السبت، 11 أكتوبر، 2014

قصة - حلبجة الشهيدة و ... مريم

مروان الكوردي
كنت في سن لا أعرفها بالضبط كم هي، لكن ما أعرفه بالتأكيد،  هو أنه لم يكن هناك فرق بين صبيان المحلة وصباياها، في تصرفاتهم، في جنونهم، في صولاتهم وجولاتهم من هذا الفرع لذاك، لم يكن هناك ما يعوق الصداقة والمحبة والأنس بين البنين والبنات. كنا من الطبيعي جداً أن يمارس أحدنا دورا هو من صلب اختصاص وطبيعة عمل الآخر..وكثيراً ما كنا نلعب معاً حتى غروب الشمس الـ(تاشان)، و(الجاوشيركان)، وكرة القدم، واللعب من أجل الصور والتبل..وفي أوقات أخرى كنا نغني معاً، إذ كنا نشكل حلقتين، كل حلقة مكونة من سبعة أفراد (بنين وبنات)، ويقوم أحدهم، أو إحداهن، بتمثيل دور المذيع، وكان على كل واحد أن يغني، أي أغنية كانت.. 
وفي أحد الأيام، قامت فتاة أكبر مني بثلاث سنوات، اسمها (مريم)، بدور المذيعة، وبيدها سيفون (صوندة)، تضع إحدى جوانبها في أذنها، والجانب الآخر أمام فم من يغني.. كانت (مريم) تلبس أجمل ما
عندها، وكانت نحيفة، وخفيفة الظل، وتشبه الممثلات الهنديات، لا أعرف، هل كانت تبدو في ناظرنا هكذا، بسبب متابعاتنا للأفلام الهندية، التي كنا نشاهدها في (فيديو) السوق العصري، أم كانت بالفعل كذلك؟ وكانت تعطي الحق لنفسها أن تعاقب من لا يغني بشكل جميل، والمعاقبة كانت عبارة عن الخروج من الحلقة، وعدم السماح له أن يستمع إلى أغاني الآخرين..
ورويدا رويدا جاء دوري في الغناء، وأنا حائر: ماذا أغني لهم؟ هل أطلق لساني أن ينطق باللحن ما يشاء، أو أغني أغنية عربية، لكن لا.. الأغاني العربية صعبة، إذ كنت فقط أعرف كلمات قليلة من أغنية (شلونك عيني شلونك).. أو أغنية  هندية.. لكن فجأة مرت بخاطري أغنية أحبها كثيراً، وأحب صاحبها أيضاً، سمعتها مرات عديدة في الآونة الأخيرة، لكن المشكلة لا أعرف معانيها بالضبط، لذا تركت هذه أيضا، وعدت مرة أخرى إلى التفكير..
وجاءت (مريم)، ووقفت إلى جانبي، والكل في انتظار ما أقوله.. أقول: أقوله، لأن أغلب الذين سبقوني بالغناء، لم تكن أغانيهم بمستوى يليق أن نطلق عليها أغاني، إذ كانت كلها ما بين فشات، حنحنات، قهقهات، وأحيانا كلام عادي مطعم بـ(دلولولووووو).
وجاء دوري، وأنا أرتعش، خوفا من أن أضيع سمعتي (إذ كثيرا ما كنت أغني لأخي (جاسم)، ويطبل هو على الطشت البلاستيكي، ويقسم أن صوتي أعذب من صوت جميع أبناء المحلة)!
ورأيت السيفون كالمايكرفون أمام فمي، وأنا جالس، ووضعت الجانب الآخر من السيفون على أذنها، وأشارت إلي بالبدء:
أتدرون أي شيء خرج من لساني؟
لقد غنيت يومها بلحن يشبه العويل:
ەى لێلێ وەى لێلێ، فەرمانە هاوار هاوار هاوار ديسان لمە فەرمانە،
هاوار كورنو بكەن بلەزينن،
كورن و كاغەزو فانووسەكى بينن، بنڤيسن، دونيا وعالەما پێ بحەسينن، مەژى ل بن ڤى دەستى دەرينن.. هاوار هاوار هاوار هاوارە،
حەيفا كوردستان  كو ئيرۆ دسوژينن، ئاگر لسەرێ مە كوردا دبارينن، ئااااااخ)
لقد فتح الكل فمه، ووقف باندهاش، ماذا؟ (حلبجة)، ممنوع الغناء والإتيان بذكرها، قالها أغلب الأصدقاء، لكن (مريم) صوتت إلى جانبي، واختارتني أن أكون في المرتبة الأولى من بين الفائزين.
(حلبجة) كانت أكبر المآسي التي تهز كيان الكورد، وأصدقاء المروءة والإنسانية، على المعمورة، وكانت يومها لم تمر سوى سنة ونصف على الفاجعة، وحفظت هذه الأغنية عن ظهر قلبي من فيديو (عمي ناصر)، إذ كثيراً ما كان يشاهد (الكاسيت) في السر، وكنا نتسلل إلى الغرفة، لمشاهدته، كالقطط، وكان ينبهنا بعدم قول ذلك لأحد..
وتلاشت حلقاتنا على مر الزمن، وكبرنا، وكبرت معنا الذكريات..ومازالت أغنية حلبجة تطن في ذاكرتي، كلما مرت بي ذكرى شيئين:
حلبجة الشهيدة..
و..
صديقة طفولتي.. (مريم)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق