السبت، 30 يونيو 2018

نظرية جديدة للعالم الآخر ..!


سعد سعيد الديوه جي 
يدور جدل كثير ومتواصل حول وجود عالم آخر، خارج المعطيات الدنيوية التي نعيشها، وهو جدل وآراء وأفكار مستمرة، منذ بدأ البشر ينظر لما حوله، وللسماء التي تعلوه، ويفكر بحياة أخرى بعد الموت.
والماديون عموماً لا يسيرون في هذا التيار، ولا يعترفون إلا بالملموس والمنظور، وأن كل شيء خارج المادة محض خيال لا قيمة له، وأما المتدينون على اختلاف انتماءاتهم، فهم يقرّون بالغيبيات انطلاقاً من محدودية حواس الإنسان، والمحدود لا يمكنه إدراك المطلق، فيقرّون بوجود عالم آخر، وإن اختلفت هذه التصورات من دين لآخر، وبشكل جذري وعميق.
ويستند الفريق الثاني على ما موجود في الكتب المقدسة، رغم اختلافها في التفاصيل، بالإضافة للتأمل والتفكير حسب أُسس منطقية لا يعترف بها الفريق الأول.

وسنحاول هنا عرض ما تناقلته الأوساط الثقافية والعلمية عن ظهور (نظرية) جديدة، تحاول شق طريقها بين الاثنين بطريقة غير معهودة، أساسها التطور في عالم الفيزياء.
فنظرية الفريق المؤمن بوجود عالم آخر، بدأت تلقى رواجاً عند بعض الأوساط العلمية المعاصرة، خصوصاً بعد معرفة علماء الفيزياء والفلك لمكانة الإنسان المتناهية في الضآلة، في كون لم يستطيعوا تحديد معالمه لحد الآن، فكان الأمر حافزاً لتفكير غير تقليدي بشؤون الحياة وما بعد الموت.
والصراع بين الفريقين بدأ يتصاعد عندما اتهم أنصار الفريق المؤمن بوجود (عوالم أخرى) الماديين بأنهم تحت سطوة (الخرافة المادية)، لاعتقادهم بأن كل غيب خرافة، بينما هم يعتقدون بأنه هو العلم المطلق الذي لا تصله مدارك المخلوق، لأنه من علم الخالق جل شأنه.
في هذا الخضم ظهرت في الفترة الأخيرة نظرية (المركزية الحيوية – Bio Centrism)، والتي تقول بأن الموت غير موجود، وأن الإنسان ينتقل بعد الموت الى عالم آخر!، وبدون تحديد معالم هذا العالم في كونه مستقلاً أم متداخلاً مع عالمنا الحاضر.
وكان من المتصدرين لهذه النظرية (د. روبرت لانزا)، والذي نشرت أفكاره صحيفة (الديلي أكسبريس) البريطانية، في 28 تشرين الثاني عام 2016م، وصحف أخرى، حيث يقول بأن الموت هو موت الجسد فقط. أما عقولنا، فهي عبارة عن معجزة فلكية كونية، تتحول فيه لطاقة كافية تنطلق من أجسامنا للخارج عندما تتوقف حياة كياننا الجسماني. وهذا كلام عام، فالطاقة لها أوجه عديدة، حيث لم نعثر إلى ما يشير لنوعية الطاقة المنبعثة هذه!.
وقد ربط (لانزا) هذا المبدأ بمبدأ (أينشتاين) القائل (بأنه لا يمكن خلق أو تدمير الطاقة، بل يمكن تغييرها من حال لآخر)، وبذلك فعندما تموت أجسامنا، فإن طاقة إدراكنا - التي لا يعرف العلماء كنهها بعد - قد تستمر، ولكن على مستوى البعد الكمي!.
وعلى هذا الأساس، يتصور (لانزا) بأن إدراكنا يستمر وجوده في كون (عالَمْ) موازٍ، حيث يعتقد بتعدد أكوان مادية موازية للكون الذي نحن فيه، ولكن بصيغ فيزيائية مغايرة من ناحية حركة الجزيئات وخصائصها العامة.
 وأما الأستاذ (روبرت لانتس)، المحاضر في (جامعة فوسك) الأمريكية، فيعتبر - انطلاقاً من نفس النظرية - بأن الموت مجرد وهم في وعينا، وهو استمرار لوهم الحياة!.
ولا ندري ما هو المقصود بمصطلح الوهم هنا، حيث لا يبدو هنالك بعض التطابق بين خطي النظرية.
والنظرية تنطلق من وجهة نظر فيزيائية – بيولوجية، على ما يبدو، وتبتعد عن المصطلحات الدينية، خصوصاً بما يتعلق بمسألة (الروح)، وانتقالها لعالم آخر، حيث نعتقد أن واضعي النظرية يحاولون وضعها على أُسس مادية، وبرابط حيوي مبهم، حتى لا يتهموا بالتدين، أو أنهم متأثرين به.
ومن وجهة نظر (إسلامية)، فإن مسألة وجود عوالم أخرى غير مدركة أمر مفروغ منه بالكامل، وأن الوجود - ككل - غير مدرك من قبل الإنسان، لأن قدراته الحسية محدودة.
إن إيمان المسلم بعالم آخر (إيمان غيبي)، لا يتعارض مع العقل، ويقوم على أساس تكامل دورة الحياة التي تبدأ بالولادة ولا تنتهي بالموت المادي، وأن هنالك عملية خلق من خالق ليس كمثله شيء، هو الذي يهب الحياة، وأن الموت لا يمثل إلا نقطة انقلاب في دورة متكاملة يعقبها بعث ونشور.
وضمن هذه المفاهيم، فإن القرآن يوضح بأنه ليس كل طاقات الإنسان هي طاقات مادية، وأن الإقرار بوجود (عوالم أخرى)، مسألة يردّدها المسلم في صلاته يومياً، ربما عشرات المرات، بقوله: (الحمد لله رب العالمين)، أي إن الإقرار بوجود أكثر من عالم مسألة إيمانية محسومة يفرضها المنطق السليم، لا تمثل حياتنا الدنيوية إلا إحداها، وأن الرابط بين المادة الحية والمادة الميتة (الصلدة)، هي القوى الروحية، والتي سمّتها النظرية (طاقة الإدراك).
بالإضافة لذلك، فإن بعض الأحاديث الشريفة قد أشارت إلى ضآلة هذا العالم، مقارنة ببعض المخلوقات الأخرى، كالسموات السبع، والكرسي، والعرش.. والتي أشارت إليها الأحاديث النبوية، مثل: (والذي نفسي بيده ما السموات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة)، (ابن حبان في الصحيح، والبيهقي في الأسماء والصفات، وابن عساكر في تاريخ دمشق)، وهذه العوالم هي خارج مدارك الكون الذي نعيش فيه، الذي يبدو كحلقة صغيرة في صحراء شاسعة.
كما يتكلم القرآن عن وجود كائنات أخرى، كالملائكة والجان، وما لا نعلم: {وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}النحل، والشواهد عليها من الثوابت الإيمانية في القرآن، واللغة التي أخبرنا الله تعالى بها عن هذه العوالم، هي لغة تناسب مداركنا وبمصطلحات (نسبية)، تمليها حواس الإنسان على واقع حياتي محدود، وليس واقعاً مطلقاً يستطيع إدراك كل شيء. وقد أشار القرآن الكريم للمسألة بقوله: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}الاسراء، مع تأكيده في آيات كثيرة على وجوب التفكر واستخدام العقل، والابتعاد عن الإيمان الأعمى، كما يقال.
والمتمعن في آيات القرآن الكريم، يرى معاني عديدة للوجود، غير الكون المنظور، (عوالم متداخلة)، أو موازية، حيث تتحرّر أبعاد الزمان والمكان من القيود الملموسة. وهما أصلاً   - كما أثبت العلم الحديث- بعدان نسبيان لا يصمدان أمام المعنى الشمولي للوجود، والذي يعتبر الكون المنظور جزءاً بسيطاً منه.
إن هذه النظرية (الحيوية المركزية)، والتي تصبّ في مجرى العلوم الحديثة، ومحاولتها عدم تلّمس الأبعاد الروحية للحياة، أو صبّها ضمن قوانين الفيزياء المتطورة، تضع الإنسان في مواقف الحيرة والضعف من مجمل الوجود، وقد لا تختلف عن الحيرة والضعف في كل مراحل التاريخ التي مرّت على الإنسانية نتيجة تلّمسه كل شيء من خلال المنظور المادي فقط، وحتى قبل أن يصل الإنسان إلى هذه المراحل العلمية المتقدمة.
فقبل نشوء هذه النظرية صرّح العالم (تيودور هينش)، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2005م، بأن الصورة الفيزيائية للكون يمكن أن تتغير عند العلماء في وقتنا الحاضر، وأنه من الممكن أن تتغيّر، ومن الممكن أن نكون الآن في مرحلة شبيهة بتلك التي عاشها الفيزيائيون في القرن التاسع عشر، وأن الإشارات والبذور تدل على ثورة جديدة، ربما تغيّر مجمل نظرتنا إلى الكون بشكل جذري.
وعليه، فهذه النظرية ليست إلا محاولة من هذه المحاولات التي تعبّر عن القلق الوجودي للإنسان.
إن البحث عن كل طاقات الإنسان ضمن منظور (المادة – الطاقة)، على أسس فيزيائية تتعلق بحركة الذرات والجزيئات لا يبدو أنه في طريق واضح، وأن الإقرار بالروح لا يمثل عجزاً في هذا المجال، لأن الروح لا علاقة لها بالطاقة المنبعثة من المادة، وأنها مرتبطة بمجمل الحياة، {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}الإسراء.
وعليه، يبقى التفكر في خلق الله هو الباب الصحيح نحو أفكار واضحة عن مجمل الوجود، {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}آل عمران.
وبنفس السياق يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): ((تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في الله فإنكم لن تقدروا قدره)) (الأصفهاني في الترغيب والترهيب).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق