السبت، 11 أكتوبر، 2014

قراءة في الفكر الظلامي للزمن الرديء

د.سنان أحمد 
في هذه الخواطر رأيت أن أسجل بعض ما عايشته من لحظات سوداء من تاريخنا الطويل، والتي قدر الله لنا فيها واحدة من أعظم المآسي تجمعاً وحزناً، بدت أمامها غزوات (هولاكو) و(تيمورلنك) لعب أطفال.
وفي هذا الحيز القليل لن نناقش مَنْ أسّس (داعش)، ورعاها، وسقاها بالماء الأسود، حيث تداخلت المصالح الاستعمارية، والصهيونية، بالتيارات البعثية، بشقيها السوري والعراقي، في إخراجها، مستغلة الأفعال المشينة لبعض التيارات الشيعية في (العراق) و(سوريا)، ولتتدثر بفكر يسمونه زوراً وبهتانا بـ(الفكر الجهادي- السلفي)، وسلفنا بريء من هذا الفكر براءة الذئب من دم ابن يعقوب!
وإن شئنا أم أبينا، فإن مصطلح (داعش) (ISIS ) يجب أن يدخل القواميس الحديثة، كمصطلح جديد، لفكر ظلامي، يستبيح القتل والسلب والنهب والتعذيب، بفتاوى تضليلية، يطلقها أصحاب لحى وعمائم مزيفة، مستندين إلى أحاديث مجتزأة من هنا وهناك، وتقليداً أعمى لماضٍ، لا يمكن بأي حال من الأحوال محاكاته في زماننا هذا، ولتنقلب هذه التجربة إلى أكبر مهزلة تاريخية باسم الدين، وتحت رايته. وهو أمر ليس بالجديد، فقد دخل أسلافهم (القرامطة) التاريخ، كمصطلح له معانيه الخاصة، رغم ادعائهم الإسلام!
لقد كان أحد الدوافع لكتابة هذه الخواطر، ما نقلته إحدى وكالات الأنباء من أن (62%) من الشباب السعودي الملتزم يؤيد ممارسات (داعش) وفكرها! ويالها من كارثة ثقافية باسم الدين، حيث يتمسك هؤلاء بالسلفية المفرطة من الدين، ولا يعلمون عن لب الدين وتاريخه شيئاً.
ولما كنت، وأنا أكتب هذا المقال، قد عشت الأجواء السعودية، واطلعت عليها، وشاهدت بأم عيني ما فعلته (داعش) في المناطق التي دخلت إليها في (الموصل)، وغيرها، وأسلوب الاستدراج الذي اتبعته في كسب عواطف الناس-ومن رأى ليس كمن سمع- إلى أن كشفت عن أنيابها الحقيقية في القتل، وقطع الرؤوس، وسلب أموال الناس، من مسلمين ومسيحيين ويزيدية، بالباطل، والتي كللوها بهدم الجوامع التاريخية في (الموصل)، كـ(جامع النبـي يونس)، وغيره، وبالاستناد إلى تفاسير لأحاديث منسوبة للرسول (صلى الله عليه وسلم) مشكوك فيها!
فأنا أدعو هذه النخبة من الشباب، وغيرهم، في البلدان الإسلامية، وغير الإسلامية، أن يقرأوا سير العظماء في التاريخ الإسلامي، كـ(عمر بن الخطاب)، و(نور الدين محمود)، و(صلاح الدين الأيوبي)، الذي أرسل طبيبه الخاص لعلاج عدوه اللدود (ريتشارد قلب الأسد)، وغيرهم الكثير، وعلى رأسهم نبينا (محمد) (صلى الله عليه وسلم)، الذي عفى عن كل أهل مكة بعد فتحها، وقد حاربوه، وعذبوه.
هؤلاء الشباب، الذين يندفعون بأفكار الخمار، الذي يحيل المرأة إلى كومة سوداء متحركة، والسروال القصير، والقبور المندرسة، وكأنها دعائم الإسلام، بدل الصوم، والصلاة، وحسن الخلق، والرحمة، ومعاملة الناس بالحسنى، إلى غير ذلك من خصائص هذا الدين الحنيف، وينسون الفساد الذي تموج به مجتمعاتهم، ويأتون لبلداننا ليعيثوا في الأرض فساداً، ويؤسسوا إمارتهم المزعومة، بدل أن يؤسسوها في بلدانهم، لأن هنالك القبور المندرسة، والخمار، مقبول، والخمور والسجائر تباع سراً، لا علناً! 
إن الإمارة الإسلامية تبدأ بالحسنى، والعفو، والتآخي، ومساعدة الفقراء، حيث لم توزع الإمارة المزعومة فلساً واحداً على الفقراء، بعد استيلائها على أموال تقدر بمئات الملايين من الدولارات، وإنما زادت الضرائب على الناس، ولاحقتهم في أرزاقهم، وقوتهم، ولأن الإسلام عندهم خمار ولحية وسروال قصير! 
إنهم يخدعونهم ليل نهار بالكذب والتزوير، ومن الأمثلة على ذلك: إن أحد أمرائهم – من أصل يمنـي – ألقى محاضرة على الحاضرين، بعد صلاة العشاء، في أحد جوامع (الموصل)، وذكر حديثاً، بأن الخلافة تغيب، ثم تعود بعد 100 عام، وعندها سأل المصلين عن عدد السنين التي غابت فيها الخلافة، فلم يجبه أحد، وهو مؤشر فاضح لجهل المسلمين بالتاريخ عموماً، فبادرهم هذا الأمير المزور أن ذلك قد تم الآن (2014م)، وأن آخر خلافة، وهي الخلافة العثمانية، انتهت عام 1924م، وهي في أدبياتهم ملك عضوض، أي قبل 90 عاماً في التقويم الميلادي الذي يستخدمه (الكفار)، وحوالي 93 عاماً بالتقويم الهجري، الذي يستخدمه أمراؤهم!
أي أنه استغل جهل سامعيه لتمرير كذبة فاضحة، وهكذا فهم يستغلون قوة تأثير العامل الديني، والجهل بالتاريخ، فيقومون بترويج الإشاعات والأساطير، لإثارة مشاعر المقاتلين، ويحققون أغراضاً رسمتها رؤوس، يجهل معظمهم من هي، وهي رؤوس شريرة، سيكشف عنها التاريخ يوماً ما، لا يمثل فيها (البغدادي) إلا درجة واطئة من درجاتها العفنة.
إن ركام (جامع النبـي يونس)، والذي قال بحقه الرسول (صلى الله عليه وسلم): "ذلك أخي، كان نبياً، وأنا نبـي"، يشهد على ظلامية أفكارهم، وانحرافها إلى الحضيض. وهذا الركام كان جامعاً، ليس لأهل (الموصل) فقط، وإنما هو تراث إنساني يمتد لمئات السنين. ومن سخرية الأقدار أن قبابه المخروطية المضلعة بناها (تيمورلنك) عام 1400م، والمشهور عنه القسوة والخراب، وهذا تأكيد لما قلناه بأن أسوأ من هؤلاء لم يظهر على الأرض أبداً.
ومع شديد الأسف، وبعد تلك المأساة الحضارية الرهيبة، تجد بعض المخدوعين، أو ممن مردوا على النفاق، يبررون هذه الأفعال! علماً أن هذا الجامع لا يحتوي على قبر (النبـي يونس (عليه السلام)، وإنما هو أمر أخذ مجراه العاطفي مع الزمن، ولكن (نينوى) كانت مدينته التي دعا فيها لله. ويستند هؤلاء إلى الحديث التالي: "قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (موطأ مالك)، في تخريب المساجد المسماة بأسماء الأنبياء، وهي بالعشرات في كل البلدان الإسلامية.
وعندما قلت لأحد مناصريهم – عن غباء – بأنه ليس للنصارى أنبياء كاليهود، وأن كلا الطائفتين ليس لديهم مساجد، وإنما كنائس ومعابد، لم يستطع جوابي، واكتفى بوجود الحديث.
إن زيارة القبور، والتمسح بها، شيء، ووجودها بالقرب من المساجد شيء آخر، ولكن لا ينفع الكلام مع عقول متحجرة، وأنفس جبلت على النفاق، وتبرير الأخطاء، مهما كان حجمها وجسامتها، وهم على هذا الأساس سيتوجهون إلى مسجد النبـي (محمد) (صلى الله عليه وسلم) لهدمه، لأن قبره الشريف الآن يقع في وسطه.
ومن المضحكات المبكيات، أنه خلال تواجدي في (كوردستان)، التقيت بإحدى طالباتي المسيحيات، وقد عرفت من هيأتها أنها قد تعرضت للتسليب، على الطريقة الداعشية، ففي عرفهم من لا يدفع الجزية يجرد من كل شيء، عدا ملابسه الداخلية! وقالت لي بأنه أثناء عملية التسليب، وأخذ كل شيء منها، ومن عائلتها، ابتداءاً بالسيارة، وانتهاءاً بأقراط الآذان، قال لها أحدهم بأن تبتعد عنه لأنه صائم!
ومن الخواطر، التي أحسب تسجيلها أمانةً للتاريخ، وحفظاً له، اتهام أحد رجال الدين المسيحيين، لرجال الدين المسلمين، بعدم إدانة سرقة وتسليب المسيحيين، وهو أمر غير صحيح بالمرة، فقد تعرض العشرات منهم في (الموصل) وأطرافها، للاعتقال والتهديد والخطف والإهانة. وفي آخر جمعة من رمضان، صليتها عند أحد أجل العلماء في (الموصل)، قال بأن تسليب المسيحيين غير جائز، وحرام تحريماً مطلقاً، وهو مخالف للشرع، وأنه يجب إعادة ممتلكات المسيحيين، وأموالهم، مما حدا بالغزاة إلى أن يمنعوه من الخطبة، ويفرضوا عليه الإقامة الجبرية، قائلين بأن طلقة واحدة تنهي الأمور!
أما الحجاب، الذي فرضوه على المرأة، والذي يحولها إلى كومة سوداء، لا تدري أتحتها رجل أم إمرأة، فهو أمر يخالف كل القواعد والشرع، فالله (عز وجل) يقول في كتابه الكريم: [قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم]، فإذا كانت هذه صورة المرأة، فما هو مكان الإعراب لهذه الآية الكريمة، كما يقول المثل؟! وماهو دور المرأة في مجتمع نحتاج فيه للطبيبة والمدرسة والمحامية، وإلى كل الاختصاصات في الآداب والفنون؟ وهل نسيج المجتمعات الحالية، هو ما كانت عليه قبل قرون سحيقة، تغيرت فيها كل الأمور؟! ولكنها [لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور].
إن إعادة المجتمع الإسلامي لعهود السلف الصالح، كما يعتقدون، لا تعدو إلا خرافة لا معنى لها، ولا يكون بالقتل والسحل والبطش والسرقة والاغتصاب، وإن للسيف مكاناً غير الذي رسموه في عقولهم، فالرسول (صلى الله عليه وسلم) دعا قومه اثني عشر عاماً بالحكمة والموعظة الحسنة، وعندما امتشق السيف لم يكن قاسياً ولا جباراً ولا عاتياً، ولكن لإرجاع الحق.
إن هؤلاء صناعة شيطانية، وعلى كل من يريد الاستزادة في شؤونهم، أن يرجع لبطون التاريخ، ويقرأ عن (القرامطة)، وفرق (الحشاشين الإسماعيلية) السرية، ليعرف أي عقول شريرة تحاول تشويه مسيرة ديننا وتاريخنا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق