03‏/10‏/2019

سمفونية الزمن ومدارات الوجود


أ. برزان حسن الشنكالي
أ. م. د. سامي محمود إبراهيم
 هي قصتنا نحن بني البشر، نشكّلها؛ إنسان يسبح عبر الزمن، ليعبر نهر الحياة، وما هو بعابر.  وهذا ما أشار إليه الوحي الربّاني في سياق تواصل الوجود.
إن القرآن الكريم هو المعجزة الربانية، التي عدّت أبرز دلائل النبوة، وكل آية من آياته أتت ضمن حقيقة لا بد أن نكتشفها، بشرط أن نتدبّرها ونتأمّلها ونتفكّر فيها.
ويعتبر الفعل الماضي معجزاً، من حيث مدلوله في القرآن الكريم، حيث قد يحذف منه زمنه الذي مضى، ليدلّ على حدث مستقبلي. فهو فعل ماضٍ، من حيث الصيغة، ولكنّه من حيث المعنى يدلّ على المستقبل الذي لم يحدث بعد. ومن هنا، فتعبير القرآن الكريم
بالماضي عن المستقبل، يعني القطع بتحقّق وقوعه، فهو أمر واقع لا محالة. كقـوله تعالى: ﴿إذا زلزلت الأرض زلزالها﴾ الزلزلة :1، فهذا الحدث سيقع حتماً يوم القيامة، وهو غيب مستقبل.
ومن ثم، فإن المستقبل في علمه تعالى ماض، فهو تعالى الخالق المطلق، ومن ثم فهو غير محدود بالزمكان، هو الذي لا يتغيّر ﴿ليس كمثله شيء﴾ الشورى: 11، لأن الزمان هو أحد مخلوقاته، وكل ما حدث، وسيحدث، بالنسبة لله تعالى وقع وانتهى، في علمه، ودوّنَ في أمِّ الكتاب. فالله تعالى كتب مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ، قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة، وتنفيذ ما في اللوح من أحكام تضمّنتها، مرهون بمشيئته تعالى، وكل ذلك عن علمه بما في اللوح من حساب وتقدير: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا﴾ الحديد:22.
وهكذا، فالمستقبل بالنسبة لله تعالى ماضٍ، والله تعالى عندما يتكّلم عن يوم القيامة – مثلاً - يتكّلم بفعل ماضٍ، ليأمر به المستقبل، وهذا يدلّ على أن الأمر الذي يذكره بمنزلة الأمر الماضي، فهو واقع دون شك، وكأنّه قد وقع. وهذا واضح في قوله تعالى: ﴿حملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة﴾ الحاقة:13، وقوله تعالى:﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾, يس:51. وقوله تعالى ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ﴾ (الزمر: 68 ، وقوله تعالى ﴿وانشّقَت السماءُ فهي يومئذ واهية﴾ الحاقة :16، وقوله تعالى ﴿ وبُرّزت الجحيمُ للغاوين﴾الشعراء:91، وقوله تعالى ﴿وجاءَ ربُّكَ والملكُ صَفّاً صَفّاً﴾ الفجر:22 . هنا يتكلّم الله تعالى عن أمر لم يحدث بعد، إنما سيحدث في المستقبل، وبفعل ماضٍ، وكأنّه واقع حال. وبالنسبة لله تعالى ليس هناك ماض وحاضر ومستقبل، كل شيء حدث وحصل وانتهى، وكل شيء موجود في علمه، وكل شيء مدوّنٌ في أمّ الكتاب، وهو الخبير العليم الذي خلق الشيء من لا شيء، وخلق كل شيء من العدم، وخلق العدم من لا شيء.
 وهنا نسأل: لماذا يتكلّم الله تعالى عن المستقبل بفعل ماضٍ؟
     لأن الماضي والحاضر والمستقبل مخلوقات الله، والزمان أحد مخلوقاته.. إذن كيف يحكم المخلوق على الخالق بالماضي والحاضر والمستقبل؟ لو حكم الزمان على الخالق، وهذا محال. فالمستقبل بالنسبة لله تعالى، كالماضي بالنسبة لنا، فالله تعالى ليس مثلنا ينتظر يوم القيامة، سبحانه وتعالى، إنه يرى كل شيء، وكل الأحداث هو خالقها، هو خالق الزمن، وخالق الأيام، وخالق المستقبل، ولذلك فهو يرى كل شيء، فأراد أن يؤكّد هذه الحقيقة، فجاء الحديث عن يوم القيامة بصيغة الماضي.
وهكذا، نجد أن القرآن الكريم هو كتاب الحقائق المطلقة، ولذلك فهو يتحدّث عن أشياء مطلقة، فالزمن بالنسبة لنا نحن البشـر ينقسم إلى ماض ومستقبل، أمّا بالنسبة لله تعالى، وهو خالق الزمن، فلا وجود للتقسيمات الزمانية للماضي أو المستقبل، بل إن الله تعالى يرى الماضي والمستقبل رؤية مطلقة، فهو خالقهما، في سياق الزمن الإلهي المطلق. وهذا أيضاً دليل على أن يوم القيامة له قوانينه التي تختلف عن قوانين الدنيا، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ إبراهيم: 48.
 أمّا علمنا، فجزئي وليس كلّياً مطلقاً، لأن من يملك العلم الكلي، والمطلق، هو الله سبحانه وتعالى. فالله تعالى لا يجري عليه أي شيء، هو الخالق الذي يدبّر الأمر من السماء إلى الأرض، وإلى باقي الكواكب والنجوم والأفلاك، وسائر المجرّات، بعيونها المظلمة، وثقوبها السوداء، التي يتلاشى عند حدودها الزمان والمكان. خلق كل شيء بمقادير وموازين ثابتة. قال تعالى:﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى، ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ فاطر:13.. يجريان لوقت معلوم، ومحدود، عنده، لا قبل لنا فيه، ولا دراية.. كقوله تعالى: ﴿الشمس والقمر بحسبان﴾ الرحمان: 5.  وقوله تعالى: ﴿إنّا كلّ شيء خلقناه بقدر﴾ القمر:49. فكل شيء خلق بمقدار محدود، ومعلوم، وموزون، وخلق الإنسان من شيء لا يكاد يذكر: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا﴾ الإنسان:1. قد مضى على الإنسان وقت طويل من الزمان قبل أن تنفخ فيه الروح، لم يكن شيئاً يذكر، ولا يعرف له أثر.
     وما الحياة الدنيا إلا تصوير لما خطّه قلم القدر، نعيش فيها لوقت معلوم، في أصعب اختبار، وكل شيء حدث وانتهى في علمه تعالى. بهذا التفصيل، اتّضح لنا كيف أن الله تعالى يرى هذه الأزمنة الثلاثة بنفس اللحظة، ولذلك وجدنا القرآن يتحدّث عن المستقبل بصيغة الماضي.
إننا نحن البشر ننتظر حتى تحدث هذه الأشياء، ولكن الله تعالى لا ينتظر، بل يرى كل شيء وقد وقع حقيقة. وهذا بيّن في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ النمل: 65. أحاط علمه تعالى إحاطة كاملة: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ الأنعام:59. وتأتي الآيات الكثيرة في كتاب الله، لتذكّر بأن الله تعالى عالم بالعباد، وآجالهم، وأرزاقهم، وأحوالهم، وشقائهم، وسعادتهم، ومن يكون منهم من أهل الجنة، ومن يكون منهم من أهل النار، قبل أن يخلقهم ويخلق السموات والأرض.. فهو تعالى عليم بما كان، وما هو كائن، وما سيكون، ولا تخفى عليه خافية في الأَرض، ولا في السماء، أحاط علمه بجميع الأشياء، بما في ذلك سياقاتها الزمانية والمكانية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق