الأحد، 10 يوليو، 2016

الفن الروائي ودوره في إحداث الخلل المجتمعي

رولا حسينات – الأردن
الأمر جلّه أننا تعودنا الكذب في كل مفصل من مفاصل حياتنا، الرهبة والجزع من استحضار الغيب، يقعينا في سلال الانتظار عند البوابة الزمنية، التي ما دلوكها إلا حين ينفلق الأفق، وتذوب أدراجها الزجاجية، وتتبعثر كالهشيم..
حينها يتسنى للمرء فينا أن ينصت لذلك الناقوس، الناقوس الذي ترتجّ له طبلة تعيش في تجويف أذننا.. مع الزمن زاد قرعها للطبول، فغشينا الصمم على الإصغاء..
فأيّ كارثة إنسانية هذه التي حاقت بإنسانية المرأة العربية والمسلمة، الإنسانية التي حرمتها متعة الحياة الطبيعية، حرمتها إياها بسلوكيات فاقت طاقتها، من فقر وجوع وتعذيب وحروب وويلاتها وعنصرية وصراع على نزع الحجاب وحرمان الهوية.بعد أن وهبها الإسلام فن الإنسانية،  فلم ينظر الإسلام للمرأة على أنها دمية أو لعبة أو متاع، بل نظر إليها على أنها أمّ، ورأى فيها شريكة العمر لا شريكة ليلة، وقال عنها القرآن الكريم أنها السكن والمودة والرحمة وقرة العين، واختار لها البيت والحجاب والرجل الواحد، تعظيماً لقدرها، وحفاظاً عليها..
ولم يقتصر عطاء المرأة المسلمة على الإيمان والهجرة والتضحية فقط، بل امتد هذا العطاء إلى المجال العلمي والتعليمي، فظهرت الفقيهة والمُحدّثة والمفتية، التي يقصدها طلاب العلم، وعُرف عن بعض الفقيهات والمحدثات المسلمات أنهن أكثرن من الرحلة في طلب العلم إلى عدد من المراكز العلمية في مصر والشام والحجاز، حتى صرن راسخات القدم في العلم والرواية، وكان لبعضهن مؤلفات وإسهامات في الإبداع الأدبي.
ففي صدر الإسلام كانت أمهات المؤمنين، وعدد من كبار الصحابيات، من رواد الحركة العلمية النسائية. وكانت حجرات عدد من أمهات المؤمنين الفضليات، منارات للإشعاع العلمي والثقافي والأدبي. وتأتي أم المؤمنين (عائشة) (رض) في الذروة والمقدمة، فكانت من الفصيحات البليغات، العالمات بالأنساب والأشعار ورواية الحديث النبوي الشريف.
أما (أم سلمة) (ر. ض) فكانت كما وصفها الذهبـي: "من فقهاء الصحابيات".
وتتعدد أسماء الصحابيات والتابعيات اللاتي اشتهرن بالعلم وكثرة الرواية، وتحفل كتب الحديث والرواية والطبقات بالنساء اللاتي روين وروي عنهن الحديث الشريف، مثل: أسماء بنت أبي بكر الصديق، وأسماء بنت عميس، وجويرية بنت الحارث، وحفصة بنت عمر، وزينب بنت جحش (رضي الله عنهن).
ولم يغفل كبار كتاب الطبقات الترجمة للمرأة المسلمة، خاصة في الرواية، فـ(محمد بن سعد) ذكر كثيرًا من الصحابيات والتابعيات الراويات في كتابه (الطبقات الكبرى). وخصص (ابن الأثير) جزءًا كاملاً للنساء في كتابه (أُسد الغابة).
وقد ساهمت المرأة العاملة، بأناملها الرقيقة، في صناعة وتشكيل كثير من كبار العلماء؛ فالمؤرخ والمحدث الشهير (الخطيب البغدادي)، صاحب كتاب (تاريخ بغداد)، سمع من الفقيهة المحدثة (طاهرة بنت أحمد بن يوسف التنوخية) المتوفاة سنة(436هـ).
وتأتي العالمة الجليلة (فاطمة بنت محمد بن أحمد السمرقندي) لتحتلّ المكانة العالية الرفيعة في الفقه والفتوى، وتصدّرت للتدريس، وألّفت عددًا من الكتب، وكان الملك العادل (نور الدين محمود)، يستشيرها في بعض أمور الدولة الداخلية، ويسألها في بعض المسائل الفقهية.
وعرفت تلك الفترة من التاريخ عالمة وأديبة عظيمة هي (عائشة الباعونية)، التي كانت من الصوفيات والشاعرات المجيدات، وكانت تتبادل قصائد الشعر الصوفي مع أدباء عصرها.
فهل كانت المرأة حبيسة المنزل؟؟؟
لقد تولّت بعض هؤلاء العالمات مشيخات بعض الأربطة، مثل (زين العرب بنت عبد الرحمن بن عمر)، المتوفاة سنة (704هـ)، التي تولّت مشيخة رباط السقلاطوني، ثم مشيخة رباط الحرمين.
ولم تكتف العالمة المسلمة بالعطاء العلمي في أوقات السلم والرخاء، ولكن كان لها عطاء علمي بارز في أشد أوقات المحن والأزمات. فعندما سقطت قلاع الإسلام، كانت هناك امرأتان تمثلان المرجعية العليا للمسلمين في علوم الشريعة، حيث تخرّج على أيديهن كثير من الدعاة المسلمين، الذين حفظوا وحملوا الإسلام سنوات، وهما: (مسلمة أبده)، و(مسلمة آبلة)، حيث تخرج عليهما الفقيه (أبيرالو) المورسكي، الذي ألّف كثيرًا من كتب التفسير والسنة باللغة الألخميادية التي ابتدعها المسلمون هناك.
وبعد، فالمرأة المسلمة كان لها حضور بارز في المجتمع العلمي الإسلامي، فكانت تتعلم وتعلّم، وترحل لطلب العلم، ويقصدها الطلاب لأخذ العلم عنها، وتصنّف الكتب، وتفتي، وتستشار في الأمور العامة، ولم تكن حبيسة منزل أو حجرة، أو أسيرة في مهنة معينة، بل كان المجال مفتوحًا أمامها، تظلّه الشريعة الغراء، ويرعاه العفاف والطهر..
فهل كان تفكير الأمم التي نضجت بحضارتها، متوقفاً على التفكير بالشهوة فقط؟؟
وهل النص الروائي اليوم مسؤول عن الصورة القميئة للمرأة العربية والمسلمة؟؟؟
فللمرأة حقّ في أن تقبل ذلك أو ترفضه، لأنها المعنيّة الأولى والأخيرة. فإن كان هذا عصراً للجاهلية، فليعلم العالم أنه قد انتهى..
فما هو دورالعنف الروائي إذاً، في تبشيع صورة المرأة، والحطّ من قدرها..؟؟..
ولم يكن المقصود فيه العنف الجسدي، بقدر ما هو تبشيع صورة المرأة، أيّاً كانت، بانتهاكها وانتهاك حقوقها، وجعل صورتها أمام المجتمع مباحة..
وما يشعرنا بالمرارة في هذا، أن المرأة قد صدّقت الصورة المرسومة عنها، وأولتها الكثير من اهتمامها، فجعلت ترسم لها كياناً خائناً خارجاً عن المضمون المقدس لرسالتها الإنسانية، وقد انسحبت لأبعد من ذلك لتكون افتراضاً للشهوة وللجسد، وقد ضيّعت العلم والخلق، وفي هذا نقض للرسالة المقدسة..
فأيّ فاجر هذا الذي نصّ النصوص، وأمر تابعيه باتباعها..؟!
فهل كان هذا رافضاً لفكرة الديانة والتدين؟؟
ولكنها ليست قاعدة بمقدار ارتباطها بالأخلاق، فليست إذاً المساومة على الأخلاق ميزة نتنافس عليها.
وعندما يكون الدين واسعاً وشاملاً ومحققاً لأعلى مستويات التوافق الروحي والمادي، يكون أبلغ صيغة على التفوق في كل الميادين..
فلم يكن الدين يوماً حكراً على أحد، أو ملكاً بيمين أحد، لكي ينهزم بانهزامه. إنما الدين شريعة، وإن كانت إلهية، فهي أقدس من أن تدنس.. وصاحب الرسالة المكلف فيها هو أجدر شخصية بالاحترام، لأنه يعتبر النواة الأولى للنماء الروحاني، الذي ولج في أقطاب الأرض ليعمّد بماء السماء..
والرسول (محمد) (عليه الصلاة والسلام) هو صاحب الفكر المتسامح، والمدافع الأول عن الحقوق، والموجب الأول لأبجديات التعامل، وآلية الحوار، والمتمم للأخلاق، وهذا ما كانت عليه أديان السماء.. أو حتى القوانين الوضعية والعلمانية..
فأين الرجولة من هذا كله؟؟
والرجولة مسؤولية وقدرة، ولم تكن يوماً تشريفاً أو تفوّقاً..ومن أهم مفاهيمها احترام الطرف الآخر.. الجزء الآخر.. مكمّل المعادلة الحياتية.. في كافة صور الحياة، وأنماط التواجد.
ولكن ما قد تميّزت فيه الرواية، وساهم فيها الرجل مساهمة فاعلة على المستوى العالمي، بانتهاك الحريات الشخصية، وجعلها مكشوفة لأدق التفاصيل، والهدف هو واقعية النص..
فقد اكتفت الرواية على مدى عقود في تصوير المرأة كجسد، وغدا التماهي في تبيان تفاصيله، والتغنّي بها، واقعاً ملموساً، لا حصراً على جزئية معينة..
فهل يعتبر الرجل المرأة جسداً ونشوة فقط؟!
ومن الجدير بالذكر، ذلك الاضطراب في توضيح صورة الزوجة: فـ الزوجة البلدي، هي تلك الحافظة لزوجها ولبيتها وأولادها، والتي تعرف ما يحبّ ويكره، وتعنى بوجباته، حتى بات المثل دارجا: (بطن الرجل هو أقصر الطرق لنيل محبته).. ولكنها بالصورة الروائية كانت تلك: الغبية، البلهاء، التي لا تحسن فنّ اللياقة، القبيحة، السمينة، عديمة الثقافة، تفوح منها رائحة البصل، المؤمنة بالشعوذة.. وغيرها.
ومن ثمّ تتطور الصورة، حتى تبدو الزوجة الخائنة، التي فضّلت الفرار مع عشيقها، هي البطلة، على مدار 30 حلقة، وفي الحلقة الأخيرة يكتشف الزوج بطريقة غريبة ومفاجئة ذلك، حتى يصفها بالخائنة، ثم يرميها بالرصاص..
وكانت على النقيض من ذلك، صورة المعشوقة الغانية والجميلة والفاتنة، صاحبة الجسد الممشوق والمغري، والتي بمجرد ما أن تعرفت بالزوج اليأس حتى أصبحت شريفة، وما أن يلبث الزوج المسكين في بثّ تعاسته وخيبته من زواجه الأول، وكيف أنه أجبر على ذلك الزواج وفق تقاليد بدائية قديمة، أو بطريقة ما لم يدركها إلا بعد ضياع العمر..
وهل هذا أدى إلى إحداث فجوة مجتمعية في إيجاد الصيغة الإيجابية لنجاح الزواج والأسرة؟؟. 
وهل يمكننا إيجاد ارتباط لما أفرزه النص الروائي، من بث للعنف، والبطولة الخارقة، والفتوّة، في خلق أو تعزيز الفكر المتطرف؟؟ والذي بدوره أثّر - بشكل أو بآخر- على الشباب بالعزوف عن الزواج أو حتى الطلاق؟؟
قد يكون الناظر للمسألة  مستعجباً، أو مخالفاً.. ولكن عند التمعّن بالصورة، وإطارها، نجد أننا ندور بالواقع في حلقة مفرغة.. فإن كان الأول نتاج الثاني، فالثاني لا محالة من إفرازات الأول.. أيّاً كانت العلاقة بينهما، إيجاباً أو سلباً، يكون هناك التأثير الذي لا خلاف عليه.. فإن كانت العصبية والعنف، التي يتمتع بها الرجل، وليست حكراً على شرقيّته، بل تعزيزاً لصورته المتفوقة في البطولة المطلقة، فالأمر أبعد من ذلك.. فانعدام الحوار، والصيغة الثنائية للتفاهم، والمصداقية، أو ما يطلق عليه الشفافية، هي أيضاً من صور التطرف.. عندما تغدو الطرق مسدودة في أيّ علاقة إنسانية، فإن هناك خللاً ومرضاً يجب معالجته.. كثير من الأمراض الفيروسية يسيطر عليها بمضادات حيوية، والكثير منها هادم لنظام المناعة، ومغيّر في الشيفرة الوراثية DNA.. لتخرج مسخاً، أو جنيناً مشوهاً..
ولذلك كان الطلاق هو الحلّ الرئيس الأمثل، كحلّ جذري لمشكلة لا يمكن حلّها، وقد تكون هي المبرر أمام العزوف عن الزواج، في ذات الوقت.. والرجولة إذاً لا تعني السيطرة والهيمنة والعنف بكافة صوره، بل تعني نوعاً من اللامركزية في القرار، وتبادل المهام، ومجموعة من السياسات، لتحقيق الهدف العام الذي تسعى إليه أيّ مؤسسة أو تنظيم، وهو الذي يمنح ديمومة الثبات على الوضع الراهن، دون المخاطرة بغيره، وهي ذاتها التي تضمن الوصول إلى أعلى مراتب النجاح..
إن التفكير المنفتح لا يعني بالضرورة الإيمان بنهج متحرر، بل على العكس فإن كانت الحرية هي الرغبة في الانحلال من كافة الأعراف والعادات والأنماط السلوكية المجتمعية، التي تمنح أيّ مجتمع هويته، فإنها بالضرورة تعني تنظيماً ناجحاً لعملية الاتصال، وهو الأبجدية الأولى في نجاح أيّ فكر أو شخصية..
فالأسرة هي أول تنظيم قد عرفه الإنسان، والبشرية جمعاء.. والتي حفظت بقاءه.. والفرد هو شيفرته السرية، التي يحقق من خلاله أهدافه.
فالتطرف، أيّاً كانت وجهته، هو عدم الإيمان بحقوق الطرف الآخر، لأنه لا يوجد طرف آخر. وبهذا إجحاف لنفسه أولاً وأخيراً..
والمنظور الإسلامي يؤمن بالحوار والشورى والتفاهم، وهي من أساسيات الديمقراطية.. فهويتي كمسلم تعني مسؤوليتي كمستخلف للبناء والإيمان بالتعددية والنظرة العامة لمفهوم المصلحة..
فهل أصبحت حياتنا متوقفة على ما تفرضه علينا الثقافات الدخيلة، دونما تفكير منا معشر النساء لصياغة حياتنا الأسرية؟!
فلم تكن الحياة الزوجية يوماً حياة نزوة أو متعة.. أو ممارسة طائشة، وحسب..
إنما هي رابط مقدس، يضمن وحدة الخلية في الواجبات والحقوق..
ولا يمكننا إغفال مورثنا الثقافي من حصيلة العادات والتقاليد والقيم.. ومهما كان التقدم السلوكي للرجل أو المرأة، فلن يكون فضفاضاً ليصل إلى مستويات الحرية المطلقة..
وليس في هذا خطأ..
لأن الأساس في بناء أيّ علاقة هو الانضباط، بموجبه يحاسب أيّ طرف فيه عن إخلاله في أصول هذه العلاقة..
فهل أصبحت الحياة الزوجية عبأ على الزوجين؟؟
قد يظنّ البعض أن الحب والغرام، والتجارب قبل الزواج، هي أساس إنجاح بيت الزوجية.. ولكني أرى عكس ذلك تماماً.. ولا أنفي - في الوقت نفسه - مسألة الحب، لأنها مشاعر داخلية لا يمكننا تجاهلها، أو التخلي عنها.. ولكن على أن يكون، في الوقت ذاته، حبّاً قائماً على أساس الاحترام المتبادل، لصيغة معادلة قائمة على العشرة الأبدية، وهو ما أعدّه الأساس الناجح..
ولكن ما يصدم به شبابنا وشاباتنا، الذين جعلوا الحب أساساً في بناء أيّ علاقة.. فالحب متغيّر، وفق انفعالاتنا وظروفنا.. فالنسبية لبّ الموضوع، فلا بد لنا من عدم إدراجه على مطلقه.. وتبقى العشرة برأيي الشخصي هي التي تكفل إقامة الودّ، فقد جعله الرسول (عليه الصلاة والسلام) أساساً: روى (أبو داود) و(النسائي) عن أبي هريرة (رض): قال النبـي (صلى الله عليه وسلم): "تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك".. وبناء عليه يكون هناك أبجدية للعلاقة، إن أخلّ بها أحدهما، يحلّ للآخر المطالبة بتصحيح الوضع..
فالعلاقة الزوجية منهج على الآباء والأمهات أن يكونوا فيه خير مثال لأبنائهم وبناتهم.. وعلى المجتمع المدني تقديم أصول ممنهجة في تعليم البنيان الصحيح، في دورات، أو مراكز إرشادية.. لأن مشكلة الطلاق واقع لا يمكننا أن نغضّ الطرف عنه.. لأنه على وجه التأكيد سيخلّ بالمنظومة القيمية للأفراد على وجه الخصوص..
وعليه، فعلى أحدنا أن يقول كفى لهذه اللعنة التي أصبحت ملازمة لنا في الكتب، فلم تعد هناك كتب صفراء، وروايات عبير، وغيرها من الفن الأدبي الرخيص، بل باتت طقساً من طقوس الدخول في الميدان الأدبي..

والمضحك المبكي أن أحد الشروط في قبول أيّ عمل أدبي، لتقييمه لجائزة ما، أو لدار نشر، على حدٍّ سواء، هو التزامه بالأخلاق والقيم المجتمعية!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق