً مِنَ التَّفكير، (7) إبقاءُ العامَّة في حالةٍ مِنَ الجَهْلِ والغَبَاء، (8) تشجيعُ العامَّةِ على الرِّضى بجَهْلِهم (9) تحويلُ التمرُّد إلى شعُورٍ ذاتيِّ بالذَّنْب، (10) مَعْرِفةُ الأشخاصِ أكثرَ مِمَّا يَعْرِفونَ أنفُسَهم.

    وتبعاً لاستراتيجيَّةِ (الإلهاءِ)؛ انتشرت ثقافةُ التّسطيح؛ الّتي تتمثّلُ بالاهتمامِ بالقشُور في الشّؤُون والقضايا الكُبْرى، والنّظر إلى الأمُورِ بنظرةٍ سطحيَّة عَرَضِيَّة، وتركِ اللّبِّ أو الغَوْص في الأعماق. وقد انتشرت هذه الثّقافة في مجتمعاتِ القمعِ والإرهاب أو التّصفيق والتّطبيل، وقام بنشرِها وتسويقِها زعماء وحُكّام، بهدفِ تغييبِ الوعي العامّ عن عظائِم الأمور والقضايا المصيريّة المُهمّة([60]). وقد رصدتْ هذه الظّاهِرة (شِبه العالميّة)؛ قنواتٌ إعلاميّة، ومراكِز بحث استراتيجيّة؛ أومأنا إلى بعضِها في هذا البَحْث، كما كانت مادَّة لبعضِ الأفلامِ العالميّة؛ ومنها: (لا تَنْظرُوا إلى السَّماء)، أو (لا تَنْظرُوا إلى الأعلى)، وهو فيلمُ (كوميديا سودَاء) أمريكيّ، مِنْ كتابةِ وإخراجِ (آدم مكاي)، وقد عَرَضَتْهُ مِنصَّةُ (نتفليكس)، يوم 24/ 12/ 2021م، وهو مختلفٌ في فِكْرته عن التوجُّهات العامَّة؛ الّتي لها السَّيطرة في عالَم السِّينما الأميركيَّة، فهو يرصدُ بطريقةٍ دراميَّة تفشِّي (التَّفاهة) بشَكْلٍ منهجيّ وتصاعُديّ وواسِع على مناحِي الحياةِ كافّة، بما فيها تلك المجالاتِ الّتي تفترضُ الجديَّة، والعُمْق، والمسؤُوليَّة؛ كالسِّياسة، ومثالُها في الفيلم رِئاسة الولايات المُتَّحِدة الأميركيَّة([61]).

  يتحدَّث فيلم (لا تنظر إلى الأعلى) عن بعضِ ظواهر التَّفاهة المُمَنْهجة، ومِنْ أكثرِها أهميةً (تسليعُ الحياة)، وتحويلُ (كُلِّ شيء)، مَهْما كانَ مهُمّاً وأساسيّاً، إلى مُجرَّد (سِلعةٍ)؛ فالسِّياسةُ، والثَّقافة، والأفكار، والمبادئ، والابتكاراتُ، والاختراعات، والأفراد، والشُّعوب، جميعُها سِلَعٌ للبَيْع، وتحقيقِ الأرباح، وفي الفيلمِ تتدمَّر البشريَّة، ويَنْتهي العالَمُ بسببِ سيطرةِ شركة برمجيَّاتٍ حديثة، وصاحبها (التّاجر) المَهْوُوس بجمعِ الأموالِ والاختراعات؛ يُسيطِر بأموالِه على السياسيِّينَ، والإعلاميِّينَ، والعُلماء، مِنْ دُون أنْ تكُون لديهِ ثقافةٌ، ومبادِئُ إنسانيَّة([62]).

ولا جرمَ أنَّ التّافِهينَ والأغبياءَ اليومَ لا يُشكلِّون خطُورةً البتَّة؛ إذا كانُوا في قاعدةِ الهَرَم، ولكنَّ الخطُورةَ الكُبْرى؛ تأتي إذا وصلُوا إلى أعلى الهَرَمِ (السُّلْطة)! كما لا يُشكِّل التّافِهُون خطُورةً حقيقيّة، إذا كانُوا مُجرَّدَ أدواتٍ لا واعية، تتراقصُ وتتلاعبُ في حدُودٍ افتراضيَّةٍ ضيِّقة، ولكنَّهُم سيُشكِّلُونَ مَصْدرَ تهديدٍ للمُجتمعِ البشريّ برُمَّتِه؛ إذا تحوّلُوا إلى قادةٍ وزُعماءَ للأُمّة. ولِهذا، فإنَّ مصدرَ شعُورِنا اليومَ بالرُّعْب والقَلقِ والتوجُّس؛ هو ما سيتمخَّضُ عنه المُسْتقبل القريب من مُشكلاتٍ ومُعْضلاتٍ، وما سيؤُول إليهِ حالُنا بعدَ صعُودِ جيلِ التّافهينَ على المِنَصَّاتِ الرسميَّة والاستحواذِ عليها، وتصدُّرِهم المنابِرَ السياسيّة وامتلاكها؛ بتأييدِ مُعجبِيهم، ومُباركةِ جماهيرهِم الافتراضيِّين، فهذه المنابرُ الحسَّاسةُ الّتي سيتسلَّقُونها لاحِقاً؛ هي الّتي ستُخوِّلُ لهم توجيهَ الأجيالِ الصَّاعِدة نحوَ كُلِّ ما هُو تافِه ومُبتذَل ورَخيص، وتشكيلِ عقُولِهم، وهُنا سيبدأُ التَّدمير الحقيقيُّ، والتَّخريب الحتميِّ لكُلِّ القِيَم والمبادئ الّتي عرفتْها البشريّة سابِقاً. كما أنّ الحُروبَ ستكونُ أكثرَ شرُوراً وشراسةً مِنْ ذِي قبل؛ وستكونُ الشّعُوبُ أكثرَ وَلَعاً بالتَّفاهةِ والابتذالِ، وأكثرَ استجابةً للخضُوعِ والامتثال!

  والتَّفاهةُ تكونُ أكثرَ ميُوعةً وتحلُّلاً إذا اِقترنَتْ بالغبَاءِ، ذلك لأنّ التَّفاهةَ الّتي يصنُعها الغَبيُّ تكونُ أشدَّ خطُورةً مِنَ تلكَ الّتي يُنْتِجها الحاذِقُ الذَكِيُّ! وهذِه الفكرةُ تتطابَقُ مع ما جاءَ في الحكمةِ القديمة: عدوٌّ عاقِلٌ خيرٌ مِنْ صديقٍ جاهِلٍ! فالجاهِلُ مع صداقتِه؛ يكونُ أكثرُ سُوءاً من العاقِلِ مع عداوتِه! والتَّافِهُ العاقِلُ خيرٌ من التَّافِه الجاهِل. وقالُوا: اِحذَرُوا الصّديقَ الجاهِلَ أكثرَ مِنَ حَذرِكُم العَدُوَّ العاقِل، فليسَ مَنْ أساءَ؛ وهو يعلمُ أنّهُ مُسِيءٌ، كَمَنْ أساءَ؛ وهو يَظُنُّ أنّهُ مُحْسِنٌ! وعلينا - انطلاقاً من هذه المَقُولةِ الشَّهيرة - أنْ نَحْذَرَ مِنَ الغبيِّ التّافِه، أكثرَ مِنْ حَذَرِنا مِنَ الذكيِّ الفَطِن الّذي يتقمّصُ التّفاهة. وقد أشارَ (جان بول سارتر) إلى تلازُمِ الغباءِ والشّرِّ؛ بقولِه: "إنّ النّاسَ الأذكياءِ جِدّاً؛ لا يُمكِن أنْ يكونُوا أشراراً، لأنَّ الشّرَّ يتطلَّبُ غَباءً، ومحدُوديَّةً في التَّفكير"، فـ"هُناكَ شيئانِ لا حدُودَ لهما: الكَوْنُ، وغباءُ الإنسان، وأنا لستُ مُتأكِّداً مِنَ الأوّل!"([63]). فـ"الأغبياءُ - حسب بونهوفر - هُمْ أخطرُ مِنَ الأشرارِ، هذا؛ لأنّه يُمْكِننا الاحتجاجُ ضِدّ الأشرارِ أو مُحاربتِهم، ولكنّنا عُزَّل أمامَ الأغبياء!"([64]). وقد أكّد أيضاً؛ أنّ "الغَباءُ هو عدُوٌّ أكثرُ خطُورةً على الخَيْرِ مِنَ الرَّغبةِ بمُمارسةِ الشّرِّ؛ لأنّه يُمكِننا الاحتجاجُ على الشَّرِّ، وفَضْحِه، واكتشافِه، ومنعِ حدُوثِه، من خِلالِ استخدامِ القُوَّة، ولكنَّنا عُزَّل بِلا سِلاح ضِدَّ الغَباء، فلا الاحتجاجاتُ، ولا استخدامُ القُوَّةِ، يُحقِّق شيئاً هُنا. الحُجَجُ والعقلانيَّة تَصْطَدِمانِ بآذانٍ صمَّاء"([65]). وقد بيَّن (كارلو شيبولا)؛ بقولِه: "الأغبياءُ خَطِرُون ومُضِرُّونَ أساساً؛ لأنَّ العُقلاءَ يَجِدُونَ صعُوبةً في تصوُّرِ السّلُوكِ غيرِ المعقُولِ وفَهْمِه... والغبيُّ سيقومُ بإزعاجِكَ من دُونِ أيِّ سببٍ، ومِنْ دُون أيِّ فائِدة، ومن دُونِ خطّة أو مشرُوع... وحينَ تُواجِهُ شَخْصاً غبيَّاً؛ ستكونُ تحتَ رحمتِه بكُلِّ ما في الكلِمة مِنْ معنًى... ولن يستطيعَ المرءُ التنبُّؤ بتصرُّفاتِ الأغبياء، وردُودِ أفعالِهم كافَّة؛ بسبب سلُوكِهم المُتقلِّب غيرِ العقلانيّ وغير المُتوقّع"([66]). وقد توصّل (شيبولا) إلى نتيجةٍ؛ مفادُها: "الشَّخْصُ الغبيّ؛ هُوَ أشدُّ أنواعِ الأشخاصِ خطراً"([67]).

     ومن الطّريفِ أنْ نذكُرَ ها هنُا أنَّ الغبيَّ؛ يُمكن استخدامُه بسهُولةٍ، فيُصبِح أداةً طيِّعةً في يدِ غيره، مسلُوبَ الإرادةِ، ويُمكن دفعُه بسهُولة لارتكاب جميعِ الشّرُورِ، واجتراح مُوبقاتٍ شتّى، ولا يُدرِك أنّهُ شرٌّ أو شتيمةٌ أو مضرَّة. ولِهذا؛ يَنْبغي علينا عندَ التّعامُل مع الغبيِّ؛ أنْ نتوخَّى الحذرَ منه أكثر من حَذَرِنا مع شَخْصٍ يريدُ إيقاعَ الشَّرَّ بِنا. "وقد أصبحَ مِنَ الواضِح أنّ أيَّ صعُودٍ قويّ وسريعٍ لسُلطةٍ ما، سواء أكانتْ سياسيَّة، أو دينيَّة؛ سيُؤدِّي لنشرِ الغَباءِ بينَ جُزءٍ مِنَ النّاسِ. إنّها تبدُو وكأنّها قانونٌ نفسيٌّ - اجتماعيّ: قُوّة شَخْصٍ ما؛ تحتاجُ إلى غباءِ الآخرين!"([68]). ومن سديدِ ما أومأَ إليهِ (كارل ماركس) بطرفٍ خفيّ إلى الأغبياء؛ في هذا السِّياق؛ قولُه: "يُسْمَحُ للمَظْلُومينَ كُلُّ بِضْعِ سنواتٍ؛ بأنْ يختارُوا نُوَّاباً عنهم مِنَ الطَّبقةِ الّتي تَضْطَهِدُهم؛ ليُمَثِّلُوهُمْ، وهُمْ يَقْمَعُونَهُمْ". ومِنْ طريفِ ما ذكرهُ (تشارلز بوكوفسكي)؛ وهو يُبيِّن الفَرْقَ بينَ (الدِّيمقراطيَّة)، و(الدَّكتاتُوريَّة): "أنَّنا في (الدِّيمقراطيَّة) ننتَخِبُ أوَّلاً، ثُمَّ نتلقَّى الأوامِر، أمَّا في (الديكتاتوريَّة)؛ فلا حاجةَ إلى تضييعِ الوَقْت في الانتخابات". وقد سُئِل (بوكوفسكي): هَلْ تُوجَدُ حكُوماتٌ جيِّدةٌ، وحكُوماتٌ سيِّئةٌ؟ فقال: (لا تُوجَد)؛ هُناك حكُوماتٌ سيِّئةٌ فَقَطْ، وحكُوماتٌ أشَدُّ سُوءاً!". وكُلُّ شَعْبٍ في العالَم؛ سينالُ الحكُومةَ الّتي يَسْتحِقُّها!([69])، وهذا ما يتطابَقُ مع الأثرِ الشَّهير: (كَمَا تَكونُوا يُولَّى عَلَيْكُم). ويُمكن أنْ نستدِلَّ - في هذا السِّياق - بما ذكرَهُ الدكتور عليّ الورديّ؛ بقولِه: "وكانَ الإغريقُ - مخترِعُو الدِّيمقراطيَّة -؛ يمنعُونَ تصويتَ العبيدِ، لأنَّ العبدَ سيَنْتَخِبُ سيِّدَهُ مَهْما كانَ فاسِداً" -؛ على ضرُورةَ تحييدِ التّافهين السَّائبينَ عن التّصويت، لأنّهم سيُسِيئُون - حَتْماً - لنزاهةِ العمليَّةِ الانتخابيَّة. وتُنسَب إلى (ابنِ خلدُون) مَقُولةً شهيرة؛ مفادُها: "‏لَوْ خَيَّرُوني بينَ زَوالِ الطُّغاةِ وزَوالِ العبيدِ؛ لاخترْتُ - بِلا تردُّدٍ - زَوالَ العبيدِ؛ لأنَّ العبيدَ يَصْنعُونَ الطَّواغِيت!".

     وقد صرَّح أُستاذ التّاريخِ الاقتصاديِّ في جامعة كاليفورنيا كارلو م. سيبولا (Carlo M. Cipolla) الإيطاليّ الأصل؛ في مقالِه (القوانين الأساسيَّة للغباءِ البشريِّ) (The Basic laws of human stupidity) في خمسينيّاتِ القرنِ الماضِي: أنّ الغباءَ أكبرُ تهديدٍ وجُوديّ للبشريَّة. ذلك لأنّ "الغَبَاءَ؛ هُوَ المرضُ الوحيدُ الّذي لا يُتْعِبُ المريضَ، بَلْ يُتْعِبُ كُلَّ المحيطِينَ بِه!". وبناءً على ذلِك، فإنّ الغباءَ ليسَ مُشكِلةً نفسيَّة مَعْزُولة، بقَدْرِ ما هو مُشكِلة اجتماعيّة. والنَّبيهُ هو مَنْ لا يُخالِطهم، وإذا كان لا بُدّ من المُخالطة بهم؛ فيَنْبغي ألّا يتأثّرَ البتّة بأفكارِهم وسلُوكيَّاتِهم. فَمِنْ أقوى إنجازاتِكَ في الحياةِ - كما قالَ نجيب محفوظ - هُو أنْ تظلَّ بكامِل قُوَاكَ العقليَّة، وتتعامَلُ بأخلاقٍ راقية، مع كَوْنِكَ مُحاطاً بكميَّةٍ لا تُحْصَى مِنَ الحَمْقى! دُونَ أنْ نَنْسَى؛ أنَّهُ "لا شيءَ يُؤْذِي الرُّوحَ أكثر مِنْ بَقائِها عالِقةً في مكانٍ لا تَنْتمي إليه". و"كُلَّما زادَ نُضْجُ الإنسانِ؛ قَلَّ عددُ الّذينَ مِنْ حولِه؛ فالعقلُ النَّاضِج لا يحتمِلُ المُجاملات"!([70]). وأكبرُ تنازُلٍ تُقدِّمُه في حياتِكَ؛ هُوَ أنْ تتأقلَّم([71]). و"أشرسُ معركةٍ؛ ستخُوضُها في حياتِكَ؛ هِيَ أنْ تُحقِّقَ ذاتَك، كما تريدُ، في عالمٍ يبذُل قُصَارَى جُهْدِه؛ ليَجْعلَكَ كالبقيَّةِ". كما لا بُدّ أنْ نتذكَّرَ هُنا؛ أنّ الغَباء لا يتصالَحُ مع النَّباهة، ولَنْ يَعِيشا في وِئامٍ والتِئام! وقد ذكرُوا أنّهُ "كُلّما زادَ نُضْجُ الإنسانِ؛ قَلَّ عددُ الّذين حولَهُ مِنَ النَّاس. فالعقلُ النَّاضِجُ لا يتحمَّلُ المُجاملاتِ السَّقيمة"، كما لا يتحمَّلُ سلُوكَ الأغبياءِ، ومُجادلاتِهم العَقيمة! فالغبيُّ لا شِفاءَ لدائِه، ولا صلاحَ لأدائِه، وما أروع ما صاغَهُ (أريستوفان) ذلِك؛ بقولِه: "الشّباب يشيخُ، والطّيشُ يَتِمُّ تجاوُزه، والجَهْل يُمكِن تعليمُه، والسّكرُ يُمكن أنْ يَصْحَى، لكنَّ الغباءَ يستمِرُّ إلى الأبد"!

    في عَصْرِ التّفاهةِ، وبَيْنمَا أنتَ تعملُ مِنْ ثماني سَاعاتٍ إلى عَشْرِ سَاعاتٍ يوميّاً، وتُعْصِرُ عقلَكَ وعضلاتِكَ، وتُجْهِدُ جَسَدَكَ لِكَسْبِ قُوتِ يَوْمِكَ ورِزْقِكَ، تَذَكَّرْ جَيِّداً الشَابَّ التُركيّ (ياسين جَنْكيز) الّذي يُصوِّرُ نفسَهُ، وهُوَ يهزُّ كِرْشَهُ كُلَّ يومٍ لمُدَّةِ (20) ثانية، فيُحقِّق ما يزيدُ عن (000 .10) دُولار شهريّاً، وهو ما يزيدُ عن دَخْلِكَ طَوَالَ سنةٍ كامِلة. بَلْ وتَنْهالُ عليهِ الدّعَواتُ لحضُورِ افتتاحِ فنادِقَ، ومحلّاتٍ تِجاريّة بمُقابِلٍ ماليٍّ مُغْرٍ مع أنّ مُحْتواه؛ هو مُجرّدُ هزِّ الكِرْشِ فَقَط!

      وقد عبَّر الکاتِبُ العِراقيّ الأُستاذ (زيد الحمداني) بحُرْقةٍ وأسى؛ أنَّ "ما يَكْسِبُه مُهَرِّجٌ أو مُهَرِّجةٌ في (تِكْ تُوْك) في سَاعةٍ، قد يُعادِل راتِبَ أُستاذٍ جامعيّ في شَهْر. التّهْريجُ بِضَاعةُ العَوْلَمة، والطّلَبُ عليه يَتفاقَم يَوْماً بعدَ يَوْم. ما هُوَ الحَلُّ؟ نُقْنِع الأُستاذ َبالتّهْرِيج؟ لا، طَبْعاً، نُقْنِع المُهرِّجينَ بتَرْكِ التّهْرِيج؟ لا يُمْكِن. نقولُ فَقَطْ: حُفَّتِ الحَياةُ العَابِثةُ بالشَّهَوات، وحُفَّتِ الحَياةُ الطيِّبةُ بالمَكَاره". والزَّمنُ كفيلٌ بكَشْفِ أوراقِ التَّافهين، وتَعْريةِ عُوَارهم، ولَنْ يَرْحمَ التّاريخُ مَنْ ضَرَبَ قِيمَ الأُمّة وأخلاقَها في الصَّميم.

   فالتّافِهُون وإنْ سيطرُوا على مواقِع التأثيرِ الاجتماعيّ؛ لَنْ يتجرَّدُوا من صِفةِ التّهريجِ الدَّميمة الّتي تُلازِمهم أينما ذهبُوا، ولَنْ يتحوّلوا إلى مُفكِّرين مُتنوِّرين، أو قادة مُحنَّكين، إذ يتعذَّر على الغبيّ أنْ يُؤدِّي دورَ الذكيّ، ولكن بمقدُورِ الذكيّ أنْ يُؤدِّي ما شاءَ لَهُ مِنَ الأدوار! فـ"ميزةُ الذكيّ؛ حسبَ توصيفِ – الكاتِب الألماني كورت توشولسكي - أنَّهُ يستطيعُ التّظاهُر بالغَبَاء، أمّا العَكْس؛ فصَعْبٌ جِدّاً! وهُناكَ مثلٌ تركيّ طريف؛ جسَّدَ هذا المعنى بوضُوح؛ ومفاده: "عندما ينتقِلُ المُهرِّجُ إلى القَصْرِ، لا يُصْبِح مَلِكاً، ولكنَّ القَصْرَ هُوَ الّذي يتحوَّلُ إلى سِيْرك!". ومِمّا يُطابقه في الوَصْفِ والدّلالة؛ المَثَلُ الشركسيُّ القديم؛ الّذي يقُول: "عِنْدَما يَبْقَى الثَّوْرُ في القَصْر؛ فهَذَا لا يَعْني أنَّ الثَّوْرَ أصبحَ مَلِكاً، بَلْ إنَّ القَصْرَ تَحَوَّلَ إلى زَرِيْبة"! فحَذَارِ مِمَّنْ تدعُوه إلى منزلِكَ، وتمنحُه سهُولةُ الوصُولِ إليهِ، على الرَّغمِ مِنْ سَيْطرتِكَ وتحكُّمِكَ بحياتِكَ، واستقرارِكَ النفسيِّ. فالأمرُ لا يتطلَّبُ سِوَى مُهرِّجٍ واحِد؛ لتدميرِ كُلِّ شيءٍ قُمْتَ ببنائِه في سَنَوات!

    وقَدْ قالَ أحدُ أقطابِ الاستعمارِ: "كأسٌ وغانيةٌ؛ تَفْعَلانِ في تحطيمِ الأُمَّةِ المُحمديَّة أكثرَ مِمَّا يفعَلُهُ ألفُ مِدْفَع، فأغرِقُوها في حُبِّ المادَّةِ والشَّهَوات!". فهؤلاءِ يُدْرِكُونَ جيِّداً؛ أنَّ مِعْول هَدْمِ الأُسَرِ المُسْلمة؛ يبدأُ مِنَ إفسادِ المرأةِ، ومِمَّا يُؤكِّدُ هذا النّزُوع التّدميريّ؛ ما جاء في (بروتوكولات حُكماء صهيون)؛ بالحَرْفِ الواحِد: "عَلَيْنا أنْ نَكْسِبَ المرأةَ؛ ففي أيِّ يَوْمٍ مَدَّتْ إِلينا يدَها رَبِحْنا القَضِيَّة". فخصُومُ الإسلامِ؛ يَرَوْنَ أنَّ تمييعَ شخصيَّةِ المرأةِ المُسْلِمة، وزَعْزعةِ هُويَّتها بمَقُولاتِ التَّحرير والتَّنوير، والتحضُّر؛ هُوَ مِنَ المَداخِل الرَّئيسةِ لضَرْبِ الإسلامِ في الصَّميم([72]). وقال الدكتور (مور بيرغر) - مِنْ أصلٍ يهوديّ -: "إنَّ المرأةَ المُسْلِمةَ؛ هِيَ أقدرُ فِئاتِ المُجْتمَع الإسلاميّ، على جرِّهِ إلى التحلُّلِ والفَسَادِ، أو إلى حَضِيرةِ الدِّين مِنْ جديد". وجاء في (بروتوكولات حكماء صهيون) أيضاً: "يجبُ أنْ نعملَ؛ لتنهارَ الأخلاقُ في كُلِّ مكانٍ، فتَسْهُلُ سَيْطرتُنا! إنَّ "فرويد" مِنَّا، وسيظلُّ يَعْرِضُ العَلاقاتِ الجِنْسيَّةَ في ضَوْءِ الشَّمْس؛ لكَيْ لا يَبْقى في نظرِ الشَّبابِ شيءٌ مُقدَّس، ويُصْبحَ همُّه الأكبرُ؛ هُوَ إرواءُ غرائِزِه الجِنْسيَّة، وعندئذٍ تَنْهارُ أخلاقُه".

   وهُناكَ أدِلّةً شاخِصةً تُبيِّنُ مدى الإسفافِ الّذي بلغتهُ الكثيرُ مِنَ الدُّوَلِ العربيّة؛ ومنها - على سبيلِ المثالِ لا الحَصْر -: الرَّاقِصة الأرمنيَّةُ الأصلِ (صافيناز جوريان)؛ - الّتي وُلِدَتْ في رُوسيا عام 1983م - ولم تَكُنْ معرُوفةً في بلدِها، أمّا في مِصْر؛ فقد أصبحَتْ نجمةً مشهُورةً؛ بسببِ جمالِها ورشاقةِ رَقْصِها. أمّا الدكتور (أحمد حسن زويل)؛ فقد عاشَ مُدرِّساً للكيمياءِ، مَسْحُوقاً في مَوْطنِه، مع نبُوغِه وذكائِه وألمعيَّتِه، ولم يَنلْ تقديرَه الحقيقيّ، لكنَّهُ في الولاياتِ المُتَّحِدة حصلَ على جائِزة (نوبل) في الكيمياء، وأصبحَ نجماً عالميَّاً يُشار إليه بالبنان. العيبُ لم يَكُنْ في الرَّاقِصة، ولا في التَّعليم. العيبُ فيمَنْ يرفعُ الرّاقِصاتِ والتّافهينَ، ويُقلِّلُ من شأنِ العُلماءِ والمُبدعِينَ. وليسَ في هذا انتقاصٌ مِنْ أحد، وإنّما هُو مجرّدُ نقدٍ للواقِع العربيّ المرير الّذي تعيشُه مُجتمعاتُنا اليوم!

  وقَدْ سألَ صحفيٌّ الكاتِبَ المصريَّ المعرُوف عبَّاس محمود العقّاد (1889- 1964م): "مَنْ مِنْكُما أكثرُ شُهْرةً، أنتَ أم  ﺷﻜﻮﻛﻮ؟!" ومحمود شكوكو (1912- 1985م)، مُهرِّج مصريّ هَزْلي شهير، كان يَرْتدي ثيابَ المُهرِّجين؛ لإضحاك النَّاسِ؛ فردَّ عليه العقَّادُ باستغرابٍ: "مِينْ ﺷﻜﻮﻛﻮ دا؟!". عِنْدَما وصلَ خبرُ هذِه المُحادثة ﻟـ(شكوكو)؛ قال للصحفيّ: "قُلْ لصاحبِك العقّاد؛ أنْ ينزِلَ ميدانَ التَّحرير، ويقفَ على أحدِ الأرصِفة، وسأقِفُ أنا على الرَّﺻﻴﻒِ المُقابل، ونشوفْ النَّاسْ (هَتِتْجَمَعْ) على مِيْن؟! وهُنا ردَّ العقَّادُ: "قولوا ﻟﺸﻜُﻮﻛﻮ ينزل ميدان التَّحرير، ويقف على رصيف، ويخلّي "رَقَّاصة" تقفُ على الرَّصيفِ الثّانِي، ويشوفْ النّاسْ (هَتِتْجَمَعْ) على مِيْن أكتر؟! عبارةُ العقَّادِ الأخيرة على الرَّغمِ مِنْ قَسْوَتها، إلّا أنّها تَحْمِلُ رِسالةً بليغةً، وتُلخِّص واقِعاً مَريراً؛ مَفَادُه: أنّه كُلّما تمعَّنَ الإنسانُ في الإسفافِ والابتذالِ، والهبُوطِ والانحطاطِ؛ ازدادَتْ جماهيريّته وشُهْرَته! هذِه هِيَ مُجتمعاتنا، ترفعُ الوضيعَ، وتنزل الرَّفيع!

    تَنْطوي رسالةُ العقّاد على معنًى كبير جِدّاً، إذ تومئُ بطَرْفٍ خفيّ إلى أنّ الشُّهرةُ - الّتي تأتي عن طريقِ الإسفافِ والابتذالِ - ليسَتْ دليلاً على النّجاحِ والتفوُّق، فمقياسُ نجاحِ الفردِ وشُهْرته في عصرِ التّفاهةِ؛ يتحدَّد بكَثْرةِ المُتابعينَ وكَثْرةِ التّعليقات، في حين أنّ مقياسَ النّجاح الحقيقيّ؛ إنّما يتحدَّد في القيمةِ المعنويَّة الّتي يحمِلُها الإنسان، وتأثيره الإيجابي في الوَعِي الجمعيّ.

    إنّ ميلَ النَّاسِ إلى الاحتفاءِ بالسَّذاجةِ والهشاشةِ، والتَّهْرِيج والسطحيَّة؛ ليسَ جديداً، فثمّة انتقاداتٌ لهذا المَيْلِ العجيبِ المتدنِّي منذُ زَمَنِ سُقْراط، لكنَّهُ للأمانة لم يُحقِّق انتصاراً ساحِقاً واضِحاً إلّا في عَصْرِنا الحالي؛ عَصْرِ إدارةِ الظّهْرِ للأخلاقِ والقِيَم والمبادئ. في كتابِ (نِظام التَّفاهة) يخلُص كاتِبُه إلى أنّ التّافهينَ قد حسمُوا المعركةَ لصالحِهم في هذِه الأيَّام، لقد أمسكُوا بكُلِّ شيءٍ بكُلِّ تفاهتِهم وسذاجتِهم، وفَسَادِهم وكَسَادِهم، فعِنْدَ غِيابِ القِيَم والمبادِئ الرَّاقية، وإفسادِها، يطفُو الفسادُ المُبرمَج على السّطْح: ذَوْقاً وأخلاقاً وقِيَماً! إنّه زمنُ الصَّعاليك الهابِط. فكَمْ مِنْ (شكوكو) اليوم يُمَجَّد ويُرْفَع عالياً، وكَمْ مِنْ شريفٍ في غياهِبِ الإهمالِ والنِّسيان؟

  وقد أشارَ د.مصطفى محمود إلى هذِه الظّاهرة؛ بقولِه: "هذا شأنُ العالَمِ دائِماً؛ مِنْ خمسةِ آلافِ سنةٍ كانتِ الرَّاقِصةُ تَكْسِبُ أكثرَ مِنَ الكاتِب، والطبَّالُ يَكْسِبُ أكثرَ مِنَ الخَبَّازِ والنجَّارِ والحدَّاد، ولَوْ أنَّك دَعَوْتَ (أينشتاين) اليومَ لندوةٍ عِلْميَّة، ثُمَّ دَعَوْتَ امرأةً عاريةً لحديثٍ صحفيّ؛ لتركَ الجمهُورُ (أينشتاين) وعِلْمَه، ولتجمَّعُوا حولَ المرأة العارية بالألُوف، وهذا ليسَ ذنبُنا، وإنَّما سببُه أنَّ أكثرَ النَّاس مِنَ البُهُم، ومن أهلِ الهَوَى، ومن عبيدِ الشَّهواتِ، وهُمْ لذلِك يُشجِّعُون التَّافِهَ مِنَ الأمُور، ويَنْصرِفُون عن الجادّ"([73]). وقال: "ولِهذا جِئْنا لنُصْلِحَ العالَم. ليسَ بالرَّصاص، ولا بالمَدافِع الرشّاشة، ولا بالمُعْتقلاتِ والإرهابِ تُصنَع الفَضَائِل. لَنْ تجعلَ مِنَ النّاسِ مُسلِمينَ؛ مثلَ أبي بكر؛ بقرارٍ وزاري، ولَنْ تُصْلِحَ هذا العالَم برَفْضِه وتكفيرِه، وإطلاقِ النَّار عليهِ"([74]). وما أطرف ما ذكرَهُ الكاتِب الروائي الأمريكيّ (جوناثان فرانزن)؛ بقولِه: "حينَ أتأمّلُ وسائِلَ التّواصُل الاجتماعيّ؛ أشعرُ أنّ العالَمَ - الّذي كانَ ناضِجاً - تحوّلَ فجأةً إلى (كافيتريا) مدرسيَّة بها صِبْيَةٌ مِنْ طلبةِ الصّفِ الثّانِي الإعداديّ. وحينَ أتأمّلُ صفحةَ الـ(فيسبُوك) أشعرُ أنَّنِي إزاء صالةِ المَيْسِر في (لاس فيجاس)". ولِهذا قالُوا: "أسوأُ اختراعَيْنِ في تاريخ البشريَّةِ: المُسدَّس، و(الفيس بوك). الأوّل: جعلَ الجبانَ يُهدِّدُ الشُّجاع. والثَّانِي: جعلَ الجاهِلَ يُناقِشُ المُثقَّف". وقد وصفَ الأديب المصريّ توفيق الحكيم ما آل إليهِ العالَم اليوم؛ بقولِه: "لقدِ انتهى عصرُ القَلَمْ، وبدأَ عصرُ القَدَم؛ يأخُذُ اللّاعِبُ في سنةٍ واحِدة، ما لَمْ يَأْخُذْهُ كُلُّ أُدباءِ مِصْر مِنْ أيَّامِ (أخناتون) حتَّى الآن!".

    إنّ التّافهينَ أصبحُوا قُدوةً للأجيالِ القادِمة، حتّى أصبحَ العالَمُ مُهدّداً بتأبيدِ (سُلْطة التّفاهة). لقد سيطرتِ التّفاهةُ على العالَم، حتّى أصبحَ الحديثُ عنِ الثّقافةِ ضَرْباً مِنَ العبثِ العقليّ في العصرِ الرّاهِن، فالإنسانُ الحاليُّ لا رغبةَ له في التأمّلُ والتّفكير، ولا وقتَ لديه لذلِك، فقد حاصَرَهُ التّافِهُون من كُلِّ حَدَبٍ وَصَوْبٍ بالمَشَاهِد، وحاصَرُوه بالصُّوَر، حتَّى أصبحتِ الصُّورةُ؛ هي الوسيلةُ الوحيدةُ للتَّفكير، وأصبحتِ الكِتابةُ غريبةً في العَصْرِ الرّاهِن، وغدتِ الكلِماتُ مُشرّدة تبحثُ لها عن مأوى بينَ الأنامِل فلا تَجِد. فقدِ احتلّتِ الصُّورةُ كُلَّ المواقِع([75]).

   وقد تساءَلَ أحدُ الكُتّاب بِاسْتِغرَاب: تُرى هَلْ لا زالَ للفكرِ مكانٌ في عَصْرِ التَّفاهة؟ فأجابَ: يبدُو التّفكيرُ اليومَ غريباً في صَحْراءَ قاحِلة، لا ماءَ فيها، وهو مُهدَّدٌ بالمَوْتِ جُوْعاً وعَطَشاً، ولا أحدَ مِنَ العابِرينَ حولَهُ يرغَبُ في نجدتِه. لا أحدَ يريدُ أنْ يُزْعِجَ نفسَهُ بالتَّفكير. فالتَّفكيرُ يُمثِّلُ مَصْدرَ إزعاجٍ للجَمِيع. الكُلُّ يتجنَّبُ التَّفكيرَ مِثْلَما يتجنَّبُونَ مَرَضاً خَبِيثاً. لقد قرّرُوا وضعَهُ في الحِجْر الصِّحيّ؛ خَشْيَةَ إصابةِ المُجْتمع بعَدْوى التَّفكير. فالتَّفكيرُ كالفيلسُوفِ يُمثِّل تهديداً ليقينِ المُجْتمعِ الّذي أسَّسَهُ التّافِهُون! وكثيراً ما تشاهِدُ في القنواتِ المرئيَّةِ العديدَ مِنَ التَّافهينَ كناشِطٍ أو مُحلِّلٍ لا يفقهُ شيئاً في المجالِ الّذي يُحلِّله، لكنّ المُبَالغةَ في تفاصِيلِ العَرْضِ والتَّقديمِ الفنِّي حوّله إلى (أينشتاين) عَصْرِه في ذلِك المَجالِ، فهؤُلاءِ المُتصدِّرُون في المنابِر بغيرِ حقٍّ؛ هُمْ (مُهرِّجو) العَصْرِ الرّاهِن. لقد تحوَّلتِ الفضاءاتُ السياسيَّة إلى خَيْمةِ سِرْكٍ كبيرة؛ يتلاعبُ فيها التّافِهُونَ، ويُقدِّمون ألعاباً، وحَرَكاتٍ بَهْلوانيَّة. إنّهُمْ يزحَفُونَ كُلَّ يَوْمٍ نَحْوَ غَزْوِ المَزيدِ مِنَ المَواقِع، حتّى أصبحَ الإنسانُ المُفكِّر مُهدَّداً بالانقراض. إنّنا بدأْنا نعيشُ حقّاً عَصْرَ انقراضِ التَّفكير([76]).

  وَسْطَ هذا الزَّخْم مِنَ التَّفاهةِ المَصْنُوعة والمُتهافَتِ نَحْوِها؛ ضاعَ العقلُ في مَتاهةٍ لا سبيلَ إلى الخرُوجِ منها؛ فغَرِق في بَحْرِها اللُّجِيّ الّذي تركَبُ فيهِ الظُّلمة بعضُها بَعْضاً، فامَّحَتْ أوراقُ الكتاب، وانتحرتِ القِراءةُ الجادَّة، وأُقبر الفكرُ في أجداثٍ كانَتْ قَدْ جَهَّزَتْها أيادٍ خفيَّة مِنْ قَبْلُ، إلّا ما استطاعَ أنْ يَظَلَّ على قَيْدِ الحياةِ؛ وهو يخُوضُ غِمار حَرْبٍ ضَرُوس، خرجَ منها مُنْتصِراً، فأوجدَ لفِكْره مكاناً ضِّيقاً في أرضِ التَّفاهةِ؛ يُحاوِلُ أنْ يُغالِبَها فتُغالبه؛ كالأسدِ يُصارِع بهَيْبَةِ الملُوكِ وحُوشَ الغَابِ، لكنَّهُ لَنْ يستطيعَ إليهم سَبيلًا؛ لأنَّ الكَثْرة تَغْلِبُ الشَّجاعة([77]).

مِنَ الأشياء اللّافتة في العالم العربيّ، وخصُوصاً في العقُودِ الأخيرة؛ برُوز الظَّواهِر السَّلبيّة، وانتشارُها بشَكْلٍ مُخِيف، تمثَّلَ ذلِكَ في تعظيمِ دَوْرِ العديدِ مِنَ الفنَّانين والسيَّاسيِّين، وغيرهم في مواقِع مُختلِفة، مع عدم تميُزهم أو تأثيرهم الإيجابيّ في المُجْتمع بالشَّكْل المطلُوب، بَلْ وصلَ الأمرُ أنْ تصدَّرَتِ الأفكارُ التَّافِهة والأعمالُ الوَضِيعة، وأُزيحَ كُلّ ما هو مُفيد أو مُؤثِّر. وقَدْ ساعدَ على إنجاحِ ذلك؛ انتشارُ وسائِلِ التَّواصُلِ الاجتماعيّ، وأصبحَ ما يطلبُه المُسْتمِعون أو المُشاهِدُون؛ هُوَ أساسُ التَّرويج والنَّشْر، بصَرْفِ النَّظرِ عنِ القيمةِ والفائِدةِ الّتي تعودُ على المُجْتمع والدَّولة، أو التَّأثير السلبيِّ المُضِرِّ على الأجيالِ القادِمة([78]). وقد ذَهبَ أحدُهم صادِقاً إلى أنَّ هُناكَ خمسةَ مشاريعَ ناجِحةٍ في الوطن العربيّ؛ أَلا وهِيَ: المَلاهِي، والصَّيدليَّاتُ، والمَطَاعِمُ، ومَرَاكِزُ التّجميل، والكُليَّاتُ الأهليَّة؛ لأنَّ مُجتمعَنا - معَ الأسفِ -: فاسِدٌ، ومريضٌ، وجائِعٌ، وقبيحٌ، وأُمِّيّ!

   ومِمَّا يدخلُ في ترميزِ التَّافهينَ، وتعظيمِ العَديدِ مِنْ أشباه الفنَّانيين، وأنصافِ السِّياسيِّينَ ما ذكَرهُ الكاتِب مصطفى محمود؛ بقولِه: خرجتْ علينا مجلّة (فوربس) بقائمتِها السنويّة لأهمِّ مِائة شخصيَّةٍ عربيّة، ولَمْ تختلفْ قائمةُ عام (2017م) عن قوائِم الأعوامِ السَّابقة من حيثُ المَضْمُون، فكانَ هؤُلاءِ (المُهِمُّون) على الشَّكْل الآتي: ثلاثةٌ وخَمْسُون مُطْرباً ومُطْربة، خمسةٌ وثلاثُونَ مُمثِّلاً ومُمثِّلة، واثنا عشرَ مُقدَّم ومقدَّمة برامِج! لا يُوجَدُ في هذه القائِمة كاتِبٌ، ولا شاعِرٌ، ولا مُفكِّرٌ، ولا شَيْخٌ، ولا دَاعِية، ولا رِياضيّ، ولا رَجُل أعمالٍ، ولا أيِّ بني آدم سبق وأنْ أحدثَ تَغْييراً إيجابيّاً في فَرْدٍ واحِد، فَضْلاً عن أنْ يكُونَ قد أحدثَهُ في هذا العالَم!([79]).

   وقد تداولَتْ مواقِعُ التَّواصُلِ الاجتماعيّ؛ خبراً مفادُه أنَّ السَّفيرةِ البريطانية السَّابقة لدى اليَمن، ونائِب السَّفيرة في إيران، (Jane Marriott - جين ماريوت)؛ ذكرَتْ في أحدِ تقاريرِها بشأنِ التَّعليمِ في العالَم العربيِّ أمامَ (مَجْلِس العمُوم البريطانيّ)؛ أنَّ: "النِّظامَ التعليميَّ في العالَمِ العربيّ؛ يُؤدِّي إلى مُفَارقاتٍ مُدْهِشة في الخرِّيجينَ، فطُلَّابُ الدَّرجةِ الأُولى مِنَ الأذكياءِ؛ يَذهَبُون إلى كُلِّياتِ الطِّب والهَنْدسة، بَيْنما خرِّيجُو الدَّرجةِ الثَّانية؛ يَذهَبُون إلى كُلِّياتِ إدارةِ الأعمالِ والاقتِصادِ، وبذلِك يُصْبِحُون مُديرينَ لخرِّيجي الدَّرجةِ الأُولى، في حِين خرِّيجُو الدَّرجةِ الثَّالِثة يتَّجِهُون للسِّياسةِ؛ فيُصْبِحُون ساسةَ البِلاد، ويَحْكمُونَ خرِّيجي الدَّرجتَيْنِ الأُولى والثَّانية، أمَّا الفَاشِلُون في دراستِهم؛ فيلتَحِقُونَ بالجَيْشِ والشُّرْطة، فيتحكَّمُونَ بالسَّاسةِ (والاقتِصاد)، ويُطِيحُون بِهم مِنْ مَوَاقعِهم، أوْ يَقتُلونَهُم إنْ أَرادُوا، أمَّا المُدْهِشُ حقَّاً؛ فهُو الّذينَ لَمْ يَدْخلُوا المَدارِسَ أصلاً؛ يُصْبِحون أعضاءً في مجالِسَ نِيابيَّة، وشيُوخَ قبائِل؛ يأتمِرُ الجَميعُ بأمرِهِمْ".

  ومِنَ أبرزِ وسائِل تقويضِ الحضارةِ وتدميرِها؛ تفكيك الأُسرة، وضَرْب التّعليم، وإسقاط القُدْوة، وفي ذلِك قالَ أحدُ المُستشرقين: إذا أرَدْتَّ أنْ تَهْدِمَ حَضَارَةَ أُمَّةٍ؛ فَهُناكَ وَسَائِلُ ثَلاث؛ هي: (1) هَدْمُ الأُسرة. (2) هَدْمُ التَّعليم. (3) إسقاطُ القُدْوات والمَرْجعيّات.

   لِكَيْ تَهْدِم الأُسْرةَ: عليكَ بتغييبِ دَوْرِ (الأُم)! اِجْعلها تَخْجَلُ من وَصْفِها بـ(رَبّة بَيْت). ولِكَيْ تَهْدِم التَّعليمَ: عليكَ بـ(المُعَلِّم)، لا تَجعلْ له أهميّةً في المُجتمع، وقَلِّلْ مِنْ مكانتِه حتّى يَحْتَقِرَهُ طُلّابُه. ولِكَيْ تَسْقُطَ القُدْوات عليكَ بـ(العُلَمَاء)، اِطْعَنْ فِيهم ، شَكِّكْ فِيهم، قَلِّلْ مِنْ شَأْنِهم، حتَّى لا يُسْمَع لهم، ولا يَقْتدِي بهم أحدٌ. فإذا اختفتِ (الأُمُّ الوَاعِية)، واختفى (المُعلِّمُ المُخْلِصُ)، وسَقَطَتِ (القُدْوَةُ والمَرْجَعيَّة)، فَمَنْ يُرَبِّي النَّشْءَ على القِيَم؟!

    "هذه المقُولة تُبيِّن بوضُوحٍ دَوْرَ القُدْوة في المُجْتمع بالحِفَاظ على قِيمِه؛ بِعَدِّهِ قائِداً ومُلْهِماً لمَنْ يلتفّون حَوْلَه، سواءَ أكانَ هذا القُدْوة داخِلَ الأُسرة؛ مُمثِّلاً بالأبِ والأُمِّ، والجَدِّ والجَدَّة، والأخ الأكبر، والأُختُ الكُبْرى، أم خارِجها في المَدْرسةِ أو الجامعةِ أو الوظيفةِ أو العَمَل. فإذا سقطَ هذا القائِدُ، والمُلْهِم، و"كبيرُ الشَّأْنِ" أمامَ المُتعلِّقينَ به، تَسْقُطُ معهُ قيميَّة القُدْوة، وما تتضمَّنُه مِنْ معارِفَ وعلُومٍ، وأخلاقيَّاتٍ، وسلُوكيَّاتٍ؛ تَضْبُطُ إيقاعَ الحركةِ الاجتماعيَّة في بيئةِ القُدْوةِ ومُحِيطِها"([80]).

  وقد لخَّص المفكِّر الجزائريّ مالك بن نبي؛ أنَّ عِلّةَ تراجُعِنا الحضاريّ؛ هي احتقارُ المُعلِّم، وإذلالُ الطبيبِ، وتهميشُ العُلماء، وإعطاءُ قيمةٍ للتَّافهين؛ فقال: "إذا أردْتَّ أنْ تَهْدِمَ حضارةً؛ احتقِرْ مُعلِّماً، وأذِلَّ طبيباً، وهمِّشْ عالِماً، واعطِ قيمةً للتَّافهين". وقد وضعَ الدّكتور مصطفى كمال حلمي - وزير التّعليم العالي الأسبق - الإِصْبَعَ أو (الضِّمَادَ) على الجُرْح؛ فقالَ: "إنّ مسرحيَّةَ (مَدْرسة المُشاغبين)؛ كانتْ واحِدةً مِنْ أسبابٍ كثيرةٍ؛ أدّتْ إلى انهيارِ منظُومةِ التَّعليمِ في مِصْر، وتدنِّيها؛ لأنّها أَفْقَدتِ المُعلِّمَ الاحترامَ، والهَيْبَة؛ نتيجةَ السُّخْرِيةِ، والاسْتِهزاء، والنَّيْل مِنَ المُعلِّمِ، والعمليَّةِ التَّعلِيميّة". وكلُّ الّذين سَعَوا إلى تدميرِ الحضاراتِ؛ بدأُوا بالتّعليم، وأفرغوا المدارِس والجامِعات مِنْ مضامينِها الحقيقيَّة، فأنتَ "إذا أرَدَّتَ أنْ تُدمِّر بَلداً؛ فليسَ عليكَ أنْ تَشُنَّ عليهِ الحَرْبَ، ولا عليكَ أيضاً أنْ تَغْرِقَهُ بالمُخدِّرات، ولا حتَّى أنْ تُطْلِق عليهِ فَيْرُوساتٍ سامّةً، كلُّ ما عليكَ هُوَ أنْ تُدمِّرَ التّعليمَ فيها، فتَصْنعَ أجيالاً جَاهِلةً باسْمِ العِلْم. فيموتُ المَريضُ على يدِ طبيبٍ نجحَ بالِغشّ! وتَنْهَارُ البيُوتُ على يدِ مُهندِسٍ نَجَحَ بالغِشَّ! ونَخْسَرَ الأَمْوالَ على يدِ مُحَاسِبٍ نَجَحَ بالغِشِّ! ويموتُ الدِّين على يدِ شَيْخٍ نَجَحَ بالغِشِّ! ويَضِيعُ العَدْلُ على يدِ قَاضٍ نَجَحَ بالغِشِّ! ويَتَفَشَّى الجَهْلُ في عقُولِ الأبناءِ على يدِ مُعلِّمٍ نَجَحَ بالغِشِّ!".

   يقولُ عالِم الاجتماع المغربيّ الدكتور المهدي المنجرة ( 1933-2014)  - خبير في الدِّراسات المُستقبليّة -: "عِنْدما أرادَ الصينيُّون القُدَامى أنْ يَعِيشُوا في أمانٍ، بَنَوا سُورَ الصِّينِ العَظِيم، واعتقدُوا بأنّه لا يوجد مَنْ يستطيع تسلّقَه لِشِدّة عُلُوِّه، ولكِنْ! خِلال المائة سنة الأُولى بعدَ بِناء السُّور؛ تعرَّضَتِ الصِّين للغَزْوِ ثلاثَ مرَّاتٍ! وفي كُلِّ مرّةٍ لَمْ تَكُنْ جَحَافِلُ العَدُوِّ البريّة في حاجةٍ إلى اختراقِ السُّورِ أو تسلُّقِه! بَلْ كانُوا في كُلِّ مرَّةٍ يدفعُون للحَارِس الرَّشْوَة ثمُّ يَدْخلُون عبرَ البَاب. لقدِ انشغلَ الصينيُّون ببناءِ السُّور، ونَسُوا بِناء الحَارِس! فبِناءُ الإنسانِ يأتي قبلَ بِناء كُلِّ شيء، وهذا ما يحتاجُه طُلّابُنا اليَوْم".

  ولا غَرْوَ أنَّ نَشْرَ التَّفاهةِ والغَباء في عَصْرِنا هذا؛ أصبحَ هَدْفاً مَنْشُوداً؛ تُوضَع لأجلِ تنفيذه الخُطط والبرامِج الكفيلة، وإذا رُمْنا دليلاً على ذلك يَكْفي أنْ نُطالِعَ ما نشرتْهُ إحدى الفضائيَّات مِنْ مُقابلةٍ معَ خبيرةِ اللغويَّاتِ الدكتورة سُهير السُّكّري، وهي أميركيَّة من أَصْلٍ عربيّ، عَمِلتْ في هذا المَجالِ لأكثر من (40) سنة، كأُستاذة للغويَّاتِ في جامعةِ (جُورج تاون)، ومُترجمةٍ في الأُمم المُتَّحِدة، وكانَ الموضوعُ الرّئيسُ للمُقابلة: لِمَ أصبحتْ لُغَتنا ضعيفةً على الرَّغمِ مِنْ انتشارِ المدارسِ بأنواعِها، بينما كانتْ أقوى في زَمَنِ الأُميَّةِ و«الكتاتيب»؟ كانَ مِحْورَ تركيزِها في بحُوثِها ودارساتِها هو الطِّفلُ، وسببُ اهتمامِها بِهِ؛ أنّها وَجَدتْ فَرْقاً شاسِعاً بين طِفْلِنا في العالَم العربيِّ والإسلاميِّ والطِّفل في العالَم (المُتقدِّم). فأطفالُنا منذُ وِلادتِهم حتَّى وصُولِهم المَدْرسة يتكلّمُونَ بِاللّهجةَ العاميَّة فَقطْ، تلكَ اللّهجة - الّتي اكتسبُوها مِنْ أُمّهاتِهم -، لا تتجاوَزُ حصيلتُها (3) آلافِ كلِمة، وهذا ما ما يُفسِّر تلكَ الحدُود الضيِّقة لمساحةِ التَّفكيرِ والإبداعِ والتَّصوُّرِ الّتي لا تتحقّق إلّا باللّغة، بَيْنما الطِّفلُ الغربيُّ يدخلُ المَدْرسةَ في سِنِّ الثّالثةِ بحصيلةٍ لغويَّةٍ تصلُ إلى (16) ألف كلِمة. هذه المعلُومة الصَّادِمة الّتي فجّرَتْها (د.سهير السُّكّري) أثارتِ الرُّعْبَ والقَلقَ والفُضُول. واستشهدتْ على ما تكلّمتْ به بكتابِ «الإسلام الثوري - Militant Islam »، لكاتبه جيسون (G.H. Jason). أُلِّفَ هذا الِكتاب في عام (1979م) إبَّان اندلاع الثّورةِ الإسلاميّة في إيران، ونجاحِها في الإمساكِ بزِمام الأمُور هُناك، وقد كان مَحْظوراً توزيعُ هذا الكِتاب؛ لمُدَّةٍ استمرَّتْ أكثرَ مِنْ (25) سنة؛ خَوْفاً من أنّ يُنبِّهَ العَرَبَ والمُسلمينَ إلى سِرِّ قُوَّتِهم وضَعْفِهم. يقولُ (جيسين) في كتابِه"الإسلام الثوريّ": إنّ الإنكليزَ والفرنسيِّين قبلَ استيلائِهم على الدَّولة العثمانيَّة؛ قامُوا بعَملِ دِراسةٍ مُشترَكة عن أسبابِ قُوّة الفَردِ المُسلِم، وسِرِّ امتلاكِه لتلكَ الصَّلابة الجبَّارة - التي مكَّنته مِنْ فَتْحِ بلادِ العالَم مِنَ المُحيطِ الأطلسي إلى مَشارِفِ فيينا وضواحِي باريس، إلى الهند وأدغال إفريقيا، خِلال 1300 عام -؛ فوجُدوا أنَّ السِّرَّ يكمُن في نظامِ التّعليمِ آنذاك. فالطِّفلَ المُسلِم كان من السَّنة الـ(3) إلى الـ(6) من عُمْرِه يذهبُ إلى (الكتاتيب)، ويحفظُ القُرآن - الّذي يبلغُ عددُ كلماتِه (77439) ألفِ كلِمة - ولكَ أنْ تتخيَّلَ حَجْمَ القُدْرةِ الإبداعيَّة لَدَى مَنْ يَحْفظُ القُرآن الزّاخِر بأفصحَ التَّركيباتِ اللغويَّة، وأجملِ الصِّيَغ البلاغيَّة، الّتي تترسَّخ عميقاً في تلافيفِ الذَّاكِرة، فيُتْقِنها على الرَّغمِ من استخدامِه للّهجة العاميَّة في البَيْت، مِمَّا يُحصِّنه مِنَ الوقُوعِ في مُشكِلة (الازدواجِ اللغويِّ) - عاميةٍ وفُصْحَى، لا يُجيدُ إحداهُما - وبعدَها، مِنْ سنِّ الـ(6) إلى الـ(7) يَدْرسُ ألفيّةَ ابنِ مالِك؛ وتتألّفُ من (1000) بيتٍ؛ وهذِه الألفيّةُ قد جَمَعتِ العربيَّةَ الفُصْحى كُلَّها؛ نَحْواً وصَرْفاً. ناهيكَ عنِ الزَّخْمِ الإيمانيّ والخُلُقيّ والمعنويّ الهائِل الّذي يَكْتسِبه من قراءتِه وحِفْظِه للقُرْآن الّذي يُلازِمه طِيلةَ حَياتِه، فيَظَلّ يُؤْمِنُ بأنَّهُ مُؤيَّدٌ ومدعُومٌ بقُوَّةٍ رُوحانيَّة هائِلة، وبأنَّهُ ليسَ وَحيدًا في حياتِه، بَلْ هُناكَ قُوَّة جبّارة تُؤازِرُه أينما حلَّ وارتحل، وتَحْرُسُه دَوْماً، ومِنْها يَسْتمِدُّ قُوَّته وإيمانَهُ. فإذا كان الطِّفلُ المُسلِم من سِنِّ الـ(7) يَجْمعُ كُلَّ هذِه الثّروة اللّغويّة الهائِلة، فهُوَ إذاً؛ ليسَ طِفْلاً عاديّاً، بَلْ هو طِفلٌ ذُو عَقْلٍ خَارِق، وذَكاءٍ عَجِيب. وبعدَ هذِه الدِّراسة المُشترَكة؛ خلُصَ الإنكليزُ والفرنسيُّونَ إلى أنّ سببَ قُوّة الفردِ المُسلِم الجبّارة؛ هِيَ القرآنُ، وكتاتيبُ تحفيظِه، فهو أكثرُ قُوَّةً وصَلابةً وإقداماً مِنْ نظيرِه الغربيِّ، والفَضْلُ في ذلِك كُلِّه يَرْجِع إلى نمطِ التَّعليم الأوَّلي المُتمثِّل في (الكتاتيب). وعلى ضَوْءِ نتائِج تلكَ الدِّراسة؛ قَامتْ فرنسا بإلغاءِ (الكتاتيبِ) في إفريقيا، وجميعِ المدارِس في الدُّوَلِ الّتي تحتَ سَيْطرتها؛ وهي: لبنان، وسُوريا، وتونس، والجزائِر، والمغرب. أمّا الإنكليز - في البِلادِ الخاضِعةِ لها - فوجدُوا في غلقِ (الكتاتيبِ) أمراً عسيراً لَنْ يقبلَهُ النّاسُ بسهُولة؛ لِذا قامُوا بإنشاءِ مدارِسَ حديثة؛ تبدأُ الدِّراسةُ فيها من سنِّ الــ(6)، وحَصْرِ تعليمِ القُرْآن في (الكتاتيب)، ورَبْطه بفئة الفُقَراء والأُسَر المُعْدَمة، مع رَبْطِ التَّعليم الأجنبيّ نفسيَّاً واجتماعيَّاً بالتقدُّم، والتميُّز الطبقيِّ، وفُرَص الثَّراء. وبهذا نَجَحُوا في حِرْمانِ الطِّفل مِنْ كُلِّ تلكَ الحصيلةِ اللّغويّةِ والقُوّةِ المعنويَّة الّتي جعلتْهُ آنذاك في المَرْتبةِ الأُولى بامتياز. هذِه رِسالةٌ ذاتُ مغزًى كبيرٍ إلى المُتَباكينَ على أيّامِ الطفُولةِ الأُولَى، الّتي يَرَوْن وجُوبَ حَصْرها بالّلعب، والتّسليةِ، والتَّرفيه، ويَزْعُمُونَ أنَّهُ مِنَ القَسْوَةِ والظُّلمِ، بلْ والتَّخَلُّفِ، أنْ نُجْبِرَ الطِّفلَ خِلالَها على حِفْظِ القرآنِ ومُدارستِه. وبذلِك نضمنُ غباءَهُ، وتفاهةَ حياتِه([81]). وقمين بنا أنْ نستحضِرَ هُنَا؛ ما عبَّرَ بِه المُمثِّل (تامر فرج)؛ بقولِه: ربُّوا أولادَكُمْ، ولا تَتْركُوهم للتِّلفزيون، أو السِّينما لتُربِّيهم.. نحنُ وسيلةُ ترفيهٍ، ولَسْنا وسيلةَ إعلامٍ أو تعليم.. المُمثِّل أو الفنَّان؛ عمرُه ما كان قُدْوةً.. إذا أردْتُمْ قُدْوةً لأبنائِكُمْ؛ فهُناكَ أنبياءُ وعُلَماء، ودُعاة كثيرُونَ؛ أثْرَوا، وأفادُوا البشريَّة، وليسَ المُمثِّلين!

  ومِنْ صُورِ التَّضليلِ العلميّ؛ نشرُ المفاهيم العِلْمويَّة الّتي ثبتَ بالعِلْمِ والبُرْهانِ والدَّليل القاطِع؛ عدمُ صِحّتها، وفسادِها، ومن ذلك – مثلاً –؛ (نظريّة داروين في النّشُوء والارتقاء) الّتي يُعلِّمُونها أبناءَنا في المدارِس والجامِعات؛ بكُلِّ تفاهاتها وجدليّاتِها العقيمة، تلك النظريّة الّتي بشَّر بها الباحِث الإنكليزيّ (تشارلز داروين) Charles Darwin في كتابِه (أصل الأنواع)([82])، وقدِ افترضَ فيهِ؛ أنّ الكائِناتِ الحيّةَ نتجتْ وتطوّرَتْ دُون تَصْميمٍ ولا بفِعْلِ خَالِق، وأنّ التغيُّراتِ الحادِثةَ فيها جاءتْ بمجمُوع الصُّدَف؛ أي: دُون قَصْدٍ أَوْ تَدْبير. وبذلِكَ مثّلتْ أفكارُه حَجَرَ الزَّاوية في (الفِكْرِ الإلحاديّ)، وقد أثبتَ العِلْمُ الحديثُ؛ أنّهُ لَمْ يُقدِّمْ شيئاً مُفِيداً للإنسانيّة على الرّغمِ مِنَ الاحتفاءِ الكبيرِ بخيالاتِه الجَامِحة، والاحتفالِ المبالَغ فيهِ بآرائِه التّافِهة، على امتدادِ العالمِ الغربيّ والأوروبيّ؛ وقد تجاهلَ إعلامُنا ومُؤسّساتُنا التَّعلِيميّة أعلامَنا العُظماء من أمثالِ الخوارزميّ الّذي اكتشفَ مُصطلَح (الخوارزميَّات) الّتي كانَ لها أثرٌ فاعِلٌ في عِلْمِ الحاسُوبِ والرِّياضيَّاتِ، والتكنولوجيا الحديثة. فنشرُ مثل هذِه النّظريّاتِ العقيمةِ التّافِهة؛ تُسهمِ في تهافتِ ثقافةِ المجتمعِ، وانفلاتِه مِنْ كُلِّ القِيَم والمبادِئ الإسلاميّة والإنسانيّة جمعاء.

    وما أروعَ ما نُسِبَ إلى ابنُ خلدُون؛ في هذا السِّياق - وكأنّه ينظرُ بعينٍ نقديَّة فاحِصة إلى مُجتمعاتِنا اليوم - قولُه؛ إنَّ: الشُّعُوبَ المَقْهُورةَ تَسُوءُ أَخْلاقُها، وكُلَّما طالَ تَهْميشُ إنْسَانِها؛ يُصْبِح كالبَهِيمةِ، لا يَهُمُّه سِوَى اللّقْمةِ والغَريزة... وعِنْدَما تُكْثرُ الجِبَايةُ تُشْرَف الدَّولةُ على النِّهايةِ... وعِنْدَما تَنْهارُ الدُّوَلُ والأَوْطانُ؛ يَكْثُرُ المُنَجِّمُونَ، والمُتَسَوِّلُونَ، والمُنَافِقُونَ، والمُدَّعُونَ، والكَتَبةُ، والقَوَّالُونَ، والمُغَنُّونَ النَّشَازُ، والشُّعَراءُ النَظَّامُونَ، والمُتَصَعْلِكُونَ، وضَارِبُو المَنْدَل (ضَرْبٌ مِنَ الكِهَانةِ يُسْتَدَلُّ بِه على الضَّائِع، أو المَسْرُوق)، وقَارِعُو الطُّبُولِ، والمُتَفَيْهِقُونَ، (المٌتكبِّرُونَ مِنْ أَدْعياءِ المَعْرفةِ، مِمَّنْ يتنطَّعُون بكَلامِهم، ويتكلَّفُونَ في حَديثِهم)، وقَارِئُو الكَفِّ، والمُتَسَيِّسُونَ، والمَدَّاحُونَ، والهَجَّاؤُونَ، وعَابِرو السَّبيلِ، والانْتِهازِيُّونَ... وعِنْدَما تَنْهارُ الدُّوَل؛ يَسُودُ الرُّعْبُ، ويَلُوذُ النَّاسُ بالطَّوائِفِ، وتَظْهَرُ العَجَائِبُ، وتَعُمُّ الإشاعَةُ، ويتحوَّلُ الصَّديقُ إلى عدُوٍّ، والعَدُوُّ الى صَديقٍ، ويَعْلُو صَوْتُ البَاطِلِ، ويَخْفِتُ صَوْتُ الحَقِّ، وتَزْدادُ غُرْبةُ العاقِلِ، ويُصْبِح الانتماءُ إلى القبيلةِ أشدَّ اِلْتِصَاقاً، وإلى الأَوْطانِ ضَرْباً مِنَ ضرُوبِ الهَذَيانِ".

    وأخيراً؛ فإنَّ التّفاهةَ؛ هِيَ مِنَ المَخاطِر الّتي تُهدِّد الحياةَ الإنسانيّة على كَوْكبِ الأرض، وهِيَ بمثابةِ تدنيسٍ مُتعمّد لقداسِة الإنسانِ، والحَطِّ مِنْ كَرَامتِه! وقَدْ رَسَمَ لنا الرِّوائيُّ الإسبانيُّ (كارلوس زافون) صُورةً قاتِمة لِما سيؤولُ إليهِ الواقِع الإنسانيّ في المُستقبل القريب؛ بقولِه: "وسَوْفَ يَتقَهْقرُ الكائِنُ البشريُّ إلى العَصْرِ الحَجريّ، سيَتَقَهْقرُ إلى بَرْبريَّة العصُورِ الوُسْطَى... لَنْ يَفْنى العالَمُ بسببِ قنبلة نوويَّة، كما تقولُ الصُّحف، بَلْ بسببِ الابْتِذالِ والإفْرَاطِ في التَّفاهة؛ الّتي ستحوِّلُ الواقِعَ إلى نُكْتةٍ سَخيفة"([83]). وقد أكّد الشَّيخ محمّد الغزاليّ - هذه الفِكْرة -؛ بقولِه: إنّ هُناكَ انحداراً تَهْوِي به أُمَّتُنا في مَجالِ اللّغةِ والأَدبِ والفنِّ، وإذا لَمْ نُسَارِعْ إلى عِلاجِه؛ سقَطْنا في هاويةٍ لا قَرارَ لها([84]). وقد ذهبَ الكاتِب الإسباني (ثيسار أنطونيو مولينا) في فصلِ من كتابهِ الطّريف - (ما أجمل العيش من دون ثقافة) -؛ أسماهُ (ما أجملَ أنْ تعيشَ كغبيّ في عصر الرّقمنة) إلى أنّ "العائِلة، والتّعليم، والدّولة؛ مِنَ الرّكائِز الأساسيّة لتنميةِ القِراءة والثّقافة، ومِنْ ثَمَّ لا بُدَّ مِنَ الدِّفاعِ عنِ العاداتِ نفسِها الّتي تمَّ القِيامُ بِها خِلال قرُون. يعي المجتمع خطُورة هذِه الخَسَارة، لكنَّ مصالِحَ الصِّناعاتِ التكنولوجيَّة لا تتوافَقُ مع هذه القِيَم؛ لذلِك يَنْبغي على الدَّوْلةِ؛ مِنْ خِلالِ المدرسِة والجامِعة، أنْ تُشجِّعَ، وتُحسِّنَ، وتُسهِّلَ قِراءة الكُتُب... القراءةُ قبلَ كُلِّ شيء هي معرفةُ "كيفيَّة" التَّفسير. والقِراءةُ العميقةُ، التأمُّليّة؛ هِيَ إحدى ثرواتِ المُجتمع المُعاصِر، فعلى المُجتمعِ نفسِه؛ أنْ يُدافِعَ عنها... فالورقُ ما زالَ يحتفِظُ بمكانتِه وموثوقيّتِه، وهذا ما يجعلُه قويَّاً أمامَ ما هُوَ رَقميّ. يَنْبغي علينا أنْ نُحارِب، مِنْ أجلِ الحقيقةِ، والشّرعيّةِ، والاحترام؛ الشَّبكةَ العنكبوتيَّة، وأنْ نطرُدَ منها كُلّ أولئِكَ الّذينَ يستخدِمُونَها لمصالِحِهم الحِزبيَّة فقط. أنْ نُحارِبَ ضِدَّ السَّذاجة الرقميَّة، وليس ضِدَّ التقنيّات الجديدة. فهذِه الأخيرة، يَنْبغي أنْ تَسْتمِرَّ في مُساعدتِنا، وفي تَطْويرِ أنفُسِنا، دُونَ أنْ نضظرَّ إلى الاستغناءِ عن أفضلِ عاداتِنا، ومصادِر معرفتِنا"([85]).

   لا شَكَّ أنَّ الدَّوْلةَ لها دورٌ كبيرٌ وفاعِلٌ في تَوْجيهِ البَوْصلةِ، والاهتمامِ بالنَّابغينَ والمُتميِّزينَ منذُ الصِّغَر، وإعطاءِ الأولويَّةِ للقَضَايا الّتي تفيدُ المُجْتمع، والسَّعي لنَشْرِ القِيَم في المُجْتمع، والنّهُوضِ بالتَّعليم التّربَوِيِّ، وضَبْطِ وسائِل الإعلام المُخْتلفة. فكُلَّما ابتعدتِ الدَّولةُ عن إبرازِ القِيَم، وتقديم النَّماذِج المُفِيدة، أو مُحاربتها؛ أدَّى ذلِكَ إلى الانحدارِ الأخلاقيّ، وغِياب القِيَم والفضائِل([86]). وفي النِّهايةِ إنّ التحرُّرَ مِنْ سَيْطرةِ التّفاهةِ؛ هو مسؤوليّة الجَمِيع؛ إذا ما أرادُوا إنقاذَ الإنسانِ الأَخير. فالمَسْؤُوليّةُ عن إنقاذ الذّاتِ؛ هي في النِّهايةِ مسؤوليّةٌ عن إنقاذِ الكُلِّ([87]). ومُهمّتُنا -اليومَ وغداً - أنْ نَرْسُوَ بالسَّفينةِ وَسْطَ الأَمْوَاجِ المُتَلاطِمة - الّتي تُحِيطُ بِنا مِنْ كُلِّ جَانِب - إلى بَرِّ الأَمَان، وأنْ نتكاتَفَ جَمِيعاً على حِراسَتِها، والأَخْذِ بيدِ كُلِّ مَنْ يريدُ خَرْقَها، لأَجْلِ سلامةِ رُكَّابِها جميعاً. وخيرُ ما نَخْتِمُ بِه مقالَنا قولُ الرَّسُول المُصْطفى - عليه الصَّلاة والسَّلام -: (مَثَلُ القَائِمِ في حُدُودِ اللَّه، والْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا (اِقْتَرَعُوا) عَلَى سَفِيْنةٍ، فَصَارَ بعضُهُمْ أَعْلاهَا، وبَعْضُهُمْ أَسْفَلَها، وكَانَ الّذينَ في أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ؛ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا في نَصِيْبِنا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا. فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرادُوا؛ هَلَكُوا جَمِيعًا، وإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِم؛ نَجَوْا ونَجَوْا جَمِيْعًا). رواهُ البُخَاريّ.



[1]- التفاهة تحاصرنا، محمد محمود عبدالله، (الأخبار)، 2022م.

https://alakhbar.info/?q=node/38107

[2]- نظام التفاهة، ص13.

[3]- المرجع نفسه، ص64.

[4]- مقدّمة الدكتورة مشاعل الهاجري، لكتاب (نظام التفاهة)، لـ(آلان دونو).

[5]- نظام التفاهة، ص25.

[6]- المرجع نفسه، ص26.

[7]- اللّغة الخشبية: الأميُّون الجُدُد ومكافأة التفاهة، كمال الذيب، (الوطن)، 2020م.

https://alwatannews.net/Opinion/article

[8]- ازدهار التفاهة.. إلى أين؟ محمد المحمود، 2022م، الحرة https://www.alhurra.com/different

[9]- اللّغة الخشبية: الأميون الجدد ومكافأة التفاهة.

[10]- المرجع نفسه.

[11]- الكتابة في زمن تضاؤُل القِراءة، د.عبدالعزيز المقالح، مجلة (دبي) الثقافيّة، العدد (25)، ص118.

[12]- المرجع نفسه، ص118.

[13]- التفاهة وأسباب تمجيد صناعها على (السوشيل ميديا)، هناء أزعوق، 2022م.

https://www.alalam.ma/%D8%A7%D9%84

[14]- ثقافة التفاهة وآثارها على المجتمعات المعاصرة (1-2)، أ.د. عبدالله السالم، صحيفة (المدينة)، 2021م.

https://www.al-madina.com/article

[15]- "التفاهة" تتحكّم بمصير العالم والدولة، منى فيّاض، (النّهار)، 2018م.

https://www.annahar.com/arabic/article

[16]- ازدهار التفاهة.. إلى أين؟ محمد المحمود، 2022م، الحرة https://www.alhurra.com/different

[17]- المرجع نفسه.

[18]- المرجع نفسه.

[19]- إعلامنا بين سندان التّفاهة ومطرقة المتسللين، عبد الهادي الناجي، 2023م.

https://www.winwin.com/%D9%83

[20]- التفاهة تحاصرنا، محمد محمود عبدالله، (الأخبار)، 2022م.

https://alakhbar.info/?q=node/38107

[21]- فيلم "Don’t Look Up".. لماذا لا يُصدِّق الناس الحقائق الماثلة أمام أعينهم؟ شادي عبدالحافظ، الجزيرة.

https://www.aljazeera.net/midan/miscellaneous/science/2021/12/28

[22]- مقولة شهيرة للكاتِب الثوريّ الرّوسي المعرُوف فلاديمير لينين (1870 – 1924).

[23]- فيلم "Don’t Look Up".. لماذا لا يُصدِّق الناس الحقائق الماثلة أمام أعينهم؟

[24]- المرجع نفسه.

[25]- المرجع نفسه.

[26]- نظام التفاهة، ص46.

[27]- المرجع نفسه، ص46- 47.

[28]- نظام التفاهة (مقدّمة المترجمة)، ص28.

[29]- الهمجيّة زمن علمٍ بلا ثقافة، ميشيل هنري، تر: جلال بدلة، ط(1)، دار الساقي، المملكة المتحدة، 2022م، ص7.

[30]- الهمجيّة زمن علمٍ بلا ثقافة، ص18.

[31]- المصدر نفسه، ص24.

[32]- نظام التفاهة (دونو)، (مقدّمة المترجمة)، ص29.

[33]- عصر التفاهة وقلّة الأدب! علي الصاوي، (عربي 21).

https://arabi21.com/story/1245784

[34]- التفاهة وأسباب تمجيد صناعها على (السوشيل ميديا)، هناء أزعوق، 2022م.

https://www.alalam.ma/%D8%A7%D9%84

[35] - مميّز بالأصفر - مقرّر مختصر في العيش بحكمة والاختيار بذكاء، إتش.جاكسون براون، الابن، وروتشيل بنينجتون مكتبة جرير، ط(1)، المملكة العربية السعودية، 2018م، ص58.

[36]- كتاب نظام التّفاهة وتذويب الإنسانية، مصطفى عاشور، إسلام أون لاين

https://islamonline.net/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8

[37]- تأملات في عصر سيطرة التّفاهة. الصحبي الماجري، 2019م.

https://www.aljazeera.net/blogs/2019/12/4

[38]- نظام التفاهة، ص202.

[39]- ينظر: عصر التّفاهة، عبدالله العمادي، (إسلام أون لان).

  https://islamonline.net/%D8%B9%D8%B5%D8%B1-

[40]- صناعة التّفاهة، عبدالله العزمان، صحيفة (اليوم)، 2021م. https://www.alyaum.com/articles

[41]- نظام التّفاهة، ص69. الميديوقراطية وتسيُّد التّفاهة، (TRT عربي)، 2019.

[42]- مقولة شهيرة للشَّاعِر المصريّ عبدالعزيز جويدة.

[43]- حفلة التّفاهة (رواية)، ميلان كونديرا، تر: معن عاقل، ط(1)، المركز الثقافي العربي، بيروت - لبنان، 2014م، ص75.

[44]- صناعة التفاهة، عبدالله العزمان.

[45]- إدواردو غاليانو (1940 - 2015)؛ باحِثٌ وروائيٌّ أوروغواياني. عاشَ سنواتٍ عديدةً في المَنْفى - في الأرجنتين وإسبانيا -؛ لأسبابٍ سياسيَّة.

[46]- عصر التفاهة، عبدالله العمادي، (إسلام أون لاين).

 https://islamonline.net/%D8%B9%D8%B5%D8%B1-

[47]- التفاهة الممنهجة... لا تنظر للأعلى، عبدالله بن بجاد العتيبي، جريدة (الشرق الأوسط)، العدد (15755)، 2022م

https://aawsat.com/home/article/3416801/

[48]- نظام التفاهة، ص52.

[49]- إعلامنا بين سندان التّفاهة ومطرقة المتسللين، عبد الهادي الناجي، 2023م.

https://www.winwin.com/%D9%83

[50] - الباحث الاجتماعي العراقيّ الشّهير د.علي الورديّ.

[51]- صناعة التفاهة والنفايات الفكرية، فارس آل سلمان، الحوار المتمدن، العدد (6907)، 2021م.

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=719738

[52] - هكذا تكلّم زرادشت، فردريك نيتشه.

[53] - هكذا علّمتني الحياة، د.مصطفى السباعي.

[54]- صُنّاع التفاهة، عبد الناصر بن عيسى، الشروق، (الشروق)، 2022م.

https://www.echoroukonline.com

[55]- مقولة مشهورة للروائي الرَّوسي الشَّهير دوستويفسكي.

[56]- الميديوقراطية وتسيُّد التّفاهة، (TRT   عربي)، 2019.

https://www.trtarabi.com/opinion

[57]- السطحيون - ما تفعلُه شبكة الإنترنت بأدمغتنا، نيكولاس كار، تر: وفاء. م. يوسف، ص12.

[58]- عصر التفاهة وقلة الأدب! علي الصاوي، (عربي 21).

https://arabi21.com/story/1245784

[59]- الرِّبح مُقدَّم على الشَّعب، نعوم تشومسكي.

[60]- ثقافة التسطيح، عبدالله العمادي.

[61]- التفاهة الممنهجة... لا تنظر للأعلى، عبدالله بن بجاد العتيبي، جريدة (الشرق الأوسط)، العدد (15755)، 2022م

https://aawsat.com/home/article/3416801/

[62]- المرجع نفسه

[63]" -Two things are infinite: the universe and human stupidity; and I'm not sure about the universe" Albert Einstein.

[64]- ديتريخ بونهوفر (Dietrich Bonhoeffer) (1906- 1945) عالِمُ لاهوتٍ ألمانيّ؛ اشتهر بجانب كتاباته الدينيّة بمقاومته القويّة ضِدَّ الديكتاتوريّة النازيّة.

[65]- نظريَّة الغباء، ديتريخ بونهوفر، إعداد وترجمة: علاء الخطيب.

 https://www.infosalam.com/societies-enlightenment/articles/bonhoeffer

[66]- الغباء البشري، كارلو شيبولا، تر: عماد شيحة، ط(1)، دار الساقي، الممكلة المتحدة، 2022م، ص61 -62. و68.

[67]- المرجع نفسه، ص73.

[68]- نظريَّة الغباء، ديتريخ بونهوفر.

[69]- مقولة شهيرة لرئيس وزراء بريطانيا الأسبق؛ ونستون تشرشل (1874 – 1965).

[70]- مقولة شهيرة للأديب الإيرلندي جورج برناردشو (1856 - 1950).

[71]- مقولة شهيرة للشَّاعِر الفلسطينيّ محمود درويش (1941 - 2008).

[72]- طريق السعادة للمرأة المسلمة، خولة عابدين.

 https://www.awqaf.gov.kw/ar/%D8%AD%D9%88% وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية – الكويت.

[73]- نقطة الغليان، د.مصطفى محمود، مكتبة أخبار اليوم، القاهرة - مصر، ص44.

[74]- المرجع نفسه، ص44.

[75]- تأملات في عصر سيطرة التّفاهة. الصحبي الماجري، 2019م.

https://www.aljazeera.net/blogs/2019/12/4

[76]- المرجع نفسه

[77]- العقل العربي وصناعة التفاهة، جواد عامر، الألوكة الثقافية، 2022م.

 https://www.alukah.net/culture/0/158385/

[78]- مجتمعاتنا وصناعة التفاهة والتافهين واستبعاد النابهين، جمال نصار، (عربي 21).

 https://arabi21.com/story/1466185

[79]- مائة شخصيّة مُهمّة! أدهم شرقاوي، (الوطن)، 2017م

https://www.al-watan.com/article/7151

[80]- إسقاط القدوة، علاء هادي الحطاب، الشّبكة العراقيّة، 18 يناير 2021م

https://magazine.imn.iq/%D8%A7%D8%B9%D9%85

[81]- ينظر بتصرّف كبير مقال: نظرية المؤامرة في أبشع صورها وشهد شاهد من أهلها، بقلم د. سمير مسلم الددا، جدة، المملكة العربية السعودية، 2016م، ومقال: بِأَيْدينا.. أَضَعْـنا (٧٧) أَلْفِ كَلِمَةٍ،  عواطف العلوي، 2017م.

https://daratalmarifah.wordpress.com/2017/05/13/arabic_language/

دارة المعرفة.

[82]- أصل الأنواع On the Origin of Species كتاب صدر عام (1859م)، وظلّ هذا الكتابُ مثار جدلٍ ونقاشاتٍ علميّة وفلسفيّة ودينيّة، ولقد تطوّرت (نظريّة النشوء والارتقاء) منذ أن عرضها داروين للمرّة الأُولى، ولكن بقيَ مبدأ (الانتخاب الطبيعيّ)؛ أوسعَ النّماذِج العِلميّة قَبُولاً.

[83]- رواية ظِلُّ الرِّيح، كارلوس زافون، تر: معاوية عبدالمجيد، ط(1)، مسكيلياني للنّشر والتوزيع، تونس، 2016م،  ص124- 125.

[84]- قضايا المرأة بينَ التقاليد الرّاكدة والوافِدة، الشيخ محمّد الغزاليّ.

[85]- ما أجمل العيش من دون ثقافة! الثقافة كمضاد لأخطار الحماقة، ثيسار أنطونيو مولينا، تر: حسني مليطات، ط(1)، منشورات تكوين، الكويت – الشويخ الصناعية الجديدة، العراق – بغداد، 2022م، ص85- 87.

[86]- مجتمعاتنا وصناعة التفاهة والتافهين واستبعاد النابهين، جمال نصار، (عربي 21).

https://arabi21.com/story/1466185/%D9%85

[87]- تأملات في عصر سيطرة التّفاهة. الصحبي الماجري، 2019م. https://www.aljazeera.net/blogs/2019/12/4

---

¨ مجلة الحوار ǀ العدد 186 ǀ السنة الحادية والعشرون ǀ شتاء 2023

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق