10‏/01‏/2024

نظريات المواجهة - كيفية التعامل مع الحاكم الجائر (من كنوز قلائد الجمان شـرح اللؤلؤ والمرجان) (الحلقة السابعة – الأخيرة)

إعداد: صالح شيخو الهسنياني

18. نظرية الخروج (نظرية القوة):

  تقول النظرية: (إذا هُمشَّ دور الأمة الرقابي، وفقد التنظير الفقهي والقانوني قيمته، وصودر حق الأمة في نقد السلطة، وكان الحكم توريثاً وتغلباً، ولم يعد على الحاكم رقيب سوى ضميره ونفسه، وكان يتصـرف بأموال الشعب ومقدراته، ينفق كيف يشاء، ويحرم من يشاء، ويتاجر بمصير الأمة حسب رغباته وأهوائه([1])، وحوله بطانة تُزيِّن له مساوئه، والسلطة والقرارات محتكرة، وكأن الآخرين مسخرين له. سيؤثر هذا حتماً على الفكر السياسي والعقائدي والوطني، ومن عواقبه الخروج المسلح؛ المنظم أو غير المنظم). 

بوادر الظهور:

 ظهرت بوادر فكرة الخروج عن طاعة الإمام المتغلب، عندما أراد معاوية أن يبايع الناس ابنه يزيد، سنة (51هـ/671م)، ويعهد بالأمر إليه من بعده، فاعترض عليه كبار الصحابة، وفقهاؤهم، في تلك الفترة، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، والحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر.

وكان من أشد المعارضين له: عبد الرحمن بن أبي بكر([2])، فقد قطع على معاوية كلامه حول أخذ البيعة ليزيد وأحقيته في الخلافة، وقال له: "إِنَّك وَالله لَوَدِدْت أَنا وكلناك فِي أَمر ابْنك إِلَى اللَّه، وَإِنَّا وَالله لا نفعل، وَالله لتردّن هَذَا الْأَمر شُورَى فِي الْمُسلمين، أَو لنعيدنها عَلَيْك جَذَعَة([3])، ثمَّ وثب فَقَامَ"([4]). 

وقال عبد الله ابن الزبير: "إِن كنت قد مللت الإِمَارَة فَاعتَزلهَا، وهلمّ ابْنك فلنبايعه، أَرَأَيت إِذا بايعَنا ابْنك مَعَك، لأيكما نسمع؟! لأيكما نطيع؟! لَا نجمع البيعَة لَكمَا وَالله أبداً"([5]).

وقال عبد الله بن عمر: "إِنَّهُ قد كَانَت قبلك خلفاء لَهُم أَبنَاء، لَيْسَ ابْنك بِخَير من أبنائهم، فَلم يرَوا فِي أبنائهم مَا رَأَيْت أَنْت فِي ابْنك، وَلَكنهُمْ اخْتَارُوا للْمُسلمين حَيْثُ علمُوا الْخِيَار، وَإنَّك تحذرني أَن أشق عَصا الْمُسلمين، وَأَن أسعى فِي فَسَاد ذَات بَينهم، وَلم أكن لأَفْعَل، إِنَّمَا أَنا رجل من الْمُسلمين، فَإِذا اجْتَمعُوا عَلَى أَمر، فَإِنَّمَا أَنا رجل مِنْهُم"([6]). وفي رواية قال ابن عمر: "أني أدخل بعدك فيما تجتمع عليه الأمة، فوالله لو أن الأمة اجتمعت بعدك على عبد حبشي، لدخلت فيما تدخل فيه الأمة، قال: وتفعل؟ قال: نعم"([7]).

قال ابن كثير: "كان الحسين يفد إلى معاوية في كل عام، فيعطيه ويكرمه، وقد كان في الجيش الذين غزوا (القسطنطينية) مع ابن معاوية يزيد، في سنة (51هـ/671م). ولما أخذت البيعة ليزيد في حياة معاوية، كان الحسين ممن امتنع من مبايعته؛ هو وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر وابن عمر وابن عباس. ثم مات ابن أبي بكر وهو مصمم على ذلك، فلما مات معاوية سنة (60هـ/680م)، وبويع ليزيد، بايع ابن عمر وابن عباس، وصمم على المخالفة الحسين وابن الزبير، وخرجا من المدينة فارين إلى (مكة)، فأقاما بها، فعكف الناس على الحسين يفدون إليه، ويقدمون عليه، ويجلسون حواليه، ويستمعون كلامه، حين سمعوا بموت معاوية وخلافة يزيد. وأما ابن الزبير، فإنه لزم مصلاه عند الكعبة، وجعل يتردد في غبون ذلك إلى الحسين في جملة الناس، ولا يمكنه أن يتحرك بشيء مما في نفسه، مع وجود الحسين؛ لما يعلم من تعظيم الناس له، وتقديمهم إياه عليه"([8]).

أسباب شيوع طاعة الحاكم الظالم:

  يقول الدكتور حاكم المطيري: "تحولت القضية [بيعة يزيد] من قضية خلافية اجتهادية، إلى قضية اجتماعية قطعية! ومن مسألة فقهية إلى أصل عقائدي، يُستدل عليه بمثل هذه الإسرائيليات؟ وبهذا دخل الخطاب السياسي الفقهي مرحلة جديدة، قام كثير من الفقهاء فيها بتأويل النصوص لإضفاء الشرعية على الواقع وترسيخه؛ تارة بدعوى أن هذا ما تدل عليه النصوص، وتارة بدعوى أن هذا ما تقضي به المصلحة، وأن الخروج لا يؤدي إلَّا إلى المفسدة.. إلخ، دون قراءة صحيحة للواقع، ودون إدراك أن المصلحة التي تُظن بتحريم مقاومة طغيان السلطة، وانحرافها، هي مصلحة آنية مؤقتة؛ وإذ ما تلبث أن تكون النتائج أشد مفسدة مما كان يخشى من الخروج، إذ تؤول أمور الأمة إلى الضعف والانحلال، ومن ثم السقوط والاضطراب، كما هي السنن الاجتماعية. وهذا ما حصل، فما أن شاع هذا الخطاب السياسي المؤول، الذي أضفى على السلطة هالة من القدسية، حتى بلغت أوجها في انحرافها واستبدادها، حتى حلت الكارثة بالأمة، وإذا بالغزو التتاري وبالجيوش الهمجية تسقط عاصمة الدولة الإسلامية سنة (656هـ/1258م)، في أكبر كارثة عرفها المسلمون في تاريخهم، وكذا ما حصل في الأندلس، وفي غيرها من الأقاليم. ثم انتهى أمر الأمة إلى السقوط تحت سيطرة الغرب الصليبي، بسبب غياب دور الأمة، وفساد الأنظمة، وشيوع هذا الخطاب السياسي المؤول، الذي يضفي الشرعية على وجودها، بل وحمايتها، مهما بلغت في فسادها وتفريطها بمصالح الأمة، حفاظاً على مصالح عروشها"([9]).

"لقد نظر أصحاب هذا الخطاب السياسي المؤول إلى حركات الاحتجاج السياسي نظرة سلبية من زاوية واحدة، هي ما يحدث بسببها من فتنة قد يذهب بها بعض النفوس والأموال، دون نظر إلى ضرورة قيام مثل هذه الحركات، التي تحول بين السلطة وبين الظلم والاستبداد والانحراف، الذي يؤدي إلى سقوط الأمة كلها تحت سيطرة عدوها الخارجي.

وهذا ما حصل فعلاً، فلما وقع المحذور إذا بالأمة لا تملك القدرة على الدفاع عن نفسها، بعد أن تم تحطيمها واستلابها حقها، وبعد أن أصبحت غائبة تعيش على هامش أحداث الواقع، تنتظر من السلطة أن تقوم عنها بكل شيء حتى في تقويمها نفسها، ونقدها لسياساتها.

لقد كان أخطر ما في هذا الخطاب أنه قطع الطريق حتى على من قصد الإصلاح من الخلفاء والأمراء؛ إذ لو قيل بوجوب أن تكون الإمامة شورى، وقيل بحرمة توريثها، وبوجوب مشاورة الأمة، وعدم قطع أمر دونها.. إلخ، لربما جاء من الخلفاء من يدفعه إيمانه وصلاحه إلى العمل بذلك وترسيخه؛ لتبدأ الأمة حياتها من جديد، كما كان عليه حالها في عهد الخلفاء الراشدين في شؤونهم السياسية"([10]).

ويستطرد الدكتور المطيري إلى ذكر الأسباب التي أدت إلى شيوع هذا الخطاب المؤول، ويذكر منها:

أولاً: خلطهم بين مفهوم الخروج السياسي لمواجهة طغيان السلطة دفاعاً عن الأمة ورفعاً للظلم عنها، كما فعل الحسين وابن الزبير، ومفهوم الخروج العقائدي، الذي يستحل أصحابه دماء المسلمين وأموالهم، ويكفرونهم، كما فعل الخوارج، وهم الذين جاءت النصوص بذمهم.. وبسبب هذا الخلط من هؤلاء الفقهاء "تجد تلك الطائفة [من الفقهاء] يدخلون في كثير من أهواء الملوك وولاة الأمور، ويأمرون بالقتال معهم لأعدائهم، بناء على أنهم أهل العدل وأولئك البغاة؛ وهم في ذلك بمنزلة المتعصبين لبعض أئمة العلم، أو أئمة الكلام، أو أئمة المشيخة، على نظرائهم، مدعين أن الحق معهم، أو أنهم أرجح، بهوى قد يكون فيه تأويل بتقصير، لا بالاجتهاد"([11]).

   "هذا، مع أن أكثر الفقهاء قديماً يعدّون من خرج على أئمة الجور من أهل الصلاح والفضل، أهل الحق؛ كالحسين بن علي، وأهل المدينة الذين خرجوا على يزيد، والقراء الذين خرجوا على الحجاج وعبد الملك، أنه تحرم مقاتلتهم، بل من الأئمة من يرى وجوب الخروج معهم، ومن الأئمة من يرى جواز الخروج معهم، ومن الأئمة من يرى عدم الخروج معهم، إلَّا أن الجميع يحرّمون القتال مع أئمة الجور ضد من خرج عليهم من أهل الحق"([12]).

ثانياً: شيوع أحاديث الفتن، التي تؤكد أنه لا يأتي زمان إلَّا الذي بعده شر منه، دون فهم لمعناها الصحيح، فصار أكثر المتأخرين يعملون على ترسيخ الأمر الواقع، والدفاع عنه، خوفاً من المستقبل، الذي هو أسوأ من الحاضر، كما تؤكد ذلك النصوص بزعمهم.

ثالثاً: كما أدى فهم أحاديث الاعتزال من الفتنة، كحديث: (إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَع الْعَوَامَّ)([13])، وغيرها من الأحاديث في هذا الباب، إلى شيوع الروح الفردية، وغياب الروح الجماعية، وترك الفروض الكفائية التي تحتاج إلى الجماعة؛ كنصر المظلوم، وإزالة المنكر، مما قضى على روح الجماعة، وأدى إلى شيوع العزلة، وخاصة بين علماء الأمة، الذين هم أقدر الناس على قيادتها، ومواجهة الظلم، مما مهد السبيل إلى الاستبداد السياسي، في ظل غياب الروح الجماعية التي تسعى إلى تغيير الواقع إلى الأفضل.

رابعاً: ومن الأسباب أيضاً شيوع روح الجبر، من جهة، والإرجاء، من جهة، بشيوع المذهب الأشعري، الذي يتضمن عقيدتي: الجبر؛ وهو أن الإنسان غير فاعل لأفعاله على الحقيقة، بل على سبيل المجاز.

والإرجاء؛ وهو أن الإيمان مجرد التصديق، ولا كفر إلَّا بالجحود، فمهما فعل الخلفاء من انحرافات، فإنهم لا يخرجون من دائرة الإسلام، ما دموا يقرون بالشهادتين، مهما استحلوا من المحرمات، وفعلوا من الموبقات، وارتكبوا من المنكرات... وغيرها.

وهذا ما يوافق أهواء الملوك، كما قال المأمون: (الإرجاء دين الْمُلُوك)([14]).

وأدى شيوع الجبر: وهو اعتقاد أن الإنسان كالريشة في مهب الريح، أو أنه لا فعل له على الحقيقة، إلا الاستسلام للواقع، والاتكالية، بدعوى الإيمان بالقضاء والقدر! بخلاف عمل الصحابة، الذين كانوا يدافعون الأقدار بالأقدار، ويفرون من قدر الله إلى قدر الله.

  لقد أفضى كل ذلك إلى اعتقاد أن هذا الواقع هو ما يريده الله، كما شاع بين الصوفية، لخلطهم بين الإرادة الكونية والشرعية، فلا يحل لهم مقاومة مراد الله، بل يجب الرضا والتسليم له، وأن الملوك الظلمة هم عقاب من الله، ولا يدفع البلاء إلَّا بالدعاء – كما هي نظرية الحسن البصري –، لا بالقوة، التي أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) بها، كما قال: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ...)([15])، وقوله: (وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيِ الظَّالِمِ)([16])، وقوله: (فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ)([17])، وقوله: (إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ)([18])، أي: فاستخدموا القوة... 

 وإذا اجتمعت كل هذه النظريات: (الإرجاء – الجبر – الاعتزال– الرضا بالبلاء، وعدم مقاومته إلَّا بالدعاء...)، فلن تكون النتائج إلَّا على هذا النحو الذي تعيشه الأمة الإسلامية منذ قرون، ولم يكن سقوطها تحت أقدام جيوش التتار إلَّا نتيجة منطقية طبيعية لشيوع مثل هذه النظريات، التي تحمل في طياتها بذور الموت والفناء لأي حضارة إنسانية تروج فيها، ولأي أمة تدين بها، وتعتنقها.

سادساً: ومن الأسباب: التعظيم في طاعة السلطان، وإضفاء هالة من القدسية عليه، وتهويل شأنه، مما لم يكن معهوداً في عهد الخلفاء الراشدين، الذين كانت الأمة تعاملهم على أنهم وكلاء عنها، وأفراد منها، لا يمتازون عنها بأي مزية، إلَّا حق الطاعة في طاعة الله ورسوله. وقد ظهر هذا الغلو في (الشام)، في عهد بني أمية، حتى قيل: إن طاعة الخلفاء جائزة في معصية الله، وإن الله يغفر لهم ذنوبهم مهما فعلوا، ويتجاوز عن سيئاتهم مهما أساءوا([19]). وهذا ما جعل عمر بن عبد العزيز يكثر في خطبه التأكيد على أنه لا طاعة لهم في معصية الخالق، لشيوع هذا الاعتقاد بين أهل الشام، ثم استشرى بعد ذلك، وصار الغلو في طاعة الخلفاء شائعاً بين العامة والخاصة، بدعوى أن ببقائه بقاء الملة، وبزواله زوالها، وحملوا أحاديث وجوب الطاعة على غير وجهها الصحيح، حتى أنزلوهم - من حيث لا يشعرون - منزلة من لا يسأل عما يفعل؟ وبلغ الأمر بالخلفاء، في عصور الانحطاط، أن الناس كانوا يقبلون الأرض بين أيديهم، ويخاطبونهم بما لا يكون إلَّا لله عز وجل، من ألقاب التعظيم؟ لقد أصبح نصب الإمام، والمحافظة على وجوده، غايةً، بعد أن كانت وسيلة، وصار حكم الإمامة تعبدياً محضاً، بعد أن كان في الخطاب السياسي المنزل حكماً مصلحياً معللاً([20]). انتهى قول المطيري. 

مواقف وثورات تؤيد نظرية الخروج:

1. نظرية الخروج، وبيعة يزيد:

  انقسم أهل المدينة تجاه البيعة ليزيد، والدخول في طاعته، إلى قسمين: القسم الأول منهم تزعمه عدد ممن دفعه الحماس والغيرة على الدين إلى خلع يزيد، ولقد اشترك بعض الفقهاء في موقعة الحرَّة، وانضم إلى أهل المدينة، وخلع يزيد، وقاتل الجيش الأموي، ومن أبرزهم: محمد بن عمرو بن حزم([21])، وهذا يعطي لحركة أهل المدينة خصوصية الارتكاز على المرجعية الشرعية للفقهاء في مقاومة حكم يزيد بن معاوية. ولقد اعتمدت ثورة أهل المدينة على فتوى هؤلاء العلماء، ومن قبلهم الحسين بن علي، في وجوب مقاومة المنكر، ويتضح ذلك في خطاب عبد الله بن حنظلة([22])، حين قال: "يا قوم اتقوا الله وحده لا شريك له، فوالله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بحجارة من السماء"([23]). وقد شارك في ثورة أهل المدينة عدد من الصحابة، هم: عبد الله بن زيد بن عاصم([24])، وعبد الرحمن بن أزهر([25])، وعبد الله بن حنظلة([26]). والقسم الثاني يشمل معظم الصحابة ممن عاش إلى وقعة الحرة ولم يشتركوا فيها، وحاولوا إقناع الثائرين بعدم خلع يزيد والخروج على حكمه([27]).

2. نظرية الخروج وموقعة الحرَّة، سنة (63هـ/683م):

  قال المؤرخون إن سبب هذه المعركة الرئيس حين علم يزيد أن بني أمية في المدينة محاصرون في دار مروان بن الحكم، فأرد أن يخلصهم من هذا الحصار قبل أن يقتلوا، أو يحل بهم مكروه، وكانوا ألف رجل. فعز عليه أن يقتل هؤلاء، وفي سلطانه، دون أن يقدم لهم عوناً، فأمر بتجهيز جيش ضخم، على رأسه مسلم بن عقبة الغطفاني([28])، ليذهب إلى المدينة، فيخلص بني أمية، ويرد هؤلاء المتمردين إلى الطاعة.

وسار مسلم إلى المدينة، فوجد بني أمية وقد أخرجوا منها، وساروا في اتجاه الشام، والتقوا في الطريق بجيش مسلم بن عقبة، فرجعوا معه، وكان منهم مروان بن الحكم، وابنه عبد الملك، فاستوقفهم، وسألهم عن الوضع في المدينة، فلم ينطقوا بجواب. وكان أهل المدينة، قد أطلقوا حصارهم بعد أن أخذوا عليهم العهود والمواثيق ألاَّ يدلوا على عورة، ولا يعاونوا عدواً، وطلب مسلم منهم أن يدلوه على ما ورائهم، فلم يستجيبوا، فغضب مسلم منهم غضباً شديداً، فلم يبرد غضبه إلَّا عبد الملك بن مروان، الذي دلَّه على خطة محكمة ذكية يجب اتباعها في حرب المدينة، فأشار إليه بأن يأتيها من جهة الحرَّة الشرقية، في وقت الضحى، وقد حميت الشمس، فيتأذى منها أهلها، وهم مستقبلوها، ولا يتأذى جيش يزيد، ويلحق في الجنوب منها، وتأتي الشمس أمام جيش الشام، فتلمع خوذهم وسلاحهم، فيرهبون عدوهم، ويكون لهم السيطرة من الوجهة الحربية – وهذا نقض للعهد الذي قطعه عبد الملك ووالده لأهل المدينة في أن لا يدلوا الجيش على عوراتهم.

وفي يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من شهر ذي الحجة (63هـ/683م) وقعت المعركة المشؤومة، وانتهت لصالح جيش الشام، وهزم أهل المدينة هزيمة ماحقة، قتل فيها خلق كثير من القادة ووجوه الناس.

وقد قتل في هذه المعركة، عدد من الصحابة رضوان الله عليهم، ويشهد لذلك ما ذكره سعيد بن المسيب حينما قال: وقعت الفتنة الأولى (يعني مقتل عثمان)، فلم تبق من أصحاب بدر أحداً. ثم وقعت الفتنة الثانية (يعني الحرَّة)، فلم تبق من أصحاب الحديبية أحداً. ثم وقعت الثالثة، فلم ترتفع وللناس طَبَاخ([29]).

 ولا شك أن أهل المدينة اجتهدوا، وظنوا أن عملهم هذا هو الصواب، لما لاحظوه من الفرق بين الحكام السابقين وبين يزيد، ولكن الذين يجيزون الخروج على الفاسق يشترطون الاستعداد الكافي، وأن يكون الأمل بالنصر قوياً، حتى لا تحصل مفاسد من سفك الدماء وهتك الأعراض([30]).

3. بوادر الظهور الثانية (مقتل عبد الله بن الزبير):

  يعتبر عبد الملك بن مروان أول خليفة تغلب على الحكم. فبعد مقتل عبد الله بن الزبير اجتمعت الأمة على عبد الملك بن مروان، وأصبح الخليفة الشرعي، وهو أول خليفة ينتزع الخلافة بقوة السيف والقتال، مما أثر على الفقه السياسي بعد ذلك أكبر الأثر. فإذا كان معاوية قد أصبح خليفة بعد الصلح مع الحسن بن علي، واجتماع الأمة عليه طواعية عام الجماعة، وإذا كان ابنه يزيد قد بويع من الأمصار في حياة أبيه، ثم بعد وفاته، وإذا كان ابن الزبير قد بويع بعد وفاة يزيد، وهو بمكة، من عامة الأمصار، عن رضا واختيار، فإن عبد الملك أول خليفة انتزع الخلافة انتزاعاً، وبايعه كثير من الناس، بعد أن قتل عبد الله بن الزبير، ليبدأ عصر الخليفة المتغلب، وهو ما لم يكن للأمة به عهد من قبل. لقد أجمع الصحابة على أن الإمامة إنما تكون بعقد البيعة بعد الشورى والرضا من الأمة، كما أجازوا الاستخلاف، بشرط الشورى ورضا الأمة بمن اختاره الإمام، وعقد الأمة البيعة له، بعد وفاة من اختاره دون إكراه. كما أجمعوا على أنه لا يسوغ فيها التوارث، ولا الأخذ لها بالقوة والقهر، وأن ذلك من الظلم المحرم شرعاً([31]). قال ابن حزم: "لا خلاف بين أحد من أهل الإسلام، أنه لا يجوز التوارث فيها"([32]). غير أن الأمر الواقع بدأ يفرض نفسه، وصار بعض الفقهاء - بحكم الضرورة - يتأولون النصوص لإضفاء الشرعية على توريثها، وأخذها بالقوة، لتصبح هاتان الصورتان، بعد مرور الزمن، هما الأصل الذي يمارس على أرض الواقع، وما عداهما نظريات لا حظ لها من التطبيق العملي، إلَّا في حالات نادرة. وأصبحت سنة هرقل وقيصر بديلاً عن سنة أبي بكر وعمر؟([33]). لقد شق عبدالملك بن مروان([34]) طريقه نحو الملك والخلافة بسفك الدماء، وقتل الأبرياء، وخيانة المواثيق، والخروج على الخليفة الشرعي([35]): عبد الله بن الزبير([36])، فلم يراع حرمته كصحابي جليل، ولم يلتمس عذراً لابن عمه عمرو بن الأشدق([37])، ولم يحرص على الوفاء لعهده، ولم يحترم الزمالة والصداقة مع مصعب بن الزبير([38]).

4

. نظرية الخروج وموقعة دير الجماجم سنة (83هـ/702م):

  لما رأى أهل الشام وبنو أمية قوة عبد الرحمن بن الأشعث([39])، أشاروا على عبد الملك بعزل الحجّاج وقالوا: إن كان إنما يرضي أهل العراق أن تنزع عنهم الحجّاج، فانزعه عنهم، تخلص لك طاعتهم، فإن عزلك له أيسر من حربهم. فبعث عبد الملك ابنه عبد الله، وأخاه محمد بن مروان، بالجيش إلى العراق، وأمرهما أن يعرضا على أهل العراق نزع الحجّاج عنهم، وأن يجري عليهم العطاء، وأن ينزل ابن الأشعث أي بلد شاء من العراق، ويكون والياً، فإن قبلوا ذلك نزعنا عنهم الحجّاج، ويكون محمد بن مروان مكانه على العراق. وإن أبوا، فالحجّاج أمير الجميع، وولي القتال. ولكن من حسن حظ الحجّاج، أنه لما عرضت الفكرة على أهل العراق، رفضوها بقوة، مع أن ابن الأشعث قبلها، وحثّهم على قبولها، لكنهم لم يوافقوه، بل جددوا خلع عبد الملك، وظنوا الفرصة قد واتتهم للتخلص من الحكم الأموي.

رفض ابن الأشعث تنازل عبد الملك في خلع الحجّاج، وغيرها، فعندها سلم محمد بن مروان وعبد الله بن عبد الملك قيادة الجيوش الأموية للحجّاج، وقالا: شأنك بعسكرك وجندك فاعمل برأيك، فإنا قد أمرنا أن نسمع ونطيع لك.

وبدأ الفريقان يستعدان للقتال، فاشتبكا في أشهر وقائعهم - التي زادت عن ثمانين موقعة - في (دير الجماجم) (دير بظاهر الكوفة، على طريق البر إلى البصرة)، والتي استمرت مائة يوم. حتى حلت الهزيمة بابن الأشعث، في الرابع من جماد الآخرة سنة (83هـ/702م). ثم دارت معركة أخرى بعدها في مسكن في شعبان من نفس السنة، فهزم ابن الأشعث أيضاً، ثم ولى هارباً إلى (سجستان)، حيث كان تصالح مع (رتبيل) على أن يسقط عنه الخراج إن ظفر، وإن هزم يأوي إليه ويحميه، ولكن الحجّاج هدد (رتبيل) إن لم يسلم إليه ابن الأشعث ليغزون بلاده بألف ألف مقاتل، فرضخ للتهديد، وعزم على تسليمه إليه. فلما أحسَ ابن الأشعث بغدر رتبيل، ألقى بنفسه من فوق القصر الذي كان فيه، فمات، فأخذ رأسه وأرسلها إلى الحجّاج، وكان ذلك سنة (85هـ/704م). وهكذا انتهت حياة ابن الأشعث، الذي قاد أخطر ثورة ضد عبد الملك ابن مروان، أريقت فيها دماء عشرات الألوف من المسلمين، وهي ثورة دفعت إليها الأحقاد الشخصية المتأصلة في نفس ابن الأشعث والحجّاج؛ كل منهما للآخر، من ناحية، وبغض أهل العراق للحكم الأموي، من ناحية ثانية، ومظالم الحجّاج العظيمة، التي دفعت بجمهور كبير من العلماء للانضمام للثورة والتخلص من الطاغية الحجّاج[40].

موقف العلماء من ثورة دير الجماجم:

  يختلف موقف العلماء من حركة ابن الأشعث اختلافاً كثيراً عن موقفهم تجاه الحركات الأخرى ضد الدولة الأموية، إذ شارك جمهور غفير من العلماء في حركة ابن الأشعث هذه، سواء بتحريض الناس على المشاركة فيها، أم بمشاركتهم المباشرة في القتال مع ابن الأشعث ضد الحجّاج. وقد استفاضت المصادر المتقدمة في ذكر تأييد العلماء ومشاركتهم في هذه الحركة، كما اجتمعت على كثرة عدد العلماء المشاركين، ولكن على اختلاف بينهم في تقدير هذا العدد، فيذكر خليفة بن خياط أن عددهم بلغ خمسمائة عالم، وعدّ منهم خمسة وعشرين عالماً([41]).

ومن هؤلاء العلماء، ودورهم في الموقعة: عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه([42])، الذي قال: "يا معشر القراء، إن الفرار ليس بأحد من الناس بأقبح منه بكم، إني سمعت علياً - رفع الله درجته في الصالحين، وأثابه أحسن ثواب الشهداء والصديقين – يقول، يوم لقينا أهل الشام: أيها المؤمنون، إنه من رأى عدواناً يعمل به، ومنكراً يدعى إليه، فأنكره بقلبه، فقد سلم وبرئ، ومن أنكر بلسانه، فقد أجر، وهو أفضل من صاحبه، ومن أنكر بالسيف، لتكون كلمة الله العليا وكلمة الظالمين السفلى، فذلك الذي أصاب سبيل الهدى، ونوّر في قلبه اليقين، فقاتلوا هؤلاء المحلين المحدثين المبتدعين، الذين قد جهلوا الحق فلا يعرفونه، وعملوا بالعدوان فليس ينكرونه"([43]). وقال أبو البختري([44]): "أيها الناس، قاتلوهم على دينكم ودنياكم، فوالله لئن ظهروا عليكم، ليفسدن عليكم دينكم، وليغلبن على دنياكم"([45]). وقال الشعبي([46]): "يا أهل الإسلام، قاتلوهم، ولا يأخذكم حرج من قتالهم، فوالله ما أعلم قوماً على بسيط الأرض أعمل بظلم، ولا أجور منهم في الحكم، فليكن بهم البدار"([47]). وقال سعيد بن جبير([48]): " قاتلوهم، ولا تأثموا من قتالهم، بنيّة ويقين، وعليَّ آثامهم. قاتلوهم على جورهم في الحكم، وتجبرهم في الدين، واستذلالهم الضعفاء، وإماتتهم الصلاة"([49]).

قد كان الأمر واضحاً جلياً لهؤلاء الصحابة الفقهاء، الذين رفضوا هذا الخطاب السياسي الجديد القائم على التأويل، ورفضوا قياس بيعة معاوية ليزيد، على عهد أبي بكر لعمر، وأدركوا خطورة هذا الخطاب، وتمسكوا بمبادئ الخطاب السياسي الراشدي، وهو أن الأمر للأمة تختار من ترتضيه لقيادتها، وأن الأمر شورى بين المسلمين، وأن ما جاء به بنو أمية إنما هو سنة هرقل وقيصر، لا سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأبي بكر وعمر، الذين كانت سيرتهم هي النموذج التطبيقي لمبادئ الخطاب السياسي الشرعي المنزل([50]).

5. نظرية الخروج، وسقوط الدولة الأموية (132 هـ/750م):

 بويع السفاح أبو العباس عبد الله بن محمد([51]) بالخلافة، في الثاني عشر من ربيع الأول سنة (132 هـ/750م)، في مسجد الكوفة، فكان أول ما نطق به: الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه؛ فكّرمه وشرّفه وعظمَّه واختاره لنا، وأيَّدهَ بنا، وجعلنا أهله وكهفه، والُقوَّام به، والذَّابيَّن عنه، والناصرين له، وألزمنا كلمة التقوى، وجعلنا أحق بها وأهلها، خصنا برحم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وقرابته، واشتقّنا من نبعته، ووضعنا من الإسلام، وأهله، بالموضع الرفيع... وبنا هدى الله الناس بعد ضلالتهم، وبصَّرهم بعد جهالتهم، وأنقذهم بعد هلكتهم، وأظهر بنا الحق، وأدحض بنا الباطل، وأصلح بنا منهم ما كان فاسداً، ورفع بنا الخسيسة، وأتّم النَّقيصة، وجمع الفرقة، حتى عاد الناس بعد العداوة أهل تعاطف وبرَّ ومواساة في دنياهم، وإخواناً على سُرُر متقابلين في أُخراهم. فتح الله ذلك مِنَّةً ومنحة لمحمد (صلى الله عليه وسلم)، فلما قبضه الله إليه، قام بذلك الأمر من بعده أصحابه، وأمرهم شورى بينهم، فحَوَوْا مواريث الأمم، فعدلوا فيها، ووضعوها مواضعها، وأعطوها أهلها، وخرجوا خِماصاً منها، ثم وثب بنو حرب ومرون فابتزوُّها، وتداولوها، فجاروا فيها، واستأثروا بها، وظلموا أهلها، فأملى الله لهم حيناً حتى آسفوه([52])، فلمّا آسفوه انتقم منهم بأيدينا، وردّ علينا حقَّنا، وتدارك بنا أُمَّتَنا، وتولى نصرنا، والقيام بأمرنا؛ ليَمُنَّ بنا على الذين استضعفوا في الأرض، وختم بنا كما افتتح بنا، وإني لأرْجُو أن لا يأتيكم الجَور من حيث جاءكم الخير، ولا الفساد من حيث جاءكم الصَّلاح([53]).

ثم خطب عمُّه داود([54])، فقال: الحمد لله شُكراً شُكراً شكراً، الذي أهلك عدوَّنا، وأصار إلينا مِيراثنا من نبينَّا. أيها الناس، الآن انقشعت حنادس الظلمات، وانكشف غطاؤها، وأشرقت أرضها وسماؤها، وبزغ القمر من مبزغه، ورجع الحقُّ إلى نصابه في أهل بيت نبيكم؛ أهل الرَّأفة والرّحمة بكم، والعطف عليكم... تبَّاً تّبَاً لبني أمية، وبني مروان؛ آثروا العاجلة على الآجلة، والدار الفانية على الدار الباقية، فركبوا الآثام، وظلموا الأنام، وارتكبوا المحارم، وغشوا الجرائم، وجاروا في سيرتهم في العباد، وسُنَّتِهم في البلاد...

ثم قال: واعلموا يا أهل الكوفة، أنه لم يصعد منبركم هذا خليفة بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، إلَّا أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالب، وأمير المؤمنين عبد الله بن محمد هذا - وأشار بيده إلى السَّفَّاح -، واعلموا أن هذا الأمر فينا، ليس بخارج منا، حتى نُسلَّمه إلى عيسى ابن مريم -عليه السلام-. والحمد لله رب العالمين على ما أبلانا وأولانا([55]).

انتصار العباسيين على الأمويين في معركة الزاب (132 ه/750م):

تحركت جيوش العباسيين، بقيادة أبو العباس السفاح، لملاقاة جيوش الدولة الأموية، التي كان يقودها الخليفة الأموي مروان بن محمد، الذي تخندق بين دجلة والزاب الكبير. كانت المعركة يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة من سنة (132هـ).

وقد قيل: إن مروان قتل يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من ذي الحجَّة (132هـ)، وقد جاوز الستين، في قرية من قرى الفَيُّوم من أرض مصر. وبموته زال ملك بني أمية.

6. نظرية الخروج، وثورة النفس الزكية (145هـ/763م):

قامت هذه الحركة سنة (145هـ)، في عهد الخليفة الثاني من خلفاء الدولة العباسية: أبي حعفر المنصور، في المدينة المنورة، ضد الدولة العباسية، يقودها (النفس الزكية)([56]) محمد بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وأخوه إبراهيم بن عبد الله، الذي خرج من (البصرة)، في حلقة من ثورات الطالبيين على بني أمية، وبني العباس، يريدون الإصلاح، أو يطالبون بحقهم، أو يطلبون ثأر والدهم وأقاربهم.

عند ذهاب مُلك الأمويين على أيدي العباسيين، تخلّف ذو النفس الزكية، وأخوه إبراهيم، عن الوفود على السفاح، ثم على المنصور([57]). ولم يخف على المنصور ما في نفسه، فطلبه وأخاه، فتواريا بالمدينة، فقبض على أبيهما، واثني عشر من أقاربهما، وعذبهم، فماتوا في حبسه بالكوفة، بعد سبع سنين. وقيل: طرحهم في بيت، وطيّن عليهم، حتى ماتوا. وعلم محمد (النفس الزكية) بموت أبيه، فخرج من مخبئه ثائراً، في مئتين وخمسين رجلاً، فقبض على أمير المدينة، وبايعه أهلها بالخلافة. وأرسل أخاه إبراهيم إلى (البصرة)، فغلب عليها، وعلى (الأهواز) و(فارس). وبعث الحسن بن معاوية إلى (مكة)، فملكها. وبعث عاملاً إلى (اليمن). وكتب إليه المنصور يحذّره عاقبة عمله، ويمنّيه بالأمان، وواسع العطاء، فأجابه: (لك عهد الله إن دخلت في بيعتي، أن أؤمنك على نفسك وولدك، وكل ما أصبته، إلَّا حدّاً من حدود الله، أو حقّاً لمسلم). وتتابعت بينهما الرسل، فانتدب المنصور لقتاله ولي عهده عيسى بن موسى العباسي، فسار إليه عيسى بأربعة آلاف فارس، فقاتله محمد بثلاثمئة على أبواب المدينة.

وثبت لهم ثباتاً عجيباً، فقتل منهم بيده في إحدى الوقائع سبعين فارساً. ثم تفرق عنه أكثر أنصاره، فقتله عيسى في المدينة، بعد أن دامت حركته (74) يوماً، وبعث برأسه إلى المنصور. وكان شديد السمرة، ضخماً، يشبهونه في قتاله بالحمزة.

وبعد مقتل ذو النفس الزكية، دعا أخوه إبراهيم الدعوة لنفسه، لكن المنصور أرسل إليه أيضاً ابن عمه عيسى بن موسى، وبعد معركة صعبة، قُتل إبراهيم مع من قتل من جنوده، في الخامس والعشرين من ذي الحجة من عام (145هـ)، بعد أن دام أمره (115) يوماً. وتمكنت هذه الثورة من التغلب على المدينة ومكة والبصرة والأهواز وواسط والمدائن وأماكن أخرى([58]).


[1] - خطب أبو جعفر المنصور العباسي على منبر عرفة، يوم عرفة، في الناس، فقال: "أيها الناس، إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه ورشده، وخازنه على ماله، أقسمه بإرادته، وأعطيه بإذنه، وقد جعلني الله عليه قفلاً، إذا شاء فتحني، وإذا شاء أقفلني". البداية والنهاية: (13/461-462).

يقول المطيري: "وهذا يؤكد مدى الانحراف الذي طرأ على مفهوم الخلافة، ومفهوم حق الأمة في بيت المال، إذ أصبح السلطان ظلاً لله في أرضه، بعد أن كان نائباً عن الأمة، وأصبح المال لله يفعل فيه الخليفة ما يشاء، بعد أن كان مال الله الذي جعله - بنصّ كتابه - للأمة". تحرير الإنسان: (ص590).

[2] - عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق بن أبي قحافة القرشي التيمي، شقيق أم المؤمنين عائشة. حضر بدراً مع المشركين؛ ثم إنه أسلم وهاجر قبيل الفتح، وحسن إسلامه، وكان أسن أولاد الصديق، وكان من الرماة المذكورين، والشجعان، قتل يوم اليمامة سبعة من كبارهم. قيل: بعث معاوية إلى عبد الرحمن بن أبي بكر مائة ألف درهم، بعد أن أبى البيعة ليزيد، فردها عبد الرحمن، وأبى أن يأخذها، وقال: لا أبيع ديني بدنياي. توفي في سنة (53هـ) على الأرجح، عند خروجه إلى مكة، فمات بها، قبل أن تتمّ البيعة ليزيد. وكان موته فجأة، من نومة نامها بمكان على عشرة أميال من مكة، فحمل إلى مكة ودفن بها. ولما بلغ عائشة خبره، خرجت حاجة، فوقفت على قبره، فبكت، ثم قالت: لو حضرتك، دفنتك حيث متّ، ولما بكيتك. أسد الغابة: (3/462؛ رقم: 3344)؛ سير أعلام النبلاء: (4/92؛ رقم: 188)؛ الإصابة: (4/274؛ رقم: 5167).

[3] - أي الحرب، وقيل: جديداً كما بدأ.

[4] - تاريخ خليفة بن خياط: (ص214).

[5] - المصدر نفسه: (ص214).

[6] - تاريخ خليفة بن خياط: (ص213).

[7] - تاريخ الطبري: (3/248).

[8] - تاريخ ابن كثير: (11/477)، دار هجر.

[9] - تحرير الإنسان وتجريد الطغيان: (ص615-616).

[10] - م . س. ن.

[11] - ابن تيمية، مجموع الفتاوى: (4/452).

[12] - تحرير الإنسان وتجريد الطغيان: (ص616-619)، باختصار.

[13] - ضعيف الجامع الصغير: (رقم: 2344).

[14] - ابن طيفور، كتاب بغداد: (ص51)، تحقيق: السيد عزت العطار الحسيني، مكتبة الخانجي - القاهرة، ط3، 1423هـ/2002م.

[15] - صحيح مسلم: (1/69؛ رقم: 49).

[16] - سيأتي تخريجه وشرحه.

[17] - سيأتي تخريجه وشرحه.

[18] - حديث الباب.

[19] - راجع نظرية شيوخ يزيد.

[20] - الحرية أو الطوفان: (ص182-193، باختصار؛ تحرير الإنسان وتجريد الطغيان: (ص622-626) باختصار.

[21] - أبو القاسم محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري النجاري، المدني. ولد في حياة رسول الله ﷺ سنة عشر بنجران، وأبوه عامل عليها لرسول الله. وهو من كبار التابعين. روى عن عمر بن الخطاب، وعمرو بن العاص، وأبيه. وروى عنه ابنه أبو بكر. قال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث، له عقب بالمدينة وببغداد، قُتل يوم الحرَّة، ومعه جماعة من أهل بيته، بالمدينة، سنة (63هـ)، وكان فقيهًا، فاضلاً، من صالحي المسلمين. تهذيب الأسماء واللغات: (1/89؛ رقم: 21)؛ الوافي بالوفيات: (4/202؛ رقم: 3).

[22] - يقال له ابن الغسيل، لأن أباه حَنْظَلَة غسيل الملائكة، ويقال له عبد الله ابن الراهب، ينتسب إِلَى جده، وَهُوَ عَبْد اللَّهِ بْن حَنْظَلَة بْن الراهب، والراهب هُوَ أَبُو عَامِر. ولد على عهد رَسُول اللَّهِ ﷺ، ولما توفي النبي، كان لعبد الله سبع سنين، وهو من صغار الصحابة، يكنى أبا عبد الرحمن، وقيل: أبو بكر، وأمه جميلة بنت عبد الله بن أبي ابن سلول. وفد في بنيه الثمانية على يزيد، فأعطاهم مائتي ألف وخلعاً، فلما رجع قال له كبراء المدينة: ما وراءك؟ قال: جئت من عند رجل لو لم أجد إلَّا بني لجاهدته بهم، قالوا: إنه أكرمك وأعطاك، قال: وما قبلت إلَّا لأتقوى به عليه، وحض الناس فبايعوه، وأمر على الأنصار، وأمر على قريش عبد الله بن مطيع العدوي، وعلى باقي المهاجرين معقل بن سنان الأشجعي، ونفوا بني أمية. وقد علق ابن عباس على تعدد الأمراء في المدينة، عندما سمع أنباء هذه الحركة، بأنها أول الفشل، لأنهم لم يتخذوا أميراً واحداً.

فجهز يزيد لهم جيشاً، عليهم مسلم بن عقبة - ويدعى مسرفاً المري - في اثني عشر ألفاً، فلما اشتد القتال يوم الحرة، قدّم بنيه واحداً واحداً، حتى قتلوا كلهم، وهم ثمانية بنين، وشوهد ابن حنظلة يومئذ لابساً درعين، وقد فني أكثر أصحابه، وحان وقت الظهر، فحمى مولى له ظهره، وصلى ولواؤه قائم، ما حوله خمسة. ثم تقلد السيف، ونزع الدرعين، ولبس ساعدين من ديباج، ولم يزل يقاتل حتى قتل.. كان فاضلاً صالحاً، عظيم الشأن، كبير المحل، شريف البيت والنسب، ولم يكن لعبد الله بن حنظلة فراش ينام عليه، إنما كان يلقي نفسه إذا أعيا من الصلاة، يتوسد رداءه وذراعه، ويهجع شيئاً. الاستيعاب: (3/892؛ رقم: 1517)؛ أسد الغابة: (3/219؛ رقم: 2908)؛ سير أعلام النبلاء: (4/373؛ رقم: 271)؛ أعلام الزركلي: (4/98)؛ حركة النفس الزكية: (ص29).

[23] - طبقات ابن سعد: (5/49).

[24] - عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب النجاري الأنصاري: صحابي، من أهل المدينة. عرف بابن أم عمارة، واسمها نسيبة، كان شجاعاً. شهد بدراً. وقتل مسيلمة الكذاب، يوم اليمامة. وكان مسيلمة قد قتل أخاه حبيب بن زيد. له (48) حديثاً. قتل في وقعة الحرَّة وهو ابن سبعين سنة. أسد الغابة: (3/250؛ رقم: 2958)؛ تهذيب الأسماء واللغات: (1/267؛ رقم: 298)؛ تهذيب الكمال: (14/538؛ رقم: 3281)؛ أعلام الزركلي: (4/88).

[25] - عَبْد الرَّحْمَنِ بن أزهر القرشي الزُّهْرِيّ، أَبُو جبير المدني، لهُ صُحبَةٌ، شهد حنيناً مَعَ النَّبِيّ ﷺ، قال ابن مندة: مات بالحرَّة. وقيل: مات قبل الحرَّة بأشهر. ثقات ابن حبان: (3/258؛ رقم: 851)؛ الاستيعاب: (2/822؛ رقم: 1389)؛ أسد الغابة: (3/421؛ رقم: 3269)؛ تهذيب الكمال: (16/513؛ رقم: 3753)؛ الإصابة: (4/240؛ رقم: 5093).

[26] - الدولة الأموية للصلابي: (1/529).

[27] - الفقهاء والخلفاء، لسلطان حثلين: (ص31)، عن الدولة الأموية للصلابي: (1/529).

[28] - أبو عقبة المري، المعروف بمسرف. قائد من الدهاة القساة في العصر الأموي. أدرك النبي ﷺ، ولم يحفظ أنه رآه، وشهد (صفين) مع معاوية، وكان على الرجالة، وهو صاحب وقعة الحرَّة، لما بلغ يزيد بن معاوية وثوب أهل المدينة، وإخراجهم عامله وأهل بيته عنها، وجه إليهم مسلم بن عقبة المري - وهو يومئذ ابن بضع وتسعين سنة، وقد أفحش مسلم القول والفعل بأهل المدينة، وأسرف في قتل الكبير والصغير، حتى سموه مسرفاً، وأباح المدينة ثلاثة أيام لذلك، وأخذ ممن بقي فيها البيعة ليزيد، وتوجه بالعسكر إلى مكة ليحارب ابن الزبير، لتخلفه عن البيعة ليزيد، فمات في الطريق سنة (63هـ/683م) بمكان يسمى المشلل. ثم نبش قبره، وصلب في مكان دفنه. مختصر تاريخ دمشق: (24/292)؛  الإصابة: (6/232؛ رقم: 8434)؛ أعلام الزركلي: (7/222).

[29] - الدولة الأموية للصلابي: (1/530، 531، 532)؛ محمد العبدة، حركة النفس الزكية: (ص30)، دار الأرقم- برمنجهام، بريطانيا، ط3، 1414هـ/1993م؛ د. محمد بن عبد الهادي الشيباني، مواقف المعارضة في عهد يزيد بن معاوية: (ص508-510)، دار طيبة للنشر والتوزيع – الرياض، ط2، 1430هـ/2009م. أصل الطباخ: القوة والسمن، ثم استعمل في غيره، فقيل: فلان لا طباخ له، أي: لا عقل له، ولا خير عنده، والمعنى ههنا: أن الفتنة الثالثة لم تبق في الناس من الصحابة أحداً. عمدة القاري: (6/136).

[30] - حركة النفس الزكية: (ص32).

[31] - الحرية أو الطوفان لحاكم المطيري: (ص125-126)؛ الدولة الأموية للصلابي: (1/626).

[32] - الفصل: (4/129).

[33] - الحرية أو الطوفان: (125).

[34] - أصبح عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين بعد مقتل ابن الزبير، وبيعة المسلمين له، ومذهب عامة أهل السنة والجماعة، أن الإمامة يصح أن تنعقد لمن غلب الناس، وقعد بالقوة في موضع الحكم، إلَّا أنه يجب أن يفهم أن هذه حال ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات، فهذه حال إلجاء واضطرار؛ كأكل الميتة، ولحم الخنزير، وقبولها، لأنها خير من الفوضى التي تعم الناس. وعلى هذا فإنه يجب ألا توطن الأمة نفسها على دوام هذا الوضع، بل يجب عليها أن تعمل على تغيير الإمامة الناقصة بإمامة كاملة، مستوفاة الشروط المطلوبة في الإمام الحق، بالوسائل التي لا يكون فيها فتنة بين الناس، ويجب السعي دائماً لأن يكون الإمام آتياً عن الطريق الصحيح، وهو طريق أهل الحل والعقد. ومع إن إمامة المتغلب تنعقد، نظراً إلى حال الضرورة، كما قلنا، إلَّا أن الغالبية العظمى من علماء المسلمين لم يجيزوا أن يكون القهر طريقاً لانعقاد إمامة الكافر للمسلمين. الدولة الأموية للصلابي: (1/627-628).

ولم يكتف عبد الملك بن مروان بالاستيلاء على الخلافة بالسيف، بل سنَّ للناس سنة البيعتين لولديه من بعده، فقد ألزم الناس، سنة (85هـ/704م)، بالبيعة للوليد ثم لسليمان من بعده، فبايع الناس لهما. الحرية أو الطوفان: (ص136).

[35] - لما مات معاوية بن يزيد بن معاوية، اختلف الناس بالشام، فكان أول من خالف أمراء الأجناد، ودعا إلى ابن الزبير النعمان بن بشير بحمص، وزفر بن الحارث بقنسرين. ثم دعا الضحاك بن قيس بدمشق الناس سراً. ثم دعا الناس إلى بيعة ابن الزبير علانية، فأجابه الناس إلى ذلك، وبايعوه له. وبلغ ذلك ابن الزبير، فكتب إلى الضحاك بن قيس بعهده على الشام، فكتب الضحاك إلى أمراء الأجناد، ممن دعا إلى ابن الزبير، فأتوه. فلما رأى ذلك مروان، خرج يريد ابن الزبير بمكة، ليبايع له، ويأخذ منه أماناً لبني أمية، وخرج معه عمرو بن سعيد بن العاص. فلما كانوا بأذرعات، لقيهم عبيد الله بن زياد مقبلاً من العراق، فقال لمروان: أين تريد؟ فأخبره. فقال: سبحان الله. أرضيت لنفسك بهذا. تبايع لأبي خبيب، وأنت سيد بني عبد مناف! والله لأنت أولى بها منه. فقال له مروان: فما الرأي؟ قال: أن ترجع وتدعو إلى نفسك، وأنا أكفيك قريشاً ومواليها، ولا يخالفك منهم أحد. فقال عمرو بن سعيد: صدق عبيد الله. إنك لجذم قريش، وشيخها وسيدها، وما ينظر الناس إلَّا إلى هذا الغلام خالد بن يزيد بن معاوية، فتزوج أمه، فيكون في حجرك، وادع إلى نفسك، فأنا أكفيك اليمانية، فإنهم لا يخالفونني - وكان مطاعاً عندهم - على أن تبايع لي من بعدك. قال: نعم. فرجع مروان، وعمرو بن سعيد، ومن معهما.  طبقات ابن سعد: (5/29-30).

[36] - عبد الله بن الزبير (1 - 73هـ / 622 - 692م): عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، أبو بكر: فارس قريش في زمنه، وأول مولود في المدينة بعد الهجرة. شهد فتح إفريقية زمن عثمان، وبويع له بالخلافة سنة (64 هـ)، عقيب موت يزيد ابن معاوية، فحكم مصر والحجاز واليمن وخراسان والعراق وأكثر الشام، وجعل قاعدة ملكه المدينة. وكانت له مع الأمويين وقائع هائلة، حتى سيروا إليه الحجاج الثقفي، في أيام عبد الملك بن مروان، فانتقل إلى مكة، وعسكر الحجاج في الطائف. ونشبت بينهما حروب انتهت بمقتل ابن الزبير في مكة، بعد أن خذله عامة أصحابه، وقاتل قتال الأبطال، وهو في عشر الثمانين. وكان من خطباء قريش المعدودين، يشبّه في ذلك بأبي بكر. مدة خلافته تسع سنين.  أعلام الزركلي: (4/87).

[37] - عمرو بن الأشدق (3 - 70هـ /624 - 690م): عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية ابن عبد شمس الأموي القرشي، أبو أمية: أمير، من الخطباء البلغاء. من سادة بني أمية. كان والي مكة والمدينة لمعاوية وابنه يزيد. وقدم الشام فأحبه أهلها، فلما طلب مروان بن الحكم الخلافة عاضده عمرو، فجعل له ولاية العهد بعد ابنه عبد الملك، ولما ولي عبد الملك أراد خلعه من ولاية العهد، فنفر عمرو على دمشق، وبايعوه بالخلافة. فلما توطدت العراق لعبد الملك، وقتل مصعب، رجع وحاصر عمراً بدمشق، وأعطاه أماناً مؤكداً، وتلطف له إلى أن فتح أبوابها، ودخلها عبد الملك، فاعتزل عمرو بخمسمائة مقاتل، فاغتر به عمرو، ثم بعد أيام غدر به وقتله، وخرجت أخته تندبه، وهي زوجة الوليد، فقالت:

أيا عين جودي بالدموع على عمرو ... عشية تبتز الخلافة بالغدر

غدرتم بعمرو يا بني خيط باطل ... وكلكم يبني البيوت على غدر

وما كان عمرو غافلاً غير أنه ... أتته المنايا غفلة وهو لا يدري

كأن بني مروان إذ يقتلونه ... خشاش من الطير اجتمعن على صقر

لحى الله دنيا تعقب النار أهلها ... وتهتك ما بين القرابة من ستر

ألا يا لقومي للوفاء وللغدر ... وللمغلقين الباب قسراً على عمرو

فرحنا وراح الشامتون عشية ... كأن على أعناقهم فلق الصخر.  سير أعلام النبلاء: (4/448؛ رقم: 310)؛ أعلام الزركلي: (5/77).

[38] - مصعب بن الزبير (26 - 71 هـ / 647 - 690 م): مصعب بن الزبير بن العوام بن خويلد الأَسَدي القرشي، أبو عبد الله، أمه الرباب بنت أنيف: أحد الولاة الأبطال في صدر الإسلام. نشأ بين يدي أخيه عبد الله بن الزبير، فكان عضده الأقوى في تثبيت ملكه بالحجاز والعراق. وولاه عبد الله البصرة سنة (67هـ)، فقصدها، وضبط أمورها، وقتل المختار الثقفي. ثم عزله عبد الله عنها مدة سنة، وأعاده في أواخر سنة (68هـ) وأضاف إليه الكوفة، فأحسن سياستهما. وتجرد عبد الملك بن مروان لقتاله، فسير إليه الجيوش، فكان مصعب يفلها. حتى خرج إليه عبد الملك بنفسه، فلما دخل العراق، خذل مصعباً قواد جيشه، وأصحابه، فثبت فيمن بقي معه، فأنفذ إليه عبد الملك أخاه (محمد بن مروان)، فعرض عليه الأمان، وولاية العراقين أبداً ما دام حياً، ومليوني درهم صلة، على أن يرجع عن القتال، فأبى مصعب، فشد عليه جيش عبد الملك، في وقعة عند دير الجاثليق (على شاطئ دجيل، من أرض مسكن)، وطعنه زائدة بن قيس السعدي (أو عبيد الله بن زياد بن ظبيان) فقتله. وحمل رأسه إلى عبد الملك. وبمقتله نقلت بيعة أهل العراق إلى ملوك الشام. أعلام الزركلي: (7/247)، ينظر طبقات ابن سعد: (5/139؛ رقم: 731).

[39] - عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي. أمير، من القادة الشجعان الدهاة. وهو صاحب الوقائع مع الحجاج الثقفي. سيّره الحجاج بجيش لغزو بلاد رتبيل (ملك الترك)، فيما وراء سجستان. فغزا بعض أطرافها، وأخذ منها حصوناً وغنائم. وكتب إلى الحجاج يخبره بذلك، وأنه يرى ترك التوغل في بلاد (رتبيل) إلى أن يختبر مداخلها ومخارجها. فاتهمه الحجاج بالضعف والعجز، وأجابه: (إن كتابك كتاب امرئ يحب الهدنة، ويستريح إلى الموادعة، قد صانع عدواً قليلاً ذليلاً، فامض لما أمرتك به من الوغول في أرضهم، والهدم لحصونهم، وقتل مقاتلتهم، وإلَّا فأخوك إسحاق بن محمد أمير الناس)، فاستشار عبد الرحمن من معه، فلم يروا رأي الحجاج، واتفقوا على نبذ طاعته، وبايعوا عبد الرحمن، على خلع الحجاج، وإخراجه من أرض العراق. وقال بعضهم: إذا خلعنا الحجاج، عامل عبد الملك، فقد خلعنا عبد الملك. فخلعوا عبد الملك بن مروان أيضاً. وزحف بهم عبد الرحمن (سنة 81 هـ) عائداً إلى العراق، لقتال الحجاج. ونشبت بينه وبين جيوش الحجاج، وعبد الملك، معارك ظفر فيها عبد الرحمن، وتم له ملك سجستان وكرمان والبصرة وفارس (إلَّا خراسان، وكان عليها المهلب والياً لعبد الملك بن مروان). ثم خرجت البصرة من يده، فاستولى على الكوفة، فقصده الحجاج، فحدثت بينهما موقعة (دير الجماجم)، التي دامت مئة وثلاثة أيام، وانتهت بخروج ابن الأشعث من الكوفة، وكان جيشه ستين ألفاً، فتتابعت هزائم جيشه، في مسكن وسجستان. وتفرق من معه، فبقي في عدد يسير، فلجأ إلى (رتبيل)، فحماه مدة، فوردت عليه كتب الحجاج تهديداً ووعيداً، إذا هو لم يقتل ابن الأشعث، أو يقبض عليه، قيل: أمسكه (رتبيل)، وقتله، وبعث برأسه إلى الحجاج سنة (85هـ/704م)، وقيل أرسله مقيداً، وقتل في الطريق. فأرسله هذا إلى عبد الملك بالشام، وبعث به عبد الملك إلى أخيه عبد العزيز بمصر . سير أعلام النبلاء: (5/102؛ رقم: 442)؛ أعلام الزركلي: (3/323)؛ حركة النفس الزكية: (ص36).

 

[40] - الدولة الأموية للصلابي: (ص641، 642).

[41] - الدولة الأموية للصلابي: (ص643). ينظر: تاريخ خليفة بن خياط: (ص286).

[42] - عبد الرحمن بن أبي ليلى، الإمام، العلامة، الحافظ، أبو عيسى الأنصاري، الكوفي، الفقيه. ولد في خلافة الصديق، أو قبل ذلك في خلافة عمر. وحدث عن: عمر، وعلي، وأبي ذر، وابن مسعود، وبلال، وأبي بن كعب، وصهيب، وقيس بن سعد، والمقداد، وأبي أيوب، ووالده، ومعاذ بن جبل. وقيل: إنه قرأ القرآن على علي. عن ابن أبي ليلى، قال: أدركت مئة وعشرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار، إذا سئل أحدهم عن شيء، ود أن أخاه كفاه.

قال الأعمش: رأيت ابن أبي ليلى، وقد ضربه الحجاج، وكأن ظهره مسح، وهو متكئ على ابنه، وهم يقولون: العن الكذابين، فيقول: لعن الله الكذابين.

قال محمد بن سيرين، جلست إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى، وأصحابه يعظمونه، كأنه أمير. قيل: فُقد ابن أَبي ليلى بالجماجم، وقيل: إنه غرق بنهر الدجيل (نهر الكارون)، وقيل: مات سنة (83هـ/702م)، والله أعلم. سير أعلام النبلاء: (5/150؛ رقم: 464)؛ تهذيب الأسماء واللغات: (1/303؛ رقم: 361)؛ تهذيب الكمال: (17/372؛ رقم: 3943).

[43] - تاريخ الطبري: (3/635).

[44] - أبو البختري (ت: 82 هـ / 702 م): سعيد بن فيروز، الطائي بالولاء، أبو البختري: ثائر، من فقهاء أهل الكوفة وفضلائها. ثقة في الحديث. ثار على الحجاج، مع ابن الأشعث، فجاءه القراء يؤمّرونه عليهم، فاعتذر بأنه من الموالي. ولما كانت وقعة (دير الجماجم)، طعنه أحد رجال الحجاج برمح فقتله. إكمال التهذيب: (5/339؛ رقم: 2026)؛ تهذيب التهذيب: (4/72؛ رقم: 127)؛ أعلام الزركلي: (3/99).

[45] - تاريخ الطبري: (3/635).

[46] - الشَّعْبي (19 - 103 هـ / 640 - 721 م): الإمام، الحبر، العلّامة عامر بن شراحيل بن عبد ذي كبار، الشعبي، الحميري، أبو عمرو: راوية، من التابعين، يضرب المثل بحفظه. ولد ونشأ ومات فجأة بـ(الكوفة). روى عن مائة وخمسين من أصحاب رسول الله ﷺ. قال الزهري العلماء أربعة: ابن المسيب بالمدينة، والشعبي بالكوفة، والحسن البصري بالبصرة، ومكحول بالشام. اتصل بعبد الملك بن مروان، فكان نديمه وسميره ورسوله إلى ملك الروم. وكان ضئيلاً نحيفاً، ولد لسبعة أشهر. وسئل عما بلغ إليه حفظه، فقال: ما كتبت سوداء في بيضاء، ولا حدثني رجل بحديث إلَّا حفظته. وهو من رجال الحديث الثقات، استقضاه عمر بن عبد العزيز. وكان فقيهاً، شاعراً. واختلفوا في اسم أبيه فقيل: شراحيل، وقيل: عبد الله. نسبته إلى شعب، وهو بطن من همدان. ثقات ابن حبان: (5/185؛ رقم: 4487)؛ تهذيب الكمال: (14/28؛ رقم: 3042)؛ الوافي بالوفيات: (16/336؛ رقم: 3)؛ وفيات الأعيان: (3/12؛ رقم: 317)؛ شذرات الذهب: (2/24)؛ أعلام الزركلي: (3/250).

[47] - تاريخ الطبري: (3/635).

[48] - سَعيد بن جُبَير (45 - 95هـ / 665 - 714م): سعيد بن جبير الأسدي، بالولاء، الكوفي، الإمام، الحافظ، المقرئ، المفسر، الشهيد، أبو عبد الله: تابعيّ، كان أعلمهم على الإطلاق. وهو حبشي الأصل، من موالي بني والبة بن الحارث، من بني أسد. أخذ العلم عن عبد الله بن عباس، وابن عمر. ثم كان ابن عباس، إذا أتاه أهل الكوفة يستفتونه، قال: أتسألونني وفيكم ابن أم دهماء؟ يعني سعيداً. قال له ابن عباس: حدث؟ فقال: أحدث وأنت هاهنا، فقال: أليس من نعمة الله عليك أن تحدث وأنا شاهد، فإن أصبت فذاك، وإن أخطأت علمتك؟. ولما خرج عبد الرحمن ابن محمد بن الأشعث، على عبد الملك بن مروان، كان سعيد معه إلى أن قتل عبد الرحمن، فذهب سعيد إلى مكة، فقبض عليه واليها (خالد القسري)، وأرسله إلى الحجاج، فقتله بـ(واسط)، في قصة مشهورة. قال الإمام أحمد بن حنبل: قتل الحجاج سعيداً، وما على وجه الأرض أحد إلَّا وهو مفتقر إلى علمه. سير أعلام النبلاء: (5/187؛ رقم :484)؛ وفيات الأعيان: (2/371؛ رقم: 261)؛ أعلام الزركلي: (3/93).

[49] - تاريخ الطبري: (3/635).

[50] - الحرية أو الطوفان: (ص119).

[51] - أَبُو العَبَّاس السَّفَّاح (104 - 136هـ/ 722 - 754م): عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، أول خلفاء الدولة العباسية، وأحد الجبارين الدهاة من ملوك العرب. ويقال له (المرتضى) و(القائم). ولد ونشأ بالشراة (بين الشام والمدينة)، وقام بدعوته أبو مسلم الخراساني، مقوّض عرش الدولة الأموية، فبويع له بالخلافة جهراً في الكوفة سنة (132 هـ)، وصفا له الملك بعد مقتل مروان بن محمد (آخر ملوك الأمويين في الشام)، وكافأ أبا مسلم بأن ولاه خراسان. وكان شديد العقوبة، عظيم الانتقام، تتبع بقايا الأمويين بالقتل والصلب والإحراق، حتى لم يبق منهم غير الأطفال والهاربين إلى الأندلس. ولقب بالسفاح لكثرة ما سفح من دمائهم. وكانت إقامته بالأنبار، حيث بني مدينة سماها (الهاشمية)، وجعلها مقر خلافته. أعلام الزركلي: (4/116).

[52] - آسفوه: أغضبوه.

[53] - تاريخ الطبري: (4/346-347)؛ البداية والنهاية (13/250- 251).

[54] - داوُد بن علي (81 - 133 هـ / 700 - 750 م): داود بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، أبو سليمان: أمير، من بني هاشم. هو عمّ السفاح العباسيّ. كان خطيباً فصيحاً، من كبار القائمين بالثورة على بني أمية، وكان بالحميمة (من أرض الشراة)، ولما ظهر العباسيون ولّاه السفاح إمارة الكوفة، ثم عزله عنها، وولاه إمارة المدينة ومكة واليمن واليمامة والطائف، فانصرف إلى الحجاز، وأقام في المدينة، فعاجلته منيته. وهو أول من ولي المدينة من بني العباس، وأول من أقام الحجّ للناس في ولاية العباسيين. أعلام الزركلي: (2/332).

[55] - تاريخ الطبري: (4/347)؛ البداية والنهاية (13/251).

[56] - النفس الزكية (93 - 145هـ/712 - 762م): محمد بن عبد الله، أبو عبد الله، الملقب بالأرقط وبالمهديّ وبالنفس الزكية، أحد الأمراء الأشراف من الطالبيين. ولد ونشأ بالمدينة. وكان يقال له: صريح قريش، لأن أمه وجدّاته لم يكن فيهن أمّ ولد. وسماه أهل بيته بالمهديّ. وكان غزير العلم، فيه شجاعة وحزم وسخاء. ولما بدأ الانحلال في دولة بني أمية بالشام، اتفق رجال من بني هاشم بالمدينة على بيعته سراً، وفيهم بعض بني العباس، وقيل: كان من دعاته أَبُو العَبَّاس السَّفَّاح، وأبو جعفر المنصور. قاموس الأعلام: (6/220).

[57] - المنصور العَبَّاسي (95 - 158هـ / 714 - 775م): عبد الله بن محمد بن علي بن العباس، أبو جعفر، المنصور، ثاني خلفاء بني العباس، وأول من عني بالعلوم من ملوك العرب. كان عارفاً بالفقه والأدب، مقدماً في الفلسفة والفلك، محباً للعلماء. ولد في الحميمة من أرض الشراة (قرب معان)، وولي الخلافة بعد وفاة أخيه السفاح سنة (136هـ/754م)، وهو باني مدينة (بغداد)، أمر بتخطيطها سنة (145هـ/712م)، وجعلها دار ملكه، بدلاً من (الهاشمية)، التي بناها السفاح. ومن آثاره مدينة (المصيصة)، و(الرافقة)، بـ(الرقة)، وزيادة في المسجد الحرام. وفي أيامه شرع العرب يطلبون علوم اليونانيين والفرس، وعمل أول أسطرلاب في الإسلام، صنعه محمد بن إبراهيم الفزاري. وكان بعيداً عن اللهو والعبث، كثير الجد والتفكير، وله تواقيع غاية في البلاغة. وهو والد الخلفاء العباسيين جميعاً. وكان أفحلهم شجاعة وحزماً، إلَّا أنه قتل خلقاً كثيراً حتى استقام ملكه. توفي ببئر ميمون (من أرض مكة) محرماً بالحج. ودفن في الحجون (بمكة)، ومدة خلافته (22) عاماً.

[58] - طبقات ابن سعد: (4/440؛ رقم: 1294)؛ مقدمة ابن خلدون: (4/8)؛ التاريخ الإسلامي لمحمود شاكر: (5/107، 111)؛ أعلام الزركلي: (6/220).

---

¨ مجلة الحوار ǀ العدد 186 ǀ السنة الحادية والعشرون ǀ شتاء 2023

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق