الأحد، 10 يوليو، 2016

فشل العقل المسلم في توظيف القيم الإسلامية السياسية واقعياً

ئاشتي ستار شيخاني
المقدمة
الصراع داخل المجتمع المسلم حول مصدر الشرعية السياسية، وطبيعة النظام السياسي، مستمر منذ بدايات القرن الثامن العشر الميلادي، حينما بدأ السلاطين العثمانيون جهود تحديث مؤسسات الحكم وأدواته، بدءاً بالمؤسسة العسكرية. ويتمثل قطبا الصراع في طرفين يختلفان بأطروحتيهما السياسيتين، ولكنهما يتشابهان في منهجية التعاطي مع مسألة الشرعية السياسية، في اعتمادهما الكامل على نموذج سياسي تمّ تطويره ضمن ظروف تاريخية
مختلفة(1). وأنتجت استمرارية الصراع الداخلي الاستبداد القاصي، الذي أدى في نهاية المطاف إلى تقديم الصورة المشوهة للإسلام، وحمل التصرفات البشرية اللامنطقية على الإسلام، وحرّفت أهم المبادئ السياسية التي أكّد الإسلام على التمسك بها لإدارة شؤون الدولة والمجتمع؛ كما اختفت مقومات الحضارة التي أتى بها القرآن الكريم، متمثلاً بالتوحيد والعبادة والعمران، وأصبح الدين جزءاً بسيطاً يقتصر على بعض الشعائر اليومية المنعزلة عن الواقع.
السؤال المطروح هو: كيف نعمل من أجل توحيد لا شركاء فيه بين العبد وربه؟ توحيد مدبر، ولا ملك ولا سيادة فيه ولا سلطة إلا لربّ واحد؟ وذلك من أجل تفعيل حضارتنا القائمة على التوحيد والعبادة والعمران، كما أشار إليه القرآن الكريم في كثير من المواضع.
لكي نحقق الهدف المرجو، نرى أنه كان لزاماً توحيد الجهود لمواجهة الاستبداد، وتفكيك بنيته، ومن ثم نعود بالقيم الإسلامية السياسية الجميلة التي بقيت، لكن لا تزال منحصرة في البعد النظري، دون الالتزام بها من الناحية العملية والتطبيقية. هنا نأسف حينما نقول إن العقل المسلم، حتى هذه اللحظة، لم يتمكن أن يقدم الإسلام نقياً كما أنزل على محمد(صلى الله عليه وسلم)، حتى يكون محرراً للإنسان من كل قيد أو تبعية، كما لم تثمر دعوات تطبيق الشريعة التي نسمع بها هنا وهناك(2).
إذاً: يأتي هذ البحث المتواضع، يبحث في تلك القيم والمبادئ الإسلامية السياسية، التي شجّعت تشجّع المسلم، منذ بداية مجيئها ضمن الوحي الإلهي، إلى صناعة الحكم الرشيد، المبني على العدل والحرية والمساواة العادلة وتوفير الحقوق والتركيز على الواجبات والعمل المتواصل، ناقداً تلك الأسباب التي أدت إلى انحصار وتجميد القيم والمبادئ الإسلامية في البعد النظري. وذلك من خلال ثلاثة مطالب أساسية:
المطلب الأول: التاريخ بين العلاقة والقطيعة (إشكالية المبالغة في وظيفة التاريخ).
المطلب الثاني: القيم الإسلامية السياسية (إشكالية الممارسة في الواقع).
المطلب الثالث: الأسباب التي أدت إلى فشل العقل المسلم.
المطلب الأول: التاريخ بين العلاقة والقطيعة (إشكالية المبالغة في وظيفة التاريخ)
هناك تعريفات كثيرة حول مصطلح التاريخ، لكن قبل أن نذكر التعريف، نشير إلى ملاحظة مهمة، وهي أنَّ لفظة (تاريخ) قدِ استُعْمِلت في الاصطِلاح على نَحْوين اثنين، فتارة تستعْمل، ويراد بِها مضمون ومحتوى المادة التاريخية، وتارة أُخرى تستعمل، ويراد بها طريقة التَّعامل مع هذه المادَّة. وهذه الازدواجيَّة في الاستعمال أدَّت إلى خلط في فهْم معنى اللفظ.
التاريخ لغة: التاريخ والتَّوْرِيخ: تَعْرِيفُ الْوَقْتِ(3)، وأَرَّخَ الكتاب: وَقّته(4). ربما هذا التعريف هو الغالب لدى علماء اللغة، لكنهم اختلفوا في أصل الكلمة، فقد قيل إنَّه عربي، وقيل إنَّه غير ذلك، وعمومًا، فإنَّ التاريخ في اللغة يعني تَحديد الزَّمن.
التاريخ اصطلاحاً: قال (ابن خلدون) التاريخ: هو، في ظاهره، لا يزيد على أخبار عن الأيّام والدّول، والسّوابق من القرون الأول، تنمو فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتطرف بها الأندية إذا غصّها الاحتفال، وتؤدّي لنا شأن الخليقة كيف تقلّبت بها الأحوال، واتّسع للدّول فيها النّطاق والمجال، وعمّروا الأرض حتّى نادى
 بهم الارتحال، وحان منهم الزّوال. وفي باطنه: نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيّات الوقائع، وأسبابها، عميق(5).
يبدو أنَّ (ابن خلدون) أخذ بقواعد الجرْح والتعديل، المطبَّقة عند أهل الحديث (صرامة النقد)، وهي مرحلة جدُّ مهمَّة في تدقيق الأحداث التاريخية؛ إذ وضع اللبِنة الأولى لما يسمَّى بـ(فلسفة التاريخ)، مع (فولتير).
هناك من يرى أن النظام المعرفي، الذي قام عليه الفقه الإسلامي، في القرنين الثاني والثالث الهجريين، أصبح خارج التاريخ. لذا علينا أن نقوم بقطيعة معرفية مع التراث، وخاصة مع أصوله، باختراقها، لأنّه بدون اختراق الأصول، التي قام عليها هذا الفقه التاريخي، يصبح التجديد مستحيلاً(6).
ربما هذه الدعوة لقطع العلاقة مع التراث جاءت كردة فعل لتلك الدعوات التي تنادي بتجديد الفكر الإسلامي، أو تفعيله، من قبل بعض المفكرين الإسلاميين؛ فضلاً عن أن هناك اتجاه آخر يرى بأن التراث والتاريخ مقدسان، لا يجوز بأي شكل من الأشكال توجيه التهم إليهما. ويروج هذا الاتجاه بين أوساط خطباء المنبر، والمختصين في الفقه الإسلامي.
والباحث يضيف القول الرابع، بوصفه بديلاً للقطيعة والتجديد والتفعيل، ومفاد هذا القول هو الإقرار بفشل خطاب المسلمين على المستوى التاريخي، ومن ثم القيام ببناء خطاب جديد، على أصول جديدة، حسب مقتضيات الواقع الراهن.
لأن هذا الفقه التاريخي، الذي هو جزء أصيل في الفكر الإسلامي، ليس فيه نظرية متكاملة في الدولة والمجتمع والسلطة. من هنا يتطلب الواقع إيجاد نظرية أصيلة معاصرة في الدولة والسلطة، بناء على أصول ومقومات جديدة، لأن الأصول التراثية الموجودة عاجزة - بشكل أو بآخر - عن إعطاء نظرية تستجيب لكل مستجدات العالم المتطور(7).
هناك ثلاثة أنواع من القراءات للتاريخ، نستطيع من خلالها أن نقدم الصورة التي نريد أن نتكلم عنها في فشل العقل المسلم:
الأولى: تكمن في تصور بعض من يريد صوراً مشرقة ينقلها إلى الأجيال الجديدة لرفع معنوياتها، وهو في هذا ربما يعمل على حجب الرواية كاملة، إن لم تكن تخدم غرضه، أو سيعمد إلى صناعة دفاعات متينة واعتذارات كبرى، حتى يمرر فكرته. وهذا هو السلوك الشائع، فآلية الحجب والتمرير، وصناعة الدفاعات عن الأخطاء التاريخية، شرط لهذا النوع من زوار التاريخ.
الثانية: هناك بعض يعود إلى الماضي للبحث عن حلول لواقعه العصيّ، لعلّ نموذجاً تاريخياً ما يسعفه ويصبح له قدوة. فالحركيون يريدون من السيرة أن تجيبهم عن خطة النجاح الحركي، والمقاومون يريدون من (صلاح الدين) أن يخطط لهم للتحرير، والسياسيون يريدون من العمرين أن يحلا لهم مشكلة النظام السياسي الأمثل. إذاً: هناك عجز، حيث لا يستطيع العقل المسلم عن مواجهة استحقاقات الحاضر، لذلك يقود إلى البحث في دفاتر الماضي.
الثالثة: هناك تصور نقدي جديد، يبحث في التاريخ عن جذور مشاكل الحاضر، في عمقها المعرفي الدفين في بيئتنا التراثية. وهذا هو التصور الذي نحن بصدده(8).
في كل الأحوال، للتاريخ دور وظيفي في رفع الهمم، لكن حين يبالغ في ذلك يصبح سلاحاً فتاكاً في مصادرة الوعي بالمشاكل التي قادت الأوضاع إلى ما هي عليه اليوم.


المطلب الثاني:القيم الإسلامية السياسية (إشكالية الممارسة في الواقع)
هناك أغلبية قريبة من الإجماع اتفقت على أن الأمة الإسلامية في سائر شعوبها، وفي مقدمتها الشعب العربي، تعيش أزمة فكرية، وهذه الأزمة أدت إلى نشوء فشل سياسي وفكري في الآن نفسه، تتجلى في شكل غياب ثقافي وتخلف علمي وكسوف حضاري، وتتجسد في عجز العقل المسلم عن إيصال مضمون القيم الإسلامية السياسية: قرآناً وسنة وشريعة وأخلاقاً، إلى الواقع العملي، والممارسة الفعلية(9).
نحن لا نستطيع في هذا البحث المتواضع أن نفصّل في شرح كل القيم التي نحن بصددها، لكن بإمكاننا أن نحدد واحدة تلو الأخرى، وهذه القيم تكمن في (العدالة والحرية، والشورى (مسألة الديمقراطية)، والمشاورة (مسألة حرية التعبير)، فضلاً عن معايير الكفاءة السياسية، المشار إليها في القرآن الكريم والسنة النبوية). يعني: هناك قيم كثيرة جاء بها الإسلام لتنظيم الشأن العام، لكن مع الأسف الشديد ضيَّعها المسلمون فضاعوا، بعد أن ضمرت في حياتهم، وانحسرت دلالاتها، وانطرمت معانيها في ركام الجدالات الصورية والتكييفات الفقهية والخلافات اللفظية.
انطلاقاً من هذه الفكرة أدرك عددٌ من علماء المسلمين والمفكرين المعاصرين، أن القيم الإسلامية السياسية لم يسمح لها السياق التاريخي الإمبراطوري بالحياة والتفوق.
مثلاً لاحظ الفيلسوف الشاعر (محمد إقبال) أن القيم السياسية الإسلامية "بقيت أجنَّة"، إذ لم تجد سياقاً مناسباً للنمو الطبيعي، ووجد (إقبال) نفسه متحيّراً عندما كان ينتقل من تاريخ المسلمين إلى جوهر الفكر الإسلامي، حيث عبّر عن دهشته في رسالة وجهها إلى المستشرق (نيكلسون)(10)، معتبراً أنه مقتنع تماماً بأن فتح البلدان لم يكن من البرنامج الأساسي للإسلام(11).
ويرى (مالك بن نبِي) أن الحضارة الإسلامية، في شقّها السياسي، لم تنشأ عن مبادئ الإسلام، بل إن هذه المبادئ هي التي توافقت مع سلطة زمنية قاهرة(12). كما توصل (عبد الرزاق السنهوري)، الفقيه الدستوري، إلى أن الفكر السياسي الإسلامي لم يتجاوز مرحلة الطفولة إلى اليوم(13). وكلاهما ربما يقصد أن السياق التاريخي لم يسمح، لما رسخ في ضمير الأمة الجمعي من فضائل الخلافة الراشدة، بأن يكون واقعاً ملموساً.
ويرى (الشنقيطي)(14) أن لكل حضارة أزمتها، وأزمة الحضارة الإسلامية أزمة دستورية في جوهرها. وربما استند قوله فيما أدركه صاحب (الملل والنحل)، حينما عبر عنه بالقول: "وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سُلَّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُلَّ على الإمامة في كل زمان"(15).
وهذه الأزمة المسببة لفشل العقل المسلم في توظيف القيم الإسلامية السياسية، بدأت – حسب رأي البعض- في (سقيفة بني ساعدة). وتغلّب عليها الجيل الأول من المسلمين المهاجرين جزئياً حوالي ربع قرن من الزمان(16)، لكنها انفجرت مدوِّيةً في نهاية خلافة (عثمان بن عفان)، وطيلة خلافة (علي بن أبي طالب)، واستحالت حرباً أهلية طاحنة بين معسكر العراق بقيادة (علي بن أبي طالب)، ومعسكر الشام بقيادة (معاوية بن أبي سفيان). وقد كانت معركة (صفين) قمة التعبير التراجيدي عن تلك الحرب الأهلية الدامية(17).
وفي الواقع المعاصر، نجد أن الدول العربية والإسلامية لا تتمتع بشكل من الأشكال بهذه القيم الإسلامية السياسية، وأصبحت الآن من أكثر الدول التي تعاني من المشاكل. مثلاً مشكلة الحريات، على جميع المستويات، ومشكلة العدالة الاجتماعية، والمساواة، وغير ذلك(18).
والخلاصة في هذا الموضوع، أن السؤال عن الإسلام الحقيقي سيبقى دائماً بلا إجابة، حتى نعيد قراءة التراث بمقتضى الواقع، لا أن نقرأ الواقع بمقتضى التراث.
المطلب الثالث: الأسباب التي أدت إلى فشل العقل المسلم
هناك قيم إسلامية عظيمة، وأشار القرآن الكريم إليها في مواضع عديدة، لكن السؤال المطروح في ذهن الباحث يكمن في أنه لماذا لم تتبلور هذه القيم العظيمة في واقعنا؟ لماذا لا يفعل الدين ما ننتظره منه في واقعنا الراهن؟ فما هي الأسباب التي وراء فشل العقل المسلم، وشلّه عن الحركة والفاعلية؟
هناك من يرى أن أنظمة الحكم تحمل مسؤولية ما وصلنا إليه من تجميد القيم الإسلامية في بعدها النظري، في حين يرى الآخرون أن ثقافتنا الدينية تحمل مسؤولية كبيرة في هذا الفشل(19).
السبب الأول: عدم اتخاذ القرار:
هناك صيحات كثيرة هنا وهناك، مفادها أن سبب تخلفنا هو عدم تطبيق الدين، والدين في جوهره كمالات، فقيم العدل والحرية والكرامة والنظام والنظافة والعلم والعبادة والتقوى، كلها مستقلات عقلية تطالب بها كل الأمم وتتمناها، ولكن اقتراب الأمم منها، أو من بعضها، هو الذي يختلف. فمثلاً الأمم التي تقدمت حظيت بتطبيق أكبر من هذه القيم، والأمم التي تخلفت حظيت بطبيق أقل.
ربما لم يكن الأمر متعلقاً بوجود المستقلات العقلية، كضرورة العلم، وأهميته، والنظافة والنظام والعدل والحرية...إلخ، وهي موجودة عند كل الأمم، بحكم الطبيعة البشرية، والدين جاء ليؤكدها، لا لينشئها ابتداءً، وقد عمّقها بأن جعلها مطلباً ضرورياً للعبور إلى اليوم الآخر. فالقيم لا تتحرك في الواقع لمجرد تسميتها، بل هي قرار على مستوى الفرد وعلى مستوى المجتمعات والأمم. فهل اتخذ العقل المسلم هذا القرار؟ أم هو يدور في حلقة مفرغة؟(20).
السبب الثاني: النزعة القبلية التعصبية:
حمل الإسلام رسالة كونية، وألحَّ على أخوَّة الإيمان، منذ البداية. مع أن السياق الاجتماعي والثقافي في الجزيرة العربية لم يكن سياقاً توحيدياً، لا بالمعنى الاعتقادي، ولا بالمعنى الاجتماعي.
فالعصبيات القبلية السائدة في الجزيرة العربية آنذاك، كانت تتأبَّى على أيّ تعريف كوني للرابطة الإيمانية أو الإنسانية. ثم أضافت الفتوح الإسلامية السريعة تعقيداً جديداً إلى تلك المشكلات البنيوية. وقد لاحظ الفيلسوف (محمد إقبال) أن ما كسبه الإسلام خلال الفتوح الأولى من الامتداد، كان خسارة له في العمق. فكتب يقول: "إنني أعتبر من الخسارة الكبرى أن يُوقِف تقدمُ الإسلام، كدين فاتح، نموَّ أجنة التنظيم الاجتماعي والديمقراطي والاقتصادي، التي أجدها مبثوثة في صفحات القرآن وفي سنّة النبِـي صلى الله عليه وسلم"(21).
السبب الثالث: غياب الوعي:
الدين مقدس، لكن هذا الدين معطى خام، لا يعمل في الواقع إلا من خلال أفهام الناس. من هنا ينشأ التدين في مقابل الدين، وهذا التدين غير مقدس، لأنه متكون من أفهام الناس، وهذه الأفهام عرضة لثلاث مشاكل كبيرة، تكمن في:
الأول: مشكلة سياسية ضاغطة على وعي العطاء الفكري، وفضائه، تعمل على تحجيم النشاط المعرفي المشكّل للوعي الجمعي. وبالتالي، فإنّ قيم الحرية والعدالة والمساواة، تصبح منطقة خطرة للتناول، ويفضل كثيرون الابتعاد عنها، بسبب المخاطر التي تحيط بها.
الثاني: مشكلة اجتماعية، ومعارف كل عصر، تجعل التقاليد والأفهام عناصر ضغط شديد على المشتغلين بالفكر والوعي.
الثالث: قصور في مناهج البحث. فالمنهج بوصفه نحتاً بشرياً، وآلة للتواصل مع النص، ومع الواقع، فإنّ كلّ قصور فيه سيعني بالضرورة قصوراً في المنتج، وهذا المنتج عندما يعامله باعتباره منتجاً لكل العصور، من دون الوعي بأن المناهج، أو الآلة التي نزن بها، هي عرضة لقصور مؤكد(22).
السبب الرابع: ضغط السياق الإمبراطوري العالمي على الروح الإسلامية، فالقيم الإسلامية السياسية يصعب تطبيقها في عالم الإمبراطوريات العسكرية الذي كان سائداً، فانهارت الخلافة الراشدة، كما انهارت جمهوريات روما وأثينا من قبلُ تحت ضغط الوطأة الإمبراطورية.
السبب الخامس: التأثر الزائد بالمواريث السياسية غير الإسلامية، من ساسانية ويونانية ورومانية، على حساب الاستمداد من الوحي القرآني والسنة النبوية، في مجال السياسة والحكمة العملية.
السبب السادس: فقدان العقل المسلم مرونته العملية بعد قرون من الانحطاط، فتحولّت العديد من المبادئ الإسلامية إلى أفكار نظرية مجردة: قد تُساقُ للتمدُّح بجلال الرسالة الإسلامية، لكنها لا تُتَّخذ قاعدة منهجية هادية للعمل.
السبب السابع: السلطة المستبدة الوراثية، حيث تحولّت سلطة ما يسمى بالشورى إلى ملك عضوض في سنة 40 للهجرة، من هنا بدأت السلطة تتوارث.
السبب الثامن: نظرية الجبر وصناعة التشاؤم. هذا الموضوع والاحتجاج به منتشر بأكثر مما نتصور، وهو يأخذ طريقه إلى العقول عبر الأمثال الشعبية والشعر والموعظة والرقائق وغير ذلك.
السبب التاسع: علماء السلطة وعملاء الشرطة، الأول يمجد السلطة بغلاف ديني، والثاني ينفذ أوامر السلطان المزخرفة بزخرفة الدين.
الخاتمة: (النتائج والتوصيات)
في ختام هذا البحث المتواضع أقرّ بأنني عشت مع موضوع في غاية الأهمية، ألا وهو (فشل العقل المسلم في توظيف القيم الإسلامية السياسية)، كما أنني أعترف بأن هذا الموضوع يحتاج إلى أطروحة كبيرة جداً، لكي يستوعب كل الجوانب السياسية والتاريخية التي أثرّت تأثيراً سلبياً على الوعي الجمعي، ومن ثمّ أدّت إلى فشل العقل المسلم.
يمكننا أن نستنتج في هذا البحث المتواضع بعض جوانب القصور في توظيف القيم الإسلامية السياسية في النقاط التالية:
1.                 تفريط في الشرعية السياسية لصالح وحدة الأمة.
2.                 رفض المساواة بين المسلمين في الحقوق السياسية.
3.                 رفض المساواة بين المسلم وغير المسلم.
4.                 إعطاء السلطة غير الشرعية حقوق السلطة الشرعية.
5.                 منع الناس من تغيير المنكر السياسي الغليظ.
التوصيات:
في هامش هذا البحث نطرح بعض التوصيات، وهذه التوصيات تكمن في أن القيم تمرّ بخمس مراحل كبرى لتعبر إلى الواقع، وهذه المراحل تتضمن:
1.         مرحلة الوعي الأوّلي، أو ما يسمى بالمرحلة الجنينية.
2.         مرحلة التحرير الفلسفي، أو ما يسمى بمرحلة التنضيج المعرفي والانتشار.
3.         مرحلة التبني الواعي، أو ما يسمى ببلورة القيمة إلى مبدأ.
4.         مرحلة التحويل إلى الإجراءات.
5.         مرحلة ضمانات البقاء، أو ما يسمى بضمانات بقاء النظام.
نأمل أن تؤخذ هذه المراحل بنظر الاعتبار لتفعيل القيم الإسلامية السياسية في الواقع العملي والتطبيقي، لنتجاوز الواقع المتخلف الذي نتألم به.
والحمد لله رب العالمين.


المصادر والمراجع:
(1) ينظر: الرشد السياسي وأسسه المعيارية، د. لؤي صافي، ط1، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، (بيروت/2015م) 13.
(2) ينظر: تفكيك الاستبداد: دراسة مقاصدية في فقه التحرر من التغلب، د. محمد العبدالكريم، ط1، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، (بيروت/2013م) 7.
(3) ينظر: مختار الصحاح، زين الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الحنفي الرازي(ت666هـ)، المحقق: يوسف الشيخ محمد، ط5، المكتبة العصرية - الدار النموذجية، (بيروت – صيدا/1420هـ/1999م) 16.
(4) ينظر: لسان العرب، محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعي الإفريقي (ت 711 هـ)، ط3، دار صادر، (بيروت/ 1414هـ) 3/4.
(5) ينظر: ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، عبد الرحمن بن محمد بن محمد، ابن خلدون أبو زيد، ولي الدين الحضرمي الإشبيلي (ت 808 هـ)، المحقق: خليل شحادة، ط2، دار الفكر، (بيروت/ 1408 هـ/ 1988 م) 6.
(6) ينظر: جذور المأزق الأصولي، محمد أبو القاسم حاج حمد، ط1، دار الساقي، (بيروت/ 2010 م) 8.
(7) ينظر: جذور المأزق الأصولي، محمد أبو القاسم حاج حمد: 8.
(8) ينظر: التراث وإشكالياته الكبرى: نحو وعي جديد بأزمتنا الحضارية، د. جاسم سلطان، ط1، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، (بيروت/ 2015 م) 16-17.
(9) ينظر: إصلاح الفكر الإسلامي، مدخل إلى نظم الخطاب في الفكر الإسلامي المعاصر، طه جابر العلواني، ط5، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، (هرندن/ فرجينيا/ الولايات المتحدة الأمريكية/ 1429 هـ/ 2009 م) 49.
(10) رينولد ألين نيكلسون Alleyne Nicholson Reynold، مستشرق إنكليزي، ولد في كيغلي Keighley عام 1868م، درس في جامعتي أبردين Aberdeen وكامبردج، وتخرج فيهما، حيث برز في الأدب القديم. وكان لاتصال نيكلسون بجده (الذي كان من علماء العربية) أثر في ميله إلى الدراسات الشرقية، فتعلّم لغات الهند وأحرز فيها المرتبة الأولى عام 1892، وتعلّم العربية على يد البروفسور (روبرت سميث)، والفارسية على يد (إدوارد براون)، وفي سنة 1902 أصبح أستاذاً للفارسية في الكلية الجامعية بلندن، وتوفي في تشيستر Chester بإنكلترا عام 1945م. ينظر: المستشرقون، نجيب العقيقي، دار المعارف، (القاهرة)21/229.
(1) ينظر: فكرة الإفريقية الآسيوية في ضوء مؤتمر باندونغ، مالك بن نبـي، ترجمة: عبد الصبور شاهين، ط3، إعداد: ندوة مالك بن نبِي، دار الفكر، (دمشق/ 2001 م) 228.
(2) ينظر: وجهة العالم الإسلامي، مالك بن الحاج عمر بن الخضر بن نبـي(ت 1393 هـ)، دار الفكر المعاصر، (بيروت/ لبنان/1431هـ/2002م)  62.
(3) نقلاً عن "أمهات القيم السياسية في الإسلام"، د. محمد بن المختار الشنقيطي، موقع مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق، (2015 م):www.cilecenter.org 
(4) د. محمد بن المختار الشنقيطي، أستاذ الأخلاق السياسية، مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق، كلية قطر للدراسات الإسلامية.
(5) الملل والنحل، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني(ت 548 هـ)، مؤسسة الحلبِي: 1/22. 
(6) للمزيد راجع "البداية والنهاية"، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (ت 774 هـ)، دار الفكر، (1407هـ/1986م) 5/246. 
(7) ينظر: البداية والنهاية، ابن كثير: 7/252.
(18) ينظر: حرية الإنسان في الإسلام، محمد أبو القاسم حاج حمد، ط1، دار الساقي، (بيروت/لبنان/2012م) 9.
(19)  ينظر: حرية الإنسان في الإسلام، محمد أبو القاسم حاج حمد: 9.
(20) ينظر: التراث وإشكالياته الكبرى، د. جاسم سلطان: 29-30.
(21) فكرة الإفريقية الآسيوية في ضوء مؤتمر باندونغ، مالك بن نبـي، ترجمة: عبد الصبور شاهين، ط3، إعداد: ندوة مالك بن نبـي، دار الفكر، (دمشق/ 2001 م) 228.
(22) ينظر: التراث وإشكالياته الكبرى، د. جاسم سلطان: 12-13.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق