الأحد، 10 يوليو، 2016

الحقوق السياسية للأمة في النظام السياسي الإسلامي

سالم الحاج
هل هناك حقوق سياسية للأمة في الإسلام؟ وما هذه الحقوق؟ وهل مارسها المسلمون عملياً؟ هذا ما نحاول الإجابة عليه من خلال البحث في مضامين بعض ما عرفه المسلمون منها، وما مارسوه على أرض الواقع.
ولا بد من الإشارة ابتداءً إلى أن هذه الحقوق تحضى بحماية (الشارع)، فهو الذي وضعها، ومن ثم بحماية المؤمنين أفراداً، وجماعات، ودولة. إذ إن (الحق) هو -كما عرفه الفقهاء المسلمون- تعبير عن "كل ماهو ثابت ثبوتاً شرعياً، أي بحكم الشارع وإقراره، وكان له بسبب ذلك حمايته"(1).
أما (الحقوق السياسية) تحديداً، فهي جزء من الحقوق التي يكتسبها الإنسان بحكم وجوده ضمن جماعة بشرية، وتعرف بأنها: الحقوق التي يساهم الفرد بواسطتها في إدارة شؤون الدولة، أو في حكمها، أو: هي الحقوق التي يكتسبها الفرد بوصفه عضواً في هيئة سياسية(2).
وما يميز الحقوق السياسية عن غيرها، هو أنها تمتاز بكونها تقتصر على أعضاء الجماعة - أو المواطنين، بالتعبير المعاصر - دون الأجانب، لأن هؤلاء الأخيرين لا يحق لهم المشاركة في حكم الجماعة، ولا في توجيه سياساتها. كما أن هذه الحقوق تمتاز بكونها ليست حقوقاً خالصة، بقدر ما هي وظائف سياسية يقوم بها الأفراد خدمة لبلادهم، فهي حقوق تخالطها أو تشوبها واجبات(3).
والحقوق السياسية في الإسلام، نظراً لثبوتها بحكم الشارع وإقراره، فهي تعتبر من جملة الأحكام الشرعية، التي أقرها الشارع (سبحانه وتعالى). فهي بالتالي جزء من الدين، لا يجوز الاعتداء عليها، أو الانتقاص منها، وهو ما يعني أنها حقوق مصونة، وليست منحة من حاكم، أو منّة من سلطان، يصادرها متى ما أراد. كما أنها - من جانب آخر - تندرج في مراتب الأحكام الشرعية، بحسب تحقيقها لمقاصد الشريعة، فقد تكون واجبة، أو مندوبة، أو مباحة، بقدر ما يتحقق من مصالح، وما يُدفع من مفاسد(4).
وليس هناك مقياس موحد لتحديد (الحقوق السياسية)، ولكن الفقه السياسي تعارف على اعتبار عدد من الحقوق، من ضمن أهم الحقوق السياسية التي عرفها الفقه الإسلامي، وهي: 1- حق الترشيح. 2- حق الانتخاب. 3- حق المعارضة وتشكيل الأحزاب والجمعيات. 4- حق الشورى. 5- حق تولي الوظائف العامة. 6- حرية الرأي. 7- حق مراقبة الحاكم ومحاسبته وعزله(5).
ولا يتسع المجال هنا لدراسة هذه الحقوق تفصيلاً، ولذلك سنركز الحديث على ثلاثة من أهم هذه الحقوق، وبما ينسجم مع مقاصد هذه الدراسة، وهي: حق الشورى، وحق المعارضة، وحق المراقبة والتقويم. أما بقية الحقوق السياسية، فيكفي أن نعرف بها تعريفاً سريعاً، فيما يلي(6).
فحق الترشيح يقصد به: حق كل عضو من أعضاء الجماعة في ترشيح نفسه، مبدئياً، لتولي رئاسة الدولة، أو عضوية مجالس النواب والشورى، فيما إذا توافرت فيه الشروط المطلوبة، لمن يشغل هذه المناصب. ويدور البحث عادة، عند تناول هذا (الحق) بالدراسة، حول: شروط المرشحين لرئاسة الدولة، وللمجالس النيابية، وحق المرأة في الترشيح لهذه المناصب، وكذلك حقوق أهل الذمة فيها، وعن أساليب وكيفية الترشيح.
أما حق الانتخاب، فيقصد به: وسيلة إسناد السلطة السياسية، أو طريقة تعيين الحاكم، أو رأس الدولة، ويجري البحث فيه عن طرق تعيين الخليفة (أو الحاكم)، وهي: البيعة والاختيار، والعهد والاستخلاف، والغلبة والاستيلاء، وعن الشروط التي يجب توافرها فيمن يتولى هذا الحق (أي أهل الحل والعقد).
أما حق تولي الوظائف العامة، فهو الآخر من الحقوق العامة، التي يشترك فيها جميع أفراد الجماعة السياسية الواحدة، إذ هو قائم على أساس المساواة، مع مراعاة الكفاءة والأهلية، وهو يعني حق جميع المواطنين - مبدئياً - في تولي الوظائف العامة، يما يعود بالنفع على الكافة(7).
 وأما حق حرية الرأي، فهو أم الحريات، وأسّها، كما يذهب علماء السياسة، ويقوم في الإسلام على قواعد أساسية صلبة، مثل: قاعدة (لا إكراه في الدين)، وقاعدة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، والنصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم، والشورى. وتأتي أهمية حرية الرأي من الناحية السياسية، من حيث كونها أداة لإصلاح أنظمة الحكم، ووسيلة لمقاومة الظلم والطغيان، وطريقاً لتفعيل المشاركة السياسية لعموم المواطنين، وتحقيق المصالح العامة لهم(8). وحق حرية الرأي، مع أهميته سياسياً، لكننا لن نفرده بالحديث، لأنه سيأخذ نصيبه من البحث ضمن حقي (الشورى) و(المعارضة).
وبعد هذا الشرح المبسط لهذه الحقوق السياسية، ننتقل إلى بحث الحقوق الأخرى، تفصيلاً، وعلى الشكل التالي:
أولاً: حق الشورى
(الشورى) مصطلح قرآني إسلامي أصيل، وقد اعتبرت بنص القرآن الكريم، وفي السورة الكريمة التي تحمل اسم (الشورى)، من أبرز صفات المؤمنين. قال تعالى:[وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ(37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ] (الشورى/37-38). وقد قرن الله تعالى، في هذه الآية، الشورى بفريضة إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وهما ركنان مهمان من أركان الإسلام، "وهذا الاقتران له دلالة في أهمية الشورى، باعتبارها ركناً من أركان الحكم في الإسلام"(9). ومع وضوح أهمية الشورى، ووضوح الأدلة عليها، فقد اختلف العلماء في حكمها الشرعي، فذهب بعضهم إلى أنها مندوبة، وذهب غيرهم إلى أنها واجبة، وذهب فريق ثالث إلى أنها واجبة في حالات، ومندوبة في أخرى، وعلى التفصيل التالي(10):
 أولاً - الشورى مندوبة: ويرى أصحاب هذا الرأي، أن الأمر في قوله تعالى: [وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأمر] ليس للوجوب، بل هو للندب، تطييباً لنفوس الصحابة الكرام، وتأليفاً لهم على دينهم، وليستن بها مَنْ بعده (صلى الله عليه وسلم). "ومعنى الآية واضح صريح، لا يحتاج إلى تفسير، ولا يحتمل التأويل، فهو أمر للرسول (عليه الصلاة)، ثم لمن يكون ولياً للأمر من بعده، أن يستعرض آراء أصحابه، الذين يراهم موضع الرأي، الذين هم أهل الأحلام والنهى... ثم يختار من بينها ما يراه حقاً أو صواباً أو مصلحة، فيعزم على إنفاذه، غير متقيد برأي فريق معين، ولا برأي عدد محدود، ولا برأي أكثرية، ولا برأي أقلية، فإذا عزم توكل على الله، وأنفذ العزم على ما ارتآه"(11). ومن أصحاب هذا الرأي: قتادة، والربيع، وابن إسحاق، ومقاتل، والضحاك، والحسن البصري، والشافعي(12)، وكذلك نقله (الآلوسي) عن (البيهقي)، ورجحه (ابن حجر العسقلاني)، و(ابن القيم)، و(القشيري)، وهو الراجح من رأي (ابن حزم)(13).
ثانياً - الشورى واجبة: ذهب أصحاب هذا الرأي، إلى أن الشورى واجبة، لأن الآيات الواردة فيها تفيد الوجوب، وليس فيها ما يصرفها عن ذلك(14). وإذا كانت الشورى واجبة على الرسول (صلى الله عليه وسلم)، فهي على غيره أوجب، "وما دامت الشورى صفة لازمة للمسلم، لا يكمل إيمانه إلا بتوفرها، فهي إذن فريضة إسلامية واجبة على الحاكمين والمحكومين"(15)، ذلك أن الله سبحانه سوى بينها وبين الصلاة والإنفاق، في قوله تعالى: [وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ] (الشورى/38)، "فجعل للاستجابة لله نتائج، بين لنا أبرزها وأظهرها، وهي إقامة الصلاة، والشورى، والإنفاق. وإذا كانت الشورى من الإيمان، فإنه لا يكمل إيمان قوم يتركون الشورى، ولا يحسن إسلامهم، ما لم يقيموا الشورى إقامة صحيحة"(16). "وهذا الحسم والوضوح اللذين تألقت بهما الشورى، كفريضة شرعية واجبة، في قرآننا الكريم، ووحي الله لرسوله ... قد وعاه جيداً أسلافنا العظام، الذين كتبوا في تفسير هذه الآية يقولون: إن الشورى من قواعد الشريعة، وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين، فعزله واجب .. هذا مما لا خلاف فيه"(17). ويذهب إلى هذا الرأي جلّة من العلماء، في القديم والحديث، منهم: الرازي، والهادوية، وابن خويز منداد، وابن عطية، والجصاص، والسرخسي، وابن العربي، وابن تيمية، وابن مزاحم، وسفيان بن عيينة، والنووي، والطبري(18). وهذا هو قول جمهور العلماء والباحثين المحدثين(19).
ثالثاً - الشورى مندوبة في حالات وظروف، وواجبة في أخرى: وهؤلاء يقولون: إن "موضوع الشورى، وواقعه الزماني والمكاني، هو الفيصل في تبني هذا الموقف أو ذاك، قبولاً، أو رفضاً، أو ندباً"(20).
أدلة القائلين بوجوب (الشورى):
يذهب أصحاب هذا المذهب، وهم "الجمهور الأعظم من الفقهاء الأقدمين والمحدثين"(21)، إلى أن (الشورى) واجبة بدليل الكتاب، والسنة، والإجماع.
فأما الأدلة من القرآن الكريم، فهناك الآيتان الكريمتان اللتان تذكران (الشورى) بصريح اللفظ، وهما قوله تعالى: [وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ(38)وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ](الشورى/ 38-39)، وقوله تعالى: [وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ](آل عمران/159).
أما آية سورة الشورى، فيرى أصحاب هذا المذهب أن ورود الحديث عن الشورى، في سياق هذه الآية، يدل على وجوبيتها، لأن المسائل الأخرى التي تشير إليها الآية، وهي: الاستجابة لله (أي: الإيمان)، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والانتصار من البغي (أي: الجهاد)، هي كلها واجبات شرعية، لا يجوز للمسلمين التهاون فيها، فدل ذلك على أن (الشورى) هي أيضاً من الواجبات التي لا يجوز إهمالها، أو التهاون فيها(22). بل إن الله سبحانه ذكر (الشورى) - في هذه الآية - بعد الصلاة مباشرة، وقبل إنفاق المال (الزكاة)، وهذا يعني مدى أهمية ووجوبية (الشورى)، وكونها صفة ملازمة للمسلمين، عليهم أن يحافظوا عليها، ويلتزموا بها، كالتزامهم بالصلاة والزكاة(23).
إن سياق هذا النص المتعلق بالشورى، "قد حوى مسائل اعتبرت في نظام الإسلام أركاناً وفرائض، لا ينازع فيها مسلم، وهي معلومة من الدين بالضرورة، ولذلك فمن غير المعقول أن تكون الشورى دون ما سبقها، وما لحقها، في الحكم. أليس القرآن في النظم، يدل على القرآن في الحكم؟ ولو أن الأمر كان على غير ذلك، فلك أن تتصور الإيمان، والصلاة، والزكاة، والنفقة الواجبة، قد جاءت جميعها على نسق واحد، إلا أنه قد تخللها حكم مندوب، إن تركه المسلم لا يعاقبه الشرع أبداً. إن ذلك أمر عجاب"(24). وفي ذلك يقول الإمام (الجصاص): إن ذلك "يدل على جلالة موقع المشورة، لذكره لها مع الإيمان، وإقامة الصلاة، ويدل على أننا مأمورون بها"(25). كما أن صياغة الآية جاءت بجملة اسمية خبرية، لتحمل معاني الثبوت والرسوخ والاستقرار(26)، "والخبر إذا أريد به الإنشاء الطلبـي، فهو أقوى من الأمر"(27). ومن المعلوم أن هذه الآية هي مكية، وقد نزلت حيث لم تكن بعد قد تأسست السلطة السياسية الإسلامية. "فهذا الطابع إذن أعم وأشمل من الدولة، في حياة المسلمين، إنه طابع الجماعة الإسلامية في كل حالاتها، ولو كانت الدولة - بمعناها الخاص - لم تقم فيها بعد"(28). فالآية تقرر صفة الأمة المسلمة، وتجعل (الشورى) إحدى مميزاتها وواجباتها، التي لا يمكن التنازل عنها، دون أن تكون قد خرجت أو تنازلت عن الإسلام نفسه، لأن في ذلك تكذيباً للقرآن الكريم ذاته(29). هذا، ويستفاد من الآية: أن أمور المسلمين كلها تقوم على الشورى، وتكون شورى بينهم، وفي هذا مدح للأمة المسلمة، وحث لها على التخلق بهذا الخلق، وإعمال هذا المبدأ، فإن الأمة كلما اجتمعت في تدبير شؤونها، وتشاورت فيما بينها، كانت أقرب إلى الهدى، وأبعد عن الخطأ، و"ماشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم"، كما قال (عليه الصلاة)(30).
وأما قوله تعالى: [وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ] فاللفظ فيه، كما قال العلماء، في صيغة الأمر، والأمر للوجوب، إلا بوجود قرينة صارفة، ولا قرينة هنا(31). والخطاب في الآية، وإن كان موجها إلى الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)، ولكنه خطاب عام موجه إلى كل من يتولى أمر المسلمين(32)، أن يشاور المسلمين في (أمرهم)، ولا يستبد به دونهم. وإذا كان ذلك واجباً على الرسول (عليه الصلاة)، فوجوبه على غيره من الحكام أوجب وألزم(33). وظروف نزول الآية الكريمة تقطع بوجوبية الشورى، فقد نزلت هذه الآية الكريمة بعد (غزوة أحد)، التي تحمّل فيها المسلمون الخسارة والتضحيات، وبعد أن أشار المسلمون على الرسول بالخروج من المدينة لملاقاة المشركين، وكانت رغبته (صلوات الله عليه) في البقاء فيها والتحصن بها لملاقاتهم، ثم ما كان من مخالفة الرماة لأمره (صلى الله عليه وسلم)، مما تسبب في هزيمة المسلمين في المعركة. ورغم ذلك فقد نزل الوحي على الرسول، يأمره بمشاورة المسلمين والعفو عنهم. "فهذا دليل واضح الدلالة على وجوب الشورى، وأنها قاعدة ملزمة للحكام، من بعد الرسول، في جميع الأزمان، وفي كل الظروف"(34). "فالرسول قد استمع إلى مشورة أصحابه فتحقق الضرر، لكن القرآن ينبه أن هذا الضرر، رغم فداحته، هو أهون الضررين، لأنه لو لم يستجب لرأيهم ومشورتهم لتفرقوا وانفضوا من حوله، وهذا ضرر أعظم. فالشورى إذن هي سبيل الألفة والوحدة، وهذا هو الكسب الجوهري والأعظم"(35). "إضافة إلى أن مشاركة الأمة في صناعة القرار السياسي، هو ضمان للارتقاء بالأمة سياسياً، وبالوعي السياسي نضمن حسن سير الدولة، وحسن الانضباط، واحترام القانون"(36).
وهناك قوله تعالى: [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ](آل عمران/104)، التي يرى فيها الشيخ (محمد عبده) أقوى الأدلة على وجوب الشورى، بدليل أن هذه (الأمة) من المسلمين، والتي تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتقوم عوج الحكومة إذا اعوجت، هي التي تضمن امتثال (الحكومة) للشورى، فيما إذا تركتها. فهذه الآية تفصيل لكيفية ضمان التزام (الرئيس) بالشورى(37). "وهذه الجماعة تقابل المجالس النيابية، في الحكومات الجمهورية، والملكية المقيدة، في الوقت الحاضر"(38).
وهناك آيات أخرى في القرآن الكريم، لا يأتي فيها ذكر (الشورى) صريحا باللفظ، أو أن (الشورى) فيها ليست في (أمر) المسلمين السياسي، وشأنهم العام، كالآية الكريمة في سورة البقرة، وهي قوله تعالى: [فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا](البقرة/233)، فهذه الآية الكريمة تنقل نطاق الشورى من (السياسة) إلى (الحياة الأسرية). أو لنقل، بعبارة أخرى: إن الاسلام يربي المسلمين على (الشورى) في شؤونهم الخاصة والشخصية، لتكون خلقاً لهم، وقانوناً يسيرون عليه في شأنهم العام. وإذا كان القرآن الكريم قد جعل للشورى هذا العموم، في المجتمع المؤمن، فهي - من جهة - المنهج الذي تسير عليه سياسة الأسرة الصغيرة، كما أنها - في الوقت نفسه - منهاج سياسة الرعية والدولة، فلا غرابة أن رأيناه قد جعل منها واحدة من الصفات التي يتميز بها المؤمنون(39). يقول الشيخ (رشيد رضا): "إذا كان القرآن يرشدنا إلى المشاورة في أدنى أعمال تربية الولد، ولا يبيح لأحد والديه الاستبداد من دون الآخر، فهل يبيح لرجل واحد أن يستبد في الأمة كلها، وأمر تربيتها؟ وإقامة العدل فيها، أعسر، ورحمة الأمراء، أو الملوك، دون رحمة الوالدين بالولد، وأنقص"(40).
الأدلة على وجوب الشورى من السنة النبوية
هناك أحاديث وردت عن الرسول، تؤكد على (الشورى) وأهميتها، منها: قوله (عليه الصلاة): "لن يهلك امرؤ بعد مشورة"(41)، وقوله: "ما تشاور قوم قط، إلا هدوا إلى أرشد أمرهم"(42)، وقوله:"ما ندم من استشار، ولا خاب من استخار"(43)، وقوله: "إذا استشار أحدكم أخاه، فليشر عليه"(44)، وقد روي عن (أبي هريرة) قوله: "ما رأيت أحداً أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله"(45).
وقد كان (عليه الصلاة) الترجمة العملية للأمر القرآني، فما عرف عنه أنه ترك الشورى في أمر من الأمور، ما لم يكن وحياً.. "حتى إن الإجماع قد استقر على أن جميع أمور الدنيا، ومصالح الناس، قد خضعت، على عهد الرسول، لمبدأ الشورى وسلطانها"(46). وتتعدد الأمثلة من سيرته (عليه الصلاة)، في أخذه بالشورى، وحرصه عليها في كل شؤونه.. فإذا تبين هذا، وثبت أن رسول الله كان أكثر الناس مشورة لأصحابه، وهو المسدد بالوحي، والمستغني عن المشورة، فلا شك أن الشورى تكون في حق غيره أوكد وأوجب.
* الإجماع:
لقد سار الصحابة الكرام على هدي رسولهم، فالتزموا بالشورى، ورجعوا إليها في شؤونهم العامة، وتجلى ذلك منذ وفاة الرسول، عندما اجتمع المسلمون في (سقيفة بني ساعدة)، وخرجوا من ذلك الاجتماع بانتخاب أول خليفة لهم بعد الرسول (عليه الصلاة). وهكذا دأب الخلفاء الراشدون الأربعة (رضي الله عنهم) على الالتزام بالشورى، و"أجمع الصحابة على هذا المبدأ، وأن الأمة هي التي تختار الإمام، وهي التي تشاركه الرأي، فلا يقطع أمراً دونها"(47). فكان (أبوبكر) إذا نزل به أمر، نظر في كتاب الله، فإن لم يجد فيه شيئا، نظر في سنة النبـي، وسأل الناس عنها، فإن لم يجد "جمع رؤساء الناس فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء، قضى به. وكان عمر يفعل ذلك"(48). وعلى هذا النهج سار بقية الخلفاء الراشدين. "فلو لم يكن هؤلاء الصحابة يعرفون أن الأمر بالشورى واجب، لما التزموه هذا الالتزام. وكيف لا يفعلون ذلك، وقد رأوا النبـي عليه الصلاة والسلام يلتزمه، ويحرص عليه، ولهم في رسول الله أسوة حسنة"(49).
أدلة القائلين بأن (الشورى) مندوبة وليست واجبة:
إذا كان جمهور الفقهاء قد ذهب إلى القول بوجوب (الشورى)، فإن البعض الآخر ذهب إلى القول: بأن الأمر الوارد في الآية الكريمة [وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ]، إنما هو للندب، وليس للوجوب. ويرى هؤلاء أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) في غنى عن (الشورى)، لأنه معصوم، "فعلم من ذلك أن قيام الرسول بالشورى، في عدة أمور، يعتبر منه إرشاداً لأمته إلى أمر مندوب، يثاب فاعله، ولا يأثم تاركه"(50). قال العلامة (ابن الجوزي): "واختلف العلماء لأي معنى أمر الله نبيه بمشاورة أصحابه، مع كونه كامل الرأي، تام التدبير، على ثلاثة أقوال: أحدها: ليستن به من بعده، وهذا قول (الحسن)، و(سفيان بن عيينه)"(51).
ويرى هؤلاء أن (الوجوب) في الآية الكريمة خاص بالرسول، ولكنه قد صرف إلى (الندب)، لما يلي:
أولاً: أن المقصود بالشورى تطييب نفوس المسلمين، وذلك مثل قوله (عليه الصلاة): "البكر تستأمر في نفسها"، ولو أكرهها وليها على النكاح جاز عقد النكاح، ولكن الأولى مشاورتها تطييبا لنفسها(52).
ثانياً: لكي يستن به (عليه الصلاة) من يأتي بعده من أمته، إذ هو (صلى الله عليه وسلم) غني عنها.. وقد ذكرنا آنفاً أن الرسول لم يكن يستغني عن مشورة أصحابه، في الأمور التي هي خارج نطاق الوحي، وهو القائل: "ما كان من أمر دينكم فإليّ، وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به"(53).
وأما قوله تعالى في الآية الكريمة الأخرى، في سورة (الشورى)، فهؤلاء يرون أن سياقها يأتي "على شكل جملة خبرية، لا دليل فيها على الوجوب، فينصرف إلى الندب"(54).
ويستند أصحاب مذهب الندب في رأيهم، كذلك، إلى ممارسة الرسول والخلفاء الراشدين، التي يرون فيها دليلاً على عدم الوجوبية، إذ كان الرسول (عليه الصلاة) يأخذ بالشورى أحياناً، ولا يلتفت إلى رأي أصحابه، ولو خالفهم جميعاً، في مواقف أخرى. وكذلك كان الخلفاء الراشدون، فهذا (أبو بكر الصديق)، وكيف وقف وحده في موقفه الداعي إلى حرب المرتدين، رغم اعتراض غالبية الصحابة على قتالهم. وكذلك موقفه من إنفاذ بعث (أسامة) على رأس جيش إلى (الشام)، وغير ذلك كثير، في سيرة الخلفاء الراشدين (رضي الله عنهم).
وقد رد أصحاب مذهب وجوب الشورى على هذه الحجج، واحدة واحدة، ومجمل ردودهم يتركز في أن هذه الحوادث، التي ظاهرها عدم أخذ الرسول (صلى الله عليه وسلم) بشورى المسلمين، إنما هي حوادث نزل فيها وحي، فكان الرسول يتصرف بهدي من ذلك، ولم يكن الأمر متروكا للشورى، كما في (صلح الحديبية)، أو في قتال (بني قريظة)، أو في (غزوة تبوك)(55). وكذلك، فإن الوقائع التي يذكرونها، كدليل على دعواهم في عدم وجوبية الشورى، في زمن الخلفاء الراشدين، لا تسلم لهم بذلك: فهي إما وقائع بنيت على نص سابق، كما هو الحال في بعث (أسامة)(56)، أو أنها كانت اجتهاداً أصر عليه الخليفة، ثم تبين صوابه للآخرين بعد ذلك، كما هو في مقاتلة أهل الردة. ولو أن الصحابة لم يقتنعوا بقتال أهل الردة، فكيف تم تجهيز الجيوش، وتسييرها، ولم يكن للخليفة آنذاك جيش منظم، ولا شبه منظم؟(57). وهكذا في بقية الوقائع التي يذكرونها.
أما قولهم إن الأمر بالشورى في الآية الكريمة، هو أمر خاص بالرسول (عليه الصلاة)، تمسكاً بصيغة الخطاب الوارد في الآية، فليس بذاك. وهناك آيات أخرى كثيرة، يتوجه فيها الخطاب إلى النبـي، ولكن المراد به الأمة كلها، كما في قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ](التوبة:73)، وكذلك قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ](الأحزاب/1). فهذه الآيات وغيرها لا يجادل أحد في أنها، وإن كانت موجهة إلى الرسول، ولكن المراد بها الأمة كلها(58).
"ثم هب أن الأمر بالشورى كما قالوا، فلم التزم الخلفاء الراشدون، والصحابة، (رضوان الله عليهم) بالشورى، حتى كانوا في ذلك مثالاً رائعاً لرؤساء الدول في تاريخ بني البشر؟ فلو لم يكن الأمر عندهم يعم الأمة والأئمة، لما تقيدوا به، والتزموه"(59). وأما مسألة تطييب نفوس المسلمين بالشورى، فهو متناقض مع نفسه، فالمسلمون، والمقصود هنا الصحابة (رضي الله عنهم)، وهم الذين نزل النص فيهم، أو بسببهم، يوم (أُحد)، هم من هم في منزلة الإيمان والتقوى، والثقة بالله ورسوله، فهم ليسوا بحاجة إلى تأليف قلوبهم باستشارتهم، إن كانت الاستشارة لا تعنيهم(60). ثم - من جهة أخرى - أي تطييب للنفوس، وتأليف للقلوب، يأتي من (شورى) لا تحترم نتيجتها، وآراء المشاركين فيها؟! إذ كما يقول (الجصاص): "وغير جائز أن يكون الأمر بالمشاورة على جهة تطييب نفوس الصحابة، ورفع أقدارهم، كما ذهب بعض الفقهاء، لأنه لو كان معلوما عند المستشارين أنهم إذا استفرغوا جهدهم في استنباط الحكم الذي يستشارون فيه، لم يكن معمولاً به، ولا يتلقى بالقبول، فلم يكن في ذلك تطييب نفوسهم، ولا رفع أقدارهم، بل فيه إيحاشهم، وإعلامهم بأن آراءهم غير مقبولة، ولا معمول بها. فهذا تأويل ساقط لا معنى له"(61).
*أما أصحاب الاتجاه الثالث، الذي يرى أن الشورى واجبة في حالات، ومندوبة في أخرى، فهم يستندون في رأيهم هذا على تفسير الأدلة، التي سبق ذكرها. وقد خرجوا بهذا الرأي الوسط، توفيقاً بين أدلة الفريقين، فقالوا بأن بعض الأدلة والوقائع يشير إلى وجوب الشورى، ووجوب الأخذ بنتيجتها، وبعضها الآخر يدل على أن (الشورى) مندوبة، وأن الالتزام بنتيجتها غير ملزم، فانتهوا إلى " أن اللجوء إلى الشورى، أو الأخذ بنتائجها، أو مخالفتها، كل ذلك مرتبط بموضوع الشورى حينئذ، وبما يحيط به، وبواقعه"(62). ويذهب بعض أصحاب هذا الاتجاه إلى التمييز بين نوعين من الشورى، واحدة ملزمة يسمونها (الشورى)، وأخرى غير ملزمة يسمونها (الاستشارة). وهم يرون أن الخلط الذي يتم بين هذين النوعين، هو الذي أثار مشكلة: هل الشورى ملزمة أم معلمة؟(63).
نطاق الشورى، أو ميادينها ومجالاتها:
ما الذي يدخل ضمن نطاق (الشورى)، وما الذي لا يدخل في نطاقها؟
إن النصوص الخاصة بالشورى وردت عامة مطلقة، ولم تحدد ما الذي تجب، وما الذي لا تجب فيه الشورى. فالآيتان الكريمتان: [وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ](الشورى/38)، [وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ](آل عمران/159)، تتحدثان عن (الأمر)، بهذا التعميم والإطلاق، دون أن تحددان ما هذا الأمر؟ ولكن التطبيق النبوي الكريم، وفهم الصحابة الكرام له، والتزامهم به، هو الذي بين كل ذلك. يقول (عبدالقادر عودة) (رحمه الله): "وإذا كانت النصوص التي وردت في الشورى قد جاءت عامة، إلا أنها خصصت بالنصوص الأخرى، التي استأثرت بالحكم في مسائل بعينها، كما أنها خصصت بفعل الرسول (صلى الله عليه وسلم)، حيث كان لا يشاور فيما نزل أو ينزل الوحي بحكمه.."(64). ومن هنا اختلف العلماء في تحديد نطاق الشورى، وميادينها، فرأى بعضهم أن نطاقها يقتصر على الأمور التي لم يرد فيها نص. ورأى آخرون أنها مقصورة على الأمور المباحة، في شؤون الحياة، وأمور الدنيا(65). بينما يرى غيرهم، أن الشورى تجري كذلك في أمور الأحكام، ويشيرون إلى عدد من الوقائع، التي استشار فيها الرسول صحابته، مع تعلقها بالأحكام الشرعية، كما حدث في أمر الأسرى بـ(بدر)، وفي يوم (الحديبية)(66).
ومن هنا يمكننا القول: إن المبادىء الكلية والقواعد العامة، التي جاء الإسلام بنصوصها مجملة غير مفصلة، فإنها مما "يخرج من نطاق الشورى، ولا يدخلها إلا بقصد إقامته وتنفيذه، أما ما عداه فكله محل للشورى، موضوعاً، وتنفيذاً، في حدود مبادىء الإسلام العامة وروحه التشريعية"(67). فالشورى واجبة في الأمور التي سكتت عنها الشريعة، "أما المسائل التي قطعت فيها الشريعة بأحكام تفصيلية مسهبة، فهي خارجة عن نطاق الشورى، إلا أن تكون الشورى في حدود تفهم النص، وبيان الحكم الذي يدل عليه، وكيفية تنفيذه. وفي جميع الأحوال، فإن الشورى ليست مطلقة من كل قيد، وإنما هي مقيدة بأن لا تخرج عن حدود ما جاء به القرآن والسنة، فلا يجوز بأية حال أن تؤدي الشورى إلى مخالفة نصوص التشريع الإسلامي، أو الخروج على روح التشريع"(68).
"إذن فالأمور التي ورد بها نص من القرآن، أو السنة: فإما أن يكون النص قطعياً لا يختلف فيه، فهنا لا تكون الشورى، وإنما اتباع وتسليم. وإما أن يكون النص محتمل الاختلاف في فهم معناه، فهنا تكون الشورى في تفهم المراد من النص. وأما الأمور التي لا وحي فيها، فهي محل التشاور، كإعلان الحرب، وعقد المعاهدات، وإسناد المناصب الكبيرة في الدولة إلى من يستحقها، ومختلف الشؤون الاقتصادية، أو السياسية، أو الاجتماعية، أو نحوها، مما لم تتناولها النصوص"(69).
وعلى هذا يمكن القول: بأن الشورى واجبة في جميع المسائل والمصالح الدينية، والدنيوية(70)، إلا أنها مقيدة بقيدين: الأول: أن لا تكون فيما ورد فيه نص من كتاب الله، أو سنة نبيه، أو إجماع صحيح يحتج به، إلا أن تكون تفسيراً، أو فهماً، أو تنفيذاً للنص. الثاني: أن لا تكون النتيجة، التي تنتهي إليها الشورى، مخالفة لنصوص الشريعة، وأحكامها العامة(71).
إن عدم تحديد موضوعات الشورى، وما تجب فيه، تحديدا بيناً وقاطعاً، هو مما يتفق مع طبيعة الشريعة الإسلامية، التي لها صفة الخلود والعموم، لكي تكون قادرة على مواجهة كل جديد، وملائمة مختلف البيئات والأزمنة(72).
*مدى إلزامية الشورى
إذا قلنا بأن (الشورى) واجبة، أي أن اللجوء إليها هو واجب حتم على السلطة التنفيذية، أو رأس الدولة، فإن السؤال الذي يطرح هنا، والذي طرحه الفقهاء في القديم، واختلفوا في الإجابة عليه، كما طرحه الباحثون والفقهاء في العصر الحديث، وتعددت كذلك اتجاهاتهم في الإجابة عنه(73)، هو: مدى إلزامية هذه الشورى المقدمة للسلطة التنفيذية؟
وقد تجمعت هذه الآراء والاتجاهات في فريقين: فريق يرى أن نتيجة (الشورى) ملزمة للحاكم، وأنه يجب عليه اتباعها، وآخر يرى أن الحاكم غير ملزم بنتيجة (الشورى)، وأن (الشورى) لا تعدو أن تكون وسيلة لمساعدة الحاكم في التوصل إلى أنضج الآراء وأصوبها، بعد تقليب وجهات النظر وتداول الرأي.
* مذهب القائلين بعدم إلزامية الشورى:
يستند القائلون بعدم إلزامية الشورى، وأن الحاكم بالخيار في الأخذ بنتائجها، أو الإعراض عنها، إلى عدد من الأدلة، نوجزها فيما يلي:
أولاً: قوله تعالى: [فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ، فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ](آل عمران/159). ووجه استدلالهم بهذه الآية هو: أن الخطاب فيها موجه إلى الرسول، حيث يطلب الله سبحانه منه مشاورة أصحابه، فإذا عزم على شيء بعد هذه المشورة، فإن عليه أن يشرع في التنفيذ متوكلاً على الله، لأن الغاية من (المشاورة)، وهي تبين الموقف الصحيح، والتمييز بين المواقف، قد تحقق(74). نقل (القرطبـي) في تفسيره عن (قتادة) قوله: "أمر الله تعالى نبيه (عليه السلام) إذا عزم على أمر أن يمضي فيه، ويتوكل على الله، لا على مشاورتهم. و(العزم) هو: الأمر المروى المنقح، وليس ركوب الرأي دون روية، عزما"(75).. وبهذا قال جمهرة من المفسرين(76).
"وعلى هذا النهج سار الخلفاء الراشدون، دون معارض من الصحابة، فكأنه إجماع منهم على حرية رئيس الدولة تجاه آراء أهل الشورى"(77). وبهذا الرأي أخذ بعض الباحثين المعاصرين، فرأوا أن الرسول (عليه الصلاة) أُمر بمشاورة أصحابه تطييباً لقلوبهم، دون أن يُلزم بآرائهم، إذا لم يقتنع بها. "وربما كان ذلك أيضاً للإمام، الذي توافرت فيه الشروط اللازمة لتوليته شرعاً، فإنه هو المسؤول الأول عن الأمة، وسياستها، أمام الله، والأمة، والتاريخ"(78).
ثانياً: "وردت أحاديث كثيرة في الصحاح عن النبـي (عليه الصلاة)، تشير إلى وجوب طاعة الإمام - من قبل الأمة - في غير معصية الله، فهو ملزم بمشاورتهم، وهم ملزمون بطاعته. وأحاديث الطاعة في غير معصية، هي من الكثرة بحيث تشكل (تواتراً معنوياً)، كما هو معروف في علم الأصول"(79). وهذا يعني أنه في حالة انفراد (الإمام) أو (الحاكم) برأيه، وعدم أخذه بالشورى، فإن على الجميع إطاعته فيما يذهب إليه، لأنهم عندما بايعوه، عاهدوه على الطاعة، والنصرة.. "فليس لأهل الشورى، أو أكثريتهم، مخالفة ما يوجبه عقد البيعة هذا، ما دام الأمر اجتهادياً، ولم يأمر الأمير فيه بمعصية.."(80).
ثالثاً: يؤكد الإمام (القرافـي): "أن حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد لا ينقض"(81). ومن المعلوم أن "رأي الإمام (الخليفة) يرفع الخلاف، كما هو متفق عليه عند جمهور الأمة وعلمائها"(82). وهذا على اعتباره مجتهداً في الأصل، فإن لم يكن مجتهداً، "فله أن يقلد من يرتضي علمه ودينه"(83)، كما ذكر (ابن تيمية)، واعتبره أقوى الأقوال(84).                                   
رابعاً: واستدلوا كذلك بمخالفة الرسول (صلى الله عليه وسلم) لأصحابه، في صلح (الحديبية). ولو كانت الشورى ملزمة - كما يقولون - لنزل الرسول عند رأي أصحابه، المعارضين للصلح، وقد كانوا السواد الأعظم. واستدلوا كذلك بما فعله في (غزوة أحد)، عندما خالف رأي الشورى(85).
خامساً: هناك سوابق دستورية، في عصر الخلافة الراشدة، تدل على عدم وجوب التزام الإمام (رئيس الدولة) بالشورى.. من ذلك موقف (أبي بكر الصديق) من بعث جيش (أسامة) إلى الشام، فرغم "إشارة أكثرية الصحابة عليه بعدم إنفاذه، للاستعانة بجيش (أسامة) في محاربة الردة، التي انتشرت، ولكن (أبا بكر) أصر على إنفاذه، خلافاً للرأي الذي أشاروا به، حيث لم يقتنع بصواب رأيهم"(86). ومن ذلك أيضاً موقفه من حرب المرتدين(87). "ولم يحتج عليه أحد من الصحابة، في أي من الواقعتين، بضرورة النزول على رأي الأكثرية، ولو كان ذلك حجة لاحتجوا به"(88). بمعنى أن الصحابة لو كانوا يعلمون أن الشورى ملزمة للخليفة، لما سكتوا على (أبي بكر)، وهو يصر على رأيه، ويرفض آراء غالبيتهم التي لا ترى ما يراه. وهو دليل - من وجهة نظر أصحاب هذا المذهب - على صحة دعواهم بعدم إلزامية الشورى(89). وكذلك يحتج، أصحاب هذا المذهب، بمخالفة (عمر) رأي الأغلبية، في مسألة تقسيم السواد(90).
سادساً: قررت الشريعة الإسلامية مسؤولية الإمام (رئيس الدولة)، مسؤولية كاملة، عن أعماله وتصرفاته. فإذا كان ذلك، فكيف يجوز إلزامه، عن طريق الشورى، برأي لا يراه، ولا يعتقد صحته؟! فصح إذن أنه غير ملزم بنتائج الشورى، إلا ما يراه هو صحيحاً، وما يلتزم به هو، "فليس من المستساغ أن يلزم المرء برأي غيره، ويحاسب هو على هذا الرأي"(91).
سابعاً: ليست القلة، أو الكثرة، دليلاً على الصواب أو الخطاً، في نظر الشريعة الإسلامية. قال تعالى: [وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ](الأنعام/116). وقال تعالى: [قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ](المائدة/100). فلا يعني عدم أخذ الخليفة، أو رأس الدولة، وهو مجتهد، بآراء بقية الشورى، أنه على خطأ، لأنه وحده، أو لأن القليل معه، فخطأ الرأي وصوابه يستمد من ذات الرأي، لا من كثرة، أوقلة، القائلين به(92). وتأسيساً على ما تقدم، قال أصحاب هذا الاتجاه بعدم التزام الحاكم بنتائج (الشورى)، ورأوا "أن الأمير له الحق أن يوافق الأقلية أو الأغلبية في رأيها، وكذلك له أن يخالف أعضاء المجلس كلهم، ويقضي برأيه"(93).
•          الشورى ملزمة:
أما الذين ذهبوا إلى أن (الشورى) ملزمة، وأن الحاكم يجب عليه أن يتبع ما تستقر عليه الشورى، وهو ما عبر عنه (ابن عطية) أوضح تعبير وأجمله، عندما قال: "والشورى من قواعد الشريعة، وعزائم الأحكام، من لا يستشير أهل العلم والدين، فعزله واجب. هذا ما لا خلاف فيه"(94). فهؤلاء كثيرون أيضاً، في القديم والحديث(95)، وهم يعتمدون على عدد من الأدلة، نوردها فيما يلي:
1- قوله تعالى: [وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ](آل عمران/159). فقد تبين لنا، فيما تقدم، أن هذه الآية الكريمة هي من الأدلة الصريحة الواضحة على وجوبية الشورى. "والمقصد الشرعي من هذا الحكم، هو اعتماد الشورى طريقاً للوصول إلى أحسن الآراء، وأصوبها، وأكثرها تحقيقاً للمصلحة... ولا يتحقق هذا المقصد إلا بأخذ الرأي الذي يجتمع عليه أهل الشورى، ويتفق عليه المستشارون، ولا يعقل أن يقف المقصد عند تطييب نفوس المسلمين، ورفع أقدارهم، كما ذهب بعض المفسرين والفقهاء"(96). وقد سبق أن نقلنا قول الإمام (الجصاص)، الذي يرى أن مشاورة الصحابة، ثم عدم الأخذ بآرائهم، ليس فيه تطييب لقلوبهم، بل هو على العكس إيحاش لهم، وإعلامهم بأن آراءهم غير مقبولة، واعتبر ذلك تأويلاً ساقطاً(97). ويعضد ذلك أنه روي عن الإمام (علي)، أنه سأل الرسول (صلى الله عليه وسلم) عن (العزم) الوارد في الآية، فأجابه بأنه:"مشاورة أهل الرأي، ثم اتباعهم"(98).
2- قوله تعالى: [وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ](الشورى/39 ). وقد رأينا أن هذه الآية الكريمة تتضمن دليلاً قوياً على وجوبية الشورى، حيث جاء الحديث عن (شورية) (الأمر) بين المسلمين، متوسطا مجموعة صفات أساسية للأمة الإسلامية، هي فروض واجبة في حقها. "فإذا علم هذا، كان من العبث، أو من لغو القول، أن نقول: إن نتيجتها غير ملزمة، أي سواء تشاور المسلمون مع قيادتهم السياسية، في أمر ما من الأمور، أو لم يتشاوروا، فإنه لا أثر لما يتمخض عن تلك المشورة من آراء ومقررات. وكأن القرآن الكريم قد نص على الشورى، وأمر بها، من قبيل التسلية، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً"(99).
3- قوله (صلى الله عليه) لأبي بكر وعمر: "لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما"(100). "إذ إن الحديث يدل على رجحان رأي الاثنين على الواحد، ومن ثم رجحان رأي الأكثرية على الأقلية، وأن اجتماعهما على رأي واحد معين، يمثل الأكثرية من الصحابة (رضي الله عنهم)"(101). وربما أخذ منه أيضاً: "أن الشورى ملزمة حتى لرسول الله (عليه الصلاة)، وإذا تبين هذا، كان هذا الإلزام في حق غيره أوجب"(102).
4- عن (ابن عباس) أنه قال: "لما نزلت: [وشاورهم في الأمر]، قال رسول الله(عليه الصلاة): "أما أن الله ورسوله لغنيان عنها، ولكن جعلها الله رحمة لأمتي، فمن استشار منهم لم يعدم رشداً، ومن تركها لم يعدم غياً"(103). ووجه الدلالة في الحديث، أن الرسول وصف (الشورى) كونها رحمة للأمة، "ولا تتحقق الرحمة فعلا إلا بأن تكون الشورى ملزمة للحكام والمحكومين، على حد سواء، وإلا ففي أي معنى من معاني الشورى تكون الرحمة"(104). وكذلك فإنه (عليه الصلاة) وصف ما ينتج عن الشورى بالرشد، ذلك أن الشورى، بما أنها التزام برأي الأكثرية، وأن الجماعة أقرب إلى السداد، إن لم نقل إلى (العصمة)، من الفرد، فهي موصلة في ثمرتها إلى الرشد، بدليل قوله (صلى الله عليه): "إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافا، فعليكم بالسواد الأعظم"(105). "ومن هنا كان العمل بما استقر عليه رأي أهل العلم والخبرة والتجربة، من أهل الشورى، رحمة ورشداً"(106). وبخلافه، أي عند ترك الشورى، أو ترك الالتزام بنتيجتها - وهو سواء في النهاية - فإن الغي والضلال، هو مصير المعرضين عن الشورى، أو المتجاوزين عليها. "ذلك أنه لا فرق بين من لم يلتزم بنتيجة الشورى، وبين من لم يستشر. إذ في هذه الحال يستوي الوجود والعدم"(107).
5- الأدلة من السيرة النبوية: هناك عدد من الوقائع الموثقة في حياة الرسول (عليه الصلاة)، تدل دلالة واضحة على إلزامية الشورى، منها: موقفه من الخروج لملاقاة المشركين، خارج أسوار المدينة، في (غزوة أحد)، بناء على شورى المسلمين. ورغم تراجع المسلمين عن رأيهم، فيما بعد، بل ورغم الضرر الكبير، والهزيمة العسكرية، التي لحقت بالمسلمين، فقد نزل القرآن الكريم يأمر الرسول بـ (الشورى). وفي هذا أكبر دليل على إلزامية الشورى، حتى لو نتج عنها على المدى القريب، أضرار وخسائر(108). ومنها: نزوله (عليه الصلاة) على رأي الأنصار، بعد أن استشارهم في دفع ثلث ثمار المدينة لـ(غطفان)، من أجل كسر حصار المشركين عن المدينة، أثناء (غزوة الأحزاب)(109). "وهكذا يضرب لنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، في هذه الحادثة، أروع الأمثلة لنزول زعيم الأمة وقائدها عند رأي الشورى... ولست أرى أدل على إلزامية الشورى، مما فعل رسول الله في هذه الحادثة، وحادثة (أحد)"(110).
6- الأدلة من عمل الخلفاء الراشدين: أوضح الأدلة على فهم الصحابة (رضي الله عنهم)، لإلزامية الشورى، هو إجماعهم على "إمضاء ما صدرت عنه الشورى يوم (السقيفة)، من اختيار (أبي بكر) خليفة للمسلمين ... وتعتبر هذه المسألة من المسائل التي لا يختلف فيها اثنان، ولا تنتطح عليها عنزان، وهي تدل دلالة قاطعة على إلزامية الشورى"(111).
وقد "كانت سنة الخلفاء الراشدين، الأخذ برأي أهل الشورى، في المسائل التي لا نص فيها من الكتاب والسنة. وتظافرت الروايات على تأكيد هذا النهج"(112). ومنها ما رواه (ميمون بن مهران) قال: "كان (أبو بكر الصديق) إذا ورد عليه حكم، نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضي، قضى به، وإن لم يجد في كتاب الله، نظر في سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فإن وجد فيها ما يقضي به، قضى به، فإن أعياه ذلك، سأل الناس: هل علمتم أن رسول الله قضى فيه بقضاء؟ فربما قام إليه القوم، فيقولون قضى فيه بكذا بكذا. فإن لم يجد سنة سنها النبـي (عليه الصلاة)، جمع رؤساء الناس واستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به. وكان (عمر) يفعل ذلك، فإن أعياه أن يجد ذلك في الكتاب والسنة، سأل: هل قضى فيه (أبو بكر) بقضاء، فإن كان لـ(أبي بكر) قضاء، قضى به، وإلا جمع علماء الناس واستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء، قضى به)(113).
ولا يستقيم ما ذهب إليه المخالفون لإلزامية الشورى، من الاستدلال على ذلك، ببعض الوقائع، سواء في حياة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، أو في عهد الخلفاء الراشدين، من مثل: صلح الحديبية، وإنفاذ بعث جيش (أسامة)، وحرب المرتدين، ومسألة تقسيم سواد (العراق). فالذي عليه أكثر المحققين، أن هذه الوقائع كلها، لا تصلح دليلاً للقول بعدم إلزامية نتائج الشورى، لأن واقعة (صلح الحديبية)، إنما صدرت عن وحي كان يتبعه الرسول (عليه الصلاة). ذلك "أن مجريات الأحداث في ذلك الوقت، قاطعة في الدلالة، على أن الأمور كانت تسير بتوجيه من الله سبحانه وتعالى لرسوله"(114). "فمن الخطل استنتاج عدم وجوب أو لزوم الشورى، عند تقرير شؤون المسلمين، بناء على وقائع (صلح الحديبية). فنحن نعلم أن قرار إجراء هذا الصلح، لم يصدر من قيادة سياسية محضة، بل أيضا من مقام النبوة المؤيدة بالوحي"(115).
وأما إصرار الخليفة الأول (أبوبكر الصديق)، على موقفه، في مسألة بعث جيش (أسامة)، وفي مسألة قتال المرتدين، فذلك لأنه كان يستند في موقفه إلى أمر الرسول (عليه الصلاة) بإنفاذ البعث(116)، وإلى حديث له (صلى الله عليه وسلم) يقول فيه: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه، إلا بحقه، وحسابه على الله"(117). وقد بين (الشاطبـي)، بأن عدم أخذ (أبي بكر) بآراء المسلمين يعود إلى أن "الدليل الشرعي الصريح كان عنده ظاهراً، فلم تقو عنده آراء الرجال أن تعارض الدليل الظاهر، فالتزمه، ثم رجع المشيرون عليه بالترك، إلى صحة دليلة، تقديما للحاكم الحق، وهو الشرع"(118).
وكذلك الأمر في مسألة تقسيم سواد (العراق)، التي أكثر فيها (عمر بن الخطاب) استشارة الصحابة، حتى استقر على الرأي الصحيح، استنادا إلى الآية الكريمة في سورة (الحشر)، وهي قوله تعالى: [وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ، وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا، رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ](الحشر/10)، والتي فهم منها أنها أصبحت فيئاً للمسلمين جميعاً، وأن قسمتها بين المسلمين الموجودين آنذاك، سيحرم منها من يجيء بعدهم(119).. وهو لم ينفرد في ذلك برأيه، "فإن الروايات تجمع على أن (عمر بن الخطاب)، عهد ببحث المسألة إلى فريق من كبار الأنصار، بناء على رأي الصحابة أنفسهم، وأن هذا الفريق قرر بالإجماع تأييد رأي الفاروق"(120).
وهكذا، فإن النظر في الوقائع كلها، سواء ما حدث على عهد النبوة، أو زمن الخلافة الراشدة، يدل بجلاء "على أن النبـي (عليه الصلاة)، ومن بعده الخلفاء الراشدون، لم يكونوا، في الكثرة الكاثرة منها، إلا آخذين برأي من آراء أهل الشورى، إذ لم ينقل عن رسول الله - وهو أكمل الناس عقلاً وفكرا، وهو المؤيد بوحي السماء - أنه تفرد باتخاذ القرار، إلا في (صلح الحديبية)، ويحتمل أن يكون ذلك عن وحي، كما أشرنا... أما في تاريخ الخلافة الراشدة، فإننا لا نجد إلا مثالين، عقد الخليفة فيهما عزمه على أمر، لم يوافقه عليه أهل الحل والعقد، كلهم أو أكثرهم"(121).
"إن هذه الوقائع ... لتؤكد أنها جاءت استثناء من أصل، وأعني بذلك: أن الأصل برئيس الدولة أن يأخذ برأي من آراء الشورى، عند تعددها. أما إن اجتمع أهل الشورى على رأي واحد، فإن النصوص النبوية ترشد إلى التزام رئيس الدولة بتنفيذ ذلك الرأي. فقد جاء في الحديث الشريف أن الرسول (عليه الصلاة) سئل عن العزم، فقال: "مشاورة أهل الرأي، ثم اتباعهم"(122).
7-وذهب أصحاب هذا الاتجاه، القائلين بإلزامية الشورى، إلى فقدان الشورى لأي معنى أو قيمة، في حال التنكر لنتيجة الشورى، وعدم الأخذ بها.. "ولا تتحقق مقاصد الشارع، من إيجاب الشورى، إلا بتقدير رأي أصحاب الرأي، كما أن مضمون الشورى، وجوهرها، يعود إلى تأكيد معنى سلطة الأمة، وتقرير رأي جماعة المسلمين، وإنفاذه"(123). ولن يكون للشورى معنى "إذا لم يؤخذ برأي الأكثرية، ووجوب الشورى على الأمة يقتضي التزام رأي الأكثرية... ولو لم يكن الإمام ملتزماً بنتيجة الشورى، لكان ذلك مدعاة إلى القهر والاستبداد، ولكان فيه قضاء على إجماع الأمة، مع أن الأمة معصومة من الخطأ، كما يقرر علماء الأصول، والإمام غير معصوم من الخطأ، فكيف يحكم غير المعصوم على المعصوم؟!"(124).
"وربما صح عقلاً أن يأتي رأي الأكثرين خاطئاً، ورأي الأقلين صواباً، ولكن هذا نادر، والنادر لا حكم له. والمفروض شرعاً أن رأي الأكثرين هو الصواب، ما دام كلهم يبدي رأيه مجرداً لله... وأساس ذلك قول الرسول: "لا تجتمع أمتي على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، فمن شذ شذ في النار"(125). وقد ثبت من السيرة "عمل الرسول (عليه الصلاة) برأي الجمهور الأعظم، فيما لا نص فيه من الله تعالى، ولم يثبت أنه استبد برأيه من دون الناس"(126). "ولا يتصور عقلاً أن يتشاور الناس، ثم تنزل الأكثرية على رأي الأقلية. ولا حجة لأحد أبداً في النصوص التي لا تجعل الأكثرية وحدها دليلاً على الحق، كقوله تعالى: [قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ](المائدة/100)، وقوله: [وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ](الأعراف/102). لا حجة في شيء من ذلك، لما هو مقرر ومعلوم من أن نطاق الشورى محدود، بما ليس فيه دليل شرعي يلزم القلة والكثرة جميعا. وإذا انعدم هذا الدليل، وكان الناس سواسية، فأين فضل القلة، وبأي حجة يكون لقولها النفاذ؟"(127).
أما القول بأن خطأ الرأي، أو صوابه، إنما يستمد من ذات الرأي، وليس من كثرة مؤيديه، أو قلتهم، فإن ذلك صحيح، ولكن في الأمور التي بان فيها الدليل الشرعي، واتضح فيها وجه الصواب. أما عند احتدام الاختلاف في شؤون الحياة المختلفة، التي لا وجود فيها لنص شرعي صريح، أو التي يختلف فيها تفسير النص ـ عند وجوده ـ فهل من ملجأ آخر غير اللجوء إلى ترجيح الآراء؟! أليس ذلك ما فعله، وأوصى به سيدنا (عمر)، عندما أوصى بأن يكون اختيار الخليفة، من بعده، في الستة من كبار الصحابة(128). وهو ما ذهب إليه الإمام (الغزالي)، إذ يقول: "إنهم - أي أهل الحل والعقد - لو اختلفوا في مبدأ الأمور، وجب الترجيح بالكثرة"(129). وهو ما يعتقده الكثير من العلماء(130). وعلماء الأصول يتفقون على قاعدة (الكثرة حجة)، مستندين في ذلك على أحاديث صحيحة في هذا الباب، منها قوله (عليه الصلاة): "إن الله لم يكن ليجمع أمة محمد على ضلالة، فإذا رأيتم الاختلاف، فعليكم بالسواد الأعظم"(131). كما أن الفقهاء يعتمدون على مبدأ الترجيح بالكثرة، وهو غالب في أقوالهم، إذ كثيرا ما يعضدون أقوالهم بالقول بأن هذا رأي الجمهور، أي الأغلبية من الفقهاء(132). كما أن علماء الحديث يأخذون بهذا المبدأ أيضاً، ألا ترى أن الحديث عندهم إذا كثرت طرقه، وتعددت رواياته، صار يقوي بعضها بعضاً، فالكثرة عندهم تأخذ دور المرجح. ثم أليس (الحديث المتواتر)، وهو أقوى أنواع الحديث، إنما يعتمد على كثرة رواته، فهو الحديث الذي نقله جمع عن جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب؟!(133).
ثم لنفترض - جدلاً - أن الشريعة الإسلامية ليس فيها ما يلزم الأخذ برأي الأكثرية، "فأولى أن نشرع ذلك الآن، فالمصلحة المرسلة تستوجب ذلك ... وأولى أن نشرع ذلك الآن، لأن إلزام الحاكم برأي الأغلبية فيه منافع عظيمة للأمة، إذ إنه يحول بين الحاكم والاستبداد، ويجعل للرأي مكانة ومنزلة، ويعصم كثيرا من الآراء الفردية المرتجلة، التي قد تدمر الأمة بأسرها"(134).
8- إن اللجوء إلى الشورى، في القضايا العامة، ذات المساس بالشأن العام، لن يحقق الغرض منه، إذا لم يتم التوصل من خلاله إلى خلق قناعات مشتركة، تتفق عليها جميع، أو غالبية، الأطراف.. وإلا فإن إمضاء الخليفة أو الأمير رأيه، دون مراعاة رأي الشورى، يمكن أن يؤدي إلى الفوضى وعدم الطاعة، وهو عكس المقصود من الشورى. "فتعين وجوب مشاورة الأمة، وإقناعهم، سداً لذريعة الفوضى، وهذه إحدى وظائف الشورى. يدلك على هذا ما نقلته المراجع عن تحاور المسلمين، في قضية سواد العراق: فمكثوا في ذلك أياماً. ومثل هذا المكث، إنما هو لتحقيق قناعات عامة، ورضا أغلبـي"(135).
وفي الختام، فإن من الواضح أن لا أحد من الفريقين، سواء الذي يؤمن بإلزامية الشورى، أو الذي يذهب إلى أنها غير ملزمة، لا أحد من هذين الفريقين ينكر وجوب الشورى، أو أهميتها، ولكن الخلاف بينهما هو في ثمرة الشورى: هل هي ملزمة للرئيس، لا يملك عدولا عنها، أم أن الأمر متروك للرئيس، يختار من آراء الشورى، بعد تمحيصها، أنسبها للمرحلة، وأقربها إلى تحقيق المصلحة المبتغاة؟. وقد رأينا أدلة الفريقين فيما تقدم، ولا نشك أن الأدلة على وجوب الالتزام برأي الشورى أوفر وأنسب، وأقرب إلى تحقيق المصلحة. وقد ناقش العلماء والباحثون كل ذلك، في مؤلفاتهم، وأيد كل فريق ما انتهى إليه اجتهاده، بالأدلة: فمنهم من رأى أن القرار متروك للرئيس، وأن على أهل الشورى، وغيرهم، إطاعة رئيسهم، بعد الانتهاء من الشورى، وعزمه على الأخذ بأحد تلك الآراء، فهو مجتهد، وما يختاره هو - بعد الشورى - يكون واجب الاتباع والطاعة، وليس لأحد مخالفته، وإلا عد من العاصين(136). وذهب فريق آخر إلى العكس، وقالوا بأن الشورى ملزمة، وعلى الحاكم أن يلتزم بما تجمع عليه الشورى، أو تتفق عليه غالبية الآراء، وإلا كانت الشورى مجرد مسرحية استعراضية، لا أثر لها في الواقع(137).
وذهب فريق آخر إلى أن الأصل أن يكون رأي الأمير هو المرجح، وهو الواجب الاتباع، ولكن إن عارضته غالبية أهل الشورى، وأصرت على أنه خطأ، فآنذاك يصار إلى التحكيم(138).. "لأن النزاع من الأكثرية، القائم على اعتقادها (بخطأ) الرئيس، يستحق شرعا العرض والتمحيص، إذ يشكل ظنا راجحا باحتمال (الخطأ). ولو كان نزاعها في أن رأيه (مرجوح)، فلا حاجة للتحكيم عندئذ، إذ يسعها شرعا النزول عنده، وإن كان مرجوحاً"(139).
وذهب فريق آخر إلى أن رأي الأغلبية ملزم للحاكم والمحكوم، لأن احتمال الصواب فيه أكبر، "إلا إذا رأى الحاكم، لمبررات خطيرة يقدرها، وعلى مسؤوليته، الأخذ برأيه، أو برأي الأقلية، لاعتقاده أنه هو الذي يحقق المصلحة العامة، وذلك لأن الحاكم ليس مجرد منظم لآراء المواطنين، ومنفذ لها، وإنما هو بالإضافة إلى ذلك ولي الأمة وراعيها"(140).           
وذهب فريق رابع إلى أن الأخذ برأي رئيس الدولة مطلقاً، صحيح من الناحية النظرية، ولكن الاعتبارات العملية، وتغير النفوس، ورقة الدين، تقتضي إلزام رئيس الدولة بالأخذ برأي الأكثرية، على أن يكون له أن يحيل خلافه مع المجلس إلى هيئة تحكيم، إذا لم يقتنع برأيها، أو يحيله إلى استفتاء عام(141).
وهكذا تعددت الاجتهادات في المسألة، والكل متفق على "أن هذه المسألة اجتهادية صرفة"(142)، وعلى أن النظام السياسي الإسلامي يتسع لمثل هذه الصور كلها. فإن رأت الأمة "تفويض الإمام في اختيار ما يراه مناسباً فعلت، وإن رأت إلزامه بما يتوصل إليه جمهورها، وأهل الشورى عندها، فعلت"(143). "وللأمة أن تختار ما يناسبها من هذين الشكلين، حسب ملابسات حياتها، وحسب ظروف الزمان والمكان. وهذا - في اعتقادنا - جزء من مرونة الشريعة الإسلامية، وصلاحيتها لكل زمان ومكان، وأهليتها للخلود والبقاء"(144).
أهل الشورى:
من هم أهل الشورى؟ هل هم مجموع الأمة، أم هم أفراد معروفون بصفاتهم، أم أفراد منتخبون؟! هناك من يعرفهم بأنهم :"أهل الحل والعقد، وذوو الرأي في الأمة الإسلامية"(145)، وآخر يرى أن أهل الحل والعقد هم أنفسهم أهل الشورى(146). ويعرفهم باحث آخر بقوله: "هم الذين يتولون عن الأمة أعظم التبعات، وأكثرها خطراً، وهم المسمون بـ(أهل الحل والعقد)، عند قوم، و(أهل الاختيار) عند آخرين، و(أهل العلم)، عند من بقى"(147). وبهذا يكون أهل الشورى، وأهل الحل والعقد، وأهل الاختيار، وأهل العلم، شيئاً واحداً.
 وهكذا تتعدد التعريفات والأسماء بشأن أهل الشورى، فمنهم من يسميهم (أهل الاختيار)، وقد صح ذلك عند (الماوردي)(148)، و(أبي يعلى)(149). وذهب (البغدادي) إلى تسميتهم بـ (أهل الاجتهاد)(150)، فيما رأى صاحب المنهاج أنهم "العلماء والرؤساء ووجوه الناس"(151). وذهب (مالك) و(مجاهد) و(الضحاك) و(الحسن) إلى أن المراد بهم (الفقهاء والعلماء)(152).
ويذهب الشيخ (محمد عبده)، وتلميذه الشيخ (رشيد رضا)، إلى أن (أهل الشورى) هم (أولي الأمر)، الذين أمر الله سبحانه بطاعتهم في قوله: [أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ](النساء/59). يقول الشيخ (رشيد رضا) في تفسيره: "هكذا، يجب أن يكون في الأمة، رجال أهل بصيرة ورأي في سياستها، ومصالحها الاجتماعية، وقدرة على الاستنباط، يرد إليهم أمر الأمن والخوف، وسائر الأمور الاجتماعية والسياسية. وهؤلاء هم الذين يسمون في عرف الإسلام (أهل الشورى)، و(أهل الحل والعقد)، وهم الذين يسمون عند الأمم الأخرى: نواب الأمة"(153).
ومن خلال ما سبق يتضح أن أهل الشورى، أو أهل الحل والعقد، "هم أصحاب الشأن في الأمة، وهم الذين يتحملون المسؤولية الكبرى في الحفاظ على اجتماع الأمة، ولم شعثها، وانتظامها خلف إمامها"(154). أو بعبارة أخرى، هم: "المتبوعون في الأمة، من ذوي الخبرة والدراية بمختلف العلوم والفنون الشرعية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية، والحائزون على ثقتها، لما اتصفوا به من حسن السيرة والسلوك والاستقامة، ورجاحة العقل والرأي، والحرص على مصلحة الأمة"(155).
ونفهم من ذلك أن (أهل الشورى) ليسوا عامة الناس، أو كافتهم، وإن كان ذلك جائزاً ومشروعاً(156)، "وإنما هم حكماؤهم، أو القادرون على إبداء الرأي السديد منهم، أو هم العالمون المختصون بالمسائل المراد أخذ الرأي أو المشورة فيها. فلا تعرض المسائل العامة على كافة الناس، بل ولا على كل أهل الحل والعقد، وإنما على المتخصصين منهم في موضوعها: ففي أمور الدين، يستشار فقهاؤه، وفي مسائل الحرب، يؤخذ رأي رجال الجيش، وفيما يتعلق بمصالح البلاد المختلفة، تعرض على العالمين بمجالها. ويؤكد القرآن الكريم فكرة الرجوع إلى المختصين، في فروع المعرفة المختلفة، في قوله تعالى: [فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ] (الأنبياء/7)(157). ولكن إذا كان موضوع الشورى لا يحتاج إلى تخصص معين، وكان شأناً عاماً يتعلق بكافة المسلمين، "وجب استشارة كافة أهل الحل والعقد، واتسعت دائرة المشتركين في الشورى، لتشمل كل من يمكن استشارته من المسلمين"(158).
وهكذا يتضح أن (أهل الشورى) إنما ينوبون عن الأمة، في تلك المهام التي يقومون بها، لأن الأمة كلها لا تستطيع - لا عقلاً ولا واقعاً - أن تباشر القيام بالواجبات المنوطة بها، فكان الالتجاء إلى الإنابة أمراً ضرورياً وطبيعياً(159).

ولكن كيف يتم فرز أهل الشورى، ومن الذي يختارهم؟!
لم تحدد الشريعة الإسلامية طريقاً محدداً لاختيار (أهل الشورى)، "وإنما يرجع في ذلك إلى ظروف الزمان والمكان، وقديماً كان أهل الشورى هم المقيمون بالمدينة من المهاجرين والأنصار وأشراف الناس، ثم أضيف إليهم الحكام، ورؤساء الجيوش، في مختلف البلاد الإسلامية، ثم تطور الأمر فأصبح أهل الشورى هم أصحاب الرسول، وذوي النفوذ والمكانة في كل قطر، وأمراء السرايا، والجيوش، والحكام الإداريين، في كل البلاد الإسلامية"(160). وقد مشت سنته (صلى الله عليه وسلم) على اتباع صور متعددة للشورى، فلم يكن أهل الشورى محددين بصفاتهم، أو بذواتهم، بل جرى منه (عليه الصلاة) مشاورة جمهور المسلمين، كما حصل في غزوة (أحد)، وفي مسألة غنائم (هوازن). وجرى في حالات أخرى مشاورة بعض الصحابة، لا كلهم، كما حصل في مسألة أسرى (بدر). وفي حالات أخرى جرت استشارة بعض (المتبوعين في قومهم)، كما في مسألة مصالحة (غطفان) على ثلث ثمار المدينة، أثناء غزوة (الأحزاب). وهكذا اختلف نوع المستشارين، وعددهم، بحسب اختلاف موضوع المشاورة(161). وعدم وضع الشريعة الإسلامية لنظام خاص للشورى، وعدم تحديدها لأسلوبها، أو صورها، أو أهلها، يعد من حسنات الشريعة، ومن جوانب عظمتها، وصلاحيتها للتطبيق في كل مكان وزمان(162). "والطريقة المثلى في إيجاد جماعة الحل والعقد، تكون من ابتكار الأمة في كل ظرف، بحيث تتحقق المصلحة العامة على أفضل وجوهها. ونستطيع أن نقول: إن طريقة الانتخاب المعاصرة هي من أفضل الطرق، وأحسن الصيغ العملية، في إيجاد الممثلين الحقيقيين، الذين يعبرون عن رأي الأمة الصحيح، في مختلف القضايا العامة"(163). "وليس في النظام الإسلامي، ما يمنع من تشكيل مجلس محدد الأعضاء، يضم أهل الشورى. أما تحديد عدد أعضائه، فإن مرده إلى الحاجة، وسعة الأمة، وكثرة أفرادها، أو قلتهم"(164).


الهوامش:
(1) عثمان، د. محمد فتحي، من أصول الفكر السياسي الإسلامي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1979، ص168.
(2) انظر: زيدان، د. عبدالكريم، مجموعة بحوث فقهية، مكتبة القدس، بغداد، مؤسسة الرسالة، بيروت،(د.ط)، 1976، ص90. أيضاً: غرايبة، د. رحيل محمد، الحقوق والحريات السياسية في الشريعة الإسلامية، دار المنار للنشر والتوزيع، الأردن، ط1، 2000، ص55.
(3) انظر: الجبوري، د. ساجر ناصر حمد، حقوق الإنسان السياسية في الإسلام والنظم العالمية، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 2005، ص176.
(4) غرايبة، د. رحيل محمد، الحقوق والحريات السياسية، ص57-59.
(5) انظر في ذلك: زيدان، د.عبدالكريم، مجموعة بحوث فقهية، ص90 فما بعد. الجبوري، د. ساجر ناصر، حقوق الإنسان السياسية، ص173فما بعد. غرايبة، الحقوق والحريات السياسية، ص83 فما بعد. عثمان، د. محمد فتحي، من أصول الفكر السياسي الإسلامي، ص243 فما بعد. البياتي، د. منير حميد، الدولة القانونية والنظام السياسي الإسلامي، الدار العربية للطباعة، بغداد، ط1، 1979، ص460 فما بعد.
(6) انظر في ذلك: زيدان، مجموعة بحوث فقهية، ص90 و112 و113. الجبوري، د. ساجر ناصر، حقوق الإنسان السياسية، ص187 و223 و319. غرايبة، الحقوق والحريات السياسية، ص85 و181.
(7) يذهب بعض الباحثين إلى عدم اعتبار هذا الحق من ضمن الحقوق السياسية للمواطنين، من وجهة النظر الإسلامية، على اعتبار أن تقلد الوظائف العامة في الإسلام، هو تكليف تكلف به الدولة من تراه أهلاً، وعلى أساس شرطي القوة والأمانة. ولوكان ذلك حقاً للأفراد، ما كان طلبها سببا لمنعها عمن طلبها أو سألها.. انظر في ذلك: البياتي، الدولة القانونية، ص219.
(8) غرايبة، الحقوق والحريات السياسية، ص90وص112 وص113.
(9) المرجع السابق، ص293.
(10) معروف، د. نايف، الديمقراطية في ميزان العقل والشرع، دار النفائس، بيروت، ط1، 2004، ص224.
(11) طعيمة، د. صابر، الدولة والسلطة في الإسلام، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط1، 2005، ص254.
(12) انظر:الجبوري، حقوق الإنسان السياسية، ص287.
(13) انظر:غرايبة، الحقوق والحريات السياسية، ص291. أيضاً: عبدالخالق، فريد، في الفقه السياسي الإسلامي، دار الشروق، القاهرة، ط1، 1998، ص60.
(14) العمري، د. أكرم ضياء، عصر الخلافة الراشدة، مكتبة العبيكان، الرياض، ط2، 1998، ص97. أيضاً: أبوجيب، سعدي، دراسة في منهاج الإسلام السياسي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1985، ص641. أيضاً: غرايبة، الحقوق والحريات السياسية، ص295.
(15) عودة، عبدالقادر، الإسلام وأوضاعنا السياسية، (د.م)، ط2، 1967، ص155.
(16) المرجع السابق، ص155.
(17) عمارة، د.محمد، الإسلام وحقوق الإنسان، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ط1، 1985، ص34-35. والنص منقول عن: القرطبـي، الإمام أبو عبدالله محمد بن أحمد أبي بكر بن فرح القرطبـي، الجامع لأحكام القرآن، دار الشعب، القاهرة، ط2، 1372، ج4ص249.
(18) انظر: غرايبة، الحقوق والحريات السياسية، ص292. الجبوري، حقوق الإنسان السياسية، ص289. عبدالخالق، فريد، في الفقه السياسي الإسلامي، ص60.
(19)       ومنهم: الشيخ محمد رشيد رضا، في كتابه (الخلافة ص38)، والأستاذ عبدالقادر عودة (الإسلام وأوضاعنا السياسية ص155)، والدكتورعبدالرزاق السنهوري (فقه الخلافة ص183)، والأستاذ أبو الأعلى المودودي (نظرية الإسلام وهديه ص 273 )، والدكتور عبدالكريم زيدان (مجموعة بحوث فقهية ص100)، والأستاذ محمد المبارك (نظام الإسلام :الحكم والدولة ص34)، والدكتور محمد ضياء الدين الريس (النظريات السياسية الإسلامية ص332-333)، والدكتور محمد فتحي عثمان (من أصول الفكر السياسي الإسلامي ص245) والأستاذ ظافر القاسمي (نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي ص66)، والدكتور محمد عمارة (الإسلام وحقوق الإنسان ص34)، والدكتور منير حميد البياتي (الدولة القانونية ص261)، والدكتور رحيل محمد غرايبة (الحقوق والحريات السياسية ص295)، والدكتور ساجر ناصر الجبوري (حقوق الإنسان السياسية ص290)، والأستاذ فريد عبدالخالق (في الفقه السياسي الإسلامي ص59)، والشيخ راشد الغنوشي (الحريات العامة في الدولة الإسلامية ص108)، والأستاذ سعدي أبوجيب (دراسة في منهاج الإسلام السياسي ص653)، والدكتور صبحي عبده سعيد (شرعية السلطة والنظام في حكم الإسلام ص64)، والدكتور جابر قميحة (المعارضة في الإسلام ص85)، د. حاكم المطيري (الحرية أو الطوفان ص30)، د. علي محمد حسنين (رقابة الأمة على الحكام ص492)، وغيرهم.
(20) معروف، د. نايف، الديمقراطية في ميزان العقل والشرع، ص230.
(21) غرايبة، الحقوق والحريات السياسية، ص315. وانظر أيضاً: مصطفى، د. نيفين عبدالخالق، المعارضة في الفكر السياسي الإسلامي، ص117 الهامش.
(22) انظر: نعمان، د. صادق شايف، الخلافة الإسلامية وقضية الحكم بما أنزل الله، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة، ط1، 2004، ص78.
(23) عبدالله، د. عبدالغني بسيوني، نظرية الدولة في الإسلام، الدار الجامعية، بيروت، (د. ط)، 1986، ص128.
(24) أبو جيب، دراسة في منهاج الإسلام السياسي، ص 645.
(25) الجصاص، الإمام أبو بكر أحمد بن علي الرازي، أحكام القرآن، تحقيق: محمد الصادق قمحاوي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، (د.ط)، 1405، ج5 ص263 .
(26) انظر: قميحة، المعارضة في الإسلام، ص87.
(27) العمري، د. أكرم ضياء، عصر الخلافة الراشدة، ص97.
(28) قطب، سيد، في ظلال القرآن، دار الشروق، بيروت، ط12، 1986، م5 ص3165 .
(29) انظر: الكيلاني، د. عبدالله إبراهيم، القيود الواردة على سلطة الدولة في الإسلام وضماناتها، دار البشير، الأردن، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1997، ص158. غرايبة، الحقوق والحريات السياسية، ص293.
(30) مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الأدب، في المشورة من أمر بها، رقم الحديث (26275)، ج5 ص298.
(31) انظر: العمري، عصر الخلافة الراشدة، ص97.
(32) قميحة، المعارضة في الإسلام، ص88.
(33) زيدان، مجموعة بحوث فقهية، ص100.
(34) د. عبدالغني بسيوني، نظرية الدولة في الإسلام، ص128.
(35) عمارة، د. محمد، الخلافة ونشأة الأحزاب الإسلامية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1977، ص52.
(36) الكيلاني، د. عبدالله إبراهيم، القيود الواردة على سلطة الدولة، ص160.
(37) عبدالخالق، فريد، في الفقه السياسي الإسلامي، ص55-56.
(38) الجبوري، حقوق الإنسان السياسية، ص285.
(39) عمارة، الإسلام وحقوق الإنسان، ص38.
(40) تفسير المنار ج2ص411 (نقلاً عن: أبو جيب، دراسة في منهاج الإسلام السياسي، ص645-646).
(41) مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الأدب، في المشورة: من أمر بها، رقم الحديث (26271)، ج5 ص298. ورواه البيهقي في سننه بلفظ: (إن رأس العقل بعد الإيمان التودد إلى الناس، وما يستغني رجل عن مشورة)، كتاب آداب القاضي، مشاورة الوالي والقاضي في الأمر، ج10 ص109.
(42) ابن حجر، أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي (773-852هـ)، فتح الباري في شرح صحيح البخاري، دار المعرفة، بيروت، د.ط، 1979، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، رقم الحديث (6934). ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب الأدب، في المشورة من أمر بها، رقم الحديث(26275)، ج5 ص298.
(43) رواه الطبراني في أوسطه، وحسنه السيوطي. انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، مصدر سابق، ج4ص251.
(44) رواه ابن ماجة في السنن، كتاب الأدب، باب المستشار مؤتمن، رقم الحديث (3748)، ج2 ص1233.
(45) سنن الترمذي، كتاب السير، أبواب الجهاد عن رسول الله، باب ما جاء في المشورة، رقم الحديث (1714)، ج4 ص213.
(46) عمارة، الخلافة ونشأة الأحزاب الإسلامية، ص53.
(47) المطيري، د. حاكم، الحرية أو الطوفان، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 2004، ص30.
(48) ابن القيم، أبو عبدالله محمد بن أبي بكر بن أيوب الدمشقي (691-751)،أعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق: طه عبدالرؤوف سعد، دار الجيل، بيروت، د.ط، 1973، ج1ص62. وذكره (ابن حجر) في (الفتح) كتاب (الاعتصام بالكتاب والسنة)، باب قول الله (وأمرهم شورى بينهم) ج13 ص342.
(49) أبو جيب، دراسة في منهاج الإسلام السياسي، ص651.
(50) نعمان، د. صادق شايف، الخلافة الإسلامية، ص86.
(51) ابن الجوزي، عبدالرحمن بن علي بن محمد الجوزي، زاد المسير في علم التفسير، المكتب الإسلامي، بيروت، ط3، 1984، ج1ص488. وفي الحقيقة، فإن عصمة الرسول (عليه الصلاة)، من حيث كونه نبياً ورسولاً، أمر مسلم به، ولا يناقش فيه أحد، ولكن هناك الجانب البشري الإنساني من شخصية الرسول، وهو الجانب المتعلق باجتهاداته في شؤون الدنيا، التي لم ينزل فيها وحي من الله، ففي هذه الجوانب، وكما تؤكد سيرته (عليه الصلاة)، هناك احتمال كبير للخطأ، ولا يقدح ذلك في عصمته، لأنه أمر خارج عن نطاق النبوة: [قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ](الكهف/110)، .. "فإذا ما تقرر لدينا انتفاء العصمة عنه، في غير وظيفة النبوة والرسالة، تقرر - تبعا لذلك - أنه لاغنى له عن رأي غيره في مثل تلك الأمور". نعمان، د. صادق شايف، الخلافة الإسلامية، ص87.
(52) انظر: الشافعي، أبو عبدالله محمد بن أدريس (150-204هـ)، الأم، دار المعرفة، بيروت، ط2، 1393، ج5 ص18 .
(53) رواه (الإمام أحمد) في مسنده، عن (أنس بن مالك)، رقم الحديث (12566)، ج3 ص152. ورواه (ابن حبان) في صحيحه، في باب (الأذان للصلوات بعد ذهاب الوقت)، ج1 ص214.
(54)غرايبة، الحقوق والحريات السياسية، ص292. وقد رأينا في كلامنا عن مذهب القائلين بوجوب الشورى، قوة القرائن الدالة على وجوبية الشورى، وأن ورود الكلام في سياق جملة خبرية يؤكد دوام هذه الصفة وثبوتها، خاصة وأنها قد ذكرت في سياق الحديث عن جملة من الفروض الكبيرة في الإسلام، كالإيمان بالله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والجهاد.
(55) د. عبدالغني بسيوني، نظرية الدولة في الإسلام، ص129.
(56) شاكر، محمود، التاريخ الإسلامي، م9، ص240.
(57) انظر: صافي، لؤي، العقيدة والسياسة، ص190.
(58) انظر: أبو جيب، دراسة في منهاج الإسلام السياسي، ص651.
(59) المرجع السابق، ص652.
(60) المرجع السابق، ص652.
(61) الجصاص، أحكام القرآن، ج2 ص330 .
(62) معروف، د. نايف، الديمقراطية في ميزان العقل والشرع، ص237.
(63) انظر في ذلك: قميحة، المعارضة في الإسلام، ص96 فما بعد. كذلك: صافي، لؤي، العقيدة والسياسة، ص183. أيضاً: إسماعيل، د. يحيى، منهج السنة في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، دار الوفاء، المنصورة، مصر، ط2، 2004، ص253-254.
(64) عودة، عبدالقادر، الإسلام وأوضاعنا السياسية، ص157.
(65) انظر: الجصاص، أحكام القرآن، ج2 ص329-330. وانظر كذلك: القرطبـي، الجامع لأحكام القرآن، ج4 ص251.
(66) انظر: عبدالخالق، فريد، في الفقه السياسي الإسلامي، ص63. وفي الحقيقة فإن الشورى في أمور الأحكام لا ضير فيها، بل قد تكون من الواجبات الملحة أحياناً، وذلك عند وجود ضرورة تقتضي الاجتهاد في تفسير النص، أو تنزيله على واقع معين، أو تطوير آليات جديدة لتنفيذه، أو غير ذلك من المستجدات التي تحتاج إلى اجتهاد جديد. يقول الإمام (السرخسي): "ومفاداة الأسير بالمال، جوازه وفساده من أحكام الشرع، ومما هو حق الله تعالى، وقد شاور فيه أصحابه، وعمل فيه بالرأي، إلى أن نزل الوحي بخلاف ما رآه، فعرفنا أنه كان يشاورهم في الأحكام، كما في الحروب". السرخسي، أبو بكر محمد بن أحمد بن سهل (ت490هـ)، أصول الأحكام، دار المعرفة، بيروت، (د.ط)، 1972، ج2 ص94.
(67) عودة، عبدالقادر، الإسلام وأوضاعنا السياسية، ص157.
(68) طعيمة، الدولة والسلطة في الإسلام، ص165-166.
(69) البياتي، الدولة القانونية، ص266. وفي ذلك يقول الإمام (الجصاص): "إن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يجتهد رأيه فيما لا نص فيه. ويدل على أنه قد كان يجتهد رأيه معهم، ويعمل بما يغلب في رأيه فيما لا نص فيه، قوله تعالى في نسق ذكر المشاورة: [فإذا عزمت فتوكل على الله] ولو كان فيما شاور فيه شيء منصوص، قد ورد التوقيف به من الله، لكانت العزيمة فيه متقدمة للمشاورة، إذ كان ورود النص موجبا لصحة العزيمة قبل المشاورة، وفي ذكر العزيمة عقيب المشاورة دلالة على أنها صدرت عن المشورة، وأنه لم يكن فيها نص قبلها"، أحكام القرآن، ج2 ص330.
(70) لا يعني ذلك بالطبع أن كافة الأمور، حتى الصغيرة منها، وتلك التي تحتاج إلى سرعة البت والتنفيذ، تخضع للشورى، فذلك كما يقول د. عبدالكريم زيدان: "غير ممكن ولا معقول، ولا حاجة إليه، ولا منفعة فيه، ولا دليل عليه". انظر كتابه: مجموعة بحوث فقهية، ص102. وهو ما يتفق فيه معه كثير من الكتاب والباحثين المحدثين: انظر: الجبوري، حقوق الإنسان السياسية، ص291. أيضاً: عبدالخالق، فريد، في الفقه السياسي الإسلامي، ص64. أيضاً: البياتي، الدولة القانونية، ص266. كذلك: فروان، الخروج على الحاكم الجائر، ص98.
(71) انظر: الجبوري، حقوق الإنسان السياسية، ص290-291.
(72) انظر: عبدالخالق، فريد، في الفقه السياسي الإسلامي، ص65. وانظر أيضاً: الغنوشي، الشيخ راشد، الحريات العامة في الدولة الإسلامية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 1993، ص188-189.
(73) انظر: في تفصيل ذلك: نعمان، د. صادق شايف، الخلافة الإسلامية، ص93.
(74) انظر:البياتي، الدولة القانونية، ص284.
(75) القرطبـي، الجامع لأحكام القرآن، ج4 ص252 .
(76) انظر: أبو جيب، دراسة في منهاج الإسلام السياسي، ص677. حيث يشير إلى أن هذا هو الذي ذهب إليه كل من: الطبري، وابن اسحاق، والربيع، وابن كثير، والزمخشري، والنيسابوري، والنسفي .
(77) المرجع السابق، ص678.
(78) القول للدكتور محمد يوسف موسى، في كتابه (نظام الحكم في الإسلام)، نقلاً عن: د. عبدالغني بسيوني، نظرية الدولة، ص131. وانظر: طعيمة، الدولة والسلطة في الإسلام، ص254، الذي يذهب إلى أن "معنى الآية واضح صريح، لا يحتاج إلى تفسير، ولا يحتمل التأويل". أي في الدلالة على عدم إلزامية (الشورى) لولي الأمر. ويشير (غرايبة) في كتابه (الحقوق والحريات السياسية) ص313 إلى الكتاب والباحثين المعاصرين الذين أخذوا بهذا الرأي، ومنهم: قحطان الدوري، في كتابه (الشورى بين النظرية والتطبيق)، الذي يعلق ذلك على حالة كون الإمام مجتهداً. عبدالكريم زيدان (أصول الدعوة). منير البياتي (الدولة القانونية). عبدالله أحمد قادري (الشورى). عبدالحميد متولي (مبادىء نظام الحكم في الإسلام). محمد يوسف موسى (نظام الحكم في الإسلام). أبو الأعلى المودودي (نحو الدستور الإسلامي). وغيرهم.
(79) البياتي، الدولة القانونية، ص279.
(80) المرجع السابق، ص283 – 284.
(81) القرافي، أبو العباس أحمد بن إدريس بن عبدالرحمن الصنهاجي (ت684هـ)، الفروق، تحقيق: د. محمد أحمد سراج و د.علي جمعة محمد، دار السلام للطباعة والنشر، القاهرة، ط1، 2001، ج4 ص1182.
(82) معروف، د. نايف، الديمقراطية في ميزان العقل والشرع، ص265. ينتقد الشيخ (راشد الغنوشي) هذا المبدأ، ويرى أن ذلك ليس على إطلاقه، إذ إن كون الإمام مجتهداً لا يعطي "لاجتهاده أفضلية - من وجهة نظر الحق - على اجتهادات غيره. فبأي سند يرجح رأي حاكم فرد على رأي جمهرة من العلماء المجتهدين، يتداولون الأمر بينهم في مجلس الشورى... وهل يمكن أن تضع الأمة مصيرها كله في يد حاكم فرد، يعتمد على اجتهاده في الأحكام، ويملك أن يضرب عرض الحائط باجتهاد الكثرة من العلماء المختارين، وممثلي الشعب، في مجلس الشورى؟ وهل يمكن أن نعتذر عن ذلك بأنه إن كان مصيباً كان له على ذلك الأجر مضاعفاً، وإلا رجع بأصل الأجر الذي ضمنه الله تعالى للمجتهد...؟ وهل من أمانة الحكم وعدالته أن يرجع الحاكم بالأجر، وأن تجني الأمة ثمرة خطأه وتفرده بالرأي؟ وهل القضية كلها أجر الحاكم، أم مصالح الرعية؟" انظر: الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلامية، ص118.
(83) ابن تيمية، شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، دار الجيل، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط2، 1988، ص136.
(84) للمزيد، انظر:البياتي، الدولة القانونية، ص280-281.
(85) المرجع السابق، ص284. وانظر في ذلك أيضاً: نعمان، د. صادق شايف، الخلافة الإسلامية، ص98- 99.
(86) المرجع السابق، ص282. وانظر: د. عبدالغني بسيوني، نظرية الدولة في الإسلام، ص132.
(87) المرجع السابق، ص282.
(88) المرجع السابق، ص283.
(89) يقول الدكتور (صابر طعيمة) في مؤلفه (الدولة والسلطة في الإسلام): "ومن المتفق عليه أن الخلفاء الراشدين كانوا دائماً يلجأون إلى طلب المشورة، في كافة المسائل الهامة، التي تمس الشؤون العامة للدولة، غير أن الخليفة لم يكن يعتبر نفسه ملزماً باتباع الآراء، التي يقدمها له من يستشيرهم، في كل مسألة، وفي جميع الأحوال، بل كان في الغالب يطرح المسألة لاستطلاع الرأي فيها، ثم يقلب الأمر على وجوهه المختلفة، ثم يختار الطرق التي يراها تتفق والمصالح العامة، دون أن يأخذ في اعتباره الرأي الذي قال به الأكثرية، أو الأقلية، في هذا الصدد" ص161 – 162. وهذه رؤية غريبة، ومخالفة للمعهود عن الصحابة، وانظر إلى رواية (ميمون بن مهران)، وقول (الجصاص) - الذي سبق أيضاً -، والذي يؤكد فيه أن الاستشارة إن لم يكن معمولاً بها، لا يكون فيها تطييب للقلوب. (انظر: ص9 وص12 من البحث). وبمثل ذلك يقول الإمام (السرخسي): "فإن كان لا يعمل برأيهم، وكان ذلك معلوماً لهم، فليس في هذه الاستشارة تطييب النفس، ولكنها من نوع الاستهزاء، وظن ذلك برسول الله محال". أصول الأحكام، للسرخسي، ج2 ص94.
(90) انظر: غرايبة، الحقوق والحريات السياسية، ص314.
(91) زيدان، مجموعة بحوث فقهية، ص108.
(92) انظر: الجبوري، حقوق الإنسان السياسية، ص315. أيضاً: البياتي، الدولة القانونية، ص281.
(93) المودودي، أبو الأعلى، نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور، مؤسسة الرسالة، بيروت، د.ط، 1983، ص59.
(94) القرطبـي، الجامع لأحكام القرآن، ج4 ص249 .
(95) لم تطرح هذه المسألة للبحث عند علماء السلف، بهذه الصورة، وهذا الوضوح، ولذلك لا نجد إشارة إلى اتجاهاتهم عند الكتاب المحدثين. فما يذكره (ابن تيمية) - على سبيل المثال - في (السياسة الشرعية)، لا يفهم منه التزام الحاكم برأي الشورى، بل على العكس، فهو يعطي الحرية لولي الأمر في "أن يقلد من يرتضي علمه ودينه"، عند الإشكال، وتكافؤ الأدلة. أما الكتاب المحدثون، المؤيدون لإلزامية الشورى، فمنهم: عبدالقادر عودة (الإسلام وأوضاعنا السياسية ص150)، والأستاذ أبو الأعلى المودودي (نظرية الإسلام وهديه ص273-276)، د. عبدالرزاق السنهوري (فقه الخلافة ص183)، د. محمد ضياء الدين الريس (النظريات السياسية الاسلامية ص368-381)، د. صادق شايف نعمان (الخلافة الإسلامية ص103)، د. عبدالله أحمد فروان (الخروج على الحاكم الجائر ص93)، فريد عبدالخالق (في الفقه السياسي الإسلامي ص68)، د. عبدالله إبراهيم زيد الكيلاني (القيود الواردة على سلطة الدولة في الإسلام ص164/179)، د. محمد رحيل غرايبة (الحقوق والحريات السياسية في الشريعة الإسلامية ص327-328)، سعدي أبو جيب (دراسة في منهاج الإسلام السياسي ص679-681)، د. أكرم ضياء العمري (عصر الخلافة الراشدة ص97-98)، محمد رشيد رضا (الخلافة ص39-40)، د. جابر قميحة (المعارضة في الإسلام ص89 فما بعد)، محمد المبارك (نظام الإسلام: الحكم والدولة ص34-35)، د. حاكم المطيري (الحرية أو الطوفان ص116-117)، د. محمد عمارة (معركة المصطلحات بين الغرب والإسلام ص120)، ظافر القاسمي (نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي ص69)، الشيخ محمد الغزالي (الإسلام والاستبداد السياسي ص59)، الشيخ يوسف القرضاوي (من فقه الدولة في الإسلام ص146)، وآخرون غيرهم.
(96) غرايبة، الحقوق والحريات السياسية ، ص321.
(97) الجصاص، أحكام القرآن، ج2 ص330 .
(98) ابن كثير، الإمام أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي، تفسير القرآن العظيم، دار الفكر، بيروت، (د.ط)، 1981،ج1ص421.
(99) نعمان، د. صادق شايف، الخلافة الإسلامية، ص103.
(100) مسند الإمام أحمد، مسند الشاميين، عن (عبدالرحمن بن غنم الأشعري).
(101) بسيوني، نظرية الدولة في الإسلام، ص133.
(102) نعمان، د. صادق شايف، الخلافة الإسلامية، ص105.
(103) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج1ص421.
(104) نعمان، د. صادق شايف، الخلافة الإسلامية، ص105.
(105) سنن ابن ماجة، كتاب الفتن، باب السواد الأعظم، رقم الحديث (3950)، ج2 ص1303. ورواه الترمذي، وأبو داود، بألفاظ قريبة من ذلك.
(106) نعمان، د. صادق شايف، الخلافة الإسلامية، ص105.
(107) المرجع السابق، ص106.
(108) انظر: الكيلاني، د. عبدالله إبراهيم، القيود الواردة على سلطة الدولة، ص163. وانظر أيضا: بسيوني، نظرية الدولة في الإسلام، ص134. حيث يقول: "ومما لاشك فيه أن ماسبق هذه الغزوة من أحداث، وما انتهت إليه من هزيمة المسلمين، قاطع في الدلالة على إلزامية الشورى، والعمل بها، مهما تكن النتائج".
(109) الكيلاني، المرجع السابق، ص164.
(110) نعمان، د. صادق شايف، الخلافة الإسلامية، ص108.
(111) المرجع السابق نفسه، ص108.
(112) غرايبة، الحقوق والحريات السياسية، ص324.
(113) ابن القيم، أعلام الموقعين، ج1 ص 62. وانظر: ابن حجر، فتح الباري، مصدر، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول الله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم) ج13ص342.
(114) بسيوني، نظرية الدولة في الإسلام، ص134.
(115) صافي، لؤي، العقيدة والسياسة، ص181.
(116) انظر: غرايبة، الحقوق والحريات السياسية، ص317.
(117) رواه البخاري في صحيحه، باب وجوب الزكاة، رقم الحديث (1335)، ج2 ص507. ورواه مسلم ، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، رقم الحديث(20)، ج1 ص51.
(118) الشاطبـي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي، الاعتصام، دار المعرفة، بيروت، د.ط، د.ت، ج2 ص356.
(119) انظر: الجبوري، د. ساجر ناصر، حقوق الإنسان السياسية، ص315.
(120) بسيوني، نظرية الدولة في الإسلام، ص135.
(121) أبو جيب، دراسة في منهاج الإسلام السياسي، ص679-680.
(122) المرجع السابق ص681. والحديث ذكره (ابن كثير) في تفسيره، ج1 ص421.
(123) غرايبة، الحقوق والحريات السياسية، ص320.
(124) عبدالخالق، فريد، في الفقه السياسي الإسلامي، ص69.
(125) عودة، الإسلام وأوضاعنا السياسية، ص162.
(126) عبدالخالق، فريد، في الفقه السياسي الإسلامي، ص97.
(127) المرجع السابق، ص99.
(128) البياتي، الدولة القانونية، ص289 . وانظر: طعيمة، الدولة والسلطة في الإسلام، ص263 حيث يعلق على اختيار سيدنا (عثمان) بهذا الأسلوب، وكيف أن (عبدالرحمن بن عوف) وهو يقول: (إني نظرت في أمر الناس، فلم أرهم يعدلون بعثمان)، إنما رجح جانب (عثمان)، بناء على الاستفتاء الذي أجراه بنفسه، وتمت بيعة (عثمان) على هذا الأساس، ووافقه على ذلك بقية الصحابة، بمن فيهم المرشح الآخر للرئاسة (علي أبي طالب). فهذا الحديث يعتبر حجة في الترجيح بالأغلبية بالشروط، كما أن هذه المسألة يمكن أن تدخل في إجماعات الصحابة (رضي الله عنهم) ..
(129) الرد على الباطنية، الغزالي ص62-63 (نقلاً عن البياتي، الدولة القانونية، ص289).
(130)انظر في ذلك نصوصاً عن الإمام الغزالي، الماوردي، أبي يعلى، وابن تيمية، في: غرايبة، الحقوق والحريات السياسية، ص325-326.
(131) رواه ابن ماجة في السنن ج2 ص1302 كتاب الفتن.
(132) انظر: الريس، د. محمد ضياءالدين، النظريات السياسية الإسلامية، مكتبة دار التراث، القاهرة، ط7، 1977، ص368 .
(133)    انظر: قطب، محمد علي، مختصر علوم الحديث، دار القلم، بيروت، ط3، 1978، ص59.
(134) عبدالخالق، فريد، في الفقه السياسي الإسلامي، ص69-70. يذهب الاستاذ (لؤي صافي) في كتابه (العقيدة والسياسة) إلى أن"طرح مسألة حق القيادة في قبول أو رفض قرار الشورى، بناءا على مقولة أن الحق لا يتبع الأغلبية بالضرورة، ينطوي على تخليط واضح بين آليات الاجتهاد المعرفي وآليات التقرير السياسي". ويرى أن الأغلبية قد تخطىء أحيانا، ولكن هل يبرر ذلك فتح المجال أمام الاستبداد بالرأي، ومصادرة رأي الأغلبية، وهل يعني ذلك عصمة فرد، أو حفنة من الأشخاص؟! "فإعطاء القيادة السياسية الحق في الضرب بآراء الآخرين عرض الحائط، قد يؤدي إلى حمل الأغلبية المخطئة على رأي الأقلية المصيبة حينا، ولكنه يؤدي إلى حمل أغلبية صائبة على رأي أقلية مخطئة أحيانا..". للتفصيل، انظر: ص186 من الكتاب المذكور.
(135) الكيلاني، القيود الواردة على سلطة الدولة، ص174 – 175 .
(136) ومن أصحاب هذا الرأي: د. عبدالحميد متولي، ود. محمد يوسف موسى، وتقي الدين النبهاني، وآخرين. انظر: الجبوري، حقوق الإنسان السياسية، ص313.
(137) ومن الذين يقولون بهذا الرأي: د. محمد ضياء الدين الريس، (النظريات السياسية الإسلامية ص368 فما بعد)، عبدالقادر عودة (الإسلام وأوضاعنا السياسية ص161)، أبو الأعلى المودودي (نظرية الإسلام وهدية ص276)، وقد أشرنا إلى أسماء كثير منهم فيما سبق، انظر: ص17 من البحث.
(138) انظر: البياتي، الدولة القانونية، ص292.
(139) المرجع السابق، ص292.
(140) الحلو، د. ماجد راغب، النظم السياسية والقانون الدستوري، منشأة المعارف، الاسكندرية، مصر، (د.ط)، 2005، ص384.
(141) انظر: زيدان، مجموعة بحوث فقهية، ص108.
(142) أبوجيب، دراسة في منهاج الإسلام السياسي، ص 681.
(143)عبدالخالق، فريد، في الفقه السياسي الإسلامي، ص69.
(144) البياتي، الدولة القانونية، ص296.
(145) عودة، الإسلام وأوضاعنا السياسية، ص167.
(146) القاسمي، ظافر، نظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي، دار النفائس، بيروت، ط5، 1985، ص232.
(147) إسماعيل، د. يحيى، منهج السنة في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ص254.
(148) الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري البغدادي (ت450هـ)، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، دار الحرية للطباعة، بغداد، (د.ط)، 1989، ص 16
(149) أبو يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن الفراء البغدادي الحنبلي (380-358هـ)، الأحكام السلطانية، دار الفكر، بيروت، (د.ط)، 1994، ص 24.
(150) البغدادي، الإمام أبو منصور عبد القهر بن طاهر بن محمد بن عبدالله التيمي البغدادي (ت429هـ)، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط1، 1981، ص279.
(151) النووي، الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (ت676هـ)، منهاج الطالبين، دار المعرفة، بيروت، (د.ط)، (د.ت)، ج1 ص131.
(152) الجبوري، حقوق الإنسان السياسية، ص293 . وانظر: عبدالخالق، فريد، في الفقه السياسي الإسلامي، ص107، حيث يفسر هذا الاختلاف في الأسماء بقوله: "إنها مصطلحات متداخلة لجماعة واحدة، تعددت وظائفها في المجتمع الإسلامي فتعددت أوصافها".
(153) تفسير المنار /ج3 ص18 (نقلاً عن/ بسيوني، نظرية الدولة في الإسلام، ص138) .
(154) غرايبة، الحقوق والحريات السياسية، ص127.
(155) الجبوري، حقوق الإنسان السياسية، ص293.
(156) عرف من سيرته (عليه الصلاة) أنه شاور جمهور المسلمين في الأمور التي تهمهم مباشرة، كما في مسألة استشارته المسلمين للخروج إلى (غزوة أحد)، أو في مسألة غنائم (هوازن). انظر في ذلك: زيدان، مجموعة بحوث فقهية، ص102.
(157) الحلو، النظم السياسية والقانون الدستوري، ص359.
(158) المرجع السابق، ص 359.
(159) ليس كل الناس مؤهل لإبداء الرأي السليم في المسائل العامة، فذلك يعتمد على الخبرة والثقافة، فضلاً عن أن الوصول إلى معرفة آراء الشعب كله أمر عسير ومكلف، ويحتاج إلى وقت وجهد كبيرين، لا يمكن القيام به في كل شأن، فضلاً عن أن غالبية قضايا الشورى تحتاج إلى البت السريع فيها. انظر في ذلك: الحلو، النظم السياسية، ص362. بسيوني، نظرية الدولة في الإسلام، ص145. طعيمة، الدولة والسلطة في الإسلام، ص168. عبدالخالق، فريد، في الفقه السياسي الإسلامي، ص94-95. المودودي، نظرية الإسلام وهديه، ص290.
(160) عودة، الإسلام وأوضاعنا السياسية، ص168.
(161) انظر: زيدان، مجموعة بحوث فقهية، ص102 فما بعد.
(162) المرجع السابق، ص105. وانظر: عبدالخالق، فريد، في الفقه السياسي الإسلامي، ص73.
(163) غرايبة، الحقوق والحريات السياسية، ص301. وانظر: زيدان، مجموعة بحوث فقهية، ص105. أيضا: عبدالخالق، فريد، في الفقه السياسي الإسلامي، ص76-77.

(164) البياتي، الدولة القانونية، ص260.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق