07‏/04‏/2014

صحوة الوعي الكردي في ذاكرة القرن العشرين 2-2

سعد الزيباري 
تطورات الحل السلمي للقضية الكورديَّة
بعد عقدِ المؤتمر السابع للقيادة القطريَّة لحزبِ البعثِ العربيِّ الاشتراكيِّ في عام 1968م، بدأَ موقِفُ الحزبِ يتغيَّر باتجاهِ الحلِّ السلميِّ للقضيةِ الكورديَّة، وفي أيلول 1969م بدأتِ الحكومةُ العراقيَّةُ اتصالاتِها مع القيادةِ الكورديَّة المتمثِّلة بالملا مصطفى البارزاني، ودخلَ الجانبانِ في مُفاوضاتٍ تمهيديَّة، وتـمَّ الاتفاقُ على الحُكْمِ الذاتيِّ مِنْ حيثُ المبدأ، وفي (9) آذار/ 1970م، زار صدَّام حسين نفسه كوردستان العراق، والتقى بالملا مصطفى البارزاني وقيادة الحزبِ الديمقراطيِّ الكوردستانيّ، وأكّد لهم استعداد حكومتهِ للمصادقة على كافة الاتفاقاتِ التي تـمَّ التوصُّل إليها في المفاوضاتِ في بغداد. وفي (11) آذار أُعلن البيانُ رَسميَّاً من إذاعةِ وتلفزيون بغداد مِنْ قبل الرئيس أحمد حسن البكر(1)، وقد جاءَ فيه: "تأكيداً لروابطِ المواطنةِ والأُخوّة التاريخيَّة بين أبناءِ العِراق مِنَ العربِ والكورد والأقليَّات المتآخية، وانسجاماً مع المبادئ الديمقراطيَّة لثورةِ السَّابِع عشر
من تموز/ يوليو، ووفاءً بعهدها وتطبيقاً لبيانِ الحادي عشر مِنْ آذار/ مارس لسنة 1970م، ولِمَا تضمَّنهُ ميثاقُ العملِ الوطنيِّ، وتعزيزاً للنضالِ المشترك والمصالِح المشتركة لجميعِ أبناءِ الشعب، ولِمَا ناضلتْ من أجلهِ ودَعَتْ إليهِ كُلَّ القِوَى الوطنيَّة والقوميَّة التقدُميَّة.. قرَّر مجلسُ قيادةِ الثورة تطبيقَ الحُكْم الذاتيِّ في منطقةِ كوردستان. إنَّ تطبيقَ الحُكْمَ الذاتيَّ في المنطقةِ التي غالبيَّةُ سُكّانِها مِنَ الكورد، وعلى أُسسٍ ديمقراطيَّة يوفّر السُّبل الكفيلةِ لممارسةِ شعبِنا الكورديِّ كامِلَ حقوقهِ القوميَّة المشروعة في إطارِ الوطنِ الواحِد، وفي ظلِّ علاقاتِ الإخاءِ والمساواة والمكتسبات التي حقّقتها الثورةُ للجماهير في سائِر الميادين"(2). 
وقد عُيِّن صدَّام حسين رئيساً للجنةِ العُليا لشؤُونِ الشمال، وهي اللجنةُ التي شُكِّلَتْ للإشرافِ على تنفيذِ الاتفاق. وكانتْ هُناكَ ظروفٌ وعوامِل سياسيَّة عديدة دفعتْ بحزبِ البعثِ العربيّ إلى اللجُوءِ إلى الحلِّ السلميِّ في تلك المرحلة، وأهمُّها التهديدات الخارجيَّة التي بدأتْ تتسلّلُ عبرَ بوابةِ الفشلِ في حلِّ المسألةِ الكورديَّة سِلميَّاً، وإعادةِ الاستقرار إلى كوردستان العراق(3). فالمساعِي السلميَّةُ التي أقدمتْ عليها الحكومةُ العراقيَّة في تلك الفاصلةِ الزمنيَّة كانتْ جُزءاً مِنْ مُخطّط رهيب بَلْ حلقة تآمرية حاكَ خيوطَها خلفَ الكواليسِ أربابُ اللعبةِ السياسيَّةِ القذرة، بعد تزايد وتيرةِ التحديَّاتِ الخارجيَّة التي بدأتْ تهدِّد أمنَها السياسيِّ وتمسُّ سيادتَها في الصميم. 
أمَّا القيادةُ الكورديّةُ فقدْ رأتْ هِيَ الأُخرى أنه مِنَ الأجدى لها - بعد حربِ الاستنزاف الطويلة - أن تختارَ الحلَّ السلميَّ الذي يعودُ بالنفعِ على قضيتِها العادِلة عاجِلاً أو آجِلاً، وراهنتْ عليهِ طموحاتِها المشروعة في تأسيسِ كيانِها تمهيداً لتحقيقِ استقلالِها الذاتيّ على أرضها وأرضِ آبائِها وأجدادِها، وهكذا "ولأوَّل مرَّةٍ في التاريخ الحديث جَرَى الاعترافُ بحقُوقِ الشعبِ الكورديِّ السياسيَّة بوثيقةٍ قانونيَّة مِنْ دولةٍ ذاتِ سيادةٍ لا سبيلَ إلى طَمْسِها ولا حَجْبِها، وستبقى إلى الأبد، ولا يُمكن الانتقاصُ مِنْ قيمةِ القرارِ الذي تتضمَّنه. لقد كان اتفاقُ الحادي عشر من آذار/ 1970م، حَلاً تقدميَّاً عادِلاً للمشكلةِ الكورديَّة، ونَصْراً عظيماً للشعبِ العراقيِّ عمُوماً وللشعبِ الكورديِّ خصُوصاً، وفوزاً عظيماً للثورةِ الكورديَّة(4). تلك الثورة التي أجبرتِ الحكومةَ العراقيَّة آنذاك على توقيعِ ذلك الاتفاق التاريخيِّ الذي كان من حيثُ التنظير يصبُّ في صالحِ القضيَّة الكورديَّة، إلاّ أن الواقع التطبيقيِّ كان على طرفي نقيض من تلك المبادئ والبنود التي تضمَّنتها تلك الاتفاقيَّة التي "انطوتْ على نقاطٍ أساسيَّة منها ضَمانُ الحقُوق المشروعة للشعبِ الكورديِّ ضِمْنَ الجمهوريَّةِ العِراقيَّة، وترسيخُ وحدة الشعبينِ اختياراً وفق نظامٍ دستوريّ، ومركزيَّة السلطةِ المقيّدة بتطبيقِ نظامِ الحُكْمِ الذاتيِّ، والعملُ في إدارةِ الشؤونِ المحليَّة في إطارِ السلطةِ المركزيَّة وفق مبدأ سيادةِ القانون، الذي يعني شموليَّة القانون على الجميع، وعدم استخدامِ السلطة، سواء أكانت سلطة الحكم المركزيّ التي تَسْرِي على جميعِ البلاد، أو سُلطة الأجهزةِ اللامركزيَّة التي تَسْرِي على مناطِق الحُكْمِ الذاتيّ، لمصلحةِ حزبٍ معيَّن أو فئةٍ معيَّنة، بَلْ من أجلِ جماهيرِ المواطنين بغضِّ النظر عنِ الانتماءِ الدينيِّ والقوميِّ والسياسيّ"(5).
هذا، وفي خلالِ شهرٍ من التوقيعِ على البيان، تألّفتْ لجنة عُليا مِنْ تسعة أعضاء بينهم خمسة من العرب، وأربعة من الكورد، أوكل إليها مهمَّة تنفيذ الاتفاقيّة، كان أوّلُ عملٍ قامتْ بهِ الحكومةُ بعد توقيعِ الاتفاقيّة هو تعديلُ الوزارة، وتعيين خمسة وزراء كورد رشّحَهُم البارزانيّ، وفي 23 نيسان أعلنتِ الحكومةُ عن تعيينِ عددٍ مِنَ الكورد في وزارة الخارجيَّة، بينهم إثنان برتبة سفير، وفي 25 نيسان عُيِّن مديرٌ كورديّ لمديريّة الثقافة والإعلام التي أنشئتْ للاهتمامِ بالثقافةِ الكورديَّة. وفي نهايةِ شهر نيسان، أعلَنتْ وزارةُ التربية تنفيذ نصِّ البيان باستعمالِ اللغةِ الكورديَّة لغةً للتعليمِ في المدارِس الكورديَّة، وإدخال التاريخ الكورديّ في المدارِس العراقيَّة، وتدريس اللغة الكورديَّة، والقواعِد الكورديَّة والأدب الكورديّ، كمواد أساسيَّة في المدارِس المتوسطة في كوردستان، وأُعيد إصدار جريدة (التآخي) صوت الحزب الديمقراطيّ الكوردستانيّ في الأوّل من أيّار/ مايو. وقد ساعد هذا التوجُّه على عودةِ الحياةِ الطبيعيَّة إلى كوردستان العراق، واستئناف الخدمات الصحيَّة والاجتماعيَّة والتربويَّة، واستعاد النَّاس نشاطهم التجاريّ(6).
وعلى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ ذلك فإنَّ العَلاقاتِ بين الكوردِ وحزبِ البعث بعد صدُور بيان (11) آذار في سنة 1970م لم تكنْ تُوحي بالتفاؤُل، بل كانتْ في سبيلِها إلى التصادُم، خاصَّةً في النصفِ الأخير من عام 1970م، إذ جَرَتْ محاولتانِ لاغتيالِ الملا مصطفى البارزاني(7)، وكان هذا سبباً كافياً لانهيارِ تلكَ الاتفاقيَّةِ التي استغلّها البعثُ لصالحهِ أيما استغلال، وكان مِنْ نتائجها الرئيسة: كَسْبُ الوقت، وبناءُ وتثبيتِ النظامِ بشكلٍ كافٍ ليكونَ قادراً على إعادةِ تطبيقِ سياساتهِ القديمة تجاهَ القضيَّةِ الكورديَّةِ في المستقبلِ اللاحِق(8)، وبعد أن انشكفت خيوط التآمر البغيض انهارتِ الاتفاقيّة التي راهن عليها الكورد كثيراً، الأمرُ الذي أدّى إلى اندلاعِ القتالِ مِنْ جديد في آذار 1974م بين الكورد والحكُومة العراقيَّة، وقد بدأتْ أُولى الأعمال الحربيَّة بقصفِ مدينةِ (قلعة دزه) في 24/4/ 1974م، مِمَّا أدّى إلى استشهادِ مئاتِ المدنيين، وكان بينهم مائة وثلاث وعشرون طالباً جامعيَّاً، وجرح أكثر مِنْ (400) منهم. وبعد هذا التصعيد العسكريِّ على المواقع والبلدات الكوردستانيَّة تبيَّن للقيادةِ الكورديَّة بصورة عمليَّة ما كانت تبيِّتهُ الحكومةُ العراقيَّة في الخفاءِ من مؤامراتٍ تستهدفُ القضاء على الثورة الكورديَّة برمّتها. 

اتفاقية الجزائر وانهيار الثورة الكورديَّة
وبعد كانون الثاني 1975م ازداد الوضعُ تدهوراً حتَّى توِّجَ باتفاقية الجزائر التي جَرَتْ في عهدِ الرئيس هواري بومدين الذي تدخّل في الوساطةِ بين دولتي العراقِ وإيران في (6) آذار/ 1975م، وذلِكَ إبّان انعقادِ مؤتمر دول الأوبك في العاصمة الجزائريَّة، وقد وقّع كلٌّ مِنْ صدّام حسين نائب رئيس الجمهوريَّة العراقيَّة، ومحمَّد رضا شاه إيران اتفاقية رسميَّة بينهما بشأن الحدود العراقيَّة - الإيرانيَّة، وتنصُّ الاتفاقية على تسويةِ مُشكلاتِ الحدُود العالقة، وخصُوصاً تقسيم (شط العرب)، وتلتزِمُ إيران بإيقافِ دعمِها للحركةِ الكورديَّة في كوردستان العراق، وإغلاق حدودِها مع العراق في وجهِ أيِّ أنشطةٍ عدائيَّة للعِراق(9)، وكان المقصُود بها الثورة الكورديَّة التي كانت تتركّز حينها على الحدودِ العراقيَّة والإيرانيَّة، ولكن لسُوءِ حظِّها جَرَى تغيير مُفاجئ في السياسةِ الدوليَّة التي كانتْ تتحكّمُ فيها ولا تزالُ لعبةُ المصالِح لا القيم أو المبادئ، فأدّى ذلك إلى تفكيكِ الثورةِ الكورديَّة تارةً أُخرى حتَّى إشعارٍ آخر! وقد تجلّى واضحاً ليسَ فقطَ عند الساسة والمراقبين "أن اتفاقيَّة الجزائِر كانتْ طبخةً شاركتْ فيها أطرافٌ عديدة، فقدْ حصلَ الشاهُ على شطِّ العَرَب، وحصلتْ أمريكا على وعدٍ مِنَ النظامِ العراقيّ بالخرُوجِ من دائرةِ النفوذِ السوفيتي، والدخُول في دائرةِ النفوذ الأمريكيّ"(10). أمَّا الدبلوماسية الكوردية آنذاك فقدْ رأَتْ استدراكَ الموقِف، فبدأ الملا مصطفى البارزاني محاولته في الاتصالِ بشاهِ إيران (محمد رضا بهلوي) ولكن دون جدوى، وأرسلَ البارزاني رسالةً إلى وزيرِ الخارجية الأمريكي ليبيِّن له دهشته وألَمهُ لهذهِ الاتفاقية الجائِرة، والتي أدَّتْ إلى تدميرِ ما تبقّى مِنْ بصيصِ أملٍ للحلُم الكورديّ في المنطقة! وكان ردُّ كيسنجر حسبَ ما ذكرهُ في مذكراتهِ: "أتعجَّبُ لهذا الرجل الّذي ما زالَ يخلطُ السياسةَ بالأخلاق" والسياسةُ لا أخلاقَ لها(11).
وقد أسفرتْ هذهِ الاتفاقيةُ - في غضُونِ أُسبوعين - عن انهيارِ الثورةِ الكورديَّة في العِراق، تلك الثورة التي استمرَّتْ حوالي أربعة عشر عاماً، ولجأ الملا مصطفى البارزاني إلى طهران، ومنها سافرَ إلى الولاياتِ المتحدة الأمريكيَّة، حيث عاشَ لاجِئاً سياسيَّاً حتَّى وفاته في عام 1979م(12). والتاريخ يشهدُ أن هذهِ الاتفاقيَّة قَدْ وجّهت ضربةً قاصِمةً إلى الحركةِ الكورديَّة - لكنَّها لم تستطعْ سَحْقَها كُليَّاً - مِمَّا دفعها إلى تغييرِ طبيعةِ الفعالياتِ التي كانتْ قادرةً عليها فضلاً عن تنويعِ مجالاتها(13). 
والأخطرُ مِنْ كُلِّ هذا أن النظام تصرَّف بروحِ المنتصِر، ونسيَ أنَّ "العقلَ يجبُ أن يمنعَ المنتصِرَ مِنَ الإفراطِ في انتصارهِ، لأنَّ النصرَ لحظةٌ عابرةٌ في التاريخ، هذا إذا اعتبرنا - تجوزاً - أن ما حدثَ كان انتِصاراً، وأنَّ العَلاقةَ بينَ الشعبِ والحكومةِ لا يمكن أن تكون يوماً ما علاقة غالِبٍ ومغلُوب(14). هذا، وأن النظامَ وإن تمكّن في لحظةٍ تاريخيَّة قاسية أن "يحقِّقَ نصراً جزئياً باغتصابهِ الأرضَ، ولكنه يبقى نصراً مؤقتاً، لأن نصرَهُ كان على شعبه، أمّا نصرهُ الكامل فلنْ يتحقّق إلاّ إذا اغتصبَ مِنَ الإنسان إنسانيته وروحه وكرامته وإرادته، وعند ذلك يستطيعُ الاطمئنان إلى طُولِ بقائه"، وهذا ما لم يحصُلْ ولن يحصُلَ أبداً.

تداعيات الثورة الكورديَّة إثر اتفاقية الجزائر
لقد أدَّت اتفاقية الجزائر في (6) آذار لسنة 1975م إلى انهيارِ الثورةِ الكوردية ومن ثم إجبار قيادتها المتمثِّلة بالمرحُوم الملا مصطفى البارزاني للإعلانِ عن إنهاءِ الكفاح المسلّح، وإنهاء النضال السياسيّ معاً، وتخيير المواطنين الكورد بين العودةِ إلى العراق، أو الهجرةِ إلى إيران(15). هذا، وقد أعلن البارزاني حينذاك بقوله - الذي نُشر في صحيفة (الوطن الكويتيَّة) في 5 أيلول/ سبتمبر 1975م -: "إنَّنا لا نستسلِم، بل نُؤْثِر في الوقتِ الحاضِر إيقافَ العمليَّاتِ مُؤقّتاً، لإعادةِ رَصِّ الصفُوف، وبناءِ الثورة لتنسَجِمَ مع المستجداتِ الجديدة حتَّى نستطيعَ الاستمرارَ في المقاومة بعد إغلاقِ الحدُود الإيرانيَّة - العِراقيَّة.. ولكنَّني أُوثرُ أن أحقنَ دِماءَ الشعبِ الكورديِّ، ودماء الشعب العِراقيِّ، دون أن يكون في ذلك نهاية للثورةِ الكورديَّة، فالثورةُ لم تنتهِ، ولكنَّها توقّفتْ في الوقتِ الحاضِر، وغداً سوفَ تبرز قياداتٌ تتولّى تنظيمَ مُقاومته. شعبُنا الكورديِّ لا يُمكن أن ينتهيَ وجُوده أبداً". هذا، وفي الأوّل من حزيران لسنة 1975م أُعْلِنَ في دمشق عنْ تأسيسِ الاتحادِ الوطنيِّ الكوردستانيّ مِنْ قِبل السيد جلال الطالباني، وعددٍ مِنَ الشخصياتِ الكورديَّة، وبمبادرةٍ من الأخوينِ إدريس البارزاني ومسعود البارزاني أُعْلِنَ عن تشكيلِ (القيادة المؤقتة) للحزب الديمقراطيّ الكوردستانيّ في 10/12/1975م(16).
وقد تغيَّر الموقِف بشكلٍ كبير إثر سقوطِ نظامِ الشاه في إيران، وذلك في شباط 1979م، بعد انتصارِ الثورة الإسلاميَّة، وبذلك واجهَ البعثُ مِنْ جديد بوادر الحركة الكورديَّة، وقد استندتِ الحكومةُ العراقيَّةُ في مُواجهتِها المرتقبة مع إيران على مجموعةٍ من المبررات منها: أن الأراضِي العراقيَّة ما زالتْ مُحتلّة، وإعلان إيران عن تصدير ثورتِها الإسلاميَّة إلى العراق، فضلاً عنِ الشرقِ الأوسط، وإثارة الشيعة العراقيين، وإغلاق مضيق هرمز بوجهِ الملاحة العراقيَّة من قبل البحريَّة الإيرانيَّة، وحصُول اعتداءاتٍ على السفارةِ العراقيَّة في طهران، تلك هي المبررات التي ساقها صدَّام حسين في خطابهِ لمؤتمر القمَّة الثالث لمنظمةِ المؤتمرِ الإسلامي المنعقِد في مكّة في عام 1981م(17). ونتيجةً لذلك أعلن صدَّام حسين ومِنْ جانبٍ واحِد إلغاء اتفاقية الجزائِر في يوم (17) أيلول/ 1980م أمام المجلس الوطني العراقي(18).
وفي ليلة (22) أيلول 1980م قامتِ القوّاتُ الجويَّةُ العراقيَّةُ بضربِ مُعظمِ المطارات الإيرانية والأهداف العسكريَّة داخِل إيران، وفي الوقتِ نفسهِ اقتحمتِ القوَّاتُ العراقيَّةُ مناطِق شاسعة مِنَ الأراضي الإيرانيَّة، واستولتْ على عددٍ مِنَ المدنِ والمواقِع الحدوديَّة منها مدينة (المحمّرة). ولكن في المقابِل نجحتِ القوّاتُ الجويَّةُ الإيرانيَّةُ في تدميرِ المنشآتِ النفطيَّة العراقيَّة في منطقةِ البصرة إلى درجةِ لم يعد العراقُ فيهِ قادِراً على تصدير النفطِ من حقولهِ الجنوبيَّة منذ كانون الأوّل 1980م(19). وبهذهِ الصورة دخل العراق في دوّامةِ حربٍ مُدمِّرة زُجَّ في محرقتها الآلافُ مِنَ العراقيين عنوةً منهم وقسراً عن إرادتهم، تلكَ الحربُ البائسةُ التي استمرَّت ثماني سنواتٍ أحرقتِ الأخضر واليابس، وعندما وضعتِ الحربُ الضروس أوزارها في 8/ 8/ 1988م خَرَجَ البَلدَانِ من تحت أنقاضها في حالةِ إجهادٍ تام، وراح ضحيَّتها أكثر مِنْ مليون شخص، وخسائِر فادحة قُدِّرت بـ(500) مليار دولار لكُلِّ دولة على حِدَة، وتركتِ الحربُ آثاراً اقتصاديَّة واجتماعيَّة وسياسيَّة ونفسيَّة عميقة في البلدين سواء بسواء، ومُنِيَ العراق في نهايةِ الحربِ بديونٍ وصلتْ إلى (100) مليار دولار(20). وفي شتاءِ 1988م بدأتِ القوَّاتُ العراقيَّة بالإعداد لاحتلالِ مدينة حلبجة والقرى المحيطة بها، وفي 13-14/3/ 1988م بدأ الهجُوم وعلى عِدَّة محاوِر، وفي 16/3/1988م، قامتِ القوَّاتُ الجويَّة العراقيَّة بقصفِ المدينةِ وما حولها بالغازاتِ السَّامة مِمَّا أدّى إلى وقُوعِ الفاجعةِ الإنسانيَّة التي هزّت الضمير العالميِّ بأسرهِ إلى حدِّ هذهِ اللحظة.

الغزو العراقي للكويت سنة 1990م
وفي فجرِ يوم (2) آب، لسنة 1990م شنت القوَّاتُ العراقيَّة هجوماً كاسِحاً على الكويت، وقدِ استغرقتِ العمليَّةُ العسكريَّةُ يومينِ، وانتهتْ باستيلائِها على كاملِ الأراضي الكويتية في (4) آب، ثم شُكِّلَتْ حكومةٌ صوريةٌ برئاسةِ العقيد علاء حسين خلال 4 - 8 آب تحت مُسمَّى جمهورية الكويت، ثم أعلنتِ الحكومةُ العراقيةُ يوم (9) آب 1990م، ضمَّ الكويت للعراق، وإلغاء جميع السفارات الدولية في الكويت، إلى جانبِ إعلان الكويت المحافظة (19) للعراق، وتغيير أسماء الشوارع والمنشآت، ومنها تغيير اسم العاصمة الكويتية(21). وقدِ استباحتِ القوَّاتُ العراقيَّةُ ومعها الأجهزةُ الأمنيَّة الكويت وما فيها، واعتبر صدَّام حسين نفسه سيِّد الآبار النفطيَّة، وأدّعى أنه يهيمنُ على خمس البترول المنتَج على الصعيدِ العالميِّ وعلى الاستثمارات الكويتيَّة، واعتبرها (غنيمة حرب) يستطيعُ بواسطتها الضغط على الدول الغربيَّة. وبغزوِ الأراضي الكويتيَّة واحتلالِها فتحَ النظامُ العراقيُّ الأبوابَ أمامَ القوَّات الأجنبيَّة وخاصَّة الأمريكيَّة منها بدخُول الشرقِ الأوسط، ومنطقة الخليجِ من أوسعِ أبوابه(22). 
وكان ردُّ الفعلِ على غزوِ الكويتِ سريعاً على المستوى العالميّ. وتوالى صدور قرارات مجلس الأمن المتعلِّقة بالعدوانِ العراقيِّ على الكويت، حسب تطوُّر الأحداث، ومن هذهِ القرارات الصادرة القرار رقم (660) الذي صدر في (3) آب 1990م، ويدينُ فيه الغزو العراقي للكويت، مُطالباً إيَّاهُ بالانسحاب الفوري غير المشروط مِنَ الكويت، ومن ثم تلاه القرار رقم (661) الصادر في (6) آب 1990م، وفيه يدعو إلى حظر التجارة مع العراق والكويت المحتلّة، وأُعفيت عن هذا القرار المواد الطبية والغذائية وذلك لأسباب إنسانيَّة، إضافةً إلى تشكيلِ لَجنةٍ لمراقبةِ تطبيقِ الحظر الذي فرضتهُ الأُمم المتحدة. أمَّا القرار رقم (662) فقد صدر في (9) آب 1990م، وفيه اعتبر ضمَّ الكويت باطِلاً بموجب القانون الدوليِّ، مع التأكيدِ على سيادةِ الكويت. وغيرها من القرارات التي تؤكِّد تحجيم دور العراق وتضييق الخناق عليهِ، فضلاً عن تجريمه وإدانته(23).
وفي (29) نوفمبر سنة 1990م، صدر من مجلس الأمن الدولي القرار رقم (678)، وفيه تـمَّ تحديد تاريخ 15 يناير من سنة 1991م مهلةً نهائيةً للعراق لسحبِ قوّاته مِنَ الكويت، وإلاّ فإن قوات الائتلاف سوفَ "تستعملُ كُلَّ الوسائِل الضروريّة لتطبيقِ قرارِ مجلسِ الأمنِ الدوليّ رقم (660)". وقد وافقَ مجلسُ الشيوخ الأمريكيّ في (21) يناير سنة 1991م على استخدامِ القوّةِ العسكريَّة لتحريرِ الكويت بموافقة (52) عضواً ورفض (47). كما وافق مجلسُ النوابِ الأمريكيِّ بموافقة (250) عضواً ورفض (183). أمَّا العراقُ فقد بدأ بمحاولاتٍ إعلاميةً لربطِ مسألةِ اجتياحِ الكويت بقضايا "الأُمَّة العربيَّة" فأعلنَ العراقُ أنَّ أيَ انسحابٍ مِنَ الكويت يجب أن يصاحِبَه انسحابٌ سوريّ مِنْ لبنان، وانسحابٌ إسرائيليّ مِنَ الضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان.
وبعد يومينِ من انتهاءِ الموعِد النهائيّ(24) أي في ليلةِ (17) يناير (كانون الثاني) إلى (28) فبراير 1991، انطلقتْ عمليَّةُ عاصفةِ الصحراء(25)، وبدأت طائراتُ قوّاتِ التحالُف أو الائتلاف العسكريّ - المكوَّن من (34) دولة بقيادةِ الولايات المتحدة الأمريكية - بشنِّ حملةٍ جويّة مُكثَّفة وواسعة النطاق شملت العراقَ كلّه مِنَ الشمال إلى الجنوب، واستمرّتْ لمدَّة (43) يوماً، الأمرُ الذي أدَّى إلى تدميرِ الكثير من البنى التحتية في العراق. وفي (17) يناير من السنة نفسِها، قام الرئيس صدام حسين بإصدارِ بيانٍ مِنْ على شبكة الإذاعة العراقية مُعلِناً فيهِ أن "أمَّ المعاركِ قَدْ بدأتْ". وفي (27) فبراير أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب عن تحريرِ الكويت بعد (100) ساعةٍ مِنَ الحملةِ البرية، وقال: "الكويت أصبحتْ مُحرَّرةً، وأنَّ الجيشَ العراقيّ قد هُزم"(26).
هذا، ولم تَكُنْ لدى الحلفاءِ خطّة عسكريَّة للتقدُّمِ نحو الأراضي العراقيَّة، وبناءً على ذلِكَ تـمَّ التوقيعُ على وقْفِ إطلاقِ النَّار في (صفوان) في (28) شباط 1991م، وقد وقّع النظامُ على جميعِ شروطِ التحالُفِ دون قيدٍ أو شرط، وذلك في سبيلِ الحِفاظِ على كرسيِّه. ولكنَّه - بعد هزيمته المقرونة بتنازلاته - أصيبَ بشللٍ شبه تام في أنظمةِ حُكْمه، وكان من نتائجهِ اندلاعُ الثوراتِ الشعبيَّة في أغلبِ المدنِ العراقيَّة، وخاصَّةً في جنُوبِ العِراق، فضلاً عن كوردستان، وقبل وقفِ إطلاقِ النَّار بحوالي أسبوعين، أي في (15) شباط 1991م، ألقى الرئيس الأمريكي جورج بوش كلمةً ناشدَ فيها القوّاتِ العسكريَّة العِراقيَّة والشعب العراقيّ أن يتدبَّرُوا الأُمورَ بأنفسِهم، ويُجبروا صدَّام حسين على التنحِّي، وأخذ زِمام الأُمور بأيديهم، وقد فُسِّرتْ دعواتهُ هذهِ بأنها تهدفُ إلى تشجيعِ العراقيين للقيامِ بانقلابٍ عسكريّ ضِدَّ النظام، وكانت كلماتُ الرئيس الأمريكي تعني أن القوَّاتِ الأمريكيَّةَ ستدعمُ الانتفاضة الشعبيَّة بقوَّة(27). 

الانتفاضة الشعبيَّة في المناطق الجنوبيَّة وكوردستان الشماليَّة
في يوم (28) شباط لسنة 1991م، اندلعتْ ثورةٌ شعبيَّة في الجنوب، بدأتْ في البلداتِ السنية التابعة لمحافظةِ البصرة في (أبي الخصيب)، و(الزبير)، ثُمَّ انتشرتْ كالنَّارِ في الهشيمِ في البصرةِ التي بدأتْ انتفاضتُها فعليَّاً في (1) آذار 1991م، عندما قامَ أحد الجنود العراقيين بإطلاق النارِ على تمثال صدام حسين في ساحةِ (سعد) في المدينة، ثمَّ انتقلتِ الانتفاضةُ بسرعةٍ كبيرة إلى مدينة العمارة مركز محافظة ميسان، وذلك لقربها من البصرة، وذلك في عصر يوم (2) آذار 1991م، أمَّا مدينة كربلاء فقدِ اندلعتِ الانتفاضةُ فيها - حالُها حالُ المدن العراقيَّةِ الأُخرى - وقدِ انتشرتْ بوتيرةٍ أسرع مِمّا يُتَصوَّر، لأنها كانتْ مكتضَّة بآلاف الزوّار، أمَّا في النجف فقدِ انطلقتْ شرارةُ الثورة فيها فعلياً ظهر يومِ الأحد الموافق 3/3/1991م، وبعد أيَّامٍ قلائِل أي في أوائِل شهر آذار اندلعتِ الثورةُ في كوردستان العِراق(28)، لأنَّ سُكّان كوردستان كانوا يُتابعون أخبارَ الانتفاضة في الجنوب باهتمامٍ بالِغ، وكان لها الأثرُ الكبير في تجييشِ الحماسِ الكورديِّ وتثويره، فضلاً عن تحشيد إرادته الرَّافِضة للظُلْمِ والعُدوان، الأمرُ الذي أدّى إلى تفجيرِ الوضعِ في كوردستان، وقدِ انطلقتْ شرارةُ البدايةِ مِنْ مدينةِ (رانية)، وذلِكَ في يوم 5/ 3/ 1991م، وسرعان ما تحوّلتْ إلى انتفاضةٍ شعبيَّةٍ عارِمة انتقل أوارُها إلى المدن الكورديَّة الرئيسة، ففي السليمانيَّة انطلقتْ انتفاضتها الجماهيريَّة الواسعة في 7/ 3، أمَّا في أربيل العاصمة فقد اندلعتْ ثورتها الشاملة مع بزوغ فجرِ يوم 11/ 3، أمّا مدينة عقرة فقد شهدتْ هي الأُخرى هبّة شعبيَّة غاضبة في 12/3، وفي مدينة زاخو انتفضتْ جماهيرها الثائرة المشبّعة بالحريَّة في 13/3 أما مدينة دهوك الصامدة فقد ثارتْ بعزمٍ وحسم في 14/ 3، وفي كركوك اشتعلت ثورتها الحاسمة في 21/3، كلُّ هذا حصَلَ في المدنِ الكورديَّة الكُبرى، فضلاً عنِ البلداتِ والقصباتِ التابعةِ لها. وفي غضُونِ أيَّامٍ قلائِل تـمَّ تحريرُ التراب الكوردستاني برمّته، وبدأت القوّات الكورديَّة بشنِّ هجومٍ كبير على مدينةِ كركوك نفسِها، وتـمَّ تحريرها في الـ(19) مِنْ آذار لسنة 1991م، وفي (21) آذار تـمـَّتِ السيطرةُ على جميعِ مناطق كركوك قاطبةً.
والتاريخ يشهدُ أن الانتفاضةَ الشعبيَّةَ - التي شملتْ معظمَ محافظاتِ العراق - كانت حدثاً مُثيراً لدهشةِ العراقيين قاطبةً، بَلْ مثَّلت كَسْرَاً لأُفقِ توقعاتهم جميعاً، فلم يَكُنْ في خَلدِ أحدٍ أن ينهارَ ذلِكَ النظام المتماسِك في قلبِ شهور قليلة، وبتلكَ الصُورةِ المزرية التي رأيناها بأُم أعيننا، فالحقُّ أن انهيارَ النظام العراقي كاد أن يكون في ذلك الوقت مستحيلاً، أو خبراً لا يُصدَّق على الأقلِّ في ذهنيَّة الذين عاصرُوا النظامَ السابق وخبرُوا تجارِبه، وعليه فإنهُ مِنَ الصعب حقّاً إدراك معنى الانتفاضة بصورةٍ دقيقة من قبل الجيلِ الذي لم يُعاصرْ أحداثها ولم يتقلّبْ عبر أطوارِها المختلفة. وحين نستحضرُ في ذاكرتنا أحداث الانتفاضة التي عِشنا فصولها وخبرنا أبطالها لا نلبثُ إلاّ نشعرَ بهِزّة تمتلكُ أبداننا، فالانتفاضةُ كانت بحق إفراجاً لإرادة الجماهير المنسحقة، وانطلاقاً لحرياتها الحبيسة في دوّامات لا نهاية لها، بَلْ كانت صرخة إنسانيَّة مدوَّية في وجهِ القمع والاستبداد، وكانت أشبه ما تكون بكَسْرِ أبوابِ سجن الباستيل(29)، والانعتاق من أسر الاستعباد، فالانتفاضة الكوردية كانت بمثابة ميلادٍ جديد للوعي الكوردي الذي انتفضَ بقوَّة على آلة الظلم والبطشِ، واستعاد حريَّته المسلوبة من قبضةِ الدكتاتوريَّة الخانقة. 
ونحنُ في الأيَّام الأولى مِنَ الانتفاضة كُنَّا نعيشُ حالةً من الذهُول غريبة، وكأننا لم نخرجُ بعد من صدمةِ الانتفاضة. وبعيداً عن الجوّ العاطفي فإننا نقول إنها قد ثارت في نفوسِنا - في ذلك الوقت - نشوةٌ غامرة يستحيلُ فهمَها أو استيعابَها، وهذهِ المشاعِرُ الثائرةُ التي أُحاول توصيفها هنا قد امتلكتْ جميعَ المقموعين في ظلِّ النظام السابق، وكلُّ مَنْ يقرأ الكتابات التي دوّنت في تلك الحِقبة سيُدرك لا محالةَ تلكم الحالة التي سادت آنذاك، ولكن العراقيين رويداً رويداً استعادوا استقرارهم واسترجعوا وعيهم وتماسكهم الفكريّ، وهكذا بدأت حالةٌ مِنَ الرشد بعد تلك الصدمة التي مثلتْ نقطةً فاصلةً في تاريخِ العراقيين كورداً وعرباً وغيرهما من المكوّنات الإثنية. 
ولكن النظامَ استطاع - بسرعةٍ وسلاسة - أن يغيِّرَ استراتيجيَّتهُ مِنَ الهزيمةِ العسكريَّة الخارجيَّة إلى القمعِ العسكريّ الداخليّ، لتأمينِ بقاء النظام من أعداء الدّاخِل. وتمثَّل ذلك في سحقِ تلك الثورات مِنْ قبل وحداتِ الحرسِ الجمهوريّ الخاص التي انسحبتْ مِنَ الكويت قبل الهجُوم البريّ بعدَّة أيَّام(30).
هذا، وبعد إحكام السيطرةِ على الجنُوب، تحرَّكتِ القوَّاتُ العراقيَّةُ في نهايةِ شهر آذار تساندِها طائراتُ (الهليكوبتر) أو المروحيَّات الحربيَّة، والدبابات، وفي طليعتِها وحدات مِنْ قوّاتِ الحرس الجمهوريّ إلى داخِل مناطِق كوردستان، ولم يكنِ الثوار الكورد من البيشمركة مُجهَّزين بالأسلحةِ التي تمكِّنهم مِنْ مواجهةِ القوَّات العراقيَّة، التي استعادتْ مدينةَ كركوك، ثُمَّ توجّهَتْ إلى المدنِ الأُخرى الباقية وهي السليمانيَّة، وأربيل، ودهوك.

الهجرة المليونيَّة للشعب الكورديّ سنة 1991م
إن تاريخنا المعاصر ليشهدُ أن الشعب الكورديّ بعد الاجتياح العسكريّ قد أُجبر على النزوحِ الجماعيِّ نحو الحدود العراقيَّة - التركيَّة، والحدود العراقيَّة - الإيرانيَّة، والتي بدأت تحديداً في (31) آذار 1991م. وقد عمَّ الذعرُ والخوفُ بين النَّاس، وانتشرتْ شائعاتٌ مروّعة ومروياتٌ مفزعة عنِ الممارساتِ القمعيَّة التي يجترحُها النظام البوليسيّ بحقِّ المواطنين الكورد، والشعُور بهذا الخوفِ كان طبيعيَّاً من لدن شعبٍ أعزل تعرّضَ مرَّات ومرّات لإبادةٍ جماعيَّة، وعانى مِنْ فاجعةٍ مأساوية وخزتِ الضميرَ الإنسانيَّ برمَّتهِ، وكانت ذاكرتهُ طريةً بأحداثِها المؤلمة وأحزانِها المؤسية، لذا فضَّل هذا الشعبُ الأبيّ أن يبدأَ رحلتَهُ الشاقّة نحو المجهُول، حتّى وصلَ عددُ النازحين من أبنائهِ في نهايةِ شهرِ نيسان إلى حوالي مَلْيوني لاجيءٍ كورديِّ، ممن كانوا حينها يُقاسون وخز المأساة ويَتقاسمون خبز المعاناة. تخيَّل نفسَك وأنت مع هذهِ الحشود الهائلة التي خرجتْ عن بكرةِ أبيها، بعدما تقدَّمتْ قوّات النظام بترسانتها العسكريَّة الثقيلة نحو الأراضي الكوردستانيَّة، وشرعتْ بقصفِ المدن الرئيسة وما حولها بالمدفعية البعيدة المدى، تخيَّل في ذهنك ذلك المنظر المأساوي لأولئكَ الرِّجال المثقلين بالهموم والآلام، وأولاتِ الأحمالِ مِنَ النساء المثخنات بالجراح، وزهرات البراءة المتخمين بالأتراح، والشيوخ المعمرين الذين يرتجفون من شِدّة البرد، تصوّر هذهِ الآلاف المؤلّفة من النازحين الذين رحلُوا عن مدنهم التي ترعرعُوا بين أحضانها، وتركوا مساكنهم التي أرسوا قواعدها بعرقِ جبينهم، وودّعوا ملاعب طفولتِهم ومرابع فتوتهم، تخيَّل تلك اللحظات التي يترك فيها الإنسان داره عنوةً منه وقسراً عن إرادته، وهو لا يحملُ معهُ إلاّ ما خفّ حملهُ وغلا ثمنه، وقد يترك أثقاله في منتصف الطريق بعد أن ينال منهُ الجوع والإرهاق، وحتى الذين هربُوا بسياراتهم تركُوها في العراء إمّا لنفاذ وقودها، أو لوعورة الطريق دونها، أو بسبب الزُحام الشديد أمامَها، وكان الناسُ يسيرون أفواجاً أفواجاً - لا ترى لها بداية ولا تجد لها نهاية - وكنتَ ترى المئات من العوائلِ الكوردية وهي تسيرُ نحو المجهُول على أقدامِها الحافية، وتقطعُ مئات الكيلومترات في أراضٍ جبليَّةٍ وعرة، وهي تعاني مِنَ البردِ القارِس والجوع الشديد والمرض، كلُّ ذلك هرباً من بطشِ النظام وأجهزتهِ القمعيَّة، تاركةً وراءَها أراضيها ومساكنها وما تملكه، هائمةً على وجوهِها، وهِيَ تسجِّل في دفاترها تجاربها القاسية ومآسيها المروعة، وهكذا ولمدَّةِ شهرين كاملين قَضَتْ هذهِ الأعداد الغفيرة مِنَ الناس منذ بداية هجرتها وحتّى عودتها، أقسى ألوان المعاناة، وقد مات منها الآلاف جرَّاء البردِ القارس، والظروف الطبيعية القاسية.
ولم تكنْ هذهِ الهجرةُ هروباً جماعيَّاً مِنَ الموت طلباً للنجاة والحياة، بقَدْر ما كانت هرُوباً مِنْ حياةٍ ذليلة خانعة - سيعيشونها تحت وطأة النظام - إلى حياةٍ ملؤها الحرية والعدالة الإنسانيَّة. وقدْ سجَّل الشعبُ الكورديّ في هذا اليوم التاريخيّ ملحمةً بطوليَّة جديدة مِنْ سجلِ ملاحمهِ الرافضة للظلم والدكتاتورية، "وقد أثبتت عمليَّة النزوح الجماعيّ للشعب الكورديّ بطلان الادعاءات التي أعلنها النظام السابق بشأن الانتفاضة الشعبيَّة التي حصلت في كوردستان واصفة إيّاه بعمليَّات التخريب التي تموِّلها جهات خارجيَّة، بيد أن عمليَّةَ النزوح الجماعيّ كشفت عن هشاشةِ هذهِ الادعاءات، وأكّدت في الوقتِ نفسهِ أن أبناءَ الشعب الكوردستاني ينظرون إلى قوّات النظام باعتبارها قوّات محتلّة، والدليل على ذلك أن القوّات العراقيَّة عندما تحرّكتْ مرةً أُخرى لغزوِ كوردستان هرب السُكّان تاركين بيوتهم وممتلكاتهم مُعلنين بذلك مُعارضتهم عودة النظام الاستبدادي إلى كوردستان(31). 

القرار (688) الصادر في 5 أبريل/ نيسان 1991م
بعد انتهاءِ حربِ الخليجِ الثانية عام 1991م بانسحابِ العِراق مِنَ الكويت، فرضتِ الولاياتُ المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا - تحت وصاية الأُمم المتحدة - حظراً جويّاً في شمالي العراق وجنوبه، وقد عُرِفَ فيما بعد بمناطق الحظر الجوي أو الملاذِ الآمن بحجّة حماية الكورد والشيعة. واستندتْ هذه الدول إلى القرار رقم (688) والصادر عن مجلس الأمن الدوليّ يوم الخامس من أبريل/ نيسان 1991م، وقد جاء فيه: "أن مجلس الأمن إذ يضعُ في اعتبارهِ واجباتهِ ومسؤولياتهِ بموجبِ ميثاقِ الأُممِ المتحدة بالنسبة لصَوْنِ السلمِ والأمنِ الدوليين، وإذ يُساوره شديدُ القلقِ إزاءَ القمعِ الذي يتعرَّضُ له السُكّان المدنيُّون العراقيُّون في أجزاءٍ كثيرة مِنَ العراق، والذي شملَ مؤخّراً المناطق السكانية الكورديَّة، وأدَّى إلى تدفق اللاجئين على نطاقٍ واسِع عبر الحدودِ الدولية، وإلى حدُوث غاراتٍ عبرَ الحدُودِ بما يهدِّد السلمَ والأمْنَ الدوليين في المنطقة". هذا وقد امتدت منطقة الحظر شمالاً من خط العرض (36) وجنوباً حتى خط العرض (32)(32). وقدِ استفاد الشيعةُ مِنَ المنطقة الجنوبيَّة، واستفاد الكورد مِنَ المنطقةِ الشماليَّة.
ومِنْ ثَمَّ قررتِ الولاياتُ المتحدة، وعددٍ مِنَ الدُوَلِ الغربيَّة الأخرى بناءً على اقتراحٍ قدّمَهُ رئيس الوزراء البريطانيّ (جون ميجر) تشكيل قوّةٍ جويَّة تحت اسم عمليَّة (المطرقة المرفوعة) ترابِطُ على مقربةٍ مِنْ كوردستان العراق داخِل الأراضي التركيَّة تقومُ بمهمَّةِ المراقبةِ والاستطلاع، وحمايةِ سُكّانِ كوردستان العِراق ضِمْنَ خطِّ العرض (36). وقد وافقتْ تركيا على مُرابطةِ هذهِ القوّاتِ في أراضيها في قاعدةِ (أنجرليك) لمدَّةِ سِتّة أشهر يمكن تجديدُها إذا دعتِ الحاجة. وهكذا اعتبرتِ المنطقة الواقعة ضمن خطّ العرض (36) منطقةً آمنةً يُحرم على الطائرات العراقيَّة الطيران فوق أجوائِها(33).
وبدأتِ الأحزاب والقوى السياسيَّة الكورديَّة تنشطُ - هِيَ الأُخرى - في المنطقةِ للاستفادةِ مِنْ مُمتلكاتِ الرَّجُلِ المريض الجديد (العراق)، وقد ضمّت فصائلُ المعارضة أحزاباً عديدة، منها: حزب الدعوة، الحزب الإسلاميّ العراقي، الاتحاد الإسلاميّ الكوردستاني، حركة الوحدة الإسلاميَّة، وغيرها مِنَ الأحزاب. ومِنَ الملاحظ ازدياد النشاط الحزبيّ في الربعِ الأخير من القرن العشرين، بسببِ الوعي السياسيّ، وقفز المشكلة الكورديَّة إلى سطح الأحداث(34). 
والحق يُقال إنَّ القضيَّةَ الكورديَّةَ قَدْ شَهِدَتْ في النصفِ الأخير مِنَ القرنِ العشرين تحوّلاتٍ مهمّة بحكمِ المتغيرات التي طرأتْ على الساحة الدوليَّة، وأهمّها حربا الخليج التي نشبتْ بين العراق وإيران من ناحية ثم بين العراق والكويت من ناحيةٍ أخرى والتي تمخّض عنها دخُول قِوى أجنبيَّة وأطراف خارجيَّة إلى منطقةِ الشرق الأوسط، وتدويل المشكلة العراقيَّة، وفرضِ حصارٍ اقتصاديّ وعسكريّ على العراق ثمّ تقسيمهِ إلى ثلاث مناطِق، منها منطقتانِ منزوعتا السِّلاح، واحدة منها هي المنطقة الكورديَّة التي وجدتِ الفرصةَ سانحةً للحصُولِ على الاستقلالِ الذاتي لأوَّل مرّةٍ تحت حمايةِ المظلّة الدوليَّة، ووفق الشرعيَّة الدوليَّة التي وجدت هي الأُخرى من المشكلة الكورديَّة وسيلةً للضغطِ على الحكومةِ المركزيَّة في بغداد، ومحاولة إذلالِها بتقليم أظافرها بل بتر أطرافها(35).
الكورد وتجرِبة الحكم للمرَّة الثانية في تاريخهم
اضطرَّ النظامُ العراقيُّ - بعد غزوِه الكويت - إلى سَحْبِ مُعْظم قُوّاتهِ من كوردستان باستثناء بعضِ المناطِق الحسَّاسة، كالمثلث الحدوديّ بين إيران والعراق وتركيا، ونقطة عبور زاخو الحدوديَّة، بالإضافة إلى سدي دوكان، ودربنديخان، وفي الوقتِ نفسهِ كان خائفاً مِنْ ردُودِ الأفعالِ التي قَدْ تأتي مِنَ الجانِب الكورديّ، فأقدمَ على إبرامِ صفقةِ سلامٍ مع قيادةِ الجبهةِ الكوردستانيَّة في تشرين الأوّل 1990م، ولكن الجبهة لم تَكُنْ راغبةً - في مثلِ تلك الظروف غير المستقرّة - في عقدِ أيّ صفقةٍ مع الرئيس العراقي صدّام حسين، وهو يتحدّى المجتمع الدوليّ بأسره(36).
وفي 23/ 10/ 1991م قامتِ الحكومةُ العراقيَّةُ بسحبِ الدوائِر والهيئات الحكوميَّة من أربيل والسليمانية ودهوك، باستثناء دوائِر الصحّة والماء والكهرباء والجامعة، والدوائِر المتعلِّقة بتوزيعِ الموادِ التموينيَّة. هذا، وقد فرضَ النظام العراقيّ حصاراً اقتصاديَّاً خانقاً على كوردستان، وأمر بقطعِ رواتب الموظفين كافّة في المناطِق الكورديَّة، وبذلك أصبحت مناطِق كوردستان الخارجة عن سلطةِ النظام العراقيّ خاضعةً لحصار مزدوج، الأوّل هو ما فرضهُ مجلسُ الأمن الدوليّ على العراق بعد غزو الكويت، والثاني الحصار الذي فرضتهُ الحكومةُ العراقيَّة. وكان هدفُ النظام العراقيّ من هذهِ الاجراءات هو الضغط على القيادةِ الكورديَّة وإجبارِها على توقيعِ اتفاقٍ معهُ وفقَ الشرُوطِ التي يُريدها. وكان يهدفُ كذلك إلى جعلِ الحياةِ في تلك المحافظاتِ صعبةً للغايةِ كي تؤدِّي إلى إحداثِ حالةٍ مِنَ الفوضى والاستياء، وبالتالي إجبار السُكان واضطرارهم إلى المطالبة بعودةِ الحكومةِ إلى كوردستان(37). ونعود هنا إلى التذكير بالقول إن "قرارَ الحكومة العراقيَّة سحب دوائِرها وفرضها حصاراً اقتصاديَّاً على المحافظات الكوردستانيَّة، بالإضافةِ إلى سوءِ الأحوالِ المعيشيَّة قَدْ أحدثَ أزمةً حقيقيَّةَ للجبهةِ الكوردستانيَّة، وأوجدَ فراغاً إدارياً وقانونيَّاً لأكثر مِنْ ثلاثةِ ملايين مِنْ سُكّانِ المحافظاتِ الثلاثة. وكان النظامُ يتصَوَّرُ أنهُ بذلك سوفَ يدقُّ جرسَ الإنذار لِكُلٍّ مِنْ تركيا وسوريا وإيران والغرب أيضاً(38). 
والجبهة الكوردستانيَّة على علاتها كانت تتمتَّعُ بنوعٍ من الشرعيَّة الثوريَّة، لأنها خاضتْ كفاحاً مُسلّحاً ضِدَّ السلطةِ المركزيَّة في بغداد من أجلِ الحصُولِ على الحقوقِ القوميَّة للشعبِ الكورديّ في كوردستان العراق، وقد اتخذت قيادةُ الجبهةِ قراراً تاريخيَّاً مهمَّاً بإجراءِ الانتخاباتِ العامَّة في مناطِق كوردستان الخارجة عنِ السلطةِ المركزيَّة في بغداد، كوسيلةٍ ديمقراطيَّة للانتقالِ مِنَ الشرعيَّة الثوريَّة إلى الشرعيَّة الدستوريَّة، والحصُول على رضا الشعب لتشكيلِ حكومةٍ منتخبة. ولتحقيقِ هذا الهدف أصدرت بتاريخ (8) نيسان لسنة 1992م القانون رقم (1) لسنة 1992م، بانتخابِ المجلس الوطنيِّ لكوردستان العراق، وكذلك القانون رقم (2) لانتخابِ قائِد الحركةِ التحرريّة الكورديَّة الذي يعتبر رئيساً للإقليم(39). 

كوردستان العراق وأوَّل تجرِبة انتخابيَّة في عام 1992م
لقد رأى الكورد - مَثلُهُم في ذلك مثل الشعوب المتقدِّمة - أن يُجرِّبُوا حظّهُم في الحُكْمِ والسياسةِ وإدارةِ البلاد، فارتأوا إجراءَ انتخاباتٍ عامَّةً في كوردستان، تخلّصاً مِنَ الشّلَلِ الإداريِّ الذي كانتْ تعاني منهُ كوردستان إبّان الانتفاضة، وهكذا أُجريت - لأوّل مرَّةٍ في تاريخ الكورد - أوّل انتخابات لبرلمان إقليم كوردستان، وذلك في 19/ 5/ 1992م، وقد شاركَ في هذهِ الانتخاباتِ الإسلاميُّون المستقلون والإخوان السابقون الذي شكّلُوا فيما بعد الاتحاد الإسلامي الكوردستاني، مع الحركة الإسلامية تحت يافطةِ (القائمة الإسلاميَّة) بيد أنها لم تحصل إلاّ على نسبة قليلة قُدِّرت بـ(5%)، وكانت هذهِ النسبة قليلة جدّاً مقارنةٍ بحجمِ الإسلاميين آنذاك، الأمر الذي لم يؤهلْها لدخول قُبَّةِ البرلمان، وذلك نتيجة لعمليَّاتِ التزوير التي جرتْ أثناء الانتخابات.
وقد أظهرت نتائِج الانتخابات أن جميع القوائِم المشارِكة قد حصلتْ على نسبة أدنى من النسبة القانونيَّة لدخُولِ البرلمان، وهي (7%) من مجمُوعِ أصواتِ الناخبين عدا قائمتي الحزب الديمقراطي الكوردستاني، والاتحاد الوطني الكوردستانيّ، وقد قُسِّمَتِ الأصواتُ التي حصلتْ عليها تلك القوائِم على الحزبينِ بالتساوي، وبذلك حُرمت تلك الأحزاب من الحصُولِ على أيّ مقعد في أوّل برلمان لكوردستان، وهذهِ النقطة هي إحدى المآخذ المهمَّة التي يمكن توجيهها إلى قانون الانتخابات رقم (1) سنة 1992م، لأن المصلحةَ القوميَّةَ العُلْيا - في تلك المرحلة التاريخيَّة الحسّاسة والانتقاليَّة في تاريخِ الشعب الكورديّ - كانت تقتضي مُشاركةَ جميعِ الأطراف في المجلسِ الوطنيِّ، حتّى يشترِكَ الجميعُ في تحمّلِ المسؤولياتِ الصعبة في تلك المرحلةِ الانتقاليّة، ومن جانبٍ آخر خلا البرلمان من أيّ صوتٍ مُعارِض خارج الحزبين. وعلى هذا الأساس تـمَّ تقسيمُ البرلمان والحكومة على الحزبينِ مناصفةً، وإيجاد صيغة (فيفتي - فيفتي) في كُلِّ الإدارات والمؤسساتِ الحكوميَّة التي تشكّلتْ فيما بعد. وحدوث حالةٍ مِنَ الفوضى الإداريَّة، والمنافسة الحزبيَّة غير الصحيحة في جميعِ المجالات التي أدّت في نهايةِ المطاف بعد أقل من سنتينِ من عمر البرلمان والحكومة إلى الاقتتال الداخليّ وتقسيم الإقليم والإدراة إلى قسمين(40).
وعلى الرغم من كلِّ ذلك عقد البرلمان الجديد أوّل اجتماع للمجلس الوطني الكوردستاني في 4/ 6/ 1992م، وبعد هذا التاريخ بشهر أي في 5/ 7/ 1992م، تـمَّت المصادقة على التشكيلة الأُولى لحكومةِ إقليم كوردستان، وقد سارتْ اجتماعاتُ المجلسِ الوطنيِّ الكوردستانيّ في عام 1992م وعام 1993م سيراً اعتياديَّاً، واستطاعَ أن يصدُرَ عدداً مِنَ القوانين والقرارات ذات الأهمية الخاصّة وفقاً للمعايير الديمقراطيَّة المتبعة في عالم اليوم، ومن أهمِّ هذهِ القوانين والقرارات قانون مجلس الوزراء، والقوانين الخاصّة بوزارات حكومة الإقليم، وقانون السلطة القضائيَّة، والقوانين الخاصّة بالأحزاب والجمعيَّات والمطبوعات والأسلحة وغيرها، وكذلك إصدار عددٍ مِنَ القرارات منها قرار استحداث جامعة دهوك، وقرار إعادةِ فتح جامعة السليمانيّة، غير أن أهمّ هذهِ القرارات على الإطلاق والتي يعتبر إنجازاً تاريخيَّاً بالنسبة للمجلسِ الوطنيِّ الكوردستانيّ، هو قرار إعلان الاتحاد الفدراليّ رقم (22) في 4/ 10/ 1992م، لتنظيمِ العَلاقةِ القانونيَّة بينَ سلطات الإقليم والسلطةِ المركزيَّة في بغداد على أساسِ الفدراليَّة. أمَّا المؤسسات القائمة في كوردستان فتشكِّل أساس نظامٍ سياسيّ، وخاصَّةً مِنَ الناحيةِ الدستوريَّة والدوليَّة، فهناك سلطةٌ تشريعيَّة وتتمثلُ في المجلس الوطنيّ الكوردستانيّ، وأُخرى تنفيذيَّة تتمثَّل في مجلس الوزراء، وسلطة قضائيَّة مُتكاملة والتي تشكِّلُ في مجمُوعها الإدارة المحليَّة لإقليم كوردستان العراق، ومن حيث الواقِعُ كانتِ السلطات الثلاث في الإقليم تمارِسُ مهامها باستقلاليَّة عنِ الحكومةِ العراقيَّة التي انسحبتْ مِنَ الإقليم، وتخلّتْ عن التزاماتِها الأمنية والإداريَّة والاقتصاديَّة.
أمَّا مِنَ الناحية القانونيَّة فقد قامَ برلمان كوردستان بإعلانِ المناطِق المحرّرة مِنْ كوردستان إقليماً ضمنَ عراقٍ ديمقراطيّ تعدديّ، تطبيقاً لحقِّهِ المشروع في تقريرِ المصير. وبهذا استطاعَ الشعبُ الكورديّ في هذا القِسْمِ من كوردستان العراق إقامةَ تجرِبةٍ سياسيَّة مُتواضِعة على أساسِ الديمقراطيَّة المرتكزة على حقِّ شعبِ كوردستان العراق في المشاركة في صنعِ القرار عن طريقِ ممثلينَ منتخبين انتخاباً حُرّاً عامّاً ومُباشِراً، بالإضافةِ إلى احترامِ حريَّةِ الرأي، والصِحافة، والتعدديَّة الحزبيَّة، واحترامِ حقوق الإنسان، فكان الأمَلُ والانتظارُ مِنَ المجتمعِ الدوليّ في أن يدعمَ هذهِ التجرِبة المتواضعة خدمةً للإنسانيَّة والعدالة(41).
ولحداثةِ التجربة السياسيَّة الكورديَّة في الحُكْمِ وإدارةِ البلاد، وجدنا منعطفاتٍ حادَّة في مسيرة الكورد في تلك الفاصلة الزمنيَّة تحديداً، حيث وقعتْ مصادمات سياسية بين الكورد أنفسهم، ولكأنَّ السياسيين في تلك الآونة لم يتعوّدوا أجواء الحريَّة السياسيَّة والانفتاح الاقتصاديّ، وقد دفع الكورد نتيجة هذهِ السياسات ثمناً باهضاً، وقد أُريقت دماءٌ كثيرة على مذبحِ تلك المحرقة التي كان سببُها مغامرات سياسية أقدم عليها بعض الساسة في تلك الفاصلة الحرجة من تاريخنا، على الرغم من أنهم قدَّموا تبريرات لذلك النزوع العدواني. وقد أكّد على ذلك الكاتب الصحفي أحمد تاج الدين بقوله: "ولم يتحمّل الكورد الحريّة التي ولدت فجأة، ولا الحكم الذاتي الذي جاء بلا ترتيب، وعلى غير انتظار، فاندلعتْ في 16/ 12/ 1993م معارك داخليَّة بين أنصار الاتحاد الوطني الكوردستاني والحركة الإسلاميَّة في ثلاث محافظات، حيث بدأ في كفري، ولكن خلال أيَّام قليلة انتقلتِ المناوشات إلى رانية، وأربيل، والسليمانية، وحلبجة، وغيرها، كما نشبَ في 1/ أيَّار/ 1994م قتالٌ بين مؤيدي الحزب الديمقراطيّ الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستانيّ، وخلّفتِ الاشتباكاتُ أعداداً كبيرة من القتلى والجرحى، وأدّت إلى شلِّ عمل الحكومة والبرلمان، فأصبحت محافظةُ دهوك وزاخو القريبة من الحدُود التركيَّة منطقة نفوذ الحزب الديمقراطيّ الكوردستانيّ، والتي كانت لها وارِداتٌ كمركيَّة كبيرة، في حين كانتْ منطقة نفوذ الاتحاد الوطنيِّ الكوردستانيّ تتركّزُ في السليمانيَّة القريبة من الحدود الإيرانيَّة، وأربيل فيما بعد، ولم تكنْ لها وارِداتٌ ذات شأن، وقد جرتْ محاولاتٌ عديدة لإيقافِ الاقتتال الداخليِّ، وإعادةِ السَّلام والاستقرار إلى الإقليم، كما تشكّلت من ذلك الحين لجنة التنسيق العليا للتوفيق بين الحزبين الكبيرين المتصارعينِ على السلطة"(42)، وكانت النتيجةُ الحتميَّة لهذا الصراع الداخليّ المرير هي خسارةُ الشعبِ الكورديّ في العراق للكثير مِنَ الدعمِ الدوليّ الذي اكتسبهُ على مدى السنوات الطويلة، وقد تسبّبَ الاقتتالُ أيضاً في إعاقةِ جهُودِ الإغاثةِ في الإقليم، وأصيبَ الكوردُ بحالةٍ مِنَ اليأسِ والشعُورِ بالمرارةِ وعدمِ الثقةِ بما تخبِّئهُ الأوضاعُ في المستقبل، وبدأ على إثر ذلِكَ نوعٌ مِنَ الهجرةِ الجماعيَّة للشبابِ نحو البلدانِ الغربيَّة بحثاً عن لُقمةِ العيش وطلباً للحريَّة والأمان(43).
وعليهِ فإن أحدَ الأسبابِ التي كانتْ تشكِّلُ دوماً عائِقاً أمام طمُوحِ الشعبِ الكورديّ - لتحقيقِ أهدافهِ في إنشاءِ كيانهِ السياسيّ المستقر في جميعِ المراحِل التاريخيَّة - هو جملةُ الخِلافات والنزاعات الداخليَّة بين القياداتِ الكورديَّة، والتي كانتْ تدفعُ بهم في بعضِ الأحيانِ إلى حدِّ استخدامِ العنفِ والاقتتالِ والاستنجادِ بالأعداءِ لحسمِ الخلافاتِ الداخليَّة، والتي كانت سبباً في زعزعةِ الثقةِ لدى القوى الدوليَّة بالزعاماتِ الكورديَّة، فهذهِ الظاهرة السلبيَّة في التاريخ السياسيّ الكورديّ كانتْ مِنْ وراءِ عدمِ القدرةِ على صنعِ القرارِ السياسيِّ الموحَّد باتجاهِ تحقيقِ الهدفِ الاستراتيجيِّ القوميّ للشعبِ الكورديّ(44). واستجابةً لمقتضياتِ المرحلةِ التاريخيَّة الرَّاهنة وَجَبتْ على القيادةِ الكورديَّة أن تكون على بيِّنةٍ من أمرِها، وأن تفيد من تجاربها الماضيَّة وأخطائِها التاريخيَّة، وتتعمّق أكثر وأكثر في السياساتِ الدوليَّة التي تحكمها المصالحُ الاستراتيجيَّة لا المبادئ والقيم الإنسانيَّة، وأن لا تنخدع بالوعُود السياسيَّة الطارئة، والتحالفاتِ الإقليميَّة والدوليَّة المرتجلة، وأن تنأى بنفسها عن الخلافاتِ الداخليَّة والنزاعاتِ العرضيَّة، وأن تعتمِد مبدأ الحوار - القائِم على المصارحة والمصالحة - كوسيلةٍ حضاريَّة ناجعة في صراعاتِها الداخليَّة والخارجيَّة، وأن تضحِّيَ بمصالحها الذاتيَّة من أجلِ مصالح شعبها ككل نحو تحقيق هدفهِ الاستراتيجيِّ بحصُولهِ على حقِّ تقرير مصيرهِ، وإنشاء كيانهِ السياسيِّ الخاصِّ به.
واستكمالاً لملامحِ الصورة السياسيَّة في العراق عمُوماً وكوردستان خصوصاً نؤشِّر إلى الأحداث التي أسهمت في تشكيلِ الخارطةِ السياسيَّة الجديدة، والتي تتمثَّلُ في سقوطِ النظامِ العراقيِّ من قبل قوّاتِ التحالُف الدوليِّ بقيادةِ الولاياتِ المتحدة الأمريكيَّة، وذلك في 9/ 4/ 2003م، وفي يوم الأحدِ الموافِق 13 تموز 2003م، تشكّل (مجلِس الحُكْم العراقيّ) وهو ثاني هيئةٍ إداريَّةٍ تشكّلتْ في العراق، حسب التسلسُلِ الزمنيِّ، عقب سقُوط النظام، حيث كانتْ (سلطةُ الائتلاف) الموحّدة برئاسة (بول بريمر) أُولى الهيئاتِ التي أدارتْ شؤُون العراق بعد الاحتلال، وذلك استجابةً لقرارِ مجلسِ الأمنِ الدوليِّ المرقّم (1483). وكان (المجلِسُ) يضمُّ (25) عضواً، وينتخِبُ رئيساً لَهُ مِنْ بينِ أعضائهِ الـ(25) لمدَّة شهر حسب الترتيب الهجائيِّ، وقد عُقِدَ أوَّلُ اجتماع للمجلِس بعد تشكيلهِ في 13/ 7/ 2003م"(45). وبهذهِ الصورة التي عرضناها تهيأتْ ظروفٌ دوليَّةٌ حاسِمة ساعدتْ على تغييرِ الخارطةِ السياسيَّة للعراق الجديد، فضلاً عن تغيير خارطةِ كوردستان الجديدة.
والآن، وبعد مرُورِ ما يقربُ مِنْ أحدَ عشرَ عاماً على زوالِ النظامِ البائِد، فقد آثرَ الكوردُ العيشَ في إطارِ عراقٍ فدراليّ مُوَحّد، يحكمُون إقليمهم بأنفسِهم، ويُشارِكون إخوانَهم العراقيين في إدارةِ المركز، ولكن التحديات الخارجيَّة التي عصفتْ بالمنطقةِ مؤخّراً فضلاً عن الخلافات الداخليَّة التي لم يحسمْ أمرُها تماماً، جعلتهُم مُتوجِّسينَ، يخشوَن عادياتِ الزَّمن، وهكذا سيبقون إلى أن تأتيَ اللحظةُ التي يتشكّلُ فيها مُنعطفٌ تاريخيٌّ حاسِم، يُحقِّقون فيهِ أحلامَهم القديمة وأمانيهم المشروعة بإقامة دولتهم الكُبرى على كامِل ترابهم 

الهوامش:
1- العراق والمسألة الكورديَّة 1958- 1970م، د.سعد ناجي جواد، ص160-166. الشعب الكوردي والسياسات الدوليَّة في القرن العشرين.. كوردستان العراق أنموذجاً: 117.
2- مصطفى البارزاني.. زعيم الحركة القوميَّة الكرديَّة المعاصرة، عبدالقادر البريفكاني، ط(1)، المركز العربيّ الدوليّ للإعلام، القاهرة - مصر، 1996م، ص309.
3- العراق والمسألة الكورديَّة 1958- 1970م: 117.
4- البارزاني والحركة التحرريَّة الكورديَّة 1961م – 1975م، ط(1)، مطبعة وزارة التربية، أربيل - إقليم كوردستان، 2002م: 3/243. وقد ذهب محسن دزةيي: إلى أن مصطفى البارزاني على الرَّغمِ من عدم ثقتهِ بتطبيقِ بنودِ الاتفاقيَّة، والاعتراف بالحقُوقِ القوميَّة للشعبِ الكورديِّ إلاّ أنه أيَّدَها، لأنَّها تضمَّنتْ لأوَّلِ مرَّةٍ إقراراً بالحقُوقِ القوميَّةِ المشروعةِ للشعبِ الكورديِّ، وحقه في الحكم الذاتيِّ. مصطفى البارزاني مصطفى البارزاني.. زعيم الحركة القوميَّة الكرديَّة المعاصرة: 192.
5- مصطفى البارزاني.. زعيم الحركة القوميَّة الكرديَّة المعاصرة: 192.
6- المرجع نفسه: 185- 186. 
7- القضية الكورديَّة في العراق منذ الاحتلال البريطانيّ إلى الغزو الأمريكي 1914-2004، د.حامد محمود عيسى، ص366. الشعب الكوردي والسياسات الدوليَّة في القرن العشرين.. كوردستان العراق أنموذجاً: 121. وجدير ذكرهُ هنا أنه على الرغمِ من محاولتي الاغتيالِ التي تعرَّض لها مصطفى البارزاني إلاّ أنه قَدْ أعلنَ رسميَّاً أن تلكَ المحاولة لَنْ توقِف الكورد عن تنفيذِ اتفاقيّة (11) آذار/ مارس التي أنهتِ الحربَ التي استمرّت عشر سنوات. ينظر: مقابلة البارزاني مع وكالة رويتر للأنباء، 22 كانون الثاني (يناير) 1970م، في مصطفى البارزاني زعيم الحركة القوميَّة الكرديَّة المعاصرة، ص186. هذا وكان البارزاني يتطلّعُ إلى أُسسِ هذهِ الاتفاقيَّة، لتضعَ حدَّاً للأوضاعِ المؤلمة التي مرَّتْ بها كوردستان العراق، ولتكون مدخلاً لعَلاقاتٍ جديدة مبنيَّة على المساواةِ التامَّة بين الشعبين الكوردي والعربيِّ. مصطفى البارزاني زعيم الحركة القوميَّة الكرديَّة المعاصرة، ص192.
8- من الثورة إلى الدكتاتوريَّة.. العراق منذ 1958م، ماريون فاروق سلوغلت، وبيتر سلوغلت، تر: مالك النبراس، ط(1)، منشورات الجمل، 2003م، ص180.
9- الشعب الكوردي والسياسات الدوليَّة في القرن العشرين.. كوردستان العراق أنموذجاً: 127.
10- من الثورة إلى الدكتاتوريَّة.. العراق منذ 1958م، ماريون فاروق سلوغلت:230. 
11- الملا مصطفى البارزاني والمنفذ الإيراني، هفال عارف برواري، مجلة الحوار، العدد (130)، ص19.
12- الشعب الكوردي والسياسات الدوليَّة في القرن العشرين.. كوردستان العراق أنموذجاً: 127.
13- المرجع نفسه: 130.
14- العراق على حافة الهاوية 1968-2002م، جعفر الحسيني، ط(1)، دار الحكمة، لندن، 1424هـ - 2003م، ص171.
15- القضية الكورديَّة في العراق منذ الاحتلال البريطانيّ إلى الغزو الأمريكي 1914-2004، د.حامد محمود عيسى، ص379.
16- لة كةناري دانوبةوة بؤ خرِي ناوزةنط، ديوي ناوةوةي رِوداوةكاني كوردستان.. 1975-1978، نوشيروان مصطفى، ط(2)، السليمانية، 1997م، ص71.
17- قضايا القوميَّات وأثرها على العَلاقاتِ الدوليَّة.. القضية الكورديَّة أنموذجاً، د.مثنى أمين قادر، ط(1)، السليمانية، 2003م، ص175- 176. 
18- الشعب الكوردي والسياسات الدوليَّة في القرن العشرين.. كوردستان العراق أنموذجاً: 137.
19- من الثورة إلى الدكتاتوريَّة.. العراق منذ 1958م، ماريون فاروق سلوغلت، ص338.
20- قضايا القوميَّات وأثرها على العَلاقاتِ الدوليَّة.. القضية الكورديَّة أنموذجاً: 179.
21- ينظر: الغزو العراقي للكويت، من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة.
22- حربُ الخليج وانتفاضة كوردستان العراق، د.فاضل الزهاوي، ط(1)، المديريَّة العامة للطباعة والنشر، السليمانية، 2004م، ص41-45. الشعب الكوردي والسياسات الدوليَّة في القرن العشرين.. كوردستان العراق أنموذجاً: 175- 176.
23- الهيئة العامَّة لتقدير التعويضات عن خسائر العدوان العراقيّ (من النت).
24- أي: الموعد الذي منحه مجلسُ الأمنِ للعِراق لسحبِ قوّاته مِنَ الكويت.
25- أو حرب تحرير الكويت، أو حرب الخليج الثانية، أمَّا الحرب العراقيَّة - الإيرانيَّة فقد سُمِّيت بحربِ الخليج الأولى.
26- حرب الخليج الثانية، من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة.
27- عراق المستقبل دكتاتوريَّة ديمقراطيَّة أم تقسيم: 165.
28- عراق المستقبل دكتاتوريَّة ديمقراطيَّة أم تقسيم، ص165، الشعب الكوردي والسياسات الدوليَّة في القرن العشرين.. كوردستان العراق أنموذجاً: 179.
29- الباستيل: هو سجن أُنشئ في فرنسا بين عامي 1370م و1383م كحصنٍ للدفاع عن باريس ومن ثم كسجن للمعارضين السياسيين والمسجونين الدينيين والمحرِّضين ضد الدولة. وأصبح على مدار السنين رمزاً للطغيان والظلم وانطلقت منه الشرارة الأولى للثورة الفرنسية في 14 يوليو 1789م. وما تزال فرنسا حتى اليوم تحتفلُ بمناسبة اقتحام السجن باعتبارها اليوم الوطني لفرنسا في الرابع عشر من يوليو/ تموز من كل عام وانتهاء حِقبة طويلة من الحكم المطلق.
30- عراق المستقبل دكتاتوريَّة ديمقراطيَّة أم تقسيم، ص165، الشعب الكوردي والسياسات الدوليَّة في القرن العشرين.. كوردستان العراق أنموذجاً: 179.
31- حرب الخليج وانتفاضة كوردستان العراق، ص151.
32- وانتهى العمل بمنطقة حظر الطيران في العراق مع بداية الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003م. من ويكيبيديا، الموسوعة الحرّة.
33- حرب الخليج وانتفاضة كوردستان العراق، ص182. الشعب الكوردي والسياسات الدوليَّة في القرن العشرين، ص197.
34- الأكراد تاريخ شعب وقضية وطن: 133.
35- المرجع نفسه: 133.
36- الشعب الكوردي والسياسات الدوليَّة في القرن العشرين.. كوردستان العراق أنموذجاً: 180.
37- المرجع نفسه: 203.
38- تاريخ الأكراد الحديث، ديفيد مكدول، تر: راج آل محمَّد، ط(1)، دار الفارابي للنشر والتوزيع، 2004م، ص567.
39- الشعب الكوردي والسياسات الدوليَّة في القرن العشرين، ص206.
40- انتخابات إقليم كوردستان العراق بين النظريّة والتطبيق.. دراسة مقارنة، سرهنك حميد البرزنجي، ط(1)، أربيل - إقليم كوردستان، 2002م، الشعب الكوردي والسياسات الدوليَّة في القرن العشرين، ص208.
41- ينظر: مجموعة القوانين والقرارات الصادرة عن المجلس الوطني الكوردستاني، الجزء الأوّل والثاني، ط(1)، 1997م. الوضع القانوني لإقليم كوردستان العراق في ظلِّ قواعِد القانون الدولي العام.. دراسة تحليليَّة - ناقدة، ص483-484. الشعب الكورديّ والسياسات الدوليَّة في القرن العشرين، ص210-211.
42- الأكراد تاريخ شعب وقضية وطن: 135. من الثورة إلى الدكتاتوريَّة.. العراق منذ 1958م، ص391. الشعب الكورديّ والسياسات الدوليَّة في القرن العشرين، ص219. وفي شهر أيلول لسنة 1998م تمكّنتِ الولايات المتحدة الأمريكيَّة من إقناع الطرفين بتوقيع اتفاقية رسميَّة من قبل السيدين مسعود البارزاني وجلال الطالباني وبحضور السيدة (مادلين أولبرايت) وزيرة الخارجيَّة الأمريكيَّة آنذاك، وعُرِفت الاتفاقية التي تـمَّ التوقيعُ عليها في 17/ 9/ 1998م باتفاقية واشنطن، والتي وضعت نهايةً للاقتتالِ الداخليِّ بين الحزبين بصورةٍ مستمرّة. وقد تحسّنتِ الأوضاع المعيشيَّة وجهُود الإعمار بعض الشيء في ظلِّ برنامج (النفط مقابل الغذاء)، حيث بدأتِ المنطقةُ الكورديَّة تتلقّى حوالي (13%) من واردات قرار (986)، مع حصُول نوعٍ مِنَ التعاوُن الإداريّ والتنسيق بين قيادتي الحزبين وبعض المؤسسات الإداريّة التابعة لهما بشكلٍ أو بآخر، بهدف تطبيع الأوضاع. ينظر: تاريخ الأكراد الحديث، ديفيد مكدول: 584-587. الشعب الكوردي والسياسات الدوليَّة في القرن العشرين.. كوردستان العراق أنموذجاً: 222-223.
43- تاريخ الأكراد الحديث، ديفيد مكدول، ص548-549.
44- الشعب الكورديّ والسياسات الدوليَّة في القرن العشرين، ص226.
45- محطات سياسيَّة، أ.صلاح الدين محمَّد بهاءالدين، ط(1)، طباعة وتصميم مركز آرا للإعلام، 2009م، ص7.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق