الأحد، 3 يناير، 2016

قراءة في كتب إسلامية

بقلم: أ. د. عماد الدين خليل
(الاستغراب عند محمد أركون، وموقفه من القرآن الكريم)
للدكتور رائد أمير الراشد
والدكتور خالد عبد الجبار الراشد


في عام 2008 م - على ما أذكر - أتيح لي أن اطلع على حلقة من برنامج (الاتجاه المعاكس) في قناة الجزيرة الفضائية.. كان (محمد
أركون) أحد طرفي الحوار.. دققت في ملامحه فوجدته كالطفل الخائف المذعور.. يتراجع عن رأيه بمجرد أن يجابه بموقف حازم من الطرف الآخر.. يعتذر..
يتلكأ.. وكان يعتمد ما أسميه باللغة الثالثة في طرحه.. خليط من الألغاز والمعميات، وكأن اللغة العربية عاجزة عن نقل أفكاره بالوضوح المطلوب.
قلت في نفسي: هذا هو إذن أحد أعمدة الحداثة الإسلامية في القرن العشرين. تشويه مقصود لكل ما هو إسلامي أصيل.. عكس للرؤية بزاوية 180 درجة، بين تأسيسات هذا الدين العظيم، وبين ما يريده أن يكون عليه الحداثيون!!
لم أستغرب هذه الجملة من النقائض والترّهات الفكرية التي طرحها الرجل، والتي سبق وأن ملأ بها بحوثه ومؤلفاته.. إذا كان الرجل يستمد جذور أفكاره المعوجة هذه من أستاذه (فوكو)، الذي اتهم في (بولندة) بالشذوذ الجنسي، ثم ما لبث أن توفي بمرض الأيدز، فلا بّد أن ينعكس ذلك على منظور (أركون) الفكري.. وإذا كان أستاذه الآخر الفيلسوف الألماني (نيتشه) ،الذي أعلن عن موت الإله، قد انتهى به المطاف إلى مستشفى الأمراض العصبية، فلا يستغرب هذا الإفراز المرضي، من تلميذه الفكري (أركون).
قبل ذلك بخمسة عشر عاماً، أتيح لي أن ألتقي عرضاً بحداثيّ مصريّ، استدعي للمشاركة في أحد المؤتمرات في (المغرب).. كان يدعو في كل حوار يجمعه مع بعض المشاركين، إلى القول بأن لا يوجد شيء اسمه ( حضارة إسلامية ) على الاطلاق.. وإنما هي مجموعة من الاقتباسات الفجّة عن الحضارة اليونانية، وبأن العقل المسلم لم يقدّم أو يبتكر أو يضيف أي شيء على الاطلاق، لما سبق وأن قدّمه العقل اليوناني.. كان يرفض الحوار وينقفل على قناعاته الخاصة.. فقررت أن أقرأ بحثه الذي سيلقيه في المؤتمر.. فوجئت بأنه ليس بحثاً على الاطلاق، ولا يمت للأصول الأكاديمية المتبعة في كتابة البحوث بأية صلة.. مجموعة من الشتائم الرخيصة التي صبّها على رؤوس الإسلاميين.. واستدعاء للشرطة والبوليس في ضرورة ملاحقتهم، وتضييق الخناق عليهم، واستئصالهم من الوجود.. الأمر الذي دفعني إلى الشك، بأن هذا الدكتور الحداثي مبعوث من المخابرات المصرية – يومها –، إذ كيف يبرّر لنفسه، وهو الأستاذ الجامعي، أن ينجرف إلى ما يفعله السوقة وأراذل الناس؟
في عام 2011 شاءت الظروف أن التقي عبر مؤتمر في (اسطنبول) بحداثي ثالث.. مؤلف مصري كبير.. كانت كتبه منذ عقود تترى على الناس.. بالتناقضات الحداثية نفسها.. وبالغطاء الفلسفي المخادع، الذي يعتّم الرؤية على المتلّقين.. وبمحاولة إنزال كتاب الله سبحانه من عليائه، ووضعه كنص أدبي لدراسة الناس، بعد تجريده من قدسيته وتميّزه، باعتباره قادم من عند الله الذي يعلم من خلق، وهو - سبحانه - بكل شيء خبير..
تابعت محاضرته البائسة على مجموعة الطلبة، الذين دعوا لسماع محاضرات المشاركين، فإذا به بدأ كلامه بالهجوم على الفكر الغيبـي، وإدانة تشبث المسلمين بالغيبيات، واعتبار ذلك سبب الأسباب في تخلفهم عن اللحاق بركب الحضارة الغربية المتفوقة.. واستمر يقدّم هذه الترهات بانفعال شديد، حتى إذا انتهى من كلامه، طلبت مناقشته، وبدأت حديثي بأنه يمارس تضليلاً للطلبة الأتراك المساكين، وأنه يناقض تأسيساً قرآنياً للعقيدة الإسلامية، باعتبار الإيمان بالغيب هو نقطة الانطلاق. ثم تلوت الآيات الأولى من سورة البقرة: [الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ...](سورة البقرة: الآيات 1-3 ).. وقلت بأن ذلك يتوافق مع دعوة القرآن إلى الالتحام بالكتلة، بفيزياء العالم، فيما يزيد عن ألف آية.. وفيما يدفع المسلمين، وقد دفعهم فعلاً، إلى تلك الحركة العلمية التي كانت أساس حضارتهم، والتي قدمت للحضارة الغربية تأسيساتها الأولى التي انبنت عليها.. ويوم أن ارتخت أيديهم عن الإمساك بالكتلة، فيما هو نقيض الموقف القرآني، تركوا الفرصة للآخرين بأن يتفوقوا عليهم، ويسوموهم سوء العذاب.. فأية علاقة إذن بين تخلّف المسلمين، وبين إيمانهم بالغيب؟..
قبل أن أتمّ كلامي، رأيت الرجل وقد ارتبك، وأصفّر وجهه، وراح يصرخ: أتريد أن يقتلني خصومي.. وأن ألاحق في كل مكان؟ فما كان مني إلاّ أن أهدئ من روعه، وأقول له: إننا هنا في حلقة نقاش علمي، وليس في حلبة ملاكمة.. لقد ضللّت بكلامك هذا حشوداً من الطلبة، فأردت أن أوضّح لهم الحق..
كلهم سواء، هؤلاء الحداثيون.. في تناقض أفكارهم.. في نفي أحدهم الآخر.. في اهتزاز شخصياتهم.. وفي حقدهم، الذي لا حدود له، على كل ما هو إسلامي أصيل في هذا العالم.
الأنسنة، والعقلنة، والترخنة.. فأيّ سخف أكثر من هذا، وأبشع منه، في تنزيل كتاب الله المتعالي، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. إلى اعتباره نصّاً أدبياً، وضعياً، قابلاً للنقد والتفكيك والتشريح؟!
الأنسنة، حيث يجرّد كتاب الله من بعده الغيبـي، ومن ارتباطه بالوحي.. والعقلنة، حيث يحكم العقل البشري النسبـي، القاصر، المحدود، ذو الأهواء والنزغات، في النص الإلهي، ويعبث بمعطياته.. والترخنة، حيث يسجن هذا النص، المتعالي على الزمن والمكان، في دائرة التاريخ !!
والكتاب الذي يجده القارئ بين يديه، يتابع فيه مؤلفاه، بالعرض والتحليل، جانباً من معطيات (أركون)، من خلال كتابه: (الفكرالإسلامي: نقد واجتهاد)، بالأسلوب العلمي الرصين، ويفندان بالحجة والبرهان، ما ينطوي عليه من تناقضات (استغرابية)، ومفارقات وأخطاء. فيما نحن بأمسّ الحاجة إليه، لتعرية هؤلاء الحداثيين، الذين دخلوا بالجملة على النّص القرآني، برؤيتهم الغربية المستعارة، فأعملوا فيه مشرطهم المسموم، الذي يستمد جذوره من (فوكو)، المتهم بالشذوذ الجنسي، و(نيتشه)، الذي انتهى به الأمر إلى مستشفى الأمراض العقلية.
تلك الرؤى التي لو قامت على الحق لاستمر بها الزمن، ولكنها بأباطيلها لم تصمد إزاء موجات أخرى، كانت - ولا تزال - يضرب بعضها بعضاً، ويسقط بعضها بعضاً، لأنها في حقيقتها لا تعدو أن تكون شبكة متهافتة من الظنون والأوهام، تسعى لأن تستعبد الناس باسم العلمية والأسلوب العلمي.. [إِنْ هِيَ إِلَّا اأَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُم  وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَل َاللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى](سورةالنجم: الآية 23). وصدق الله العظيم.
***
 التحدّي الصليبـي للوجود الإسلامي في إسبانيا
الدكتور عبد الوهاب الدباغ
على ضيق مساحة البحث – الذي يجده القارئ بين يديه – فإنه ينبئ – بوضوح – عن قدرات الباحث الواعدة، على مستوى المنهج واللغة والموضوع.
صحيح أنه مقتطع من رسالة للماجستير – كما يذكر في المقدمة –، وبالتالي فإن من البديهي أن يتحقّق بقدرات كهذه، ولكن كم من رسائل الماجستير – في التاريخ، وفي غير التاريخ – لا تكاد تمنح قارئها الحدّ الأدنى من القناعة باستكمالها الشروط، وبخاصة الرؤية المتميزة الأصيلة، التي تبعد بالباحث عن أن يكون مجرّد ناقل، أو كما يقول (أزوالد شبنغلر): "منظف أتربة – أكاديمي"؟!
وعلى ضيق مساحة البحث، فإنه يمنح القارئ أفقاً واسعاً ممتداً، يوشك أن يطلّ على عصرنا الراهن في عنق مأساتنا في (فلسطين)، ويتحدث بمنطق الوقائع المتحقّقة في الزمن والمكان: كيف تحوّلت (القدس) إلى (سرقسطة) أخرى؟ وكيف أن أسباب الهزيمة والانكسار والضياع، إذا اجتمعت، فإنه لا عاصم من غضب الله، ولا منجاة من سننه العاملة في التاريخ، والتي لن يفلت من قبضتها أحد لا يأخذ بالأسباب، لأنها لن تحابي أحداً؟ وكلنا يذكر خطاب الله سبحانه وتعالى لمسلمي (أحد) المهزومين: [أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ](سورة آل عمران: 3/165).
والتاريخ كلّه تاريخ معاصر، كما يقول فيلسوف الجمال المعروف (كروتشه)، فلن ندهش - إذن - إذا وجدنا البحث الذي بين أيدينا يتضمن - بشكل من الأشكال، ومن وراء كل شروطه ومطالبه الأكاديمية - نداءً من نوع ما.. تحذيراً مؤكداً في ألاّ نجعل (سرقسطة) تفلت من بين أيدينا كرة أخرى، كما أفلتت من أيدي الآباء والأجداد.
إن الساحة الأندلسية، بسبب من موقعها الموغل في عالم الغرب الصليبـي، لتعدّ - بحق - الساحة الأكثر غنى في خبراتها التاريخية، والأعمق مغزى في دلالاتها على ما كان، وما هو كائن، وما قد يكون.
إن البحث - على قصره - يحدثنا عن الكثير من الخبرات، ويمنحنا العديد من الدلالات، التي عرف الباحث كيف يجعل الحدث، أو الواقعة التاريخية، تبصّرنا بها.
وحدة أوربة النصرانية، بمواجهة عالم الإسلام.. التزامن المرسوم لحرب صليبية شاملة على جناحي هذا العالم، في المشرق والمغرب.. النكث المعروف للعهود، والذي يمارسه (الإنسان الغربي)، في تعامله مع الشرقيين.. واعتماد أقسى صيغ القسر المذهبـي، لحظة تمكّنه في الأرض.. الدور المنفعي الصرف لليهود، الذين رأوا في المحنة الدامية، فرصة للكسب والإثراء.
يقابل هذا، على الطرف الآخر، تجزّؤ محزن، يمزّق القوى والطاقات الإسلامية في الساحة الأندلسية، بل – ربّما – على مدى عالم الإسلام، من أقصاه إلى أقصاه.. وحرص مخزٍ على الحياة، كان كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) قد حذّر االمسلمين من مغبّته.. ذلك أن الذي يحدث دائماً، هو أن الجبن لا يمنح أصحابه الأمان.. والمذلّة لن تعود إلاّ إلى مزيد من الهوان والانتحار الجماعي، حيث يسهل على المنتصر، من النمط الغربي، أن يمارس قانون القتل والتصفية الجسدية، من أجل ألا يكون هناك مذهب غير مذهبه، وشريعة غير شريعته. إن الخوف، والبحث عن الضمانات التافهة، والمكاسب العابرة، لم يمنع من قيام (محاكم التحقيق)، بعد وقت قصير في حساب الزمن، لكي تمارس واحدة من أبشع صيغ التعامل في التاريخ البشري بين الغالب والمغلوب.
ولكن هذا كله ليس الجانب الوحيد للصورة. فالباحث، وهو يتعامل بموضوعية مع الحدث، يمنحنا جوانب أخرى تنطوي على بعدها العقدي، ومغزاها المضيء، وسط دوامة الظلمات هذه: ثورة الفلاحين، بقيادة أحد العباد المشهورين، ضد السياسات الخاطئة للأمير، وكبار موظفيه، تنتهي بإعدامه.. الانتقاد المرير الذي رفع صوته به الفقيه (أبو بكر الطرطوشي)، ضد السياسات المالية الخاطئة لحكام دويلات الطوائف، واعتبارها من أسباب خسارة المسلمين، وضياع بلادهم.. القصيدة التي رثى بها الفقيه الزاهد (عبد الله بن العسّال) ضياع (بربشتر)، وضمنّها نقداً للوضع السياسي والاجتماعي المتدهور في الأندلس.. الشكوى التي رفعها الأديب (عبد الله النمري)، على لسان أهل (بربشتر)، إلى إخوانهم المسلمين في دويلات الأندلس.. الحملة التي شنّها المؤرخ (ابن حيان القرطبـي)، وصبّ فيها جام غضبه على حكام دويلات الطوائف، أولئك الذين "احتوى عليهم الجهل، واقتطعهم الزيف، وأركستهم الذنوب"، وعلّلوا "نفوسهم بالباطل".
ولم تذهب هذه المواقف هدراً، فها هو ذا الأمير (المقتدر بالله بن هود) يستجيب للتحدي، بعد إذ تناوشه الحزن والقلق على مصير البلاد، فيشرع بالقيام بالرد المناسب، ويستعين بحاكم إشبيلية، ويلحق بالخصم هزيمة منكرة، ويحرّر (بربشتر) بعد عام واحد من احتلالها.
وهاهم (المرابطون)، تلك القوة الإسلامية الفتية، القادمة من أعماق الصحراء المغربية، بقيادة أميرها (يوسف بن تاشفين).. تدخل الساحة في اللحظة المناسبة، وتقلب موازين القوى لصالح المسلمين، وتنقذ (سرقسطة) من حصار صليبـي، قاده (ألفونسو السادس) عام 479 هـ.
والباحث، وهو يعالج الصراع بين نصارى الأندلس ومسلميها، يتجاوز - بمنطق الوقائع نفسها - حيثيات البيئة المحدودة، والإقليم المحصور، إلى أبعد نقطة في المنظور، فيراه صراعاً ذا بُعد عالمي بين الصليبية والإسلام.. وهذا حق..
فإن مصرع (راميرو الأول)، ملك (أرغون)، في معركة (جرادوس)، التي قادها الأمير المسلم (المقتدر بن هود) عام 455 هـ، "قد أثار خيال أوربة – فيما ذكره المؤرخ المعاصر رنسيمان – فبادر البابا (الإسكندر) إلى إصدار وعوده ببذل الغفران لكل من قاتل المسلمين في إسبانيا، وشرع بتأليف جيش من أجل مواصلة عمل (راميرو)"، ضم الإيطاليين والفرنسيين. كما أن حصار سرقسطة الثاني عام 495 هـ، بقيادة (بيدرو الأول)، أمير أرغون، جاء بعيد نجاح الحملة الصليبية الأولى في المشرق، واحتلالها الدامي لبيت المقدس. وقامت البابوبية بدور مشهود في منح الإسبان، الذين حرموا الإشراك في الحملة الصليبية على المشرق، فرصة موازية في مجابهة المسلمين في إسبانيا.
والباحث يؤكد - فضلاً عن هذا كله - على الدور الملحوظ لـ(دير كلوني)، تلك المؤسسة الكنسية التي مارست نشاطاً تحريضياً واسعاً في الحروب الصليبية، والتي عرف عنها تشجيع النصارى الإسبان على ضرب المسلمين، والتي ابتكرت أسلوباً جديداً في التحدّي، حين كلّفت الراهب (هوف)، رئيس الدير المذكور، بتوجيه دعوة إلى حاكم (سرقسطة)، يدعوه فيها للتنصّر، والارتداد عن الإسلام، وذلك من خلال رسائل دينية تبشيرية، ترسل مع مبعوثين من رجال الدين إلى (سرقسطة). وهو - أي الباحث - يخصص القسم الثاني من بحثه، لواحدة من تلك الرسائل، ولجواب العالم الأندلسي الشهير: (الباجي)، عليها.  بل إن الباحث يرفض استنتاج المؤرخ المعروف (ابن الأثير)، في اعتباره سقوط (طليطلة)، عام 478 هـ، مقدمة للحملات الصليبية المعروفة. ويرى أن مأساة (بربشتر)، عام 456 هـ، أي قبل ذلك بأكثر من عقدين، كانت "أسبق زمناً، وأكثر عمقاً، لصورة الفعل الصليبـي، في أبعاده العدوانية".
ويأمل المرء، وهو يتابع بتأثر وشغف، معطيات هذه الصفحات، التي اقتطعها الباحث من صلب رسالته للماجستير، أن يتاح النشر لرسالته نفسها، فهي - يقيناً – تحمل الملامح المتميزة نفسها، التي تدلّ عليها هذه الصفحات.
ويأمل المرء، بعد هذا وذاك، أن يواصل الباحث طريقه الصعب، لكي يطلع على القرّاء والدارسين بالمزيد من البحوث والدراسات عن الساحة الأندلسية، التي     - برغم الكثير الذي كتب عنها - تتطلب المزيد.. سيّما إذا كان هذا (المزيد) يملك الأصالة العلمية، والرؤية الإيمانية المتميزة. وهما - إذا تجاوزنا التحليلات الخاطئة أوالمغرضة - توأمان لا ينفصلان.
***
الطريق إلى القدس
الدكتور محسن محمد صالح
عندما قرأت كتاب (الطريق إلى القدس)، للدكتور (محسن محمد صالح)، في طبعته الأولى، الصادرة في لندن عام 1995م، ضمن منشورات (فلسطين المسلمة)، لفتت انتباهي تلك التغطية الشاملة، والمتوازنة، للتاريخ الفلسطيني، منذ عصور الأنبياء (عليهم السلام)، وحتى أواخر قرننا العشرين هذا، والقدرة على الإمساك المنهجي بالبعد الإسلامي الأصيل، عبر هذه المسيرة الطويلة، فيما لا يكاد المرء يلحظه في معظم ما كتب عن الموضوع.
إن الأخ المؤلف يضع الأمور، عبر كتابه هذا، في نصابها، سواء وهو يتحدث عن مرحلة ما قبل الفتح الإسلامي، أو المراحل التي تلته، بعد إذ عبثت بتاريخ هذه الأرض المباركة رياح التشريق والتغريب.
ومنذ الفصل الأول، يجد المرء نفسه قبالة ما يمكن تسميته بالمنهج الإسلامي في التعامل مع التاريخ، بحثاً ودراسة وتأليفاً. فهو يحيل المعطيات التاريخية، بمرويّاتها وآثارها، على الشاهد القرآني، ويجعله حاكماً عليها، وليس العكس، كما يفعل أنصاف المؤرخين والآثاريين، ممن لا يملكون من الحقيقة التاريخية عشر معشارها، بينما تغيب الأعشار الأخرى عن الأنظار، فلا يعلم بها إلا ّالله سبحانه وتعالى.
هاهنا نحن بأمس الحاجة إلى هذا الأسلوب في التعامل مع التاريخ القديم، من أجل ألاّ نجعل الظن والهوى والعلم النسبـي، الحكم الفصل في الواقعة التاريخية. ويكفي أن نتذكر، قبالة كل ادعاءات المؤرخين والآثاريين التقليديين، تلك المحاولة القيمة التي نفذّها العالم الفرنسي (موريس بوكاي)، في كتابه (التوراة والإنجيل والقرآن في ضوء المعارف الحديثة)، والتي قارن فيها بين معطيات هذه الكتب المقدسة الثلاثة، وبين الكشوف المعرفية الحديثة، في سياقات شتى، من بينها التاريخ، والآثار، وبدايات الخلق.
وكانت النتيجة: ارتطام العهدين القديم والجديد بهذه الكشوف، وتوافق مدهش بينها وبين آيات الله البيّنات.
يمضي المؤلف، في الفصول التالية، لكي يتابع: الفتح الإسلامي لفلسطين، ودور المسلمين في مواجهة الصليبيين، والتتار، وصولاً إلى التجربة الإسلامية الحديثة والمعاصرة في (فلسطين). وهو في طبعته الجديدة، يعيد صياغة الفصل الأخير هذا، ويضيف إليه صفحات قيمة (تبلغ الستّين)، عن دور حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الانتفاضة والجهاد. وهو بهذا يظل صادقاً مع نفسه، ومع المنهج الذي اعتمده في متابعة المعطيات التاريخية، ذات الثقل الحقيقي في تاريخ فلسطين.
وقال لي، وهو يطلعني على الفصل الرابع المزيد من كتابه هذا: كيف يمكن لكتاب يتحدث عن تاريخ فلسطين، ورصيدها الإسلامي، ألاّ يفسح مكاناً لـ(حماس)، وعطائها السخي، وشهدائها الكبار، وللمهندس (يحيى عياش) بالذات، "والذي أصبح رمزاً للبطولة والمقاومة لدى كل الفلسطينيين، واجتمع على حبّه واحترامه معارضو اتفاقات السلام، وحتى مؤيدوها؟".
لقد تلقى الأخ المؤلف، من إحدى المؤسسات العلمية، الجائزة الأولى على كتابه هذا. ولكن ما هو أهم وأعمق دلالة، في تقديري، هو أن يصدر الكتاب في طبعة أخرى، ولم يمض على الطبعة الأولى سوى أقل من سنتين. ومعنى ذلك أنه قبل لدى جماهير القراء والمهتمّين بالقضية.
وتلك هي الجائزة الحقيقية التي يتلقاها أي مؤلف( ) !.
***
 الفقهاء والسلطة وصناعة الحياة
للدكتور رعد محمود البرهاوي

قضية العلاقة بين الفقهاء والسلطة، والمساحة التي يتحرك فيها الفقيه لصناعة الحياة، واحدة من أكثر المسائل أهمية في واقعنا، وتاريخنا، ومعطياتنا العقدية والتشريعية، على السواء.
وقد قيل فيها الكثير، ومع ذلك فهي بحاجة إلى المزيد من القول، للإجابة عن العديد من المسائل والإشكاليات التي لا تزال معلّقة.
ولحسن الحظ، فإن جملة من رسائل الدراسات العليا، والبحوث، والمؤلفات، انصرفت للتعامل مع الموضوع، وغطّت مساحات واسعة من تاريخ العلاقة بين القطبين.
والأخ الدكتور (رعد محمود البرهاوي) يضيف، في بحثه هذا عن (الفقهاء والسلطة وصناعة الحياة)، حلقة جادة أخرى لإضاءة المسألة، وتقديم المزيد من الضوابط والمؤشرات، التي لا بد من وضعها في الحسبان، ونحن نتعامل مع الموضوع. وهو لا يكتفي بذلك في مقدّمته الخصبة، وإنما يمضي لمتابعة عدد من الشخصيات الفقهية، والعلمية، التي مارست دوراً مؤثراً، عبر مراحل شتى من تاريخنا، وقدّمت مثلاً عملياً مشهوداً، على ما يمكن أن يفعله العالم، أو الفقيه، قبالة تحدّيات ثلاثة، كانت - ولا تزال- تمثل العوائق الكبرى أمام قدرة هذه الأمة على استئناف حياتها الإسلامية، كما أراد لها الله سبحانه وتعالى ورسوله (صلى الله عليه وسلم) أن تكون. وهذه التحديات، أو العوائق، هي: الفساد الداخلي، والعدوان الخارجي، وجور الحكام.
والشخصيات التي تناولها المؤلف، تتحرك على محور، أو اكثر، من هذه المحاور: فتقاتل المعتدين، وتلاحق الفساد الاجتماعي، وتثور على السلطة الجائرة، وهي عبر جهدها المكافح هذا، تسعى لإعادة صياغة الحياة بما يريده الله ورسوله (صلى الله عليه وسلم).
ويزيد الكتاب قيمة، أن مؤلفه عالج (شخصيات) لم تنل حظها من البحث والدراسة، برغم دورها المؤثر في هذه المرحلة، أو تلك، هذا إلى شحّة المادة المتوافرة عن بعض هذه الشخصيات في المصادر المختلفة، الأمر الذي جعل الباحث يبذل جهداً صعباً لتكوين صورة مقاربة عنها قدر الإمكان.
وبمجرد إلقاء نظرة عابرة على هوامش الكتاب، يدرك المرء المصاعب التي واجهت الباحث، وهو ينتشر على مساحة واسعة من معطيات الآباء والأجداد، لكي يلتقط رواية من هنا، وإشارة من هناك، من أجل تكوين الصورة المطلوبة.
والشخصيات التي يتعامل معها المؤلف، تمتد في الزمن والمكان، مابين عصر الخليفة العباسي (المأمون)، في أواخر القرن الثاني الهجري/ بدايات القرن التاسع الميلادي، والعصر العثماني عند أواخر القرن الثاني عشر الهجري/ منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، وتمارس دورها مابين (بخارى) شرقاً، و(قرطبة) غرباً، مروراً بالعراق والشام ومصر وتونس والبحر المتوسط، وهي في كل الأحوال تقدم مثلاً عملياً على ما يمكن أن يفعله الفقيه في صناعة الحياة الإسلامية: جهاداً ضد الأعداء، أو ملاحقة للفساد والمنكرات، أو تقويماً وانقلاباً على الحكام والطواغيت.
لقد أريد للفقيه، منذ اللحظات الأولى في تاريخنا، أن يقود الحياة، ثم ما لبث أن انسحب إلى هامش الحياة، فأصبحت تقوده، بضغط الضرورات النفسية والاجتماعية والوظيفية.
وكان يملك عقلاً ابتكارياً متوقداً، يقدر في لحظة على تكييف هذه المفردة، أو تلك، وفق مقاصد الشريعة، فيعين على تمكين الخبرة الإسلامية من التواصل والاستمرار والالتحام بالحياة. ثم ما لبث أن فقد هذا التألق، أو تعمّد أن يطفئه، استجابة لحالة اجتماعية يحكمها تقليد السابقين، واتباع خطى الآباء والأجداد، وتعين على نسج خيوطها الكاملة، ضغوط السلطة الاستعمارية (الخارجية) تارة، والمحلية (الداخلية) تارة أخرى، وهي الضغوط التي استهدفت عزل الشريعة عن الحياة، ونسف الجسور المقامة بين الطرفين، بما فيها (الفقيه)، الذي أريد له ألاّ يشارك في عملية التغيير، أو الصياغة، أو إعادة تعديل الوقفة، وأن يتحول إلى واعظ، أو خطيب جمعة تقليدي، أو مدرّس دين ولغة عربية، يتلّقى في معظم الأحوال أجره الشهري من الحكومات. وإذ تُعمد أن يكون الأجر زهيداً لا يكاد يسدّ الرمق، وكان العالم أو الفقيه غير قادر على أية حرفة إضافية، تعينه على الارتقاء بمستواه المعاشي، صوب الحد ّالأدنى من سوّيته المعقولة، انعكس ذلك كلّه عليه، فأصبح مسحوقاً، ممتهناً، ضعيفاً، لا يملك في معظم الأحيان (الشخصية) الآسرة المؤثرة، التي تمكنه من أداء دوره المطلوب في صناعة الحياة.. وثمة حالات استثنائية – بكل تأكيد – ولكنه الاستثناء الذي يعزّز القاعدة ولا ينفيها.
ولقد بولغ – من جهة أخرى – في الوقوف عند البعد السلبـي للفقهاء من السلطة، وتحجيم دورهم الفاعل في صناعة الحياة الإسلامية. ومالت بحوث ومؤلفات كثيرة، في الشرق والغرب، بكفة الميزان صوب هذا الاتجاه، مسلطة الضوء على أحد جانبـي الصورة، بينما ظل الجانب الآخر يكتنفه قدر كبير من الغموض والتعتيم، ولم يتلّق ما يستحقه من إضاءة واستقصاء.
لقد شهد تاريخ الإسلام جملة من حركات المعارضة، التي استهدفت الثورة على السلطات القائمة، وتولّي زمام القيادة، ومعظمها كان يملك برامج عمل ذات خلفية عقدية، أو سياسية، على أقل تقدير، ومعظمها – كذلك – كان يملك رؤية إسلامية، ترفع شعار العمل بكتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) ، كل حسب اجتهاده، ومن زاوية رؤيته الحزبية أو المذهبية أو التنظيمية، التي قد تخطيء، وقد تصيب. ويكفي أن نتذكر حركات الخوارج، والعلويين، بأجنحتهم المختلفة، والحركة الزبيرية، وحركة يزيد بن المهلّب، وحركة محمد بن الأشعث، والحركة العباّسية، وحركات المرابطين، والموحدين، والتنظيمات الصوفية والحرفية.. وغيرها كثير. ممن كان يجد في (الفقيه) الدعم والإسناد، وربما القيادة، لكي تتأكد لنا المساحات الواسعة التي تعكس الجانب الآخر من ثنائية العلاقة بين الفقهاء والسلطة..
وهاهنا يتحتّم ألاّ نقع في (الخطأ)، الذي قبل به الكثيرون، والذي يصوّر السلطة، أو القيادة الإسلامية (التاريخية)، كما لو كانت أمراً مقدّساً، أو تفويضاً إلهياً.. ذلك أن أية قيادة، في مدى عالم الإسلام، ما إن تنحرف بهذه الدرجة، أو تلك، وما إن ترفض النقد والتقويم، والرجوع إلى الطريق، حتى يغدو على المسلمين أن يثوروا، لتحقيق ما عجزت الكلمة والحوار عن تحقيقه.
لقد كانت هذه المسألة بمثابة بداهة واضحة في أذهان المسلمين، وشعورهم، مثلما كانت واضحة في عقل القيادة الراشدة، وحسّها، وإن كلمات الخليفة الأوّل (أبي بكر الصديق)، وأمير المؤمنين (عمر بن الخطاب) (رضي الله عنهما)، لتختصر المسألة كلها بالوضوح المطلوب.
لقد كان الحاكم المسلم الحق هو الذي يضع خده على الأرض لأهل العفاف وأهل الكفاف، كما أعلن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، وليس ذلك الذي يعلن نفسه ظلاً لله في الأرض، لا يستمع لنقد، ولا ينحني لحق.
إن المسلمين كانوا مدعّوين دائماً، لأن يرفضوا طاعة السلطة لحظة اعوجاجها وخروجها عن الطريق، وليس العكس، كما تصوّر الكثيرون.
وإن طاعة أولي الأمر تتحقق يوم يكون أولوا لأمر مسلمين حقاً، وإلاّ فان المجابهة والثورة تغدوان واجبتين وجوب الصلاة والزكاة والصيام، من أجل تسليم الزمام لمن يعرف كيف يتعامل مع السلطة بما يريده الله ورسوله (صلى الله عليه وسلم).
وهكذا، فإن حركات المعارضة، التي وقف الفقهاء خلف بعضها، والتي قارعت القيادات والسلطات، ليست شرّاً كلّها، كما يتصور البعض، ولكنها محاولات جادة لإعادة الأمور إلى وضعها الطبيعي. وبالرغم مما انتابها من أخطاء، وما لابس معطياتها من شوائب وأكدار، فإن الدافع - في أحيان كثيرة- كان محاولة التحقّق بالإسلام، على مستوى القيادة أو السلطة، بعدّها حجر الزاوية، ونقطة الانطلاق.
ومرة أخرى، فإن الكتاب الذي بين أيدينا يحاول تعديل الوقفة الجانحة، وتسليط الضوء على الجانب الآخر، المترع بالوقائع والخبرات، التي تؤكد البعد الجهادي الانقلابي لهذا الدين: شعوباً، وحركات، وجماعات، وقيادات فقهية.. ولعل المحاولة تغري الأخ المؤلف بمواصلة الطريق، وتقديم المزيد.
 ***
المسلمون وكتابة التاريخ
الدكتور عبد العليم عبد الرحمن خضر

في عصر التخصص هذا لم يعد ممكناً الدخول إلى ساحة التاريخ من باب واحد، بعد إذ أصبح علماً، أو نشاطاً معرفياً ذا طبقات شتى، فكان لا بّد من الولوج إليه من أبواب متفرّقة يُفضي كل واحد منها إلى طبقة أو دور من عمران هذي الطبقات والأدوار.
وبقدر ما يتعلق الأمر بإسلامية هذا العلم، فإن علينا - أولاً - ان نتبين جيداً مسالكه وأبوابه، وأن نضع نصب أعيننا خرائطه التفصيلية كي لا تتبقى أية مساحة، لا تمتد إليها المحاولة – فتعيد تكييفها إسلامياً، إنْ على مستوى المنهج أو الموضوع، بغضّ النظر عن حجم الجهد والمدى الزمني المطلوب.
وبمقدور المرء أن يؤشر هاهنا، مجرد تأشير، على السياقات أو المحاور الأساسية للنشاط المعرفي التاريخي، من أجل تبيّن (الموقع) الذي يحتله الكتاب الذي بين أيدينا على خارطة التاريخ من جهة، و(الدور) الذي نفذه في دائرة التمهيد لأسلمة التاريخ من جهة أخرى.
هنا كسياق أو محور يُعنى بنشوء التدوين التاريخي وتطوره حتى أصبح علماً، وهذا يتضمن بطبيعة الحال تحليلاً (هستريوغرافياً) تنطوي فيه دراسة جل أولئك الذين اسهموا في هذه المسيرة عبر طريقها الطويل، من رواة وإخباريين ومؤرخين، فضلاً عن تحليل أنماط التدوين التاريخي ما بين عام ومحلي، حضاري وسياسي، تراجم وحوليات، موسوعي ومتخصص إلخ ... مما هو معروف لدى الباحثين.
وهناك سياق ثانٍ يهتم بمنهج البحث التاريخي الذي يستهدف بلوغ الواقعة التاريخية، أو مقاربتها في الأقلّ، والذي تحقّق بأقصى وتائر النموّ في تقنياته، في العقود الأخيرة، بسبب من تراكم الخبرات، والانفجار المعرفي الذي هيأ له أدوات عمل متقدمة (علوماً مساعدة) على قدر كبير من الاكتمال والقدرة على إضاءة الطريق أمام البحث التاريخي وإعانته على هدفه المذكور.
وثمة سياق ثالث يذهب إلى محاولة تفسير القوانين والسنن التي تتشكل بموجبها معطيات التاريخ بوقائعه المزدحمة المتشابكة من أجل وضع اليد على مجموعات نمطية من المؤثرات التي تتحكم بالحركة التاريخية فتسوقها في هذا الاتجاه أو ذاك، والتي ترتّب النتائج والمسببات على الأوّليات والأسباب، فيما يعرف بفلسفة التاريخ.
يوازي هذا كلّه سياق رابع، يتمثل بالبحث التاريخي نفسه، ذلك الذي يعنى بالحديث عن هذه الواقعة أو تلك، مكتفياً بجمع الروايات عنها حيناً، محلّلاً مقارناً مفسّراً حيناً آخر، مما يشكل - في حقيقة الأمر - المساحة الأكثر اتساعاً في معطيات النشاط المعرفي التاريخي.
فبمجرد إلقاء نظرة عابرة على أية مكتبة تاريخية، فإننا سوف نجد معظم محتوياتها تنضوي تحت السياق الأخير، ولا تتبقى سوى قلّة منها تغذي السياقات الثلاثة الأولى: النشأة، والتطور، المنهج، والفلسفة.
ولحسن الحظ فإن العقود الأخيرة على وجه الخصوص، بدأت تشهد نشاطاً ملحوظاً، على مستويي الكم والنوع، في هذه السياقات قد يبلغ في عقدنا ا لراهن درجة التدفّق التي تحتّم على المؤرخ المسلم أن يشمّر عن ساعد الجد، لكي يكون قديراً على احتواء الموجة ما وسعه الجهد، وتوظيفها في دائرة أسلمة المعرفة التاريخية.
وقد يكون بحد ذاته ما يبّرر محاولة الأخ الدكتور عبد العليم عبد الرحمن خضر في تأليفه الكتاب الذي بين أيدينا، وما يسوّغ معه قيام (المعهد العالمي للفكر الإسلامي) بوضعه تحت تصرّف القرّاء.
إن هذا الكتاب – برغم اختلافي مع مؤلفه في بعض المسائل – يعالج، وبرؤية إسلامية صافية، العديد من الموضوعات والمفردات التي تمسّ ا لنشأة والتطور حيناً، وتتحدث عن
(المنهج) حيناً آخر، وتمضي لكي تدلي بدلوها في (فلسفة التاريخ) حيناً ثالثاً.
وبنظرة على محتويات الكتاب: بعناوينه الرئيسية وموضوعاته الفرعية، يمكن للمرء أن يتبيّن المساحة الواسعة التي اجتازها المؤلف عبر هذه المحاور الثلاثة، محاولاً، بقدر كبير من الإخلاص للحق، أن يقدّم رؤية إسلامية لهذه المسألة، أو تلك من المسائل المزدحمة المتشابكة في معمار المعرفة التاريخية المتشعّب وخرائطها المعقدة الصعبة.
ولقد قام المؤلف بتغذية مؤلّفه وتوثيقه بحشد غير قليل من النصوص والاستشهادات، سواء من المصادر العربية القديمة، أم الدراسات والبحوث الحديثة، عربية وغير عربية، الأمر الذي يمنح الكتاب قيمة علمية ويوسّع آفاق التحليلات المقارنة التي تمثل واحدة من أهم ميزات الكتاب.
ومن أجل تأسيس رؤية إسلامية وتوكيدها أولى المؤلف معطيات القرآن الكريم، والسنة الشريفة أهمية بالغة، هذا إلى أنه منح القناعة لقارئه بالدور الرائد، والجهد المبتكر، على مستوى الموضوع والمنهج، ذلك الذي نفذه المسلمون، زمن تألقّهم الحضاري، بصد تطوير علم التاريخ ورسم مناهجه.
والمؤلف يتجاوز منطق الدفاع عن المنظور الإسلامي للتاريخ ازاء المعطيات الوضعية، ويتحوّل إلى نقد هذه المعطيات، فيما هو واضح في الفصلين الأول والسادس، وهو أمرٌ ضروري لتأكيد أصالة المنظور الإسلامي، وتجاوز مرحلة الإعجاب والأخذ غير الممحّص عن الغير.
ويلمح المرء – في مقابل هذا – وعبر الفصلين المذكورين وبخاصة أولهما – فقرات، بل صفحات بأكملها لاتتجاوز مهمة سرد النصوص التي تتحدث عن مسائل شتى تتعلق بعلم التاريخ وعلاقته بالعلوم الأخرى،و بأهمية علم التاريخ، وببعض الاتجاهات الحديثة في مجال البحث التاريخي.. الخ، مما هو معروف لدى الباحثين، وقد لا يكون مرتبطاً ارتباطاً منهجياً بصلب الكتاب الذي أريد له أن (يؤصّل) للمنظور الإسلامي في مجال الفكر التاريخي.
وبرغم أن المؤلف يخصص الفصل الرابع لتحليل (ملامح المنهج العلمي لتدوين التاريخ عند ابن خلدون) فإننا نجد مساحات واسعة من الفصل الثالث الذي يسبقه تخصص لابن خلدون كذلك (انظرالصفحات : 87-103) وهذا يمثل ولا ريب توزيعاً للمادة قد يربك القارئ، فمادام المؤلف قد خصّ ابن خلدون بفصل مستقل، فليس ثمة مبرر لتخصيص هذه المساحة الواسعة عنه في فصل سابق، بالرغم من أنها تعالج ما يمسّ الفصل المذكور.
هناك مساحة واسعة من الفصل السابع (نحو منهج إسلامي لإعادة كتابة التاريخ)
(وبخاصة الصفحات: 251-266) لا ترتبط بهذا الفصل قدر ارتباطها بالفصل الخامس الذي يتناول (مناهج البحث التاريخي عند المسلمين)، كما أنها أقرب كذلك إلى الفصل الثاني الذي يتناول (علم التاريخ عند المسلمين).. كما أن المؤلف في بقية صفحات الفصل السابع المذكور يطرح بعض الملامح الأساسية للمنهج الإسلامي، ويناقش بعض المحاولات، التي انحرفت عن هذا المنهج، ويتمنى المرء لو أضيف إلى هذا برنامج عمل، أو مقترحات محدّدة في كيفية الإفادة من هذا (المنهج) لإعادة كتابة التاريخ.
مهما يكن من أمر، فإن الكتاب يغذّي توجّهات عديدة في دائرة أسلمة التاريخ، ويفتح آفاقاً شتى للبحث والتقنين، كما أنه يشجّع الباحثين الآخرين، لكي يدلوا بدلوهم في واحد أو أكثر من سياقات الفكر التاريخي: تأسيساً وتنظيراً، أو مقارنة ونقداً وتحليلاً، أو تركيباً وتطبيقاً.
وعلينا أن نتذكر هاهنا أن روّاد المعرفة التاريخية في حضارتنا الإسلامية ايام ازدهارها وتألقّها. لم يألوا جهداً في أي من السياقات الأساسية لهذا الحقل، فأسهموا في تأسيس وتطوير هذا العلم، ووضعوا مناهجه، وزادوها بلورة ونضجاً، وسعى بعضهم إلى تفسير الواقعة التاريخية.  والتأشير على السنن والقوانين التي تتشكل بمقتضاها، فكانوا روّاداً في حقل (فلسفة التاريخ) البكر.. هذا إلى ذلك الكم الهائل الذي قدّموه في مجال البحث التاريخي والذي لم يكد يترك صغيرة ولا كبيرة إلاّ أتى عليها، فيما لم ترق إليه تواريخ الأمم والشعوب الأخرى، في أي مقياس من المقاييس.
لكن هذا كله لا يكفي، أو يبّرر، اية ممارسة من ممارسات الانغلاق على الذات، أو التحقّق بالاكتفاء الذاتي في مجال النشاط المعرفي التاريخي، وأنه لا بّد من الانفتاح على هذه المعرفة النامية المتطورة على مستوى العالم كله. أخذاً ونقداً وتمحيصاً..
والذي يدفع إلى هذا أكثر من أمر يجعله (ضرورة) محتومة، وليس ترفاً أو اختياراً، ويبدو أن أكثر هذه الدوافع إلحاحاً، كون الخبرة التاريخية في سياقاتها المختلفة مسألة ديناميكية تواصل سعيها للنموّ والاكتمال، مستفيدة إلى حد كبير من قانون تراكم الخبرة الذي تمثل معطيات حضارتنا الإسلامية عنصراً أساسياً فاعلاً في إغناء مكوّناته.. وأنها (أي
الخبرةالتاريخية) قد بلغت في العقود الأخيرة من القرن العشرين مرتقى صعباً، وأننا، بالاستمداد منها، والإفادة من نتائجها، قد نسترّد بعض ما أسديناه لها من ديْن.
هذا إلى أن سياقات أو محاور المعرفة التاريخية ليست على قدم سواء، فهي في بعض مساحاتها تنطوي على بطانة او خلفية قد ترتطم – ابتداءً – بالتصور الإسلامي للمعرفة التاريخية، وبالتالي فإن لنا أن نتجاوزها، ولكن ليس قبل أن نخبرها جيداً، ونسعى لأن نهدم حججها وأسانيدها، لأنّ هذا – بحدّ ذاته – يمنح التصوّر الإسلامي فرصة أكبر لإثبات الذات، ويعطي المزيد من المبرّرات الملحّة لأسلمة هذا الحقل الذي تجاوز الوضعيون صراطه المستقيم فضلّوا وأضلّوا.
إلاّ أن المعرفة التاريخية في مساحات أخرى منها، وبخاصة تلك التي تتعلق بتقنيّات المنهج، إنما تمثل خبرة حيادية، سنكون مخطئين مقصّرين إن لم نسع للإفادة منها في تطوير مناهجنا وإغنائها، فيما يعين على أن نمضي إلى أهدافنا في مجال أسلمة المعرفة التاريخية، بخطى أسرع وأكثر خبرة ووعياً حرفياً.
وغير التقنيات، كشوف ذا ت قيمة بالغة في هذا الجانب أو ذاك من تاريخ البشرية، بحثاً وتحليلاً وتركيباً وتفسيراً.
إنها معادلة صعبة.. نعم.. لكن وضوح الرؤية العقدية، وتنامي الخبرة التاريخية في سياقاتها كافة لدى الإسلاميين، ستعين - ولا شك - على فك لغزها، وتوظيف محصّلتها الأخيرة لصالح إسلامية هذا الفرع المهم، من فروع المعرفة الإنسانية.
ولن تكون المسألة هاهنا إلاّ كما كانت هناك، على كافة صُعُد التعامل الثقافي مع الغْير: تحكيم الخبرة المتشكّلة في دائرة التصور الإسلامي الأصيل، من أجل ألاّ يمرّ، إلاّ كلما يمكن أن يعين على البناء.
ولقد جاء كتاب (المسلمون وكتابة التاريخ) حلقة خصبة ودرساً مفيداً في هذا الطريق.
 ***
اليهود في الدولة العربية الإسلامية في الأندلس
الدكتور خالد يونس الخالدي

للوهلة الأولى، وعندما يجد المرء نفسه قبالة هذا الحشد الكثيف من الوقائع والتوثيقات التي تنطوي عليها هذه الرسالة، يتساءل: أين كان الباحثون عبر هذا المدى الزمني المتطاول من عمر الدراسات العليا والبحث العلمي في التاريخ الإسلامي، ولماذا لم يولوا هذه الحلقة المهمة في تاريخنا ما تستحقه من اهتمام؟
ولعل من حسن حظ الأخ خالد الخالدي أن يكون الباحث الذي يملأ الفراغ، وأن يحدّثنا بالرصانة العلمية وفق شروطها كافة، عن وضع اليهود في الأندلس عبر القرون الثمانية
التي أتيح للمسلمين ان يحكموا فيها هذه الأرض الأوربية، لكي يرى (الآخر) بما في ذلك
(اليهودي) نفسه الذي يجلدنا في فلسطين وخارج فلسطين، منذ أكثر من خمسين عاماً،
ما الفارق بين أمة تتلقى كلمات الله وتعاليم رسوله (صلى الله عليه وسلم) ، فتنفذها في واقع الحياة، مع ذات أنفسها، ومع مخالفيها في الدين والعقيدة أياً كانوا، وبين فئة خرجت عن طاعة الله سبحانه وتعالى وانحرفت بها السبل عن تعاليم رسله الكرام (عليهم السلام) فجعلت من نفسها حكماً على (الآخر) ، وتعاملت معه بأشد صيغ الخصومة والعداء، حقداً وكراهية، ورغبة في الأذى، والاستعباد والنفي والمصادرة.
إن قيمة التاريخ تكمن هاهنا بالدرجة الأولى، بما أنه تحقّق في الزمن والمكان: أنه يمنح العقائد والمذاهب مصداقيتها، أو يجرّدها منها!
هاهنا، عبر التاريخ الإسلامي في الأندلس، في تلك الحلقة المدهشة والمحزنة من هذا التاريخ، يحشد الباحث مئات الصفحات المترعة بالمعطيات والخبرات الموثقة لكي يجيب عن هذا السؤال: كيف كان وضع ا ليهود في بيئة أتيح للمسلمين أن يتولوا فيها زمام السلطان؛ كيف كانت حياتهم الدينية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية والثقافية تشق طريقها فيما يزيد عن القرون الثمانية؟
وبصبر وأناة، وقدرة على لمّ الشواهد والروايات الخاصّة بالموضوع، والتعامل معها تحليلاً وتركيباً ومقارنةً ونقداً يتابع الباحث مهمته في ضوء (خطّة) محكمة عرف كيف يغطّي، بمحاورها ومفرداتها كافة، المطالب الأساسية للموضوع حيث تناول: اليهود في إسبانيا.
قبل الفتح الإسلامي، والاستقرار اليهودي في الأندلس، وتعاملهم مع السلطة، وحياتهم الاجتماعية، وتنظيماتهم الإدارية والاقتصادية، وحياتهم الثقافية، مع مقدمة تضمنت تحليلاً قيماً للمصادر والمراجع، وخاتمة خلص فيها إلى نتائج بحثه الشامل هذا التي كان من أبرزها ولا ريب: ان الفتح الإسلامي للأندلس كان مخلصاً لليهود ومنقذاً لهم من العبودية والانقراض. وأن المسلمين سمحوا لليهود بالسكن في المدن الأندلسية، بعد أن حرمهم القوط من ذلك، وساووهم بأبناء القبائل العربية، وأن العهود التي التزم فيها الحكام بالمنهج الإسلامي في التعامل مع اليهود، والتزم فيها اليهود بشروط عقد الذمة، شهدت هدوءً وعلاقات طبيعية بين اليهود والسلطة، وبين اليهود والمسلمين عموماً. وأن المسلمين سمحوا لليهود الذين حصلوا على مناصب مهمة في بعض العهود، بالإفادة من مناصبهم، في خدمة اليهود داخل
وخارج الأندلس. وأن يهود الأندلس لم يقدّروا إحسان المسلمين إليهم. وكانوا يشاركون النصارى الإسبان في التنكيل بمسلمي المدن الأندلسية المحتلة، ويدعمونهم بالمال في حربهم ضد مسلمي الأندلس، ويشاركون في القتال معهم في بعض الأحيان. وأن مسلمي الأندلس كانت لهم علاقات اجتماعية طبيعية باليهود، وقد أحسنوا إليهم وأنصفوهم بالرغم من علمهم بسوء طبائعهم، وشدة عدائهم للمسلمين، وذلك لأن دينهم يأمرهم بالإحسان إلى اليهود عندما يكونون تحت حكمهم وفي ذمتهم، وأنه كان ليهود الأندلس تنظيماتهم الدينية والقضائية الخاصة، وأنشطتهم الاقتصادية المتنوّعة، وممارساتهم الثقافية التي تأثرت بالفكر الإسلامي، وساعدت بدورها على نقل ثقافة وفكر وعلوم المسلمين إلى أوربا التي أقامت عليها نهضتها العلمية الحديثة.
لقد كتب الكثير عن تعامل المسلم مع الآخر عبر رحلة الأربعة عشر قرناً، التي اجتازها الإسلام في جغرافية العالم القديم. وكلنا يذكر - على سبيل المثال - كتاب المستشرق البريطاني السير توماس أرنولد : (الدعوة إلى الإسلام) الذي غطى الكثير من مفردات الظاهرة في الزمن والمكان. فكان - بحق - واحداً من أكثر البحوث الاستشراقية موضوعية وإنصافاً، برغم بعض المآخذ العلمية التي قد توجّه إليه.
ولكن تبقى الحاجة ماسة إلى اثنتين: أولاهما أن يكتب المسلمون بأنفسهم تاريخهم، فهم – ولا ريب - الأقدر على مقاربة الحقائق وإدراك دلالاتها ومغزاها. وثانيتهما أن ينصرف كل باحث إلى بيئة أو فترة محدّدة لكي يتمكن من السيطرة أكثر على المادة التاريخية، وينفّذ- بالتالي - دراسة معمّقة للموضوع الذي يتعامل معه.
وبالتأكيد فإن جملة البحوث التي ستتمخض عن هذه المحاولات، ستغذّي المكتبة التاريخية، والمعنيين بالتاريخ الإسلامي، بدراسات في غاية الأهمية عن موضوع التعامل بين المسلم والآخر، أو بعبارة أخرى: بين الغالب والمغلوب.
ولقد كان من حظّ الخالدي أن يكون واحداً ممن وضعوا لبنة ذات ثقل ملحوظ في هذا السياق، برسالته هذه التي تستحق كل تقدير.
وقبل عام فحسب أنجزت قراءة كتاب (حقائق قرآنية حول القضية الفلسطينية) للدكتور صلاح الخالدي الذي عرف كيف يتعامل مع المعطى القرآني المعجز عن فلسطين واليهود.. وكيف يفّسر على وجه الخصوص الآيات المتعلقة بالموضوع من سورة الإسراء فيما لم يرق إليه أي تفسير آخر في القديم والحديث: قدرة على لم الشواهد القرآنية، والإيغال في دلالاتها، والتوصّل في نهاية الأمر إلى حقائق (تاريخية) في غاية الدقة والإحكام. وهو كتاب - إذا أحسن توظيفه في صراعنا مع العدو الصهيوني واليهودية العالمية المتنفذة - فإنه سيمنحنا الكثير.

أتراها (غزة) الفلسطينية، هذا المنجم الغني بعطائه، السخّي بتخريج المجاهدين والباحثين على السواء، ما يجعل الخالديين يقدمان في سياق العلاقة بين المسلم واليهودي، اثنتين من أكثر الدراسات المعاصرة أهمية وإحكاماً عبر مدى لا يتجاوز السنوات الست؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق