الأحد، 26 أكتوبر، 2014

مطارحات ثقافية/ الطريق إلى ذروة النضوج


محمد صادق أمين
دائماً ما ترتبك خياراتنا في سن ما قبل النضج، لسببين:
الأول- قلة الخبرة في الحياة.
الثاني- حرارة الشباب وعنفوانه التي ترفع لدينا حمى الخيارات.
أسميتها (حمى)، لأن الحمى حالة غير صحية، تجعل الجسد والعقل يخرجان عن رزانتهما، فيدخلان في مرحلة الهذيان، وعدم وضوح الرؤية، فتكون قرارات الإنسان غير صائبة ولا حكيمة.
التقدم بالسن، أو خوض التجارب تلو التجارب، كفيلان بإيصال الإنسان إلى مرحلة النضج، وأحياناً كلا الأمرين معاً، والمحظوظ هو من يصل للنضج في سن مبكرة، إذ عادة ما يصل الإنسان إلى ذلك بعد الأربعين.
تلمست في هذه المقولة لصديق، نشرها على (الفيس)، نضجاً حقيقياً لا ادعاءً وحسب. يقول:
(السر يكمن بدواخلنا، فالحياة لا تنصفنا، لأننا لا ننصف أنفسنا، ولا نحسن اختياراتنا!!.. هناك حقائق ندركها متأخرين، لا يزيدنا البحث عنها إلا عزلة وشططاً والتصاقاً بأوجاعنا، بل وفراقات جديدة، تقسم ظهر ما بقي من أمل، فلا نملك حيالها إلا الابتعاد عن التوغل فيها، والمرور مع الوقت بمحاذاتها، خشية أن تتقيح الجروح في أوج التقدم، وصخب الحياة، وعصر السرعة، نموت ببطء.. كلنا يموت بالتقسيط، كل حسب اختياره، أو ربما بحسب قدره المرسوم. نصارع كل صباح ومساء لتغيير نظام الأشياء، ونحلم باستمرار لكي لا يقتلنا الضيق والتكرار، وباستمرار نخلق الذرائع لنجعل الحياة أكثر تحملاً، فتغرقنا بأوهامنا العظيمة حد الجنون).. انتهى الاقتباس.
هذه النظرة التي فيها عدالة وإنصاف للذات، تنم عن نضج يدفع الإنسان إلى نظرة موضوعية إلى نفسه وحياته ومن حوله، إذ عادة ما يبحث الإنسان في مرحلة ما قبل النضج عن شماعات يعلق عليها خيباته، وفشله، وإخفاقاته، الناتجة عن قراراته غير الصائبة.
لكن هذا النضج لم يصل ذروته، واضح أنه لا يزال في بداياته، لأنه من النضج أن يصل الإنسان إلى استنتاجات ناضجة، بعد أن يشخص تاريخه القريب تشخيصاً ناضجاً.
لا يمكن لإدراك الحقائق (ولو متأخراً) أن تكون سبباً في عزلتنا، وقصم ظهر الأمل عندنا، واستسلامنا إلى عدم محاولة تغيير النظام الذي يحكم حياتنا، أو لجعل ذكريات الماضي تفرش طريقنا بالأشواك، التي تجعلنا نموت ببطء.
فمن تمام النضج وكماله، أن نملك رؤية لتغيير حياتنا، وإعادة النظام الشامل الذي يحكمها، ويقيد قراراتنا. وهذا الأمر من المسلمات المنطقية، التي أكدت عليها تجارب البشر، والرسالات السماوية، التي جاءت لتقدم للإنسان خارطة طريق للتغيير. ولو أن خالق الإنسان علم -وهو الأعلم بخلقه-، أن التغيير عند الإنسان مستحيل، لما أرسل الرسل، ولا أنزل الكتب، أو لجعلهما حصراً على فئات عمرية محدودة.
الإنسان -من وجهة نظري- يشبه جهاز الكومبيوتر، الذي أكتب من خلاله هذه الكلمات: حين يتعرض "الوندوز" -الذي يحكم العمليات فيه- للعطل، يبدأ الجهاز بالانحراف عن ممارسة مهامه، ويعود غير قادر على تطبيق القرارات التقنية الصحيحة، فنعمد إلى عمل (فورمات) له، كي نعيد النظام إلى سواء العمل.
كذلك الإنسان، له عقل يحكمه (وندوز رباني): إذا استقام على الصواب، كانت قراراته وعمله صواب، وإذا حاد عن ذلك، تصبح الحاجة إلى (فورمات) ضرورة ملحة. لذلك وجد علم (البرمجة اللغوية العصبية)، الذي يساعد الإنسان على إعادة برمجة عقله ونفسه، ليتعلم كيف يقود ويسوس حياته بشكل صحيح. وكل علوم التنمية البشرية -على تعددها وتنوعها- جاءت للعمل على هذا الجزء في نفس الإنسان وعقله وروحه، وفرت له برمجة تعيد تأهيله، ليبنى على مجموعة قواعد النضج، التي توصل إليها البشر من خلال العمر، الخبرة، والتجربة، ومن خلال الدورات يخرج الإنسان شخصاً مختلفاً في فكره وعقله ونظرته للحياة، يخرج بأمل في التغيير، هو نوع من أنواع الميلاد الجديد للإنسان، كل الناس الذين شاركوا في مثل هذه البرامج أكدوا أنهم خرجوا بشخصية جديدة، بدلت حياتهم بالكلية..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق