الأحد، 10 يوليو، 2016

التاريخ على الخشبة.. أي قيمة؟ أي هدف؟

ياسين سليماني 
كاتب وناقد/الجزائر
إذا كان (درويش) يوصي بعدم كتابة التاريخ شعراً، لأن "السلاح هو المؤرخ، والمؤرخ لا يصاب برعشة الحمى إذا سمى ضحاياه"، فإنّه لم يوص أحداً بعدم كتابة هذا التاريخ مسرحاً. ربما لأنّ فضاءات المسرح بتعبير (آن أوبرسفيلد) تتضمن "فن ممارسة ذات ملامح ضخمة وعلامات كبيرة وإسهاب يجب أن يُشاهد ويُفهم من الجميع". وبذا يكون التاريخ المكتوب مسرحاً، أو المرجعيات التاريخية الممسرحة، محاولة لفعل النظر في هذا الزمن السابق، وإعادة "بناء العلاقة مع الماضي على أساس من النقد والمراجعة"، بتعبير (أحمد دلباني) في سمفونيته التي لم تكتمل.
وبعيداً عن الصرامة المنهجية، التي تحلى بها كتاب (تحولات الشخصية التاريخية في المسرح المصري المعاصر)، للناقد (تامر فايز)، المنشور ضمن إصدارات (المجلس الأعلى للثقافة) بالقاهرة هذا العام )2016(، فإنّ مقاربتَه للتاريخ انطلاقاً من شواهدَ مسرحيةٍ، تمثّل )أيْ هذه المقاربة( إطاراً جيداً لاحتضان تجارب مهمة مختارة، بما يقارب الدقة الواعية التي ترى في علاقة التاريخ بالمسرح إفادةً "من تلك الخبرات المتراكمة، التي تقدم فيما يرصده هؤلاء المؤرخون من أحداث وقعت في العصور المختلفة"، بتعبير الكاتب. لذلك فلا غروَ أن تكون علاقة التاريخ بالمسرح، من قبيل تناول المسرحية لمشهد من الماضي حصل بالفعل، وإعادة تركيبه علاقةً (تاريخيةً) في ذاتها.
هناك أسئلة مبدئية يمكننا أن نطرحها عن هذا الكتاب، قبل الولوج إلى مضامينه، ومقاربتها نقدياً: هل التاريخ الذي يتناوله الكتاب، هو التاريخ الرسمي المسجّل في الكتب والمدونات، وحدث ما يشبه الإجماع على اعتباره جزءاً حقيقيا من الزمن العالمي؟ من تاريخ الإنسان على هذه الأرض، ضمن بؤرة زمكانية معينة؟ بمعنى أنّ النماذج التي اختارها الناقد للدراسة، هل هي مسرحيات تاريخية، بالمعنى الواضح للمصطلح، بحيث أننا سنقرأ فيها عرضاً صحيحاً انطلق من مستندات عن الحقبة التاريخية الممسرحة، بتشديد الاهتمام بخصوصية العناصر المشاركة في أحداثها؟ أم أنّه مسرح يستدعي -كما يعرّفُ (باتريس بافيس)- "عناصرَ زمنيةً، ويجسّد بالتالي لحظة تاريخية من التطور الاجتماعي"، لأنّنا بالتأكيد سنخلص مع الرجل إلى القول بأنّ "العلاقة بين المسرح والتاريخ هي، بهذا المعنى، عنصر دائم ومكوّن لكلّ دراماتورجيا". بسؤال آخر: ألا يمكن أن تكون هذه النماذج المسرحية المختارة "كقناع عن بعض القضايا التي تشغل المجتمع في فتراته المختلفة"؟
سيجيب الدكتور (تامر فايز)، عبر كتابه، باختيار الأعمال المسرحية التي "استلهم كتابها الشخصية التاريخية داخل أعمالهم المسرحية"، وهي سبع نماذج، ابتداء من الأربعينات إلى الثمانيات. بحيث تم اختيار نموذج واحد من كل عقد، من الأربعينات إلى السبعينات، ثم ثلاثة نماذج من الثمانيات. وهو يظهر في ثنايا مؤلفه أنّ قصده من الشخصية التاريخية في عنوان الكتاب: "شخصية البطل ذات الأصول التاريخية، سواء أكانت من التاريخ الرسمي، أم من التاريخ الشعبـي".
من هنا كانت نماذج الكتّاب من مؤلفين مسرحيين مصريين، حيث "حاول (باكثير) أن يقدّم حكاية (الحاكم بأمر الله) في مسرحية (سرّ الحاكم) سنة 1947، وأعاد (سمير سرحان) تقديمها في مسرحية (ست الملك) سنة 1977، وقدّم (ألفريد فرج) حكاية (إخناتون) في مسرحية (سقوط فرعون) سنة 1957، وقدم (أحمد عثمان) حكاية (كليوباترا) في مسرحية (كليوباترا تعشق السلام) سنة 1984. أما (أبو العلا السلاموني)، فقد اختار العديد من الشخصيات التاريخية ليقدّمها في المسرح، مثل حكاية (خالد بن الوليد) في (سيف الله) سنة 1965، وحكاية (امرئ القيس) في مسرحية (الثأر ورحلة العذاب) سنة 1980.
وإذا كان المؤلف قد خصص فصولاً ثلاثة لمسرحة الحكاية التاريخية أولاً، وللمؤثرات الفنية في بناء الشكل ثانياً، وللوظيفة أخيراً، فإننا هنا سنحاور المؤلف أولاً في فصله الثالث، حيث الوظيفة تظهر في: الحرية بداية، ثم العدالة، فالسلام.
إنّ الوظيفة الأساسية للتاريخ، بحسب (تامر فايز)، تتمثّل "في عكس المراحل التاريخية المختلفة لمجتمع ما، غير أنّ المسرح يتخطى هذه الوظيفة، إذ يعكس المراحل التاريخية للمجتمع، ويفيد منها في إعادة تفسير الظواهر والقضايا الآنية". وهذا ما يتقاطع فيه الكاتب مع رؤية (ألفريد فرج)، الذي يقول في مقدمة مسرحيته (سقوط فرعون): هذه مسرحية تاريخية، من حيث أنها تستقي من التاريخ قصتها ووقائعها الرئيسية ومؤثراتها الفنية. وهي عصرية، من حيث أنها تنظر لهذه الحقبة القديمة جداً من التاريخ بعين عصرية وذهن عصري، وتنطوي على مضمون فكري عصري".
انطلاقاً من اهتمام الكاتب المسرحي بقضايا المجتمع وهمومه، فإن استخدامه للمدونّة التاريخية جاء لتحقيق مطالب هذا المجتمع، لذلك ظهرت شخصية (أخناتون)، في مسرحية (سر الحاكم)، كداعٍٍ أكبر للسلام، كما تجلّت شخصية (امرئ القيس) كباحثٍ عن الحرية الفردية والإنسانية. وفي مسرحية (رجل القلعة)، قارب (السلاموني) موضوع المشاركة السياسية وقيمة الديمقراطية بين من يرفضهما، مثل (محمد علي)، ودوره السلبـي في هدم الحركة الديمقراطية، ومن يدافع عنها ويؤيد وجودها. ولعلّ المنتبه إلى هذه الوظائف الثلاثة، التي يتحدث عنها المؤلف: الحرية، العدالة، السلام، سيجدها ترتدّ جميعاً إلى المعطى الأول، وهو الحرية. وليست العدالة، ولا السلام، إلاّ أثراً من آثار حرية الإنسان في اختياره بين الممكنات، وارتفاع أيّ ضغط يسلبه ذاك الاختيار.
ليس من قبيل المفارقة، تبعاً لما سبق، أن يناقش المسرح قضايا الحرية، والدفاع عنها ضد محاولات السيطرة، وتكميم الأفواه، وقتل الرغبة في الحلم. ومنذ بداياته، كان المسرح ناطقاً باسم المستضعفين والمظلومين ومهدوري الحقوق. أليست (الفرس) لـ(أسخيلوس)، كأول مسرحية حفظها التاريخ لنا، تناقش الحرية؟ وما استعادة الأوطان من مغتصبيها، إلاّ استعادة لحرية سليبة، وانطلاقاً من مشروعية الدفاع عن النفس ضد أيّ استلاب! ولا يمثّل المسرح هنا إلا كما يمثّل الفيلسوف عند (سقراط)، على أنه "لسعة الذبابة التي توقظ جواد المدينة النبيل من نعاسه"، كما يومض (أحمد دلباني) في كتاب أشرت إليه سابقاً.
وحسناً فعل مؤلف الكتاب، عندما أكّد المؤثرات التراثية العربية في النماذج المختارة، عندما تمّ حصرها في ثلاثة مؤثرات: الحكاية، السرد، والغنائية. بحيث يرى في وجود الحكايات التراثية في النصوص المسرحية المنمذجة، إثباتاً لذلك "الميل الفطري للإنسان العربي عامة، والفنان العربي خصوصاً، نحو فنون القصّ والحكي". وإذا كان هذا واضح السبب، كدافع يمكّن المبدع العربي من إسقاط هذه الحكايات على الواقع المعيش، بغير مباشرة ولا تلقينية، وبعيداً عن رقابة المراقبين، واستفزازاً للعقل النقدي في أن يتلمس مكامن التشابه ومفارقات التاريخ، مع تمظهراته في الواقع وتشابكاته معه. فإنّ "السرد، وهو المؤثر الثاني، تمّ اللجوء إليه كوسيلة هروب، التزم المؤلف المسرحي في النماذج المذكورة بتوظيفها، "لأن الصعوبة في المسرحية، التي تعتمد على الشخصية التاريخية، تكمن في كثرة التفاصيل التي تحيط بهذه الشخصية في التاريخ"، وتصبح الأجزاء المسرودة "هي تلك المرويات التاريخية، التي عجز المؤلفون عن إبرازها ممسرحة داخل مسرحياتهم".
أمّا الغنائية، فقد حاولت النماذج المختارة توظيفها كعنصر داخل المدوّنة، "لتتمكن المسرحية من صنع بطل مستقل ومتميز عن البطل التاريخي"، بحيث تكون الغنائية، كما يعرفها (ألفريد فرج) في مقدمته لمسرحية (سقوط فرعون)، بأنها لا تعني "أنها كتبت لتلحن وتغنى، ولكني أقصد أنها تنطوي على موسيقى خفية معينة، كتلك الموسيقى التي تدقّ بإيقاعاتها الخفية في قصائد الشعر، وفي الحكايات الخرافية والأساطير". وهذا يتجلى في مسرحيته المذكورة، كما يظهر في غيرها من النماذج.
كما من الحسن أنه نبّه إلى المؤثرات الغربية في هذا المسرح، ولو أنّ العديد من الدراسات السابقة انتبهت لهذا وأوضحته، لكن يفضلُ هذا الكتاب عن غيره أنه نمذج أعمالاً غير التي تمت نمذجتها في تلك البحوث، وهذا الأهم. وربما لا يختلف الباحثون في المسرح أنّ العديد من النصوص المسرحية حاكت في التراجيديا المسرحَ الغربي، بشكل يكاد يكون مطابقاً، خاصة في (الجدية)، انطلاقاً من أنّ "النظرية الكلاسيكية قد اشترطت عدم الخلط بين التراجيديا والكوميديا، وضرورة الفصل بينهما". وأيضاً في (كلاسيكية الشخصيات)، التي تعني كما يصفها (أحمد العشري) في (البطل في مسرح الستينيات): أن "تتصف الشخصية بالسموّ، أيّ تكون ذات صفات خاصة، وسلوك منفرد، حتى تكون أكثر تأثيراً في النفس، وحتى تحقق بسلوكها المتميز التضاد بينها وبين السلوك العادي، وحتى يتسنى لها الصراع". كما تظهر المؤثرات الغربية في هذه المسرحيات، في نقطتين أخريين: وجود الجوقة، وعنصر القضاء والقدر. كما نجد عند (السلاموني) في (الثأر ورحلة العذاب).
قد يكون تأثير (بريخت) في المسرحيات النموذج أكبر من أن يتمّ تجاوزه بلا محاورة نقدية، إذ نشأت عند الرجل "رغبة في تحرير المسرح من قيود البورجوازية، وجعله أداة فعالة في نشر الوعي والتحريض على الفعل الثوري، فابتدع نموذجاً درامياً جديداً"، كما تشير (جازية فرقاني) في كتابها (تجليات التغريب في المسرح العربي). لذلك فقد جعل من التغريب خاصية أساسية في نظريته عن المسرح الملحمي، وهو يعني به "أن تفقد الحادثة أو الشخصية كل ما هو بديهي ومألوف وواضح، بالإضافة إلى إثارة الدهشة والفضول بسبب الحادثة نفسها"، انطلاقاً من "خلق حالة الانفصال بين الجمهور والمسرح، لمنع الجمهور من التوحد مع المسرحية". وقد ظهر نموذج هذا في مسرحية (كليوباترا تعشق السلام)، لـ(أحمد عثمان)، و(رجل القلعة) للسلاموني، عند طريق العديد من التقنيات لإثبات التغريب، وتوكيده، على مستوى الكتابة التي تؤسس لإخراج خاص بها. 

لا يمكنني أن أنهي هذه المصافحة العقلية، دون أن أظهر مدى متعتي في لحظة القراءة لمدونة الناقد (تامر فايز)، ذلك أنها أجملت ما تفرق في العديد من المدونات الأخرى، وشرحت وحللت كثيراً من النقاط، وأضاءت العديد من المعميات. وهذا من أهم ما يمكن للناقد أن يفعله لقارئه. وهي قراءة واعية تستدرك مواطن الجمال التي غابت عنا في زحمة القراءات الكثيرة، فاستجلت عدداً هاماً من منجز الريبارتوار المسرحي في (مصر)، انتبهنا إليه زمناً، ونسيناه دهراً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق