10‏/01‏/2024

مواطن الخلل في العمل الإسلامي السياسي

أم سرکان
(نقد مُحِب فيما يجب)! فقد قيل: اسأل عدُوّك إذا أردت تطوير شيء ما، فإنه سيصدقك القول؛ أما الصديق فما له إلا الطبطبة.. ولكنني أجزم: أنني أصدق من العدو، وعين قلبي، وبكل إخلاص، تراقب!
يعاني العمل الإسلامي السياسي، في زمننا الحالي، من تخبط وتلكؤٍ، وكذلك تشتت وانقطاع لحبّات عقده الفريد، وتبعثرها، وانتثارها، وتفرقها إلى شعب ومتاهات ومنادح عدة، لم يستطع القائمون عليه الإمساك بزمامها، كما ينبغي لكل عمل جاد رصين، في أن يتماسك كيانه، ويتعاظم هيكله، وتتناسق أجزاؤه !!
إنه يبدو كسفينة عاطبة توالت عليها الدهور فتآكلت أجزاؤها، وتكسّر محركها - وهو القلب النابض منها -، وتفتت خشبها، وتصدأت مساميرها!! ربانها، ومساعدوه، يعانون التخبط في أداء الممكن، مِمّا يُوجب ويستدعي، ومن قبل ركابها، الانتظام والالتزام والضبط؛ لأنّهم هم أنفسهم يعانون القصور في الأستاذيّة، ومراتب القياديّة، التي يجب أن يمتلكها أي جمع كتب عليه قيادة البشرية إلى مراتع الحرية، ومنافذ النور، ومحاريب الأمجاد!!

ولا غَرْو في ذلك وتلك، فرحم الأمة يعاني الإرهاق والنزف، وليس للرحم التالف إلا أن ينجب الجنين الخديج، الذي تنقصه عملقة الأداء، واستيعاب الأجواء، وتفهم حركة التاريخ، وتدبر فقه الواقع، وتقبل تناقض الموجود، والقدرة على التطبيب؛ فالداعية مداوٍ طبيب، ومعلم ومُربٍّ نجيب، وحمّال ذو عبءٍ ثقيل، يحمل أثقال الجميع، ومهندس يبني مآوٍ لكل الذين شردت أرواحهم، فباتوا بلا مأوى، ولا مساكن معنوية، ينعم فيها وجدانهم، وتقر فيها مشاعرهم التعبة المنهكة، التي تحتاج إلى أيدٍ رؤومة تَربتُ عليها، لتذيقها أحاسيس النماء في الشعور المُرهق التالف!

يعاني العمل الإسلامي السياسي، ولا أقول الإسلام السياسي، لأن الإسلام كلّ وليس بجزء، وعموم وليس بخاص متفرد، وشمول وليس بجزئية منزوية.. والعمل السياسي في الإسلام جزء لا يتجزّأ من الدعوة إلى وحدانية الله، وتمكين حاكميته وربوبيته، وتوحيد أسمائه وصفاته !!

يعاني ذلك العمل من بعض الأمراض والأدواء، قد يكون بعضها مميتاً، وبعضها مزمناً، ويعاني من أوبئة تتمثل في فوادح المناطقية والإثنية والعرقية القومية، وممارسات عصبية، وأمراض نفسية؛ من تزمت في المواقف، واحتقار للآخر، وتعنّد، وتعنّت، بلا مُبرّر، وسطحية في التفكير، وكلها دلائل تشير إلى عدم التمكن من التخلِّي عن الجاهلية المظلمة التي طبعت عليها النفوس، فاستصعبت أو غفلت عن الامتثال لمطالب الشرع في التجرّد من المعايب، ومن تسلط الأهواء والنوازع، وتحكم الدنيا ومتاعها من المطامع المادية. والسطحية في التفكير، والعشوائية في التدبير، كلها مؤشرات لضعف النفوس في

الرئيس والمرؤوس، فما أكثر ما رأينا الربان، ومساعديه، يرمون ببعض ركاب السفينة المخلصين إلى قيعان البحر، دون النظر إلى أنهم ركاب متطوعون يحملون في أيديهم قلوبهم التي يسطع منها النور، قد ركبوا السفينة لخدمتها، والعمل على إدامتها، في طريقها للعبور، فإن رأوا فيها خللاً، فقد أرادوا إصلاحها وترميمها لا غير، قد تمكن فيهم الإخلاص فرأوا ما لا يراه الآخرون، وأحسّوا ببعض النواقص؛ مِمّا لا ولم يستشعره المُتقدِّمون عنهم في الصف، والأقدمون!.. فما كان جزاؤهم إلا الرمي في الأتون ليحترقوا، أو قذفهم إلى الأعماق ليغرقوا!

ومن معايب العمل الإسلامي السياسي؛ الشعور بالضآلة أمام دعاوى الجاهلية، ومحاولة التشبّه بأصحابها فيما يعتقدون أو يدّعون، فيحاولون حمل راياتهم وشعاراتهم مثلما يحملون، بل أكثر من ذلك، إذ يصرخون بأعلى مما يصرخ الآخرون، ليتحوّلوا إلى ملكيين نخوتهم أكثر من الملك نفسه، ومُهرّجين أكثر من المُهرّج ذاته! وحُجّتهم؛ أن يعلم الناس أنّهم يحملون همّهم القومي، أو الوطني، أو غيره من الهموم، وأكثر ممّا يحمله الآخرون، فيُضيِّعون بذلك قضيتهم الأساسية، فيمسوا بذلك لا هم يستطيعون حمل أمانة الدين، ولا هم يُوفّقون في أداء شعاراتِهم القومية أو الوطنية الصرفة، وتجعلهم عاجزين عن منافسة أصحاب الدعاوى القومية والوطنية، الذين هم فعلاً أصحابها، والمالكون الوحيدون لأدواتها !!

إن حمل أي شعار غير شعار الإسلام، بأيّ حجّة من الحجج، يضعف دعوة التوحيد المباركة، ويهينها، ويقزمها، ويجعلها دعوة بشرية قاصرة، لا دعوة الله الشاملة الوافرة التي كلفنا بها!!

إنّ العمل الإسلامي السياسي المعاصر، يعاني من التخبّط في علاج ما يحتاج إلى معالجة، فهناك قصور فكري، وفقر علمي، وجمود معرفي، وتقصير في حسن التعامل مع الداء، وتشخيصه، وتشخيص الدواء!

حينما تعاني سفينة الدعوة من العطب، ونراها لا تستطيع الإبحار، وقد أتعبتها حالة المراوحة وعدم التقدّم، ومن ثَمّ التراخي في الأداء، فلا تنفعها - مثلاً - مراسيم احتفال، ولا تزيين جوانب السفينة وتلميعها، أو الانشغال بتجميلها وتلوين جوانبها الظاهرة! ولا تفيدها الخُطب الرنّانة من هنا وهناك، والمفتقدة إلى شعلة الإخلاص والفناء في القضية؛ قضية لا إله إلا الله وحدها، بدون شائبة جاهلية، وفكر موبوء بتعلّقات دنيوية!

عندما يُعاني العمل الإسلامي؛ السياسي منه أو الدعوي، من شروخ عدة - يوعز بعضها إلى أخطاء بعض المنتمين إليه، والعاملين فيه - لا يمكن أن يقتصر طريق الإصلاح على طرد هؤلاء المتهمين، ولا إنزال العقوبات على المُقصِّرين، والتشهير بهم، ومعاقبة الضالين!!

أي نعم، قد يَتِمُّ بسببها تخويف الآخرين، والتأديب، والترهيب ..ولكن قطعاً لن تكون دافعاً لتحريك السفينة، لا ولا أن تكون دافعاً أيضاً لتبدأ إثرها مسيرة الإبحار إلى الوجهة المرجوة!

قد يفكر المتصدّون لقيادة السفينة، أن يدعوا المتعاونين القدماء الذين تم إبعادهم منذ سنين، ليضفوا على السفينة روحها الحميمية القديمة! ولكن لا يمكن لشباكهم آنذاك إلا الإمساك بجثث ميتة للمبعدين المظلومين، أولئك الذين عمل عليهم الزمن عمله، فأكل منهم وشرب!! فأطفأ فيهم شعلة الحماس، وعنفوان الحياة، وتوق العشق الغامر للدعوة.. أولئك الذين عانوا الظلم والظلام، فماتوا موتتهم المعنوية حيث هناك.. في القيعان.. يشكون لبارئهم ظلم الأحبة في الله، وقلّة إدراكهم للأمور!

يعاني ذلك العمل من ضعف الارتباط بين الروحانيات وتزكية النفوس، من جهة، وبين العمل مكتنفاً بالماديات، وتجاذبات الطمع الدنيوي، وهيمنة قذارة العمل السياسي، المتحكم فيه أرباب السطو العالمي، وجنودهم المطواعون، الذين ينحصرُ تخصُّصهم في العمل للإفساد على الأرض، وهدم معالم الإصلاح في الوجود!

يكون العاملون في الحقل الإسلامي السياسي فريسة للحكومات الجائرة، التي تنضوي تحت لواء سطوة النظام العالمي، التي همها اصطياد أي عمل إسلامي وخنقه بوسائِلَ شتَّى، قبل أن يتقدّم إلى منصّات الوجود، ليتعرّفَ إلى أعمالهم الجمهور العريض من الشعوب!

ومن أفدح المصائب التي مُني بها العملُ الإسلاميّ؛ غيابُ جلسات التّعليم والتّزكية، فيما تسمى بالأسر، لانشغالهم بالعمل السياسي. ففي الأسرة الدعوية كان الأفراد يتزوّدون بكل ما يحتاجونه من علم وفقه ومعارف، وطرق تزكية للنفس، وتفقه في الدين، واطلاع على الواقع ومجريات الأحداث، وكيفية التعامل مع كل حدث، وإدراك دور كل فرد في الأسرة في كيفية التعامل والتعاطي مع الحدث، وبطريقة جماعية، تضفي على النفس اطمئنانها، وثقتها بذاتها، وإدراكها لمسؤولياتها في كيفية إدارة الموقف، والتعامل الإيجابي معه، وبمرونة، فيشعر الفرد آنذاك بالثقة التامّة بدوره في الحياة، ويحسن الأداء، ويحقق مزيداً من العطاء، ثم الثقة بمن حوله من قادة، أو أترابه من الأخوة، أو بالناس الآخرين.. فيمتلأ وجود هؤلاء باليقين، وتتم تنقية مشاعرهم وأفكارهم من كل شك وريبة، ومن أيِّ مشاعِرَ سلبيّة تُداهمهم حتماً؛ إن لم يعيشوا روح الجماعية داخل الأسرة المباركة، ومع المُربِّي وإخوانهم في الجمع، إذ يتم توجيههم لمعاني الدِّين ومقتضياته، وربطهم بالله في كل آنٍ وحين، وجعلهم ينتمون إلى تلك الأسرة انتماءً روحياً وقلبياً وفكرياً، لا يمكنهم الاستغناء عنها فيما بعد، فتمتلأ نفوسهم اكتفاءً وقناعة ومحبّة، فيرجعون إليها في كل ملمة أو مسألة شائكة، فتمتلأ صدورهم حباً في الله، وتشبع نفوسهم، وتتغذّى عقولهم، وتتعلّق مشاعرهم بهذا الدين تعلّقاً لا فصام له!

التكلّف، والتصنّع، والتفيهق، ومحاولات التصدّر، والتنافس، والمجافاة، والتّفاخر ببلاغة القول، أو حسن الأداء، يصحبها رزء سوء النية، ونكبة ضحالة النفس، وعشق المظاهر، وعمق التظاهر، والتمرُّغ في الخطأ والخطيئة، وعدم الإقلاع عنهما، والتعامل بالجفاء، والتراكض على المناصب، والحسد، والحقد، وغيرها من الأمراض التي تودي بحياة أي عمل كريم، لتحيله إلى نتاج ذميم، يتدنّى إلى مراتب عمل الآخرين مِمّن لا يعملون للدِّين!

الاكتفاء ببعض العلم، والاقتناع بالجهل، وعدم الشعور بالنقص في الفهم، ومحاولة تكميم أفواه المعارضين، والمنتقدين، والناصحين، والمحبين الأصفياء الأتقياء الأنقياء، كل ذلك وَأْدٌ لدعوة الله، وإجهاز على العمل الدعويّ، الذي يشمل العمل السياسي ويكتنفه!

التقليد للعمل السياسي عند الآخرين، ومحاولة استيراد تجاربهم، والاقتصار على منهاجهم، وإنزاله كما هو في بيئة غير بيئتهم، وإسقاطه على أنفسهم، عمل غير رصين، ولا مُجْدٍ، ويفتقد الرشد المطلوب!

عدم الإحاطة بحياة الدعاة، والعاملين في الدعوة، وفي العمل السياسي، وعدم احتواء أبنائهم، وتعليمهم علوم الدين والشرع، ومن ثم تأسيس مدارس خاصّة، بدلاً عن المدارس الحكومية أو الأهلية الأجنبية، التي لا تعلّم أولادنا إلا روح الانتماء للغرب، والذوبان في ثقافاتهم، هي الطامة الكبرى التي تصيب قلب الدعوات بمقتل لا حياة بعده!

غياب روح الانتقاد الذاتي الشخصي عند كل فرد متصدٍ لهذا العمل؛ من رأس العاملين فيه، وقادتهم، إلى أدنى المستويات منهم، يجعل القادة يوعزون كل نقيصة إلى من هم أدنى منهم، فيبقى الداء مستشرياً فيهم، وهم لا زالوا يعتقدون النقص في غيرهم، فيعمّ البلاء ويسود!

أصحاب الدعوة العمالقة، وبالذات الإخوان المسلمون، بنوا صروحاً فخمة، قدّموا من حياتهم وأرواحهم ثمناً لتجديد أمر الدعوة، وتقديمه للشعوب المعاصرة في لباسٍ قشيب، يُلائم عقلية العصر، وطريقة تفكيرهم، ونظرتهم إلى الوجود!

التحدّث عمّا قدّموه خلال ما يقرُب القرن قد لا تسعه المُجلّدات الضّخمة، ولكن كل بناء - وإن كان شامخاً - تَعْتَوِره الشروخ والشقوق، وكذلك الرضُوض والتآكلات. والصَّوابُ هو التشخيص والتعيين والتحديد من أجل إتمام الفائدة، والبدء بالعلاج، للبدء بقوة من جديد..

في الختام :

هناك جوانِبُ أُخرى للخلل في العمل الإسلامي السياسي، أكتفي في هذا المقال بما أشَّرْتُ إليهِ، طالبةً من الله العون والقبول، ومنكم الصبر على ما كتبت، وحسن الفهم والرد والنقد، إن أمكن.

---



¨ مجلة الحوار ǀ العدد 186 ǀ السنة الحادية والعشرون ǀ شتاء 2023

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق