الاثنين، 7 أبريل، 2014

أين التركماني العظيم الحاج سليمان؟

محسن جوامير
كاتب كوردستاني ـ السويد 
بعد النكسة الكوردستانية، بفعل المؤامرة الدولية عام ١٩٧٥، تقلبت الأمور على الكورد رأسا على عقب، وتحولت (كركوك) إلى بؤرة الاضطهاد ومنطلق التشريد والتطهير العرقي، وشعر الكورد بين عشية وضحاها أن الأرض قد تزلزلت تحت أقدامهم، وأصبحوا غرباء في بلدهم، الذي كأنه " كان صرحا من خيال فهوى"، و"حديثا من أحاديث الجوى "، كما يقول الشاعر المصري (إبراهيم ناجي).. ووصل غرور الصنم الطاغي إلى قمة جديدة في سجله الاضطهادي والدموي.. وبدأت، وبجرة قلم، حملة المداهمات تشمل أولا بأول بيوت ومساكن الموظفين والمستخدمين والعمال، بجانب عمل السيف في أهلها وذبحهم.. وأغلبهم نقلوا إلى (هه ولير/ أربيل) و(السليمانية)، وأكثرهم كانوا من الكورد آنئذ، وكان بينهم الإخوة التركمان.. وكان الترحيل على حين غرة، وأحدث أزمة سكنية حادة، في مدينــة (هه ولير) مثلا. وكانت
العملية مبرمجة، وعلى التوالي، ويظهر أنه لم يكن بالإمكان نقل الكل خلال فترة معينة، لسببين: أولا، لكون العدد المقرر نقلهم هائلا، وثانيا، لكون المدينة كانت تتعرض لأزمة إدارية خانقة.. لهذا بدا أن السلطات كانت تتعمد أن يجري العمل رويدا رويدا، وعلى مراحل، وبالتوازي مع جلب عرب الـ" عشرة آلاف " – كما شاع عنهم هذا اللقب في حينها - من المناطق الأخرى، زرافات ووحدانا، لا سيما بعد القرار المنشور في جريدة (الوقائع العراقية) بنقل الموظفين والعمال الكورد والتركمان إلى خارج (كركوك)، والذي أحدث ضجة واستفزازا في الوسط الكوردستاني، مما حدا بالسلطة إلى سحب الجريدة من المكتبات خشية ردود فعل قوية. لذلك كنت ألاحظ في كل مرة، وأنا أزور (كركوك)، بأن عدد المُعَقّلين " العرب أصحاب العُقل والدشداشة "، والناطقين بالعربية، في الشوارع والمحلات يزداد، وعدد الكورد يقل. ولكون الأغلبية في (كركوك) كانوا من الكورد، فقد باتوا مع التركمان ـ خاصة العمال والكسبة ـ موجودين في كل الأحوال هنا وهناك، وبشكل متفرق، حتى يوم تردي الدكتاتور في الهوة، كما لاحظنا لاحقا.. على سبيل المثال، لا الحصر، بقيت مكتبة كوردية واحدة كان اسمها " ئاسوـ الأفق "، لصاحبها الأستاذ (جبار)، لغاية خروجي وهروبي من كوردستان في بداية الثمانينيات، ولكن تحت اسم " الطليعة "، وكانت تبيع الكتب الكوردية سرا.. وكانت قد بدأت قبل ذلك باكورة كتاباتي باللغة الكوردية، وكنت على اتصال بهذه المكتبة. والجدير بالذكر أن السيد (جبار) صاحب المكتبة (أظن أنه الآن مقيم في هولندا)، كان قد حفر الاسم القديم "ئاسو" على واجهتها، بشكل كان يصعب كشفه، إلا لمن كان يتأمله بدقة متناهية. وفي شارع آخر قريب من "ئاسو"، كانت هناك مكتبة أخرى باسـم "الأخوة " للحاج (سليمان التركماني)، ومن دون لوحة، وقد تعرفت عليه عن طريق الأستاذين الكاتبين: عابدين رشيد الكوردي، وإحسان صالح التركماني، مترجم رسائل الشيخ (سعيد النورسي) الكوردي إلى العربية، والذي يقيم الآن في (تركيا) كما أعتقد.. وكان الحاج (سليمان) طلب منهما أن أزوره، لأزوده بكتبي لكورد (كركوك).. فذهبت لتوي مع بعض كتبي إليه، وهو فرح فخور، ومازلت أذكر أنه كان يتحسر ألما وغصة، والهم يعتلج في صدره، ويرثي لما يحصل للكورد من أقربائه وأصدقائه، من تشتيت شمل، وتشريد جمع، وكأني به وهو يقول: ( وإخراج أهله منه أكبر عنـد الله ).. وكان يلح عليّ بإرسال كتبي إليه، لأن الناس كانوا يطلبونها. وكان يضع الكتب الكوردية في فناء المكتبة، من وراء حجاب، خشية كشف الأمر المستور والاشتباه فيه من لدن سلطات الأمن والاستخبارات، التي كانت تلاحق كل مظهر كوردي في (كركوك)، حتى الأوراق والقراطيس والدبابيس.. وكان عُمْر الحاج (سليمان) التركماني عندئذ يناهز السبعين، ولكن بنشاط ورداء الشباب، وحماسة رجل غيور لا يخشى إلا الله، والأذكار لا تغادر شفتيه، وكان يتكلم الكوردية أيضا بطلاقة. وأظن أنه بدأ يبيع بجانب الكتب، الشكولاته، وبعض المواد الاستهلاكية، للتعتيم. وكما أذكر كان ثمة علاقة جيدة بين الحاج (سليمان)، والأستاذين: (صلاح الدين محمد بهاء الدين) و(حسن البنجويني). للأسف الشديد كانت جولاتي مع هذا الشيخ التركماني الوقور، وصاحب القلب الكبير، محدودة، لأنني اخترت المنفى جبرا ومبكرا، مثلما طرد كورد وتركمان (كركوك) قسرا ! ترى هل بقي هذا النموذج التركماني العظيم على قيد الحياة، ليرى أحبابه الكورد، الذين كان يعز عليه تفريغ مدينتهم منهم، ومن لغتهم وكتبهم وتاريخهم وتراثهم، بجانب إخوتهم التركمان، وهم "بعد أن كوى الحنين لها أضلعَهم" في طريق العودة الآن شيئا فشيئاً، حسب خارطة الطريق المزمع تطبيقها، إن صحت النوايا، وصفت القلوب من أدران التعصب، أم لَفه الموت، وهو مع الصديقين والشهداء في جنات النعيم.؟ أخبروني أعانكم الله، وأدامكم، لأزوره في المرة القادمة في (كركوك)، وأتشرف بتقبيل يديه الكريمتين، إن كان صدره ما زال عن التنفس لم يكف، أو حواجبه لا تزال ترف، أو أذرف على ضريحه الطاهر دمعا ساخنا بلطف، وأناديه "بفم عذب المناداة رقيق " وبشغف.!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق