الأربعاء، 3 يناير 2018

منهج الوسطية الإسلامية في التجديد (القسم الأول)

د. دحام إبراهيم الهسنياني

من مظاهر الوسطية في الإسلام: الوسطية في التجديد، والذي يقوم على ركنين: اعتماد على الأصول، واتصال بالعصر.. أما الاعتماد على الأصول، فيتمثل بالاعتماد على الشـرعية القائمة على الثوابت الكبرى، وهي حفظ الضروريات الست: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ النسل، وحفظ العرض، وحفظ العقل، وحفظ المال، والمحافظة على قطعيات الشريعة، وأحكامها، وعلى الفرائض، وعلى القيم الأخلاقية.
وإن شريعة الإسلام قد اتسعت في كل عصر وزمان عبر آلة التجديد، ولهذا قال فقهاؤنا في باب الوسطية: إن الفتوى تتغير بتغيّر الزمان والمكان والأحوال والأعراف. فهذا (أبو يوسف) و(محمد بن الحسن)، صاحبا الإمام (أبي حنيفة)، قد خالفا إمامهما في كثير من مسائل الفقه، وقالا: لو رأى إمامنا ما رأينا لغيّر رأيه، بناء على ما طرأ من تغيّر الزمان والمكان، وتطوّر في
مسيرة الحياة.
وإذن، فالتجديد ضرورة ملحة لاستيعاب قضايا العصـر، ومتطلبات الحياة، من خلال الثبات على مقاصد الشريعة، وقواعدها العامة، ومبادئها الكلية، مع المرونة في الوسائل، ودقة الفهم، وإدراك المصلحة.
وهذا يقتضي أن يتصدّى للفتوى في قضايا الأحكام من لديه الأهلية في العلم. وقد قال الصحابي الجليل (ابن مسعود): (إن أحدكم ليفتي الفتوى، وهي من القضايا التي لو سئل عنها الخليفة عمر لجمع لها أهل بدر)(1)، فأجرأ الناس على الفتوى أجرؤهم على النار(2).

الوسطية بين الأصالة والتجديد:
تيار الوسطية تيار ممتد عبر التاريخ، ليس وليد حالة تاريخية واجتماعية راهنة، إنما هو نتاج لحركة التجديد والإحياء الإسلاميتين، قادها عبر عصور مختلفة عدد من العلماء والمفكرين الإسلاميين عبر التاريخ. ولئن عرفت المجتمعات المسلمة، في مراحل متعددة، بروز أفكار وسلوكيات متشددة، أخذت من الدين الجوانب الأكثر صعوبة، بل وبالغت فيها، حتى تصوّر بعض الناس أنها هي الجانب الأهم من الحياة، ومن الدين، فإن التيار الأعمّ والأكثر شعبيةً وانتشارًا عبر تاريخ المسلمين هو تيار الوسطية والاعتدال. وقد خطّ القرآن الكريم، وخطّ الرسول (صلى الله عليه وسلم)، في ذلك منهجًا وسطيًّا واضحًا لا لبس فيه، من خلال التوجيهات المحذّرة من الغلوّ، والمرغّبة في التيسير والتخفيف، ومن خلال سيل من المبادئ والقواعد، التي جعلت تيار الوسطية تيارًا أصيلاً ضاربًا في أعماق التاريخ الإسلامي.
إن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومرونة الإسلام ذاتية لا إضافية، ومن ثم فعندما نتحدث عن التجديد، فإننا نتحدث عن متن هذا الدين، وعن طبيعته، وعن جوهرة.. ولا يجوز لأحد أن يفهم هذا التجديد على أنه عملية (ترقيع) أو (تطوير) أو (إصلاح) لهذا الدين، فالاعتقاد بصلاحية الإسلام ـ كما نزل ـ لكل زمان ومكان، جزء من الاعتقاد بالإسلام أصلاً!
إن الإسلام تنزيل معصوم، كامل، شامل، سامق، قادر وحده على الاستجابة لحلّ كل المشكلات المتجددة، والتعامل مع كل الظواهر المستحدثة، فلا حاجة إلى إدخال عناصر غريبة عليه، بزعم تطويره وتحديثه! لأن إدخال هذه العناصر يعني أنه ناقص أو غير كامل.. لا.. إنه دين الله القويم.
ونعرض هذا الموضوع الذي كثر فيه الجدل، لا سيما في هذه الأيام، بما يأتي:
أولاً: معنى التجديد لغةً:
 التجديد في أصله اللُّغوي: مأخوذ من جدَّد الشـيءَ، وتجدَّد الشـيءُ، إذا صيَّره جديداً، أو صار جديداً. والتجديد فيه طلب واستدعاء، إذ التاء للطلب، فيكون تجديد الشـيءِ يعني طلب جِدَّتِه بالسعي والتوسّل إلى ما يجعله جديداً. والجديد نقيض الخَلَق والبِلى، وضدّ القديم، بمعنييه: القديم زماناً، والقديم بقاءً، وهو التقادم- فيُقال: بلي بيت فلان، ثمّ أجَدَّ بيتاً مِنْ شَعْر.. ويُقال لليل والنهار: الجديدان، لأنهما لا يبليان أبداً(3). ومن معاني التجديد في أصل اللُّغة: التعظيم والإجلال، ومنه قوله تعالى: {وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا}(4)، أيْ عظمته وجلاله وغناه. ومن معانيه كذلك: الوسطية، يقولون: جادّة الطريق، أي: سواء الطريق ووسطه.
من هنا ندرك أنَّ التجديد لا يعني بحالٍ الإتيان بجديد منقطع عمّا كان عليه الأمر أولاً، ولكن يعني:
أنَّ الشيء المجدَّد قد كان في أول الأمر موجوداً وقائماً، وللناس به عهد.
وأنَّ هذا الشيء أتت عليه الأيام، فأصابه البِلَى، وصار قديماً خَلِقاً.
وأنَّ ذلك الشيء قد أُعيد إلى مثل الحالة الأولى التي كان عليها قبل أنْ يبلى وَيَخْلَق(5).
ثانياً: معنى التجديد شرعاً:
 اكتسب التجديد شرعيته من وروده في الحديث النبوي الشريف، الذي قال فيه النبي(صلى الله عليه وسلم): (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدّد لها دينها)(6).
فالتجديد مشروع وثابت وواقع بالنص، وليس بعد بيان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيان.. فلا ينبغي أن نخاف من كلمة التجديد في الدين، بعد أن صحّ بها الحديث. إنما الذي ينبغي هنا، أنْ نحدّد معنى (التجديد)، حتى لا يتلاعب المتلاعبون بالدين وحقائقه باسم تجديدهم المزعوم، وما هم من التجديد في كثير ولا قليل..
وتجديد شيء ما لا يعني إزالته، واستحداث شيء آخر مكانه، بل تجديده يعني إعادته أقرب ما يكون إلى صورته الأولى يوم ظهر لأول مرة، والمحافظة كل المحافظة على جوهره وخصائصه ومعالمه، وعدم المساس بها.. وهذا ينطبق على الماديات والمعنويات. فتجديد بناء أثري، قصـر أو معبد أومسجد، لا يعني هدمه وبناء آخر مكانه على أحدث طراز، بل إبقاءه والحرص على إرجاعه إلى صورته الأولى، ما أمكن ذلك. فهذا هو التجديد الحقيقي.
وتجديد الدين يشمل تجديد الفهم، والفقه فيه، وهذا تجديد فكري.. كما يشمل تجديد الإيمان به، وهذا تجديد روحي.. وتجديد العمل له، والدعوة إليه، وهذا تجديد عملي.. وكل عصر يحتاج إلى تجديد يناسبه، ليجبر القصور والنواقص، ويعالج الأدواء.. على أن هناك منطقة لا يدخلها التجديد بحال، وهي منطقة (القطعيات)، التي قال فيها الإسلام كلمته البيّنة الحاسمة، سواء في مجال العقائد، أم العبادات، أم الأخلاق، أم التشـريع، وهي التي تجسّد الوحدة العقدية والفكرية والشعورية والسلوكية للأمة المسلمة(7).
ولبيان المعنى الشرعي – لا سيما في ظلال هذا الحديث الضخم – ينبغي علينا أن نستعرض بعض أقوال العلماء عن التجديد والمجددين:
 يقول شيخ الإسلام (ابن تيمية): "والتجديد إنما يكون بعد الدروس، وذاك هو غربة الإسلام، ويحيى فيه شعار المسلمين وأحوال المؤمنين والمجاهدين، حتى يكون شبيهاً بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. فمن قام في هذا الوقت بذلك، كان من التابعين لهم بإحسان، الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأعدّ لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً، ذلك الفوز العظيم"(8).
وعن المجددين يقول (ابن القيم): "هم غرس الله الذين لا يزال يغرسهم في دينه، وهم الذين قال فيهم علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: لن تخلو الأرض من قائم لله بحجته"(9).
 ويقول (العلقمي)، في معنى التجديد: "هو إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسُّنَّة، والأمر بمقتضاهما، وإماتة ما ظهر من البدع والمحدثات"(10).
وهذا المعنى يصوغه الأستاذ (وحيد الدين خان) في عبارة مبينة:
"إن تجديد الدين لا يعني اختراع إضافة لدين الله، وإنما يعني تطهير الدين الإلهي من الغبار الذي يتراكم عليه، وتقديمه في صورته الأصلية النقية الناصعة"(11).
وقد ورد في (الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة) معنى التَّجديد في الإسلام: "إحياء وبعث معالم الدِّين العلميّة، بحفظ النُّصوص الصَّحيحة نقيّة، وتمييز ما هو من الدِّين ممَّا هو ملتبس به، وتنقيته من الانحرافات والبدع النَّظريّة والعمليّة والسُّلوكيّة، وبعث مناهج النَّظر والاستدلال، لفهم النُّصوص على ما كان عليه السَّلف الصَّالح، وبعث معالمه العمليّة، بالسَّعي لتقريب واقع المجتمع المسلم في كُلّ عصـر إلى المجتمع النَّموذجيّ الأوّل، من خلال وضع الحلول الإسلاميّة لكُلّ طارئ، وجعل أحكام الدِّين نافذة مهيمنة على أوجه الحياة، ووضع ضوابط لاقتباس النَّافع الصَّالح من كُلّ حضارة، على ما أبانته نصوص الكتاب والسُّـنَّة، بفهم السَّلف الصَّالح"(12).
ويبدو أنَّ أصحاب الموسوعة استعانوا في تعريفهم للتَّجديد بما جاء في كتاب (بسطامي سعيد) عن التَّجديد، فقد نُشِرَ هذا الكتاب قبل الموسوعة، وتعريفه للتَّجديد هو: "السَّعي للتَّقريب بين واقع المجتمع المسلم في كُلّ عصـر، وبين المجتمع النَّموذجيّ الأوّل الذي أنشأه الرَّسول(صلى الله عليه وسلم)، وكما يكون ذلك بإحياء مفاهيم ذلك المجتمع وتصوراته للدِّين، وإحياء مناهجه في تدوين العلوم، وتكوين نظم الحياة، واقتباس النَّافع الصَّالح من كُلّ حضارة، يكون أيضاً بتصحيح الانحرافات النَّظريّة، والفكريّة، والعمليّة، والسُّلوكيّة، وتنقية المجتمع من شوائبها"(13).
وقيل معناه: "تبيين السُّنَّة من البدعة، وإكثار العلم، ونصـرة أهله، وكسـر أهل البدعة"(14). وقال الحاكم: "سمعت أبا الوليد حسّان بن محمد الفقيه يقول، غير مرة: سمعت شيخاً من أهل العلم يقول لأبي العباس بن سريج: أبشر أيها القاضي، فإن الله - سبحانه- بعث عمر بن عبد العزيز على رأس المائة، ومنّ على المسلمين به، فأظهر كل سُنّة، وأمات كل بدعة، ومنّ الله على المسلمين على رأس المائتين بالشافعي، حتى أظهر السنّة، وأمات البدعة، ومنّ الله علينا على رأس الثلاثمائة بك، حتى قويت كل سنّة، وضعفت كل بدعة"(15).
ومعنى التجديد الاصطلاحي الشرعي يظهر أكثر بتعريف (أبي الأعلى المودودي) إذ يرى أنَّ المجدِّد هو: "كل من أحيا معالم الدِّين بعد طموسها، وجدَّد حبله بعد انتقاضه"(16)، فيكون التجديد: إحياء معالم الدِّين بعد طموسها، وتجديد حبله بعد انتقاضه. والطموس لم يكن للدِّين، وإنما كان لمعالمه، ولا يريد بالطموس انتهاءه بالكلية من قلوب الناس وحياتهم، ولكن أراد به عدم ظهوره في جوانبه كلها. كما أنه -رحمه الله- لم يُلصِقْ الانتقاض بالدين، بل ألصقه بحبل الدِّين، وحبل الدِّين وسيلة التمسك به، من شعائر، ومشاعر، ونُسُك، وارتباط الوجدان بالمشاهدة، والمراقبة، والصدق، والتوكل، واستمساك العروة الوثقى، توجهاً بالنفس، وتوجيهاً بالدعوة.
فالتجديد ـ إذاً ـ لا يستلزم إقامة شيء جديد على أنقاض القديم، ولا يعني رفض القديم كله، بحسبان نفود صلاحه، وأنه صار سلباً غير نافع، يجب إلغاؤه، والإتيان بجديد مغاير، منقطع عنه، أصلاً ووصفاً. ولذلك يعرف الدكتور (يوسف القرضاوي) التجديد لشيء ما بأنه "محاولة العودة به إلى ما كان عليه يوم نشأ وظهر، بحيث يبدو مع قدمه كأنه جديد، وذلك بتقوية ما وهِيَ منه، وترميم ما بلى، ورتق ما انفتق، حتى يعود أقرب ما يكون إلى صورته الأولى)"(17).
يفهم من كلام الشيخ (القرضاوي) أن التجديد يعني جعل الشـيء جديداً، فتجديد الدين يعني إعادة نضارته ورونقه وبهائه، وإحياء ما اندرس من سننه ومعالمه، ونشره بين الناس. وهذا اللفظ (التجديد) يؤكد أن التجديد الموعود لا بد أن يكون على حين فترة من العلماء، واضمحلال لشأن أهل الحق وحملة السنة، فيبعث الله هؤلاء المجدّدين ليعيدوا للناس الثقة بدينهم، ويعلّموهم ما جهلوا من شأنه.
فالتجديد الصحيح هو الرجوع إلى المنابع الأولى الصافية، كما يقول العلامة الشيخ (شبلي النعمان): "إن نهضة الشعوب الأخرى هي أن تتقدّم إلى الأمام، أما نهضتنا فهي أن نعود إلى الوراء حتى ننضم إلى عصـر النبوة"(18).
ولكن حقيقة ما يعنيه التجديد هو إعادة الأمر إلى ما كان عليه أولاً، وهو نوع من الإجلال لذلك الأمر، وتعظيم له، على خلاف ما يعتقده كثير من سامعي هذا المصطلح، ومطلقيه.
والتجديد في مراد العلماء –إذاً- يصدق في أمور:
أولها: إحياء ما اندرس من العلم والعمل.
وثانيها: الأمر بمقتضـى الكتاب والسُّنَّة، عند غياب الأمر بهما، أو التساهل في الاستمساك بمقتضاهما.
وثالثها: تبيين السُّنَّة، وتمييزها عن البدعة، إذا اختلطتا وتمازجتا. فلو لم يقوَ الناس، أو يقتدروا، على التمييز بينهما، لتمكَّن الجهل، وتفشَّت الشُّبهة.
ورابعها: إماتة ما ظهر من البدع والمحدثات، بنشر العلم، والدعوة به، وإكثاره، ونصرة أهله، وكسر أهل البدع والمحدِثين.
وخامسها: إحياء معالم الدِّين، بعد ما أصابها الطموس، بعوامل القسوة، وطول الأمد، كما أصيب أهل الكتاب منهما. وقد أخبر الله عنهم في قوله: {ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ}(19).
وسادسها: ربط حبل الدِّين، وتوثيقه، في وسائله ووسائطه التعبدية والخلقية والوجدانية، إذا أوشك أنْ ينتقض، استمساكاً بعروة الدِّين الوثقى، وحفاظاً على أسبابه المثلى، التزاماً وثباتاً(20).
وذلك كله مقصود المصطفى(صلى الله عليه وسلم)، حين يطلب: إصلاح الذات، وتنقية القلب، وتزكية النفس من رواسب طول الأمد، وتراخي الرباط الإيماني، في قوله: (جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَكَيْفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا؟ قَالَ: (أَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ لا إِلَهَ إِلا اللهُ)(21). وهذه هي الحكمة من وراء دعوة الإسلام إلى ضرورة تعّهد الإيمان في القلب، وعدم إهماله ولو لحظة من نهار.. وهذا وصف دقيق من النبي الرحيم (صلى الله عليه وسلم) لما يعتري الإيمان من ضعف، والقلوب من تنكّر لقيمه، ثم وصف لما يتجدّد به الإيمان من علاج يتحدّد في الذكر، في قول: (لا إله إلا الله) (22).
يقول (بديع الزمان سعيد النورسي): "إن الإنسان لكونه يتجدد بشخصه وبعالمه الذي يحيط به، فهو بحاجة إلى تجديد إيمانه دائماً، لأن الإنسان الفرد ما هو إلاّ أفراد عديدة، فهو فرد بعدد سنيّ عمره، بل بعدد أيامه، بل بعدد ساعاته، حيث أن كل فرد يعدّ شخصاً آخر، ذلك لأن الفرد الواحد، عندما يجري عليه الزمن، يصبح بحكم النموذج، يلبس كل يوم شكل فرد جديد آخر. ثم إن الإنسان مثلما يتعدّد ويتجدّد هكذا، فإن العالم الذي يسكنه سيّار أيضاً، لا يبقى على حال، فهو يمضي ويأتي غيره مكانه، فهو في تنوّع دائم، فكل يوم يفتح باب عالم جديد. فالإيمان نور لحياة كل فرد من أفراد ذلك الشخص من جهة، كما إنه ضياء للعوالم التي يدخلها. وما (لا إله إلاّ الله) إلاّ مفتاح يفتح ذلك النور. ثم إن الإنسان تتحكّم فيه النفس والهوى والوهم والشيطان، وتستغل غفلته، وتحتال عليه، لتضيّق الخناق على إيمانه، حتى تسدّ عليه منافذ النور الإيماني، بنثر الشبهات والأوهام. فضلاّ عن أنه لا يخلو عالم الإنسان من كلمات وأعمال منافية لظاهر الشريعة، بل تعدّ لدى قسم من الأئمة في درجة الكفر. لذا فهناك حاجة إلى تجديد الإيمان في كل وقت، بل في كل ساعة، في كل يوم"(23).
ولعله المراد من جهود الطائفة القائمة على الحق للاستمساك بعروة الدِّين الوثقى، وإبقاء شعائره وشرائعه صافية نقية، دون تغبّر أو تغيّر، بجهود الطائفة الظاهرة بالحق على الحق، كما في حديث ثَوْبَانَ ، قَال:َ قَالَ رَسُولُ الله (صلى الله عليه وسلم): (لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ..)(24).. وفيه إشارة إلى ما يصيب الأمة من الانحراف والضعف والــوهـن والاختلاف، حتى لا يبقى إلا هذه الطائفة القائمة بالحق، المقاتلة دونه، القاهرة لعدوها، الصـابــرة، فلا يضرّها من خذلها، ولا من ناوأها، إلا ما يصيبها من اللأواء، حتى يكون آخرهم مع عيسى ابن مريم، يقاتلون الدجال.
وقد قال الإمام (البخاري) في ترجمته على الحـديــث: "بـاب قول النبي(صلى الله عليه وسلم): (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، وهم أهل العلم)(25).
قال الإمام (النووي)، في شرحه لهذا الحديث: "ويحتمل أن هذه الطائفة مفرّقة بيـن أنــواع المؤمنين؛ منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدّثون، ومنهم زهّاد، وآمرون بـالمـعــــروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون متفرّقين في أقطار الأرض"(26). ونقل (ابن حجر) كلام (النووي)، ثم زاد في آخره: "ويجوز أن يجتمعوا في البلد الواحد، وأن يكونوا في بعضٍ منه دون بعض، ويجـــوز إخلاء الأرض كلها من بعضهم أولاً فأولاً، إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة ببلد واحد، فإذا انقرضوا جاء أمر الله"(27).
ثم التجديد الحق، والإصلاح النافع، في أيّ سبيل كان، لا يقومان إلاّ على عواتق رجال أماجد، من ذوي العزائم القوية، والبصائر النافذة، ممّن تحقّقوا بالعلم، وتخلّقوا بالصبر والحلم، وأوتوا كمال الحكمة، وتمام الحزم، وقوة الجنان، وحسن البيان. فهم الذين لا تلتبس عليهم الأمور، ولا يستخفهم الهوى. وكم ذا رأينا الأمّة في مجموعها تنهض بعزيمة فرد واحد، أو أفراد قلائل، من هذا الصنف النادر، كما نهضت بعمر بن عبد العزيز، وبالإمام الشافعي، وبالإمام أحمد بن حنبل، والعز بن عبد السلام، وبابن تيمية، وبصلاح الدين الأيوبي، وبسيف الدين قطز، وبحسن البنا، وبسعيد النورسي، وأمثالهم من أماجد الرجال – عليهم من الله الرضوان - فأمثال هؤلاء هم صفوة الخلق حيث كانوا، وذخائر الأمّة في كل زمان.
لذلك فمن الأسباب الربانية المقتضية لحفظ الدين، أن يبعث في كل قرن من يجدّد للأمّة أمر دينها. وهذا التجديد، وإن جرى على أيدي بشر، إلاّ إنه لا يحصل إلاّ بإلهام من الله سبحانه، فإنه هو الذي يبعث هؤلاء، كما بيّنه الحديث: (إن الله يبعث...)، ثم إن لفظ البعث نفسه يومئ إلى معنى آخر مهم، وهو أن بعث المجدّدين في هذه الأمّة، نظير بعث المرسلين في الأمم السابقة، مع تفاوت الرتبة بين المصلحين والمرسلين (صلوات الله عليهم)، وهذا من مفاخر هذه الأمّة.
وبهذا البيان يظهر أن بعث المجدّدين، على رأس كل قرن، داخل في قوله تعالى: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(28)، بل هو إحدى السبل التي يتحقق بها الحفظ، الذي وعد الله تعالى به.
وبهذا نكون قد تناولنا المفهوم الشرعي للتجديد، فضلاً عن كون التجديد طبيعة وسمة من سمات هذا الدين.

الوسطية في التجديد، من خلال الارتباط بالأصل، والاتصال بالعصر:
ولقد ظهر في زماننا من يقول: إن هناك تناقضاً بين اكتمال هذا الدين، وبين التجديد في الدين.. وهذا الكلام ليس بصحيح، وقد توهّمه البعض تحت تأثير المناهج الوضعية الغربية. وهذا الأمر يستدعي البحث عن الحق، والكلمة السواء، في هذا الموضوع.
 والوسطية الإسلامية هي التي تجمع بين الاكتمال والتجدّد، فلا تنافي بين السلفية والتجديد، بل هناك تلازم بينهما.. فالسلفية الحقّة لا تكون إلاّ مجدّدة، والتجديد الحقّ لا يكون إلاّ سلفياً.. ذلك أن التجديد هو العودة إلى المنابع لرؤيتها بعقل معاصر، وتلك هي السلفية المجدّدة، التي ميّزت تيار التجديد في حضارتنا على امتداد تاريخ الإسلام.
إن التجديد ارتقاء وتقدّم بالأمّة لتسلك طريقها مرة أخرى، كلما بعدت عن الصحيح الأصيل المتوارث.. ويرى المسلمون في التجديد عملية دورية تتمّ على رأس كل مائة عام. كما يرون أن التجديد عملية مستمرة حتى يتحقق للإسلام الصلاحية الدائمة لكل زمان ومكان، ومسايرة تقدم الإنسانية وترّقيها. كما يتحقّق له أيضاً القدرة الدائمة على الاستمرار والبقاء. ولذلك يعتبر المسلمون التجديد واجباً، على علماء الأمة الإسلامية، أو ساستها، أن يقوموا به.

شرح حديث المجدِّد:
عن أبي هريرة: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها)(29). يهدف هذا الحديث إلى بعث روح الأمل في نفوس الأمّة بأن جذوتها لن تخبو، وأن دينها لن يموت، وأن الله يقيّض لها كل فترة زمنية - قرن من الزمان- من يجدّد شبابها، ويحيي مواتها.. وأن الله لا يدع هذه الأمّة دون أن يهيّئ لها من يوقظها في سبات، ويجمعها من شتات. كما أن هذا الحديث العظيم إحدى البشائر التي وعد الرسول(صلى الله عليه وسلم) فيها أمته، وإنه ليمنح المسلم المصدّق بما جاء به الرسول(صلى الله عليه وسلم) طاقة من الأمل الأكيد بنصـر الله لعباده المؤمنين، ويمنحه - فوق هذا - دفعة قوية للعمل، والبذل، والتضحية، رجاء أن يكتب الله له حظاً من أجر المجدِّدين.
ومنهج الوسطية الإسلامية الجامعة، تعني الوسطية بين السلفية والتجديد، بين العودة في الأحكام الشرعية وغيرها إلى الجذور والمنابع، وبين ترميم ما أصابه من خلل على مرّ العصور، مع الإبقاء على طابعة الأصيل، وخصائصه المتميزة. فأول ما يستوقف المتأمّل قول الرسول(صلى الله عليه وسلم): (يبعث لهذه الأمّة): إنّ هذا المبعوث لم يعد همّه نفسه فحسب، بل تجاوز ذلك ليعيش (لهذه الأمة)، وسواء كان المقصود أمّة الدعوة - على ما رآه قوم -، أو أمّة الإجابة - على ما رآه آخرون -؛ فـإنّ هذا المجدّد تعدّى نطاقه المحدّد إلى الأفق الأوسع، ليؤثّر في مجريات الأمور والأحداث من حوله، وليقود خطوات الأمّة المسلمة في معركة الحياة، ومن ثم يحدث التوازن في مسيرة الحياة البشرية كلها، ويأخذ الإسلام دوره في الوجود. وهو بهذا مجدّد للأمّة الإسلامية بإيقاظها، وإعادة ثقتها بدينها، وردّها إلى المنهج الصحيح.
 وكلمة (الدين)، ومثلها كلمة (الإسلام)، إذا أطلقت، تعني أحد أمرين:
أولها: المنهج الإلهي الذي بعث الله به رسوله، وأنزل به كتابه، من العقائد والعبادات والأخلاق والشرائع، لينظّم بها علاقة الإنسان بربه، وعلاقة الناس بعضهم ببعض، وهو ما عبّر عنه العلامة (ابن خلدون) بأنه: "وضع إلهي، سائق للبشـر باختيارهم، إلى ما فيه صلاح معاشهم ومعادهم". وهذا المعنى- بالنظر إلى أسسه وأصوله - ثابت لا يقبل التغيير، ولا التجديد، من حيث هو حقيقة خارجية.
الثاني: الحالة التي يكون عليها الإنسان في علاقته بالمعنى الأول: فكراً وشعوراً، وعملاً وخلقاً. وفي هذا المعنى يقال: فلان ضعيف الدين، أو قويّه، حسن الإسلام، أو رديء الإسلام.
والدين هنا متغيّر، متحرّك، فهو يزيد وينقص، ويضعف ويقوى، ويصفو ويكدر، ويستقيم وينحرف، بحسب فهم الإنسان له، وإيمانه به، والتزامه بتعاليمه. وهذا المعنى هو الذي يقبل التجديد. ولا غرو أن جاء (الدين)، في الحديث السابق، مضافاً إلى (الأمّة)، وليس مضافاً إلى الله: (ليجدّد لها دينها)، فالتجديد ينصب على دين الأمّة، وليس على دين الله(30).
قال (المنّاوي) في معنى (يجدّد): يبيّن السنة من البدعة، ويكثر العلم، وينصـر أهله، ويكسـر أهل البدعة (31). فجعل التجديد منصبّاً على (العلم).
 وفي مقام آخر قال: يجدّد ما اندرس من أحكام الشـريعة، وما ذهب من معالم السنن، وما خفي من العلوم الظاهرة والباطنة(32)، وهو يشمل العلم والعمل. والتجديد المطلق يشمل العلم والعمل جميعاً.
يقول الدكتور (يوسف القرضاوي): "أود أن أنبّه هنا على معنى مهم في قضية التجديد، وهو: أن التجديد لشيء ما هو محاولة العودة به إلى كان عليه يوم نشأ وظهر، بحيث يبدو مع قدمه كأنه جديد، وذلك بتقوية ما وهي منه، وترميم ما بلى، ورتق ما انفتق، حتى يعود أقرب ما يكون إلى صورته الأولى. فالتجديد ليس معناه تغيير طبيعة القديم، أو الاستعاضة عنه بشيء آخر مستحدث مبتكر، فهذا ليس من التجديد في شيء. ولنأخذ بذلك مثلاً في الحسيّات. إذا أردنا تجديد مبنى أثري عريق، فمعنى تجديده: الإبقاء على جوهره وطابعه ومعالمه، وكل ما يبقي على خصائصه، وترميم كل ما أصابه من عوامل التعرية، وتحسين مداخله، وتسهيل الطريق إليه، والتعريف به … إلخ.. وليس من التجديد في شيء أن نهدمه، ونقيم عمارة ضخمة على أحدث طراز مكانه. وكذلك الدين، لا يعني تجديده إظهار طبعة جديدة منه، بل يعني العودة به إلى حيث كان في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وصحابته، ومن تبعهم بإحسان.
وهذه العودة لا تخيف - كما يتوهّم بعض الناس - إنها في الحقيقة العودة إلى التيسير لا إلى التعسير، إلى التبشير لا إلى التنفير، إلى الاهتمام باللباب لا إلى الوقوف عند القشور. إن الذي يقرأ فقه الصحابة والتابعين، يجد أنهم أفقه الناس لروح الإسلام ومقاصده. ولم يكونوا حرفيين، ولا شكليين. كانوا ملتزمين كل الالتزام بشـرع الله. ومع ذلك كانوا يجتهدون في أحكام الوقائع بروح سمحة، تعلّم الناس أن الله لم يشرّع دينه إلا لمصلحة عباده، وأنه يريد بهم اليسر، ولا يريد بهم العسر. وكان منهجهم، كما عبّر عنه سيدنا علي: ترجيح (النمط الأوسط)، الذي يلحق به التالي، ويرجع إليه الغالي(33).
فتجديد الدين ثابت بالنصّ، ولكنه ليس هو الاجتهاد بعينه، وإن كان الاجتهاد فرعاً منه، ولوناً من ألوانه. فالاجتهاد تجديد في الجانب الفكري والعلمي، أما التجديد فيشمل الجانب الفكري، والجانب الروحي، والجانب العملي، وهي الجوانب التي يشملها الإسلام، وهي: العلم والإيمان والعمل.

من هو المجدّد؟
وقد فهم جلّ شرّاح الحديث، من القدماء، أن المراد بـ (مَنْ) يجدّد الدين فيه: فرد واحد، يهبه الله من الفضائل العلمية والخلفية والعملية ما يجدّد به شباب الدين، ويعيد إليه الحيوية والقوة، عن طريق علم نافع، أو عمل صالح، أو جهاد كبير. وهذا ما جعلهم يحاولون تحديد هذا (المجدّد) على رأس كل قرن، فاتفقوا حيناً، واختلفوا حيناً آخر؛ فقد اتّفقوا على أن مجدّد المائة الأولى: خامس الراشدين عمر بن عبد العزيز.. ومجدّد المائة الثانية: الإمام محمد بن إدريس الشافعي. ومجدّد المائة الثالثة: أبو الحسن الأشعري. ومجدد المائة الرابعة: أبو بكر الباقلاني. ومجدد المائة الخامسة: أبو حامد الغزالي. ومجدّد المائة السادسة: الفخر الرازي. ومجدد المائة السابعة: ابن دقيق العيد. ومجدد المائة الثامنة: الحافظ زين الدين العراقي. ومجدد المائة التاسعة: الحافظ جلال الدين السيوطي، وهكذا..
ومن لفظ (التجديد) يظهر جليّاً أن المجدِّد صاحب إرادة في التغيير فاعلة، وثّابة، فهو ينطلق بالأمّة من واقعها المرفوض المنحرف، صُعُداً في طريق الصلاح والنجاح. أما أولئك الذين يرتضون الواقع السيّئ، ويباركونه، ويرون أنه من أزهى عصور الأمّة، فهيهات أن يكونوا من التجديد في شيء.

أقوال العلماء في المجدّد:
ذكر الحافظ (ابن حجر) في (الفتح)، ما نبّه عليه البعض، وهو: أنه لا يلزم أن يكون في رأس كل قرنٍ، واحدٌ فقط، بل يكون الأمر فيه، كما ذكره الإمام (النووي) في شرحه للحديث: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق): "من أنه يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعدّدة من أنواع المؤمنين، ما بين: شجاع، وبصير بالحرب، وفقيه، ومحدّث، ومفسّر، وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وزاهد، وعابد. ولا يلزم اجتماعهم ببلد واحد، بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد، وتفرّقهم في الأقطار. ويجوز تفرّقهم في بلد، وأن يكونوا في بعض دون بعض، ويجوز إخلاء الأرض كلها من بعضهم، أولاً فأولاً، إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة ببلدٍ واحد، فإذا انقرضوا أتى أمر الله"(34).
ونقل (ابن حجر) كلام (النووي)، ثم زاد في آخره: "ويجوز أن يجتمعوا في البلد الواحد، وأن يكونوا في بعضٍ منه دون بعض، ويجـــوز إخلاء الأرض كلها من بعضهم؛ أولاً فأولاً، إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة ببلد واحد، فإذا انقرضوا جاء أمر الله"(35).
وقال (ابن الأثير): "لا يلزم منه أن يكون المبعوث على رأس المائة رجلاً واحداً، وإنما قد يكون واحداً، وقد يكون أكثر منه؛ فإن لفظة (مَنْ) تقع على الواحد والجمع. وكذلك لا يلزم منه أن يكون أراد بالمبعوث: الفقهاءَ خاصة - كما ذهب إليه بعض العلماء -، فإنّ انتفاع الأمّة بالفقهاء، وإنْ كان نفعاً عاماً في أمور الدين، فإنّ انتفاعهم بغيرهم أيضاً كثير، مثل: أولي الأمر، وأصحاب الحديث، والقرّاء، والوعّاظ، وأصحاب الطبقات من الزهاد؛ فـإن كـل قـومٍ ينفعون بفنّ لا ينفع به الآخر؛ إذ الأصل في حفظ الدين حفظ قانون السياسة، وبث العدل، والتناصف، الذي به تحقن الدماء، ويُتمكن من إقامة قوانين الشـرع، وهذه وظيفة أولي الأمر. وكذلك أصحاب الحديث، ينفعون بضبط الأحاديث التي هي أدلة الشـرع، والقرّاء ينفعون بحفظ القراءات، وضبط الروايات، والزهاد ينفعون بالمواعظ، والحث على لزوم التقوى، والزهد في الدنيا. فكل واحد ينفــع بغير ما ينفع به الآخر.. فإذا تحمل تأويل الحديث على هذا الوجه كان أولى، وأبعد من التهمة، وأثبه بالحكمة.. فالأحسن والأجدر أن يكون ذلك إشارة إلى حدوث جماعةٍ من الأكابر المشهورين على رأس كل مائة سنة، يجدّدون للناس دينهم"(36).
وقال الحافظ (ابن كثير): "وقد ذكر كل طائفة من العلماء: بل الصحيح أن الحديث يشمل كل فرد من آحاد العلماء، من هذه الأعصار، ممن يقوم بفرض الكفاية في أداء العلم عمّن أدرك من السلف، إلى من يدركه من الخلف، كما جاء في الحديث من طرق مرسلةٍ، وغير مرسلة: يحمل هذا العلم من كل خلفٍ عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين. وهذا موجود، ولله الحمد والمنّة، إلى زماننا... هذا"(37)..
وقال الحافظ (ابن حجر): "وهذا متّجه، فإن اجتماع الصفات المحتاج إلى تجديدها لا تنحصـر في نوع من الخير، ولا يلزم ان جميع خصال الخير كلها في شخصٍ واحد، إلا أن يدعى ذلك في ابن عبد العزيز، فإنه كان القائم بالأمر على رأس المائة الأولى، باتّصافه بجميع صفات الخير، وتقدّمه فيها. ومن ثم أطلق الإمام أحمد: أنهم كانوا يحملون الحديث عليه (يعني الحديث الوارد في التجديد). وأما من بعده فالشافعي، وإنْ اتصف بالصفات الجميلة والفضائل الجمّة، لكنه لم يكن القائم بشأن الجهاد، والحكم بالعدل. قال: "فعلى هذا كل من اتّصف بشيء من ذلك عن رأس المائة هو المراد، تعدّد أم لا"(38).
ويقول الدكتور (يوسف القرضاوي): "أرى أن (مَنْ) في الحديث، وفي لغة العرب عامة، تدلّ على الجمع، كما تدلّ على المفرد، وهي هنا تدلّ على الجمع كذلك، فمن يجدّد الدين في كل قرن ليس بالضرورة فرداً معيناً، بل جماعة من الناس، قد يكون منهم العلماء، ومنهم الولاة، ومنهم القوّاد، ومنهم المربّون.. وقد يكونون في بلد واحد، وقد يكونون في عدد من البلاد. وقد يعمل كل منهم وحده في مجاله، وقد يتعاونون فيما بينهم فيما يشبه الرابطة أو الجمعية. وقد يكون تجديد بعضهم في مجال الدعوة والثقافة، وآخر أو آخرين في مجال الفقه، وجماعة في مجال التربية والتكوين، وغيرهم في مجال الإصلاح الاجتماعي، وفئة أخرى في المجال الاقتصادي، وخامسة في المجال السياسي. ولا مانع من تعدّد هذه المجالات، واختلاف ألوان العمل والتجديد، على أن يكون اختلاف تنوّع وتخصّص، لا اختلاف تضاد وتناقض، أعني: أن يكون هناك تكامل وتناسق وتعاون بين هذه الأنواع المختلفة من العمل، بحيث يكمّل بعضها بعضاً، ويشدّ بعضها أزر بعض، لا أن ينكر بعضها على الآخر، أو يعوق بعضها بعضاً، فيؤدي ذلك إلى ضعفها جميعاً، وقوة أعدائها. وإن ربط التجديد بفرد واحد فذّ، يجعل الناس يعيشون على أمل ظهوره، وكل ما عليهم انتظاره حتى تنشق الأرض عنه، ليجدّد ما عجزوا عنه. هذا سرّ تعلّق الجماهير بفكرة (المهدي المنتظر). والذي أراه أن يربط التجديد بجماعة أو مدرسة أو حركة، يقوم كل مسلم غيور فيها بنصيبه في موكب التجديد، ويسهم على قدر طاقته في مسيرته، ولا يصبح السؤال إذن متى يظهر المجدّد للدين؟ بل يكون: ماذا أعمل لتجديد الدين؟"(39).
كما أنه لا بد أن نعلم أنه ليس هناك تناقض بين اكتمال هذا الدين، وبين التجديد في الدين. وأهمية هذه القضية تتأكد إذا نحن علمنا أن الذين يتوهمون وجود هذا التناقض ليسوا فقط الذين يتعصبون ضد الدين، فينحازون للتجديد الرافض للثبات والاكتمال في الدين، وإنما يتوهّم ذلك أيضاً نفر من أشد الناس تعصباً للدين، فينحازون لثبات الدين واكتماله، ضد التجديد. وإن الذين يستعينون بنهج الإسلام في الوسطية الجامعة، وينظرون إلى هذه القضية بمنظارها، لم ولن يعرفوا هذه الثنائية الانشطارية، ولا التقابل والتضاد بين اكتمال الدين وثباته، وبين التجديد والاجتهاد فيه.
إننا نتلو في آيات القرآن الكريم قول الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإسلام دِينا}(40). ونقرأ في السنة النبوية الشـريفة قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (إن الله يبعث لهذه الأمّة على رأس كل مائة سنة من يجدّد لها دينها)(41).
فلا نشعر، إذا تسلحنا بالمنهج الإسلامي ووسطيته، أن هناك تناقضاً - كما يقول الدكتور محمد عمارة - بين اكتمال الدين بتمام الوحي وختام النبوة، وبين التجديد الدائم أبداً لهذا الدين، الذي اكتمل بختم الوحي، وتمام القرآن الكريم. ذلك أن الدين: عقيدة وشريعة، والعقيدة فيه هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.. والشريعة فيه كل ما ينتهجه المسلم، ويسلكه، ويقيمه، كي يعتقد هذه العقيدة، ويتديّن بها. ولكل من العقيدة والشـريعة أصول وقواعد ومبادئ وأركان، وهي جميعها قد اكتملت بتمام الوحي الذي اكتمل به الدين. لكن الإنسان المسلم، بحكم خلافته عن الله في عمارة الأرض، واكتشاف أسرار الكون، وسياسة المجتمع، وتنمية العمران، لا بد له - وهو ينجز مهمة خلافته هذه - من إقامة أبنية أخرى (يبدعها) هو، فوق هذه الأصول والقواعد والأركان والمبادئ، التي لا (ابتداع) فيها. فالإسلام، كما يقول الحديث النبوي الشريف: (بني على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت)(42).
فهو إذن مبنيّ على هذه الخمس، وليس هو فقط هذه الخمس. وإنما هي القواعد التي بني عليها الإسلام، وفوقهـا ترتفع وتعلو أبنية الفروع، فروع هذه القواعد والمبادئ والأصول والأركـان. وهذه الأبنيـة - الفروع للأصول – والتي تتغيّر وتتجدّد وتتطوّر، تبعاً للمصالح الشـرعية المعتبرة، ووفقاً لمقتضيات الزمان والمكان - إذا كانت متّسقة مع مقاصد الأصول، وغايات القواعد، وفلسفة المبادئ، وحدود الأركان – فهي تجديد في نطاق وآفاق وتأثيرات هذه الأصول والقواعد والأركان. فالأصول الثوابت قد اكتملت باكتمال الدين، بينما آفاقها، وآثارها، والفروع الباسقة والمنبثقة منها، دائمة النمو والتغيّر والتطوّر، شاهدة على دوام التجديد، وعلى العلاقة بين هذا التجديد وبين الثوابت المكتملة من الأصول والقواعد والمبادئ والأركان.
ولوضوح هذه الحقيقة من حقائق المنهج الإسلامي، كان اتفاق مذاهب الفكر الإسلامي على امتناع الاجتهاد في الأصول، ففيها وعليها قامت وحدة الأمة، منذ اكتمال الدين بختم الرسالة.. وكان اتفاقها، كذلك، على أن الاجتهاد الإسلامي مجاله (الفروع).. فهو، عندئذ، يمدّ فروع الأصول إلى المستجدات من الوقائع والأحكام.. ويحلّ أحكاماً جديدة – أي فروعاً جديدة- محلَّ أحكام تجاوزها الواقع الذي تغيّر، والعرف الذي تطوّر، والعادات التي تبدّلت، عندما تكون هذه الأحكام ذات علل غائبة، تدور معها وجوداً وعدماً.. بل إن هذا التجديد إنما ينهض بدوره الدائم في الكشف عن جوهر الأصول والقواعد والمبادئ والأركان، وتجليتها، إذا علاها غبار الابتداع، فطمس معالمها بالزيادة أو الانتقاص أو التحريف أو فاسد التأويل.. ففي الأصول، وللقواعد أيضاً، – تجديد – بهذا المعنى.. وهو الذي جعل حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، يتحدث عن (تجديد الدين)، وليس فقط تجديد فكر المتدينين بالدين"(43)!.

الشمول والعموم في التجديد
ونـلـحـــظ فـي كـلمتيْ: (الأمّة) و(دينها)، أن الأصل فيهما العموم والشمول. فهذه الحركة التجديدية التي تـقــــوم عـبر التاريخ الإسلامي، في كل وقت يضعف فيه الخير وينكمش، تستهدف إصلاح الأمة بكاملها، في جميع أقطارها، على كافة مستوياتها. فهي ليست حركة إقليمية محدودة، تقف عند بلد معين، لا تتعداه أهدافها وطموحاتها، وليست مقصورة على فئة معينة من الفئات التي تكوّن المجتمع؛ بل تخاطب الشاب والشيخ، والعامل والموظف، والقريب والبعيد، والرجل والمرأة، تخاطب كل فئة على قدر ما تحتمله عقولها، وبالأسلوب الذي يناسبها، فالإسلام لم ينزل ليكون ديناً لفئة خاصة من العقلاء الأذكياء مثلاً! كلا، بل الإسلام إنقاذ للبشـرية - كلها - من ظلمات الكفر - بأنواعه - في الدنيا، ومن ظلمات النار والسعير يوم القيامة. وقد آن الأوان أن يعقل المسلمون، والدعاة إلى الله خاصة، هذا المعنى، فلا يحجبون الخير عن سائر فئات الناس، ممن يتطلعون إلى الهداية، ويتقبلونها، ولو كانت استجابتهم تقف عند حدّ معيّن.
فلا بد للتجديد أن يكون شاملاً، لأن من خصائص التشريع في الإسلام الشمول، إنه لا يشـرّع للفرد دون الأسرة، ولا للأسرة دون المجتمع، ولا للمجتمع منعزلاً عن غيره من المجتمعات في الأمة المسلمة.. إن تشـريع الإسلام يشمل التشريع للفرد في تعبّده، وصلته بربه، وهذا ما يفصله قسم (العبادات) في الفقه الإسلامي، وهو ما لا يوجد في التشريعات الوضعية..
ويشمل التشريع للفرد في سلوكه الخاص والعام، وهذا يشمل ما يسمى (الحلال والحرام)، أو الحظر والإباحة.. ويشمل التشريع ما يتعلق بأحوال الأسرة؛ من زواج، وطلاق، ونفقات، ورضاع، وميراث، وولاية على النفس، والمال، ونحوها. وهذا يشمل ما يسمى في عصـرنا (الأحوال الشخصية).
ويشمل التشريع للمجتمع في علاقاته المدنية والتجارية، وما يتصل بتبادل الأموال والمنافع، بعوض أو بغير عوض، من البيوع، والإجارات، والقروض، والمداينات، والرهن، والحوالة، والكفالة، والضمان، وغيرها. مما تضمنته في عصرنا القوانين المدنية والتجارية.
ويشمل التشريع ما يتصل بالجرائم، وعقوبتها المقدرة شرعاً، كالحدود، والقصاص، والمتروكة لتقدير أهل الشأن، كالتعازير. وهذا يشمل ما يسمى الآن بـ (التشـريع الجنائي)، أو (الجزائي)، وقوانين العقوبات.
ويشمل التشريع الإسلامي ما يتعلق بواجب الحكومة نحو المحكومين، وواجب المحكومين نحو الحكام، وتنظيم الصلة بين الطرفين، مما عنيت به كتب السياسة الشـرعية، والخراج، والأموال، والأحكام السلطانية، في الفقه الإسلامي، وتضمنه في عصـرنا (التشـريع الدستوري)، أو (الإداري) و(المالي).
ويشمل التشـريع الإسلامي ما ينظم العلاقات الدولية في السلم والحرب، بين المسلمين وغيرهم، مما عنيت به كتب (السير)، أو (الجهاد)، في فقهنا الإسلامي، وما ينظمه في عصـرنا (القانون الدولي)(44).
فليس (التجديد) - إذن - نقيضاً لـ (اكتمال الدين، وثباته)، بل إنه السبيل لامتداد تأثيرات الدين الكامل، وشموله، وعمومه، وثوابته، إلى الميادين الجديدة، والأمور المستحدثة، والضمان لبقاء (الأصول) صالحة دائماً لكل زمان ومكان.. أي إنه هو الضمان لبقاء الرسالة الخاتمة خالدة الخلود الذي أراده الله.. ولولا مدّ (التجديد) الفروع الجديدة إلى الجديد من المحدثات، وإقامته الخيوط الجديدة بين الأصول الثابتة وبين الجديد الذي يطرحه تطور الحياة.. ولولا تجديده الدائم الذي يجلو الوجه الحقيقي والجوهر النقي لأصول الدين وثوابته.. لولا دور (التجديد) هذا في حياة الإسلام، ومسيرته، لنسخت وطمست هذه الأصول، إما بتجاوز الحياة الممتدة لظل الفروع الأولى والقديمة، فيعرى هذا الامتداد الجديد من ظلال الإسلام، أو بتشويه البدع – عندما تتراكم- لجوهر هذه الأصول..
فـ(التجديد)، إذن، هو السبيل لاستمرارية – أيْ ثبات- الدين الكامل، وليس نافياً لثبات واكتمال هذا الدين!
وإذا كان الله تعالى، قد تعهّد بحفظ القرآن الكريم، وصيانته عن التحريف والتبديل – وفيه جماع أصول الدين – فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(45)، فإنه - سبحانه - قد يسـّر للمسلمين أسباب ذلك الحفظ، فكان جمعه وتدوينه وخدمته بعلوم القرآن.. وكذلك كان الحال مع الدين الخاتم والرسالة العامة، التي عنى ختم الرسالات بها، إرادة الله دوام بقائها وعطائها إلى أن يعرض البشر على بارئهم يوم الدين.. فكان السبيل إلى دوام بقاء هذا الدين، وعطائه، ووفائه بحاجات البشر المتجددة، هو إعمال سنة (التجديد) للدين(46).
نسأل الله الكريم العظيم أن يمن علينا بالعودة الصادقة لديننا الحنيف، وأن يحمينا ويحمي جميع المسلمين من مضلات الفتن وأهواء الزمان، وأن يحمي بلادنا وبلاد المسلمين من كل سوء ومكروه، وأن يجمع كلمة أئمة المسلمين وعلمائها وشعوبها على البر والتقوى، وصلى الله وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه، ومن سار على نهجه، إلى يوم الدين، وسلم تسليماً.
ـــــــــــــــــــــ
الهوامش:
(1) تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: 2/100، محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري أبو العلا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1.
(2) الوسطية والاعتدال في الإسلام، د. إسماعيل نواهضة.
(3) لسان العرب: 3/111. مادة (جدد).
(4) سورة الجن، الآية: 3.
(5) ينظر: الاجتهاد والتجديد في الفكر الإسلامي المعاصر، د. سعيد شبار: 21ـ41.
(6) رواه أبو داود في كتاب الملاحم، باب: ما يذكر في القرن المائة، سنن أبي داود: 4/106 رقم (4291) والحاكم في المستدرك في باب الفتن، وصححه: 4/522 رقم (8592)، والطبراني في الأوسط: 6/323، رقم (6527)، والبيهقي في المعرفة: 1/208, رقم(422) والديلمي: 1/148, رقم (532)، وقال الزين العراقي وغيره: سنده صحيح. والخطيب في تاريخ بغداد: 2/61، وقال السيوطي: "اتفق الحفاظ على أنه حديث صحيح". ثم قال: "وأما المتقدمون فكلهم لهجوا بذكر هذا الحديث"، ورمز لصحته في (الجامع الصغير). وقال العلقمي في شرح الجامع الصغير: "اتفق الحُفَّاظ على أنه حديث صحيح"، عون المعبود، أول كتاب الملاحم: 11/385. وقال السخاوي: "سنده صحيح، ورجاله كلهم ثقات". وقال المناوي: "إسناد صحيح". وقال الدكتور يوسف القرضاوي: "وسند الحديث صحيح، ورجاله ثقات، رجال مسلم، ولذا صححه غير واحد".
(7) ينظر: أولويات الحركة الاسلامية في المرحلة القادمة، للدكتور يوسف القرضاوي: 71-72.
(8) مجموع الفتاوى: 18/296ـ297.
(9) إعلام الموقعين: 4/212.
(10) عون المعبود شرح سنن أبي داود: 11/391.
(11) تجديد علوم الدين، وحيد الدين خان: 9.  
(12) الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة: 2/1012.
(13) مفهوم تجديد الدين، بسطامي محمد سعيد، دار الدعوة، الكويت، ط1، 1984م: 3.
(14)المصدر نفسه: 11/361.
(15) معرفة السنن والآثار للبيهقي: 1/122.
(16) موجز تاريخ تجديد الدِّين: 14.
(17) من أجل صحوة راشدة: 28.
(18) أوردها (وحيد الدين خان) في كتابه: تجديد علوم الدين: 92، وجاء في الحاشية: "يقصد العلامة شبلي الرجوع إلى القيم والأخلاق، وفقه القرآن والسنة، وليس في الوسائل والعلوم المادية".
(19) سورة الحديد، الآية: 16.
(20) مفهوم التَّجديد وتجديد التديُّن، د. عبد الله الزبير عبد الرحمن: 3، موسوعة البحوث والمقالات العلمية، جمع وإعداد: علي بن نايف الشاحود.
(21) رواه الإمام أحمد في مسنده، مسند المكثرين برقم (8353)، والبخاري في: 61 كتاب المناقب: 28 باب حدثني محمد بن المثنى، والترمذي (4/504, رقم 2229) وقال: حسن صحيح. وابن ماجة: 1/5, رقم (10). وأبو داود (4252) والحاكم برقم (7657) في مستدركه: 4/285 وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، وأبو نعيم في الحلية: (2/357). والطبراني: 8/145، رقم (7643).
(22) ومن هنا كان لزاماً على المسلم أن يعنى بروحه وتجديد إيمانه، فيقبل على صقلها بالعبادة والمراقبة لله عز وجل آناء الليل وأطراف النهار، بحيث يبقى يقظاً متنبهاً، متقياً أحابيل الشيطان الماكرة، ووسوساته المردية. فإذا مسّه طائف من الشيطان في لحظة من لحظات الضعف البشري، هزته الذكرى، فارتد بصيراً متيقظاً تائباً مستغفراً، والمسلم يستعين على تقوية روحه، وإصلاح نفسه، بضروب من العبادة يقوم بها لله طائعاً مخبتاً قانتاً، كتلاوة القرآن في أناة وتدبر وخشوع، والذكر في إخبات وحضور قلب، والصلاة القويمة المستكملة شروط الصحة والخشوع وحضور الذهن، وغير ذلك من ألوان العبادة والرياضة الروحية، مدرباً نفسه على القيام بهذه الطاعات، بحيث تصبح ديدنه وعاداته وسجاياه التي لا فكاك له عنها ولا انفصام. وبذلك ترهف نفسه، ويرق شعوره، وتتيقظ حواسه، فإذا هو في غالب الأحيان يقظ، متنبه، مراقب لله في السر والعلانية، مستحضـر خشية الله ومراقبته إياه في تعامله مع الناس، لا يجور، ولا يحيد عن الحق، ولا ينحرف عن جادة السبيل.
(23) المكتوبات، المكتوب السادس والعشرين: 427ـ428. ترجمة وتحقيق: إحسان قاسم الصالحي، شركة النسل للطباعة، نشر دار (سوزلر) للنشر اسطنبول، ط1، 1413هـ ـ 1992م.
(24) رواه أحمد: 5/278، ومسلم: 3/1523, رقم (1920)، بَاب قَوْلِهِ : (لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لا يَضُـرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ)، والترمذي: 4/504, وأبو داود: 4/98 رقم (4252)، رقم (2229) وقال: حسن صحيح. وابن ماجة: 2/1304 رقم: (3952) في المقدمة: باب اتباع سنة رسول الله، وأورده الهيثمي في المجمع: 7/288، وقال: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح.
(25) صحيح البخاري (مع الفتح): 13/293.
(26) شرح النووي على مسلم في كتاب الإمارة: 13/66.
(27) فتح الباري: 13/295 .
(28) سورة الحجر، الآية: 9.
(29) سبق تخريجه.
(30) من أجل صحوة راشدة، د. يوسف القرضاوي: 26ـ27.
(31) فيض القدير للعلامة المناوي، مطبعة مصطفى الحلبي، مصر: 2/281.
(32) المصدر نفسه: 1/10.
(33) من أجل صحوة راشدة: 28.
(34) شرح صحيح مسلم: 13/68.
(35) فتح الباري: 13/295.
(36) جامع الأصول: 11 /320 - 324.
(37) البداية والنهاية: 6/89.
(38) فيض القدير: 1/11، وفتح الباري: 13/365. وشرح صحيح مسلم: 13/70.
(39) من أجل صحوة راشدة: 53 – 54.
(40) سورة المائدة، الآية: 3.
(41) سبق تخريجه.
(42) رواه أحمد: 2/143، والبخاري (8) في الإيمان: باب دعاؤكم إيمانكم. ومسلم 16/ 22 في الإيمان: باب بيان أركان الإسلام. والنسائي: 2/107 في الإيمان: باب على كم بني الإسلام. والترمذي (2609) في الإيمان. وأبو نعيم في (أخبار أصبهان): 1/146. والبيهقي في (السنن) 1/358. والبغوي في (شرح السنة) (6). وصححه ابن خزيمة برقم (308). والحميدي /703. والطبراني في (الكبير: 13203). وأبو نعيم في (حلية الأولياء: 3/62). وصححه ابن خزيمة برقم )309).
(43) معركة المصطلحات بين الغرب والإسلام: 167.
(44) ينظر: مدخل لمعرفة الإسلام، للدكتور يوسف القرضاوي: 75.
(45) سورة الحجر، الآية: 9.

(46) معركة المصطلحات بين الغرب والإسلام: 168 – 170.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق