الأحد، 3 يناير، 2016

(عملية تذويب العالم): تشريح مآزق ما بعد الحداثة

هشام بن الشاوي
المغرب
يؤكد الروائي والناقد المصري (سيد الوكيل) أن النظريات والأيديولوجيات والفلسفات والسرديات الكبرى التي قدستها الحداثة العقلانية، لم تكن جديرة بكل هذه الثقة التي حظيت بها في العلوم والفنون والآداب التي دارت في فلكها، والتي أسهمت في خلق أوهامها عن الإنسان المثالي والمدينة الفاضلة. ومن ثمّ، فقد كانت المعركة التي يتعين على الأجيال الجديدة أن تخوضها، هي تحرير الوعي الإنساني من هيمنة  النموذج  الحداثي للسلطة على الطريقة الغربية، بما يمكّن من إعادة النظر في كل ما كان ينظر إليه بكثير من اليقين والثقة، مثل: دور العلم والأكاديميات، ومفهوم القوة، وفضح
تاريخ ثقافة الاستعلاء الذكوري والبطرياركي، وتقويض القيم الكلاسيكية للمركزية الأوروبية، التي دعمت الوعي الاستعماري، في تصوراتها عن الأنا والآخر، والمركز والهامش، والرجل والمرأة، ومثل هذه الثنائيات التي حكمت الوعي، وحددت بشكل قاطع ماهو قيمة، وما هو غير ذلك.
ويشير صاحب (أيام هند)، و(فوق الحياة قليلاً)، إلى أنه منذ بداية التسعينات كان سؤال التغيير من أكثر الأسئلة تداولًا بين المصريين، غير أنه ظلّ ـ حتى ذلك الوقت ـ ملتبساً بمصطلح آخر هو (الإصلاح)، وهو مصطلح تبنته السلطة السياسية ـ نفسها ـ
منذ منتصف الثمانينيات، ليأخذ ـ في البداية ـ منحى اقتصاديًا. ومع الوقت، أصبح للإصلاح معنى سياسي واجتماعي، ثم صار مطلبًا جمعياً ملحاً، أكثر من كونه برنامج عمل حكومي. لهذا، بدا أن الإصلاح معنى متواضع، غير قادر على تجسيد الرغبة في وقف مظاهر التدهور السياسي والاجتماعي، الذي استمر منذ هزيمة 67، وتداعياتها. بدا أن الأمر يحتاج  إلى  تغيير كبير في بنية الوعي الاجتماعي، لاستعادته، وامتلاك زمام المبادرة في التغيير على أسس جديدة، غير تلك التي عملت في الماضي، مثل الحركات العمالية، والطلابية، وتلقت ضربات أمنية منهكة، أجبرتها على التراجع. ومع الوقت، بدا واضحاً، أن التغيير يأخذ صبغة ثقافية عامة، أوسع كثيرًا من تلك التي ميّزت حراك اليسار القديم، ويرى (د. الوكيل) أن التكنولوجيا أزاحت العلم المعملي، كرمز للقوة، فيما راحت (الثقافة) تظهر كقوة ناعمة، وأكثر فاعلية، مدججة بمفاهيم عن (ما بعد الحداثة) و(التفكيك)، بوصفها أدوات تسهم في تفعيل التغيير. ولا يمكننا انتظار التغيير من خلال أي من هذه المؤسسات القديمة، التي تمركزت عبر التاريخ، واكتسبت صورًا بطريركية. وربما يكون من حسن الحظ، أن الاستقلالية النسبية، التي حظيت بها وسائط التعبير التكنولوجي على الفضائيات وشبكات الإنترنت، بعيدًا عن هذه المركزيات القديمة، تمثل وعداً بتغييرات واسعة في المستقبل، في أماكن متعددة من العالم، بحيث يمكن توقع أن هذه الألفية ستعيد تشكيل الجغرافيا العالمية على أسس ثقافية. وهذا لا يتعارض مع الأساس الاقتصادي الذي بشرت به العولمة، ولكنه يعضدها. إذ يمكن ملاحظة تحولات الثقافة، كقوة ناعمة، نحو القوة الاقتصادية، وتبنيها لآلياتها، وما تبشّر به ثقافة التكنولوجيا، وفنون الصورة، من الاستسلام لأنماط الاستهلاك العالمي، كسعلة أكثر تأثيراً وانتشاراً من السلع التقليدية التي حددت معايير القوة في القرن العشرين.
فهذه الوسائط الجديدة، أسهمت في مضاعفة حركة التغيير. صحيح أنها وسّعت الفجوة بين الدول الفقيرة، والأخرى مالكة التكنولوجيا، لكنها في الوقت نفسه، أتاحت فرصًا جديدة للتغيير في بلدان الهامش، كنتيجة للانفجار المعلوماتي، وبدا أن العالم في سبيله إلى القضاء على احتكار المعلومات، والانفراد بحيازتها. هكذا بات العالم مكشوفًا، ومؤهلًا لموجات متوقعة من التغيير، وبات مفهوم الثقافة أكثر اتساعًا وقدرةً على الإسهام فيه بدور كبير وخلاق. ولا بد أن كل هذا يدعو إلى مراجعة هذا الدور، والتعرف على متغيراته، وأشكاله الجديدة، بل ومشاكله التي طفت على السطح، والتي يبدو من أهمها، أن التغيير بالقوة لم يعد مناسبًا الآن.. بما يستوجب إعادة النظر في معان عاشت طويلاً، مثل: الحروب، والثورات.
****
ويعتبر صاحب (مدارات في الأدب والنقد)،  الفنّ الوريث الشرعي للأسطورة، والفضاء القادر على الجمع بين التناقضات، حتى التمازج والتداخل. ففي الفن لا يكون المدنّس بمنأى عن المقدّس، ولا الحقيقي بمنأى عن الخيالي، ولا الذاتي بمنأى عن الموضوعي. هكذا بقي الفنّ، حتى لا ينفرد العقل بنا، ليحمي الإنسان من تدمير قواه الخفية، ليحفظ عليه إيمانه بوجوده، حواسه، ومشاعره، وأشواقه، وهواجسه الغامضة، فيقبل غير المبرر وغير المفهوم والمسكوت عنه والهامشيّ، في قوانين خاصة، لا ينال منها النظام، رغم كل محاولاته الدؤوب لتقعيده، لإخضاعه لمعايير العقل العلمي. إن الفن هو طريقة الإنسان في الاحتجاج على مظاهر الجمود، والانحطاط، والاستبداد، التي تمارسها النظم والمؤسسات المركزية والسرديات الكبرى، حتى لو تخفّت هذه الكيانات في معان فاضلة وبراقة، كالدين والعلم والقانون والدولة.. إلخ، فإن الفنّ قادر على فضح تشوهاتها، ونقدها، ويؤكد أن ما بعد الحداثة تسعى إلى تفكيك الحداثة. وهي في سبيلها لتحقيق ذلك، تعمل على تفكيك كل ما هو مركز وسلطة. ونتيجة لهذا، فإن ما بعد الحداثة توصف بأنها حالة فقدان عام للمركزية، تفضي إلى تشّعب، نساق فيه من مكان إلى مكان، عبر سلسلة متصلة من السطوح العاكسة، أو كما يسميها (بودريار) بـ(المرايا المتقابلة)، حيث تتعدد صور الواحد إلى ما لا نهاية.  فأنت حين تقف بين مرآتين متقابلتين، سترى صورًا معكوسة لك في الجانبين، وكأنها عملية استنساخ هائلة. ومن ثمّ، فإن الأصل يفقد مركزيته، وتفرده، في مواجهة هذا التمثيل الحرفي له، حيث لا نموذج ولا مثال.  وفي غيبة التفرد، وحضور التعدد، يتحوّل الفنّ تحولاً كبيراً، يوصف بأنه انكفاء للداخل، ويفقد موقعه التقليدي كطلب رمزي للثقافة. وهو ما ينطبق على الإبداع الأدبي، الذي يستند على رفض فكرة البراعة الفنية، وسيادة الصور الواضحة، وانفتاح المحاكاة، حيث لا عاطفة، ولا خيالات جامحة. إنها حالة من الفقدان المعياري، وغياب للنموذج.
****

ويرى (سيد الوكيل) أنه منذ دخلت الحضارة الإسلامية عصر التدوين، وأوغلت فيه، خلّف لنا التاريخ العديد من الأيقونات، التي أصبحت تقارب في قداستها (القرآن الكريم). أيقونات أصبح الآن تجاوزها، أو مجرد نقدها، من قبيل الكفر، وشيئًا فشيئاً يتجمّد الفكر الإسلامي، ليظلّ يدور في دائرة واحدة، ومغلقة. نعتقد أن تاريخ التدوين جمّد العالم، وأن تاريخ التكنولوجيا القادم، ليس سوى عملية تسييل كبرى، تصل فيها الحدود بين المفاهيم والكيانات إلى حالة من الذوبان، لذا فإن إلحاح المجتمعات المتخلفة على سؤال الهوية الآن، بوصفها مأزقًا يستدعي البحث عن تعريفات جديدة، في ظل تهديد البعد الزمكاني لها، وتطفو على السطح تعريفات ثقافية للهوية، وتصبح معانٍ، من قبيل: الخصوصيات الثقافية، أكثر تداولاً، ويقفز الدين كغطاء كبير في تحقيق معنى الخصوصيات الثقافية. بالتأكيد سينعكس هذا على مفهوم الهوية، ويصيب الجماعات البشرية ـ التي ترغب في تمييز نفسها ـ بالفزع،  ويفسّر هذا اشتداد النزعات الأصولية في ثقافة ما بعد الحداثة، بعد تفشي تكنولوجيا الاتصال. إنه طابع انفعالي، يأتي كرّد فعل لجماعات تجد نفسها في مأزق، يسحب منها كل تمييز عن الآخر، وتهدده في حيازات التاريخ والجغرافيا. قد يبدو هذا الفرض مبالغًا فيه، عند البعض، ومع ذلك، فدور التكنولوجيا في حروب الجيل الرابع، وإعادة توزيع الجغرافيا السياسية لمنطقة الشرق الأوسط، على أساس من خصوصيات ثقافية، تستنهض النزوعات العرقية والمذهبية والقبلية والطائفية، التي كانت المجتمعات العربية الحديثة قد تجاوزتها، في سياقات قومية ووطنية، كل هذا يدعونا لإعادة النظر، في معانٍ - بدت لسنوات عديدة مستقرة في أذهاننا- عن التاريخ والجغرافيا، وكيف يمكن توظيفهما لخدمة سياسات الآخر؟ وما الهدف من إعادة الزمن الجغرافي للشرق الأوسط، إلى الوراء؟ كيف قفز الماضي السحيق إلى الحاضر، هكذا فجأة؟ غير أن كل هذه المحركات المتناقضة، تعني أننا نعيش حالة من الارتباك، والتشوش، بل والفوضى، في علاقتنا بالزمان والمكان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق