الثلاثاء، 2 يناير 2018

أحداث السادس عشر من أكتوبر والتصوّر السياسي الكوردي

سرهد أحمد
تضاف أحداث السادس عشر من أكتوبر 2017 عملية استعادة حكومة بغداد سيطرتها على المناطق المتنازع عليها مع إقليم كوردستان إلى مخزون التاريخ السياسي العراقي الحديث، المتخم بحوادث الصدام الدموي المسلح، والمترع بالمواجهات العسكرية المدمرة. ولا جرم أن حكام العراق الغابرين أجادوا أساليب استخدام القوة في جزّ رؤوس خصومهم السياسيين، وتركوا جانباً فن إدارة الصراع السياسي ذاته، وها هم أصحاب السلطة الحاليين يجتهدون في السير على المناويل نفسها.
وتمثّل تلك الأحداث في التصوّر المجتمعي الكوردي وبمعايير الممارسة السياسية نكسةتضاف إلى سلسلة النكسات التي صاحبت الحركة التحررية الكوردية.
لكن مفاعيل الأحداث تشكل إعادةً لتركيب التصور السياسي الكوردي من جديد، بحيث أضحى معه السلوك السياسي لـ(السلطة والأحزاب) أكثر تناغماً مع الواقع، لجهة إدراكها أن ما يشاع عن عراق جديد، محض خزعبلات، وأن السلطة القائمة ليست سوى نسخة معدلة للنظام القديم.
سلطة ناكرة لجميل الكورد، ومعروفهم، تناسى متنفذوها سنوات لواذهم بكوردستان، حين كانوا طرائد مستهدفة.. اليوم، وقد اشتدت سواعدهم، ومالت مواقف الدول إلى جانبهم، انقلبوا على وجوههم، غير مكترثين لتحالف، ولا آبهين لشراكة.
وأيضاً، نشأ من إعادة تركيب التصوّر السياسي الكوردي نتيجة لمفاعيل أحداث السادس عشر من أكتوبر، ضبط لإيقاع الشعور القومي، وحركة المطالبة بالاستحقاقات القومية، لجهة التقليل من الزهو المفرط بالبطولات، والتراجع عن التشدّق الزائد بالتضحيات، وأن الدخول في التحالف الدولي ضد (داعش) لم يكن ضوءاً أخضر لإعلان حق تقرير المصير، بل أقل من ذلك: لم يعن منح الكورد حصانة حتى في الاحتفاظ بالمناطق المستقطعة، والتي حموها بما جادت بها أموالهم وأنفسهم.
 ولجهة معرفة خارطة توزيع القوة على الأرض، ومحاور توازناتها في البيئة الداخلية، إذ ثبت أن ميزان القوة السياسية والعسكرية مختل، فلا غلبة للكورد في أي نزاع سياسي أو عسكري مع سلطة بغداد، في ظل نسق إقليمي داعم لها على ذينيك الصعيدين.
وأحسب أن القيادات العسكرية الكوردية لأحد طرفي السلطة الفعليين، والمتهمة بالتخاذل، التقطت مؤشرات الخارطة مسبقاً، لذا آثرت الانسحاب على المقاومة في (خرماتو) و(كركوك) وبقية مناطق النزاع.
ولأحداث السادس عشر من أكتوبر مفاعيل أخرى، وسّعت مدارك العقل الكوردي، وتصوّره السياسي، لناحية اللاعودة إلى فكرة اتخاذ الجبال أصدقاءً تارة أخرى. ففي النسق الدولي الواسع لا ينعدم الأصدقاء، لأن القضية الكوردية ذاتها بلغت شأواً في اهتمامات السياسة الدولية، وما جرى لا يعدو تحريكاً جديداً لأهمّ وأكبر القضايا التفاعلية في منطقة الشرق الأوسط والعالم، وإعادة تموضع هذه المسألة القومية في أجندات الدول الكبرى. وتعدّ دعوة الوفد الحكومي الكوردستاني من قبل حكومات فرنسا وألمانيا وبريطانيا، تجسيداً لتوجّهات ثلاثة من أهم الفواعل الدولية في هذا المنحى.

وللحقيقة؛ فإن تلك الأحداث تركت جروحاً معنوية غائرة في وجدان الشعب الكوردي، وآثاراً سيئة على واقعه السياسي، لا قدرة للنظام الكوردستاني الحالي على معالجتها، فالمرحلة حرجة للغاية، تحتم إعادة هيكلة هذا النظام وفق قواعد حديثة، وإلا فإن انفجاراً شعبياً وشيكاً سيفعل أبعد من ذلك، ألا وهو تغيير النظام برمّتهr

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق