الأحد، 10 يوليو، 2016

تركيا بين طريق مسدود وآخر وعِر

د. سعد الديوه جي
شهدت الأيام الأخيرة تطوراً مثيراً في السياسة التركية، عندما أعلن السيد (أحمد داؤد أوغلو) عدم ترشحه لرئاسة حزب العدالة والتنمية في انتخابات الحزب القادمة، وهو ما يعني ضمنياً خروجه من رئاسة الوزراء، وهو الذي أُطلق عليه (مهندس) السياسة التركية منذ كان وزيراً للخارجية، حيث لخص سياسته الخارجية بالنأي بتركيا عن المشاكل الدولية المحيطة بها، والتركيز على النمو الاقتصادي، في كتابه الشهير (العمق الاستراتيجي لتركيا) بما يسمى مبدأ (صفر مشاكل). وقد كانت نظريته هذه مثالية، وإن بدت أنها ستقود تركيا إلى المزيد من الازدهار والتقدم الاقتصادي، ولكنها بعيدة عن الواقع، وربما جاءت بفعل خلفيته الأكاديمية
حيث قضى جلّ حياته بين جدران الجامعات والبحوث الأكاديمية.
لقد أثبت الواقع أن هذا المبدأ مجرد حلم جميل في ليلة صيف باردة، فالذين يتربصون بتركيا الدوائر تدفعهم عوامل دينية واستراتيجية، وخلافات تاريخيه عميقة، وتنافس اقتصادي وعسكري، بحكم موقع تركيا الذي يربط آسيا بأوروبا، وتحكّمها بأهم المضائق العالمية، وكونها جسراً بين حضارتين متنافرتين، وتاريخها الطويل كخلافة عثمانية دامت لعدة قرون.
وهؤلاء ليسوا بالقلة، وهم من الداخل والخارج، ويعملون بتنسيق متناغم منذ أيام الدولة العثمانية. كان هذا الجانب الذي أراده السيد (أوغلو) من الصورة التركية قبل أحداث الربيع العربي، وخصوصاً قبل الثورتين السورية والمصرية، وما صاحبها من انشقاق بين السياسة التركية، المؤيدة للاتجاهات الإسلامية، والأنظمة العربية الداعمة لها ضمنيا من الشرق والغرب، والتي تخاف من القوى الإسلامية المعتدلة الصاعدة ديمقراطياً، وربما تكرار التجربة التركية، والتي أثبتت الأيام عدم ترحيب الغرب عموماً بها، ليلحق بها الدب الروسي، الخارج من بقايا الاتحاد السوفيتي الغابر بأحلام استعمارية لا زالت في طور المراهقة السياسية.
وأما صاحب الكلمة النافذة الآخر في تركيا، والقادم من خلفية إسلامية، وتجارب عميقة في السياسة الواقعية، فهو رئيس الجمهورية السيد (أردوغان)، والذي يتمتع بشخصية طاغية بين معظم أبناء الشعب التركي، وداخل العالمين العربي والإسلامي، تدعمه خلفية من نجاحات باهرة حققها على كافة المستويات. ومن الممكن أن تيار السيد (أوغلو) كان أكثر هدوءاً وتحدياً للمواقف المناوئة لتركيا، مما يعني تنازلاً عن المبادئ في تيار (أردوغان)، الذي أثبتت تصريحاته الأخيرة، وأفعاله، بأنه لا يقبل بذلك، وإنما أراد التأكيد عليها في كل المناسبات والحوادث.
ففي حادثة إسقاط الطائرة الروسية، رفض الاعتذار للجانب الروسي، وأصر على معاودة الأمر إذا ما حاول الروس مرة أخرى. رغم الموقف الأمريكي المائع من المسألة، وموقف (حلف الناتو)، الذي تشكل القوات التركية فيه المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة، وشعوره بالمرارة من تخاذل الحلف معه بصورة فعالة.
والسيد (أردوغان)، ورغم ما لاقته السياسة التركية من انتكاسة بتخلي الحلفاء الغربيين عنه، لم يتردد في هذه الفترة عن رفع شعار (رابعة)، وقال بأن هذا الشعار هو الذي يوحّد المسلمين، من خلال دعوته لإحياء الجامعة الإسلامية، وأن شعار هذه الأمة: (لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، إلا بالتقوى)، ولمّح بأن هذه الجامعة هي البديل عن الجامعة العربية المشلولة، والتي يعرف الجميع أنها أسست بدوافع بريطانية آنذاك، وليس خدمة للعرب.
وهذه الفكرة هي بالحقيقة هي من بنات أفكار أستاذه المرحوم (نجم الدين أربكان)، وعلى الأغلب من تأثيراته الفكرية، والتي اشتقها أصلاً من أفكار السلطان (عبدالحميد). وفي 30/4/2016 قال بأنني أحزن لتفرّق المسلمين، وأنه لا يمكن تجاهل الأضرار التي خلّفها الاستعمار في المنطقة، وأننا سنفضح نفاق أولئك الذين يستكثرون على شعوب المنطقة الديمقراطية التي يعتبروها حقا لمواطنيهم، وعلينا مراجعة ذاتنا، والقيام بنقد ذاتي لكل ما يتعلق بهذه المسألة.
وما كانت هذه الأفكار إلا إحساساً مسبقاً للموقف الأوربي المتلكئ من انضمام تركيا للاتحاد الأوربي والسوق الأوربية المشتركة، والذي بلغ حدّ الإهانة، وكان لسان حاله يقول: "بأننا ذهبنا إلى أبعد الحدود في تكييف بلدنا وتغيير ثقافتنا لتصبح على النمط الأوربي، وتبنينا عقيدتهم العلمانية، وخضنا معاركهم، وعملنا تحت سقفهم السياسي، وعادينا أعداءهم، ومع ذلك يرفضوننا، فلا بد أن نبحث عن خيار آخر".
وخيارات السيد (أردوغان) ليست سهلة، ولكن تصريحاته هذه تؤكد على عدم تنازله عن ثوابت (العدالة والتنمية)، وعدم النكوص عن الخيار الإسلامي، حيث بلغ السيل الزبى عندما رفض شروط الاتحاد الذي ربط إعطاء التسهيلات لطالبـي التأشيرة، مقابل أن تغيّر تركيا قوانينها المتعلقة بالإرهاب، حيث قال في 6/5/2016: "سنمضي نحن في طريقنا، وأنتم في طريقكم"، وهي إشارة خطيرة وواضحة، ورسالة للغرب بأن تركيا لا يعنيها التعلق بالغرب كثيراً. وهكذا بدأ السيد (أردوغان) يبعث إشارات للاتحاد الأوربي، ورغم الغليان في منطقة الشرق الأوسط، بأن تركيا الناهضة ليست بحاجة إلى القارة العجوز، فمعدلات التنمية في تركيا متقدمة جداً على مثيلاتها في معظم الدول الأوربية، وأن تركيا تشكل الوسادة التي ينام عليها حلف شمال الأطلسي ضد المطامع الروسية، وأوروبا تريد بذلك إعادة ما كانت تفعله أيام الدولة العثمانية، عندما أطلقت عليها لقب (الرجل المريض)، من فرض الشروط المهينة في كل الأمور.
لقد ذهب الأوروبيون بعيداً في معاداتهم الخفية ضد تركيا، لتلحق بهم روسيا كما ذكرنا، فـ(البابا فرنسيس) يدين ما يسمى بالمذابح الأرمنية، فيجاوبه (أردوغان) بأن كلامه أشبه بالهذيان، و(بوتين) يتهم (أردوغان) بأسلمة تركيا، وأكثر من 90% من الأتراك مسلمين، و(أردوغان) يهزأ به قائلاً بأننا مسلمون ولا نحتاج لعملية أسلمة، والقضاء الأوروبي يتهم تركيا بمعاداة العلويين (النصيرية)، فيخرج هؤلاء مطالبين بتغيير اسم الجسر الثالث المعلق، من (جسر ياووز سليم– السلطان سليم) إلى اسم آخر، وهي مسألة تاريخية وحرب دينية تتعلق بسحق السلطان سليم للصفويين في معركة (جالديران) عام 1514، ودخوله لعاصمتهم (تبريز)، ومطاردة مؤسس دولتهم (إسماعيل الصفوي).
هذه الحقائق، وغيرها الكثير، يتجاهلها السيد (أحمد داؤد أوغلو) في كتابه آنف الذكر، منطلقاً من كون المسلمين يشكلون 99% من الأتراك، والحقيقة أن هذه الحركات، وكل الحركات اليسارية والقومية، لا تعترف بانتمائها للإسلام، وهذا يفسر الدعم اللامحدود من قبل الدول الأوروبية لكل هذه الحركات، بل وتعمل على محاربته بكل السبل، وإن كان الأمر يبدو بصورة إنسانية باهتة.
إن تركيا في موقف حرج، لكونها في وسط مشاكل الشرق الأوسط، خصوصاً من قبل حلفائها الذين تخلوا عنها إلى حد كبير، مما حدا بصحف شهيرة مثل (الوول ستريت جورنال) الأمريكية للقول في إحدى مقالاتها الافتتاحية بأن تركيا لم تعد حليفة للولايات المتحدة، وراحت (نيويورك تايمز) إلى وضع تركيا كشريكة للإرهاب في موضوع تهريب النفط. وتشير بعض التقارير الموثوقة بأن الاستخبارات الألمانية تنصتت على جميع المسؤولين في تركيا، واطلعت على أدق أسرار الدولة، وكذلك فعلت بريطانيا والولايات المتحدة. كل هذه المؤشرات، وغيرها، تضع نظرية السيد (أوغلو) في مهب الريح، وتزيد السيد (أردوغان) على التشبث بالواقعية، وتوسيع القاعدة الجماهيرية الملتزمة بنهجه، وهو يدرك بأن تركيا ستبقى مهمة جداً لأمن أوروبا، وأن أجواء القرن التاسع عشر قد ولت بمفاهيمها حول ما يسمى بالرجل المريض.
إن السيد (أوغلو) مفكر من الطراز الرفيع، حتى أن مجلة (فورن بوليسي) وضعته عام 2010م بين أشهر مئة مفكر عالمي، ولكن سياسة (صفر مشاكل) غير واقعية، وإذا ما تمّ المبالغة فيها بحسن النية المفرط، فإنها ستؤدي في النهاية إلى طريق مسدود لتركيا لا تحمد عقباه. ولو أن طريق السيد (أردوغان) طريق وعر، ولكنه فيه أمل كبير في عالم لا يعرف ولا يقيم وزناً لحسن النوايا، وفي عالم سياسي لا يهتم إلا بالمصالح، ولو ملأ الدنيا صياحاً بالديمقراطية والحرية وتوابعهما.
إن الاختلاف في وجهات النظر بين فريقين، تقودهما شخصيات تجاوزت نظراتها المصالح الشخصية، ظاهرة صحية، وهو ما أكد عليه السيد (أوغلو) في أحاديثه الأخيرة عن ولائه لحزبه وبلده، ورفضه انتقاد السيد (أردوغان)، من باب الكياسة وحسن الخلق، وبعيداً عن الانفعالات الشخصية، خصوصاً وهو صاحب مبدأ (صفر مشاكل). وإن الاختلافات لا تعني مطلقاً ضعفاً، ولكنها تؤدي للنجاح إذا لم تطلها المهاترات والمؤامرات، كما يحدث بين الساسة العرب.

ففي الخامس من هذا الشهر نعت السيد (أوغلو) السيد (أردوغان) بـ(الرفيق)، والكلمة غير موجودة في اللغة التركية الحديثة، ولكنها مستعملة في اللغة التركية القديمة، وتعني الصديق، وفيها يؤكد مبدأ صداقته وأخويته لـ(أردوغان)، ولتأكيد المسألة أكد على الأمر قائلا باللغة العربية: "الرفيق قبل الطريق"، وهذه المسألة تلقي ضوءً ساطعاً على أنها مسألة اختلاف، وليس مسألة خلاف على مناصب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق