الأحد، 3 يناير، 2016

الثقافة.. مرآة الحياة وغذاء العقل والروح

جميلة محمد المحمد
تُعرف الثقافة بأنها نتاج الإنسانية، ومجموعة خصائصه وصفاته الثابتة والمتحوِّلة عبر العصور، أو مجموع المعارف والأفكار، والفنون والآداب، والطقوس والعادات والتقاليد، والقيم والأخلاق..إلخ، وكلّ ما يتحصّله الكائن البشري من محيطه. وللثقافة جانبين، جانب معنوي أو روحي، وجـــانب مادي أو ملموس، وهنا كلما تغلّب الجانب المعنوي، أو (المعرفة)، على الجانب المادي، كانت الدلالة أكثر وضوحاً على التحضُّر والأصالة.
وتفيد (الثقافة)، في اللغة العربية، معنى الحذق والتمكُّن، أو الإتقان والفهم والتهذيب. فيقال: ثقّف الإنسان، أي أدَّبه وهذَّبه وعلّمه. كما أن لها العشرات من التعريفات، منها التعريف الذي قدَّمه العالم (تايلور)، بأنها: "ذلك الكلُّ المركب، الذي يشتمل على المعرفة والعقائد والفنّ والأخلاق والقانون والعادات، وغيرها من القدرات والعادات التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضواً في مجتمع ما".
الثقافة هي ليست نتاج فرد أو مجموعة بشرية معيّنة، بل هي نتاج المجتمعات، وحصيلة النشاط الإنساني عبر الأجيال، ولذلك فهي تختلف -عموماً- من عصر لآخر، ومن مجتمع إلى آخر، وذلك بحسب أسلوب التربية السائد أولاً، وتبعاً للاهتمام الذي تحظى بها من قِبل هذا المجتمع، أو ذاك، ثانياً. إلا أنها، ورغم تنوّعها واختلافها، سواءً في المضمون، أو بحسب البيئة الجغرافية التي تنتمي إليها، فهي تبقى متشابهة -بسماتها وخصائصها- تشابهاً إنسانياً واضحاً.
أهمية الثقافة، وأهدافها
الثقافة قيمة إنسانية كبيرة في ذاتها، وهي تمتاز بتأثيرها الكبير في تشكيل الشخصية الإنسانية، وتوجيه نموِّها عقلياً وانفعالياً واجتماعياً، وبكونها أداة للارتقاء بقدراتها الإدراكية واللغوية والإبداعية المختلفة. وفي الوقت نفسه، فهي تمتاز بالأهمية ذاتها بالنسبة للشعوب، ومسيرتها، ولكونها وسيلة للتنمية، بمعناها الشامل، وأداة لبناء الحضارات، وتطوّر المجتمعات البشرية. لذلك، فهي تشكِّل الأساس المتين في بناء الفرد والمجتمع على حدّ سواء.. إنها تحفّز تفكيره، وتنمي مداركه، وتحرِّك مشاعره وأحاسيسه، وتستجيب لميوله الغريزية في التخيُّل والاكتشاف والتعبير. كما أن لها دوراً كبيراً في تربية الحسِّ الإنساني النبيل، وتكريس القيم السامية، وتهذيب انفعالات الإنسان، والارتقاء بحسّه الجمالي. وهنا تكمن القوّة التأثيرية الكبيرة للثقافة، ويكمن الاستثمار الأفضل للمجتمع البشري.
ومن مقاصد الثقافة وأهدافها أيضاً، أنها تسهم في تنمية العلاقات الاجتماعية الجيدة، وتكوين الاتجاهات الإيجابية تجاه المجتمع، وتنمية الإحساس بمشكلاته وقضاياه. كما تسهم في زيادة خبرات الإنسان، ومعارفه، عن الطبيعة والعالم والكون، وتعزّز لديه الإيمان بالحرية والمساواة واحترام الرأي الآخر، وتُتيح له الاطلاع على المخزون الحضاري للشعوب، في المجالات كافة.
  
خصائص المادَّة الثقافية، وشروطها
إذا كانت الأساليب الثقافية جادَّة في أن تطرق باب العالم برحابته، وتحقِّق للإنسان نموّاً معافى، وأن تلبـي احتياجاته المعرفية، والنفسية، والتواصلية، المختلفة، وتعبِّر عمّا يختلج في نفسه من أفكار ومشاعر، فلا بدَّ أن تتوافر -في مادَّتها- عدَّة خصائص وشروط، تتعلَّق بالمحتوى، من جهة، وبالنواحي الفنية، من جهة أخرى. أي أن تحقِّق مجموعة من الاعتبارات، من حيث الشكل والمضمون، نتناولها باختصار:
أولاً- من حيث المضمون: أن تحمل الأفكار في -المادَّة الثقافية- أهدافاً إنسانية، وجمالية، وأخلاقية، تسهم بمجملها في الارتقاء بالإنسان، وتنمية وعيه، وشخصيته، وأن تكون قادرة على الالتصاق بوجدانه، والاستجابة لاحتياجاته الإدراكية والتخيّلية.
 أما من حيث الأسلوب، فأن تتوافر -في المادة المقدَّمة- القيمة الفنية الجيدة، والبناء الفنيّ الجيد، وتتَّصف بالأساليب التي تلهب المشاعر الإنسانية الرقيقة، وتبعث على الخيال الموحي. إلى جانب الأسلوب المتميّز بالجاذبية والسلاسة، والخالي من التعقيد والغموض والتكلُّف، واللغة السليمة والمشوِّقة والممتعة.
ثانياً- من حيث النواحي الفنية: أن يكون الإخراج الفنيّ جميلاً وجذاباً، وباعثاً على المتعة، والرغبة في مواصلة التلقي. وأن يكون الشكل -في الموادِّ المطبوعة- أنيقاً وجذاباً، وأن يراعى فيها المستوى الفني الجيد.

وسائط الثقافة، ومصادرها
الوسيط في الثقافة هو كلّ أداة تُستخدم في تقديم المادَّة الثقافية، أو الأدبية، بأجناسها، وتؤدي دور إيصالها للمتلقي.. وتتعدَّد هذه الوسائط بشكل كبير، بدءاً بالكتاب المطبوع، ووصولاً إلى وسائل الاتصال الحديثة، كالإنترنت، مروراً بالمجلة، والصحيفة، والتلفاز، والسينما، والإذاعة، إلخ.
ويصنِّف الدارسون وسائط الثقافة، بحسب النوع، إلى: الوسائط المقروءة، وهي أقدم وأهمُّ الأنواع، مثالها: الصحيفة، والمجلة، والكتاب. والوسائط المسموعة، مثل: الإذاعة، والمسجّلة، والأسطوانات. والوسائط المرئية المسموعة، التي تمتاز بدرجة عالية من التأثير، كالسينما، والفيديو، والتلفاز، وهي تتبوأ بمكانة كبيرة بالنسبة إلى روافد المنظومة الثقافية برمتها. وهناك وسائط ثقافية أخرى، تؤدي دوراً مؤثراً في الفكر والسلوك، وفي تكوين القيم والاتجاهات، كالمسرح، والمتحف، وغيرها.

لكي يصبح الإنسان شخصاً، بالمعنى التكويني، فإنه يحتاج إلى لغة وثقافة يكتسبها بفعل اتصاله وتفاعله مع المؤثرات المحيطة، مما يجزم أن "التثقيف" عملية اجتماعية مكتسبة، تتمُّ عبر مؤسسات اجتماعية، ينهل منها الإنسان ثقافته، كالمدرسة، والرفاق، ووسائل الإعلام، إلخ. إلا أن (الأسرة) هي أهم تلك المؤسسات على الإطلاق، كونها تلعب الدور الأكثر تأثيراً في نقل الثقافة، وبناء وتنمية شخصية الإنسان، إلا أنها ليست المصدر الوحيد في هذه العملية. كما أن وسائل الإعلام باتت -اليوم- تملك دوراً مؤثراً وكبيراً في حياة الأفراد والجماعات، وأصبحت منظومة متكاملة لصناعة وصياغة مفاهيم ثقافية حديثة، وممارسة فعل نشط في الحياة الثقافية. بالإضافة إلى التراث الشعبـي -بفروعه ومكوِّناته- الذي يشكِّل مصدراً هاماً من مصادر الثقافة، إذ إن الأمة الراقية ثقافياً؛ هي الأمة التي تتمسك بتراثها وتحافظ عليه، وتسعى لتوظيفه في مجالات الثقافة، لأن التراث لا يمثل ماضيها فحسب، بل يمثل حاضرها ومستقبلها أيضاً، كما أنه يحقِّق لأبنائها المعرفة الثرّة في كل الميادين، وتشرّع لهم منبعاً من أغنى منابع الثقافة ومصادرها، سواءً المحلية، أو على المستوى الإنساني، فتعرّفهم بعادات الشعوب وتقاليدها المختلفة، والكثير من المعارف، وتسهم بالنتيجة في إعدادهم للحياة إعداداً جيداً، يليق بكينونتهم ووجودهم الإنساني.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق