الاثنين، 17 نوفمبر، 2014

قضايا سردية في النص التراثي


هشام بن الشاوي
في مقدمة كتابه (قضايا سردية في النص التراثي)، والحائز على (جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي) في دورتها الثالثة (2013م)، يشير الباحث المغربي الدكتور (إبراهيم الحجري) إلى معاناة النص التراثي من التهميش، تحت ذريعة أنه نص متقادم يرتبط بعصر ولّى، وبتجارب صارت مجرد ذكرى، حيث استبعد من الدراسة، وتحاشاه النقاد والباحثون الحداثيون، إلا ما جاء على سبيل الاستئناس واستخلاص المادة والمعطيات، ونادراً ما تم تحليل هذه المادة وفق تصور حداثي، والوقوف على جمالياتها وخصوصياتها الأدبية والإنسانية. لذلك، ظلت هذه النصوص مجهولة لدى أغلب القراء، تعاني الهجران والتقصير، بالرغم من كون
الكثير منها يحمل في ذاته قيمة أدبية عالية، تفوق كثيراً من النصوص الحديثة. لقد هُمِّش هذا النص التراثي، لا لقصوره، بل لتقصير الأبحاث في تناوله، مما خلف شرخاً كبيراً بين أجيال القراء وهذه النصوص.
ويعود الفضل في إعادة اكتشاف هذه النصوص، وتحيينها، إلى المستشرقين، الذين بدأوا بتحقيقها، والتقديم لها، والتنبيه إلى ما تستضمره من قضايا أدبية وسردية تستحق العناية. وعندئذ بدأ الباحثون العرب، بالتدريج، يهتمون بكتب التراث، غير أنها مع ذلك، ظلت في كثير من الجوانب اهتمامات تقليدية، لم تجدد نظرتها إلى هذه الذخيرة. إذ باتت أغلب الدراسات في حد ذاتها، نظرة تراثية لهذا التراث، كما بات الدارسون والباحثون يتهيّبون من لغة هذه النصوص، ويتخوفون من مساءلتها بناء على ما تقترحه المناهج الجديدة، ومنها نصوص أكدت أنها صالحة لكل عصر، وسابقة كثيراً عن زمانها الذي ظهرت فيه.
ولأن هذه النصوص التراثية اتسمت بطابعها الموسوعي، الذي منحها صفة الشمولية، فقد تضمّن أغلبها ذخيرة سردية مهمة، أهملت بفعل مجاورتها لأصناف أخرى من الكتابة، كالتاريخ والجغرافية والفلسفة، فضاعت بينها، مع أهمية ما تحمل من خصّيصات نوعية وأسلوبية. فقد كان السّرد مهيمناً عليها، جامعاً للتنويعات الكتابية التي تتضمنها. وتنوعت المسرودات التراثية بين الكرامة الصوفية، وأدب الرحلات، والتأريخ، والسير، وحكايات الغرائب والعجائب، وأخبار الأقدمين، وغير ذلك.
ومع تطور الدرس السردي العربي، حققت هذه النصوص بعض الحضور المتجدد، بفضل جهود بعض الباحثين المتشبعين بروح الأدبيات النقدية الغربية، مثل: (سعيد يقطين)، و(عبد الله إبراهيم) و(محمد القاضي)، و(محمد طرشونة)، وغيرهم، ممن فتح لهذه الذخيرة السّردية التراثية آفاقاً رحبة لتتنفس هواءً جديداً، بفعل ما أقدموا عليه من تحرير لهذه النصوص من مغبة السهو والتغافل والتهميش والتقصير، ودراستها بأسلوب مغاير، بفعله أفصحت عن كثير من قضاياها السردية، خاصة ما يتعلق بالمكان، والزمان، والشخوص، والرؤية السردية، وصيغها التي تتعدد بين العجيب والغريب والواقعي.
وبالرغم من هذه الاجتهادات، فقد ظل نفر من النقاد والباحثين ينتقدون هذا التوجه، تحت سبة أن هذه النصوص لا تستجيب لأدبيات المناهج الجديدة ومتطلباتها، وبكونها تتعسف عليها بما لا تتحمل من أدوات، داعين إلى محاورتها بأدوات العصر الذي أنتجت فيه.
ويؤكد الباحث المغربي أن التناول الحداثي أعاد النص السردي التراثي إلى الواجهة، وبالتالي الالتفات إلى خصائصه الجمالية، التي ظلت إلى أمد قريب مقموعة ومهمشة، وتحققت تراكمات لا بأس بها إلى حدود الآن. لكن مع هذا ما تزال كثير من النصوص تحتاج إلى مقاربات جديدة، تكشف ميزاتها المتعددة شكلاً ومضموناً.
وقد حاول الدكتور (إبراهيم الحجري) في هذا البحث مساءلة النصوص السردية التراثية مساءلة حداثية، تستند إلى مفاهيم نقدية أمْلتها الحداثة النقدية المتجددة، وحملتها المناهج الحديثة. وتعامل مع النص الرحلي بوصفه أحد الأنواع السردية التي تتضمن مادّة حكائية مهمّة، تحتاجُ إلى مساءلة من هذا النوع، واختار مجموعة من النّصوص الرحلية المغربية الأندلسية، المتنوعة الأصناف والأزمنة، قاسمها المشترك هو السفر والترحال، ونوعُ السّرد، متوسلاً بمفاهيم مستمدة من السّرديات الحديثة، مراعياً عند التحليل خصوصية هذه النصوص، وسياقاتها الـتأليفية، المختلفة عن المعهود في القصة والرواية والسيرة الذاتية من صوغ خطابي وأساليب فنية. وخلص إلى أن النص السردي التراثي زاخر بالقضايا السردية، حافل بالمكونات الحكائية، التي تشتغل وفق نمط خاص من التفاعلات والتداخلات، وسعى إلى التطرق لبعض هذه العناصر والقضايا السردية، وسلط الضوء في كل فصل على قضية سردية معينة، واقفاً على أبعادها ودلالاتها، واتضح له - من خلال معالجته للبنية الخطابية والسردية للرحلة المغربية الأندلسية - أن للخطاب الرحلي تقاليد معينة، وخصوصيات واضحة، تميزه عما دونه من الأشكال الأدبية، التي كانت تتواجد بمعيته آنذاك، سواء من خلال التراكم، الذي حققه منذ زمن بعيد إلى الآن، حيث مازالت المطابع ودور النشر، ترمي في أسواق التوزيع، بين الفينة والأخرى، نصوصاً رحلية، أو من خلال التقنيات والأساليب الفنية، التي استند عليها الرحالون عند التأليف، إذ نلاحظ نوعاً من السمات المشتركة والمعايير العامة، التي تكاد تقوم عليها أغلب النصوص الرحلية، ومنها:
- الخطية على مستوى السرد، حيث يخضع المسار الحكائي لنمط تطوري، يبدأ من أول نقطة تبدأ منها الرحلة، وينتهي بانتهاء زمن الرحلة الفعلي، وعودة الرحالة إلى موطنه الأصلي.
- الانفتاح الذي يميز المحكي الرحلي، إذ يتسع هذا الأخير ليضم بين أحضانه أنماطاً خطابية متعددة، مثل: الشعر، التاريخ، الرسائل، الأمثال، المدح، الحديث، القرآن الكريم، وفنوناً أخرى من القول.
- بطء الزمن السردي، بفعل التوجه الوصفي الذي يتخذه المتن الرحلي، الذي يهمه، بالأساس، التفصيل الدقيق في وصف الأمكنة والشخوص، وذكر الأخبار والوقائع، أكثر مما يهتم بعرض الأحداث التي صادفتها الذات المسافرة.
- تكسير الراوي للسرد، عبر إقحام الخطاب النقدي والتأملي، وإدراج وقفات متفاوتة الطول والحجم، تارة يسخر فيها الرحالة من موقف طرأ له، وتارة يقارن سلوكاً بسلوك، أو تقليداً بتقليد، أو مظهراً حضاريا بآخر..
- اعتمادُ ضَمير المتكَلم - أثْناء السَّرد - بمعية الراوي، الذي يتكلف بالحكي، إلى جانب المشاركة في الأحداث والتعليق على مضمونها، فضلاً عن تصميم عالم المحكي الرحلي.
- استضْمار مروي له يتوجه إليه الراوي بالكلام، وغالباً ما يكون هذا المتلقي هو حافز القيام بالرحلة، أو تأليفها، بمعنى آخر أنه طرف أساسي في العالم السردي للرحلة.
- التناص مع نصوص رحلية سابقة، كتابية، اطلع عليها الرحالة، أو شفوية تلقى مضمونها سماعاً. لذلك، فالنصوص الرحلية مزيج من مادة ثرية تُتَدَاوَلُ بصيغ مختلفة بين النصوص.
- تتخلل النصوص الرحلية، بصفة عامة، قفزات وثغرات على مستوى زمن السرد، مثلما تتخلله وقفات انسجاماً مع النزوع الانتقائي للرحالة/ الراوي، على مستوى استعراض الوقائع وذكر الأخبار. كما أنه، في الغالب، على مستوى السير الذاتي، يسكت عن بعض التفاصيل المتعلقة بالذات، في علاقتها بذاتها، أو في علاقتها بالآخر، خاصة على مستوى الحميميات والخصوصيات.
- تدخل النّصوص الرحلية في علاقة مع نسق من النصوص التي تحايثها وتتزامن معها، بل وتتشابه معها، من حيث الخصوصيات اللغوية والأدبية، مثل: المقامة، والرسالة، والخبر التاريخي، والحكاية العجيبة، وآداب المجالس، وغير ذلك..
- تشكل النصوص الرحلية في سياقها الزمني نواة تُرهِصُ بتحولات على مستوى النصوص السردية، وبذرة لميلاد أنواع أدبية جديدة، تعرف الآن بالراوية والقصة والأقصوصة والقصة القصيرة جدا، فقد كانت طريقة الصوغ الحكائي للأخبار الموجودة في النص الرحلي، تهيئ لبروز مظاهر جديدة وقوالب مغايرة، تحتضن المسرود من الأخبار والوقائع والغرائب.
ويؤكد الباحث، في خاتمة دراسته النقدية، على أهمية مقاربة النصوص التراثية القديمة، خاصة على مُستوى السَّرد العَرَبِي الْقَدِيم، بالنظر إلى تشكلات الخطاب وتطوره في تعاقب الزمن، لأن ذلك من شأنه أن يجيب عن العديد من الأسئلة، المتعلقة بتناسل الأنواع والأجناس الأدبية، وتفرعها عن بعضها، فقد يحدث أن تختفي أنواع، أو تندر، أو تدمج في أخرى، بعد أن تهيئ الأرضية لظهور أنماط أخرى، تطورها وتستثمر إمكانياتها.

ويلفت الانتباه إلى تميز النصوص الرحلية عن غيرها من النصوص السردية، بكونها تحوي       -بالإضافة إلى المتعة التي توفرها مادتها السردية الثرية- جانباً معرفياً قوياً، جعل كثيرين يعاملونها معاملة المصنفات المعرفية، التي تقدم للقارئ متناً خبرياً وتاريخياً عن الفترة التي عايشها النص، خصوصاً وأن النص الرحلي يتعامل مع هذه المادة، التي تنبثق عن واقع يعيشه الرحالة، تعاملاً خاصاً، يختلف عن التعامل الذي ينحوه النص الفني الأدبي الخالص. وهذا ما يجعل المعطى السردي لصيقاً بذات الإنسان وخصوصياته، إبان العصر الذي يعيش فيه، ومتماشياً مع الأسئلة التي يفرضها عليه السياقُ والمحيطُ اللذان يؤطرانه، ويحكمان وجوده.

هناك تعليق واحد:

  1. جزاكم الله كل خير، ألا يمكننا الحصول على الكتاب كنسخة إلكترونية، لاستحالة القدرة على الحصول عليه ورقيا؟

    ردحذف