الأحد، 3 يناير، 2016

قراءة لبعض أفكار سيد قطب بين الواقعية والمثالية

سعد سعيد الديوه جي
مما لا شك فيه أن (سيد قطب) - رحمه الله - علم من أعلام الفكر الإسلامي، سيبقى على مر الزمن، دفع حياته ثمناً، بثباته على مواقفه، ودفاعه المستميت عن الإسلام والمسلمين. وكان مبدأياً بكل ما تعنيه الكلمة، ولم يتنازل عن مبادئه حتى صعوده إلى مشنقة الظالم.
ونحن لسنا بصدد إطراء هذه الشخصية الشامخة، ولكن ذلك لا يمنع من مناقشة بعض إفكاره حول بعض المفاهيم العامة في الإسلام، خصوصاً وأن بعض هذه الأفكار قد تم اتخاذها من بعض الحركات الإسلامية كشماعة، لتعليق تصوراتهم، وتغطية لجهلهم بالتاريخ. والذي نعتقده أن (سيد قطب) كان أديباً بارزاً، ولغوياً متمكناً، ولكنه لم يكن متعمقاً في التاريخ عموماً، وفي التاريخ الإسلامي خصوصاً، وكانت نظرته لكثير من المفاهيم مثالية، غير واقعية .
فمن المسائل المبدئية التي أشاعها (سيد قطب) في مؤلفاته، إطلاق مصطلح: المجتمع الجاهلي على كل مجتمع لا يطبق الشريعة الإسلامية، حسبما تصورها في زمن عصرها الذهبـي المثالي، أي في عصر الخلافة الراشدة. وهو تصور مثالي غير واقعي على الإطلاق، كان يدور في مخيلته منذ شبابه. فمصطلح (المجتمع الجاهلي) كان تعبيراً عن مجتمع وثني قبل الإسلام، ولا يمكن القياس بذلك على أي مجتمع يدين بالإسلام، مهما بلغت أخطاؤه. ففي كتابه الشهير: (كتب وشخصيات) - والذي يحلل فيه، ويقيّم، وينتقد، كتباً أدبية لكتّاب عصره، أمثال: المازني، والعقاد، وطه حسين، وتوفيق الحكيم، وغيرهم- فإنه يحشر كتاباً لـ(شفيق جبري) بعنوان: (العناصر النفسية في سياسة العرب)، وهو من عنوانه كتاب سياسي، أكثر منه كتاباً أدبياً.
والحقيقة أن الآراء التي ينقلها (سيد قطب) من هذا الكتاب، هي من آراء الأهواء، التي لا تعتمد على الواقعية، ولا على الدراسة السياسية الدينية، والتاريخية الرصينة، ولكنه يبدو قد تأثر بها، كما سنرى ذلك لاحقاً.
حيث يصف الكاتب الطريقة التي تم فيها اختيار(خليفة) لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) بأنها تدل على الارتباك. ناسياً أن مسألة الاستخلاف مسألة دنيوية بحتة، أصلها إقامة العدل، وتطبيق الشريعة، بما يناسب الزمان والمكان، وأن وجود رجال عظماء أمثال (أبي بكر) و(عمر) (رض) لا يدل على الارتباك، و إنما على تجربة جديدة، لم يمارسها المجتمع العربي سابقاً، وبعد انتشار الإسلام. وعدم وجود نصوص قرآنية صريحة، وأحاديث نبوية شريفة، بهذا الخصوص، يدل - بما لا يدع مجالاً للشّك- بأن مسألة الاستخلاف تخضع لعوامل زمنية ومكانية، بجانب الشروط الشرعية.
وينعت (شفيق جبري) تجربة سيدنا (عمر) في اختيار الخليفة، بالارتباك، متناسياً أن (عمر) (رض) قد وضع الشروط للاستخلاف، وهو يعاني من سكرات الموت، إثر الجروح التي أصيب بها، بعد طعنه من قبل (أبي لؤلؤة المجوسي)، وأن ما وضعه من قواعد وشروط يمثل فكراً سياسياً متقدما على عصره بمراحل طويلة، وأن المسألة كانت تشغله حتى قبل أجله، وهو القائل قولته الشهيرة: (لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً، لولّيته)، وهذا من أحد جوانب تكامل شخصية الفاروق (رض)، وبحثه عن الأصلح، بغضّ النظر عن الانحدار الطبقي، والانتماء القبلي.
ويستمر الكاتب بتطاوله، فيقول بحقّ (عمر) (رض): "خاف من التبعة، ففرّ منها". ثم ينتقد طريقة الشورى، بما لا يليق بها، فقد كان من أنصار الرأي الواحد - على ما يبدو-، ليتطاول أكثر، فيقول: "ففكرة عمر في أن يجعل أمر المسلمين شورى بين ستة، يتزاحمون على الخلافة، غلطة نفسية" !!
ويعرج الكاتب على مسألة الفتنة بين (علي) و(معاوية) (رض) بشكل سطحي، ضمن إطار ديني بحت، لا واقعية فيه، وحسب تصوراته هو. علماً أن المسألة معقدة للغاية، وأن أساسها كان مقتل (عثمان) (رض) بشكل بشع، وعدم القصاص من القتلة. وأن كلا من (علي) و(معاوية) (رض) لم يكفر أحدهما الآخر، ولم ينتقص منه، والله تعالى يقول: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} (9 الحجرات).

 وربما كانت كثير من التفاصيل لم تصل إلينا لجسامة الأمر، ولكن الكاتب يختصر الأمر بأن (معاوية) (رض) قد استخدم الأسلحة القذرة، وهي كلمة سيئة بحق صحابي جليل، وأحد كتبة الوحي. وكان على (سيد قطب)   - رحمه الله - أن يقف عندها، لا أن يمر مرور الكرام عليها، ويترك أثرها في نفسه، ويزداد إيغالا في اللجاجة، فيقول: "وحين يركن معاوية، وزميله: عمر بن العاص، إلى الكذب والغش والخديعة والرشوة وشراء الذمم، لا يملك (علي) أن يتدلى إلى هذا الدرك".
وهذا الكلام يتسم بالتشنج، ولا يمكن الركون إليه، في مسألة خطيرة كمسألة الفتنة. فما هي الخديعة والرشوة؟! ومن هم الذين اشترى ذممهم (معاوية)؟! لقد انتهى الأمر بالتحكيم، ورضي سيدنا (علي) (رض) به، ولو كان حكماً باطلاً، لما رضي به (عليّ) (رض). فمن غير المعقول أن يرضى (علي) بحكم باطل، ليست فيه مصلحة للمسلمين!
لقد تأثر (سيد قطب) بهذه الأفكار، بدل أن يحللها سياسياً وتاريخياً، وانساق وراء عاطفة دينية جياشة. فيقول في معرض تقييمه لهذا الكتاب: "وكان انتصار معاوية هو أكبر كارثة دهمت روح الإسلام، التي لم تتمكن بعد من النفوس". وهكذا يحشر (سيد قطب) روح الإسلام بمسألة سياسية واحدة فقط، ويتهمها بعدم تشرب النفوس بها، نظراً لانتهاء الخلافة الراشدة، التي بدأ نجمها السياسي يأخذ بالانحسار بعد مقتل (عمر) و(عثمان) و(علي) (رض)، وهذه الفكرة هي التي جرّته لاحقاً لفكرة (المجتمع الجاهلي)، وغيرها من الأفكار المثالية غير الواقعية. علماً أن روح الإسلام هي روح التوحيد والقرآن، والتي يمتلكها المسلم المؤمن، سواء عاش في (الحجاز)، أو مصر، أو أمريكا، فمملكة الله هي مملكة النفوس، قبل مملكة السياسة.
وفي مثالية صارخة وخيالية، وإسقاطاً لكل الثوابت، التي رافقت نشوء الحضارة الإسلامية، من آداب وفنون وعمارة، يشطب (سيد قطب) - رحمه الله - كل هذه الثوابت، متناسياً بأنه لا توجد وسيلة محدودة لإقامة حكم الله.
و(سيد قطب) يذهب بعاطفته بعيداً، فيقول: "ولكن انهزام هذه الروح، ولمّا يمض عليها نصف قرن كامل، وقد قُضي عليها فلم تقم لها قائمة بعد – إلا سنوات على يد (عمر بن عبد العزيز)-  ثم انطفأ ذلك السراج، وبقيت الشكليات الظاهرية من روح الإسلام الحقيقية".
لقد وضع (سيد قطب) التاريخ الإسلامي كله في زاوية ضيقة، وباستخدام جمل أدبية رنانة، لا تمت للواقع بصلة، فيقول: "قد تكون رقعة الإسلام قد امتدت على يدي (معاوية)، ومن جاء بعده، لكن روح الإسلام قد تقلصت وهزمت، بل انطفأت". وهذا يعني أنه إذا انطفأت روح الإسلام منذ ذلك الوقت، فإنه ميّت لا رجاء منه.
لقد كانت أحلام (سيد قطب) لقيام الدولة المثالية، التي لاوجود لها، تصب في خانة المثالية، على الطريقة الأفلاطونية. فإذا كانت الروح الإسلامية قد انطفأت بعد خمسين سنة من وجودها، فهل لنا أن نتحدث عن شيء اسمه إسلام، أو فكر إسلامي، أو حتى حضارة إسلامية؟
ولا نريد أن نذهب بعيداً في كل الأفكار التي جاءت في الكتاب، والتي تصب في هذا المجال، مع استعمال بعض المصطلحات غير المناسبة، بحقّ (معاوية)، و(عمرو بن العاص)، كالميكافيلية، وغيرها. ولكن الأحلام المثالية، وعدم دراسة التاريخ بواقعية، بعيداً عن المثالية، كانت المولّدة لكل الأفكار الشاذة، والحركات العنفية، التي تركض وراء الأحلام في أيامنا هذه، والتي صارت منبعاً للتكفير، سواء على مستوى الأفراد، أم على مستوى المجتمعات.

إن الفكر الإسلامي، بصيغه التي تنادي بمثالية خيالية، هو فكر غير متوازن، كالواقف على رجل واحدة، ثم متى ما شعر بالتعب أو المرض، فإنه سيضطر للجلوس، إن لم يسقط. ولهذا فعلينا أن نكون على درجة كبيرة من الواقعية في مناقشة مثل هذه المسائل الخطيرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق