الأحد، 3 يناير، 2016

الخطاب السياسي علماً

عبد الكريم يحيى الزيباري
تمحور الخِطاب السياسي في سجون شكَّلَت الأسس المعرفية، وتغيراتها الجوهرية، قبل (فردريك جيمسون): (السجن بيت اللغة)، لأنَّ اللغة لا تسمح بكل شيء، وقبل (بيركلي): (العقل: سجن الإنسان). فنحن لن نمتلك معرفة من خارج العقل، الذي لا يخرجُ مِنْ سجنٍ إلا ليدخلَ سجناً آخر.
تمحور الخِطاب السياسي حول الرأي العام، وإمكانية إعادة توجيههِ، وإحداث التأثير المُراد إحداثهُ في المتلقِّي، أو المتلقين. وجاء في الحديث عن قصة تفاخر (الزبرقان بن بدر)، و(عمرو بن الأهتم): (إِنَّ مِنَ البَيَانِ سِحْراً)، أيْ أنَّ تأثيره في القلوب كالسِّحر، يقلبها تارةً هنا، وأخرى هناك.
بعد مقتل (يوليوس قيصر)، خطبَ (بروتوس): "لأنَّ حُبِّي لروما كان أقوى من حُبِّي لقيصر، هل كنتم تريدون أنْ يعيش قيصر وتموتوا جميعاً عبيداً له، أم يموت قيصر وتعيشون أحراراً. أنا أحبُّ قيصر، غير إني بمقدار طموحهِ، أثور عليه، لأطيح به، وأقتله"، فهتفت له الجماهير. ثمَّ استطاع (مارك أنطوني) بكلمات قليلة أنْ يقلبَ جماهير روما ضد (بروتوس)، والانقلابيين: "شهدتم جميعاً يوم عيد الخصوبة، كيف عرضَ عليه التاج ثلاث مرات، فرفضه ثلاث مرات، فهل كان هذا طموحاً؟"[1]. وهذه الانقلابات في اتجاهات الرأي العام، لا تحدث فجأة بدون مقدمات. قال لينكولن: "الشعور العام هو كلُّ شيء، لا شيءَ بإمكانهِ أنْ يفشل مع الشعور العام، ولا شيءَ بإمكانهِ أنْ ينجحَ بدونهِ. بالتالي، فإنَّ الذي يُشَكِّل الشعور العام، يكون موقفه أقوى من ذاك الذي يسنُّ القوانين، أو يصدرُ القرارات"[2]. لكن عملية تشكيل الشعور العام مؤقتة، تتشكل وتتبدد بسرعة، لأنَّ الفرد المنخرط في الحشد الجماهيري، يكون قد تنازلَ عن إرادته وعقلهِ لصالح العقل الجمعي، وسرعان ما يعود إلى رشدهِ، حالما يخرج من الحشد. كما وأنَّ قيادة الحشد الجماهيري ليست بالأمر الهيِّن، في عصر هو عصر الجماهير التي حصلت على حقوق طالما كانت محرومة منها، لكن خطورتها تكمن في سرعة وسهولة خروجها عن السيطرة. ولهذا نجدها غالباً لا تستخدم قوتها، إلا في الهدم والتدمير.
لحظة تفرُّع السؤال عن المبرر الأخلاقي للحرب، إلى سؤال العلاقة بين الأخلاق والسياسة، لم يكن الخطاب السياسي يتمتَّع بسمعة جيدة في دوائر البحث العلمي، ولا في أوساط المثقفين. ولهذا طُلِب من (ماكس فيبر) إلقاء محاضرة بعنوان (السياسة بوصفها حرفة)، بتاريخ 28/1/1919،  بدأ بالتضاد مع مقولة (تروتسكي): "كل دولة تقوم على العنف"، بمقولة: "والسياسة، بالنسبة إلينا، تعني السعي من أجل المشاركة في السلطة، أو من أجل التأثير في توزيع السلطة، سواء كان ذلك بين الدول، أو بين مجموعات مختلفة داخل الدولة التي تضمهم"[3]. بعيداً عن الأحلام الطوباوية، غير العلميّة، لمجتمع سعيد يتشارك السلطة والممتلكات بعدالة ومساواة، نأخذ توزيع السلطة، الذي لن يتم بدون علاقات سلطوية، تحدّث عن أهميتها (فوكو)، بدون هذه العلاقات يبدأ الخِطاب السياسي بِشَخْصَنة المواضيع، وعدم كفاءة الساسة، وفقرهم اللغوي، وضعف خيالهم، وشعورهم، بالمسؤولية. فالسياسة يعتبرها الكثير امتيازاً، أكثر مما هي مسؤولية.
إذا كانت السياسة حرفة، فهي بحاجة إلى معرفة وبحث وتطوير. بغية إدخال السرور إلى قلب الأمير، أهدى (ميكافيللي) كتابه (الأمير)، وفيه ما يحتاج الأمير إلى أنْ يعرفه، إلى أمير (فلورنسا) الجديد: (لورنزودي مديتشي)، ليقرّبه، ويستعمله في وظيفةٍ ما، لكنَّ الأمير لم يلتفت إلى الكتاب، لأنّ (ميكافيللي) خَدَمَ الحكومة الجمهورية الشعبية الحرة، التي أطاحت بـ(أسرة مديتشي)، وحكمت للفترة (1498-1512)، وعادت إلى الحكم بدعم جيوش (البابا)، فاعتقلوا المتآمرين، وعلى رأسهم (ميكافيللي)، عذّبوه، ثم أطلقوا سراحه. عاد الجمهوريين إلى الحكم، بعد أربعة عشر سنة أخرى، عام 1527، وَكان الكِتاب وَبالاً عليهِ، فتقدّم بطلب تعيين، تمَّ رفضه، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، منبوذاً من الحكام، القدامى والجدد، ومن الكنيسة، لأنَّهُ قام بتعرية السياسة من ثوبها الفضفاض، ولربما كان أول مَنْ بحثَ المأزق الأخلاقي للسياسة.
وهكذا وُلِدَت صورة السياسي المحترف، الذي يبدأ حياته الوظيفية في خِدمة الأمير، ثم يترقى في السلَّم الوظيفي للهرم السياسي، وصولاً إلى تحقيق طموحه في الترشح، والفوز، في إحدى الانتخابات المحليَّة، ثم الاتحادية، ثم الرئاسية. لكن هذه الصورة لا وجود لها في (الشرق)، قد يجد أيُّ إنسان نفسه، عاملاً في الحقل السياسي، عضواً في مجلس النواب، أو بيده حقيبة وزارية، سواء كان طبيباً، أو تاجرا،ً أو غير ذلك، بدون أدنى تجربة سياسية. هذه الفوضى تعيدنا إلى حديث عند (البخاري): (إذا ضُيّعت الأمانة، فانتظر الساعة. قيل: يا رسول الله، وما إضاعتها؟ قال: إذا وسّد الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة).
القرن الرابع قبل الميلاد، كتاب (أرسطو) في السياسة، الذي بعدما عاينَ الاضطراب السياسي الذي عانته الدويلات اليونانية، وقرأ أيضاً النظريات السياسية، وبحثَ أخطاءها، من حيث مكونات الدولة، ومؤهلات رجل الدولة، وسمّى الدولة القوية بالدولة الكاملة، وهي ضد الدولة الفاشلة، والناقصة: "وأمَّا الدولة الكاملة، فقد نشأت عن ائتلاف قِوى كثيرة. وهي التي تنطوي على عناصر الاكتفاء الذاتي كله... فالاكتفاء الذاتي غاية وأسمى الخيرات"[4]. وحين وصلَ (أرسطو) إلى (الفصل الثامن)، من (الباب الخامس)، عَنْوَنَه: (أسباب انقراض الحكم الفردي)، ومن الأسباب: لأنَّ الحكم الفردي الطغياني يصدر "عن متناقضات. لأن الملكية قامت لمناصرة فضلاء الأمة على الشعب... وأمَّا الطاغية، فهو يؤخذ من طبقة الشعب، ومن سواد الأمَّة، ويُقام في وجه الأعيان، كي لا ينالوا الشعب بشيءٍ من الأذى... إذْ إنَّ أكثر الطغاة – تقريباً- برزوا من مُضلِّلي الشعب... بعد أن نالوا ثقة الشعب، لطعنهم بالوجهاء"[5]. ويصنع لنا الطاغية طبقة أعيان جديدة، حديثة عهدٍ بالسلطة والثروة، لا يجيدون شيئاً غير تبرير أخطائهِ، وتأييدهِ في كلِّ ما يذهبُ إليهِ، إلى أنْ يقعَ في شرِّ أعمالهِ. وكلام (أرسطو) يتَّفِق مع اقتراح (ماكس فيبر) طريقتين لجعل السياسة حرفة: "أنْ يعيشَ المرءُ لأجل السياسة، أو أنْ يعيشَ من السياسة... على السياسي أنْ يكون مُستَّقِلاً اقتصادياً، عن الموارد التي بإمكان السياسة أنْ توفِّرها له... في وضع معيشي خاص... أنْ لا ينصرف ليضعَ قوة عملهِ، وفكره، بشكل كلِّي، أو جزئي، من خدمة تحصيل هذه الموارد"[6]، التي تكفل استقلاله الاقتصادي، أيْ أنْ يكون من الأعيان، وثريَّاً بالوراثة. وللسياسي - لكي يحترف صنعة السياسة- معاشٌ، يغنيهِ عن مزاولة أعمالٍ أخرى. وفي حديث عند (البخاري)، عن الاحتراف: (لمَّا استُخْلِفَ أبو بكرٍ الصديقُ، قال: لقد عَلِمَ قَوْمي أنَّ حِرْفَتي لم تَكُن تَعْجِزُ عن مَؤُنَةِ أهلي، وشُغِلْتُ بأمْرِ المسلمينَ، فسيأكلُ آلُ أبي بكرٍ من هذا المالِ، ويَحْتَرِفُ للمسلمين فيه). لهذا يجب أنْ تكون السياسة حُرفة، وصنعة، وعلماً، يتطور كسائر العلوم.
وعنونَ (ابن القيم الجوزيَّة) في كتابهِ (إعلام الموقعين عن رب العالمين) فصلاً بعنوان (الْعَمَلُ بِالسِّيَاسَةِ)، ونقلَ تعاريف وحجج: "فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْعَمَلُ بِالسِّيَاسَةِ هُوَ الْحَزْمُ، وَلَا يَخْلُو مِنْهُ إمَامٌ. وَقَالَ الْآخَرُ: لَا سِيَاسَةَ إلَّا مَا وَافَقَ الشَّرْعَ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: السِّيَاسَةُ مَا كَانَ مِنْ الْأَفْعَالِ، بِحَيْثُ يَكُونُ النَّاسُ مَعَهُ أَقْرَبَ إلَى الصَّلَاحِ، وَأَبْعَدَ عَنْ الْفَسَادِ، وَإِنْ لَمْ يُشَرِّعْهُ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا نَزَلَ بِهِ وَحْيٌ". واستشهد (ابن عقيل) بحالات، مِمَّا لَا يَجْحَدُهُا عَالِمٌ بِالسِّيَرِ.
وعنونَ (ابن خلدون) الفصل السادس والعشرين: (في اختلاف الأمة في حكم هذا المنصب، وشروطه)، يقصد منصب الحاكم. وقسَّم الحاكم إلى ثلاثة أنواع: مَلِك: يجبر النَّاس على مقتضى الغرض، والشهوة. والسياسي، يحمل الكافة على مقتضى النظر العقلي، في جلب المصالح الدنيوية، ودفع المضار، أو يحملهم على مقتضى النَّظر الشرعي الديني. وعنونَ (ابن خلدون) (الفصل الثالث والثلاثون: في أن الصنائع تكسب صاحبها عقلاً)، ويقول: "النفس الناطقة للإنسان، إنما توجد فيه بالقوة. وأن خروجها من القوة إلى الفعل، إنما هو بتجدّد العلوم والإدراكات عن المحسوسات أولاً، ثمّ ما يكتسب بعدها بالقوة النظرية، إلى أن يصير إدراكاً بالفعل، وعقلاً محضاً... فيحصل لها ملكة الانتقال من الأدلة إلى المدلولات، وهو معنى النظر العقلي، الذي يكتسب به العلوم المجهولة، فتكسب بذلك ملكة من التعقل، تكون زيادة عقل، ويحصل به مزيد فطنة، وكيس في الأمور، لما تعودوه من ذلك الانتقال... وهو معنى العقل". ويختم (ابن خلدون) مقولته بآية (78) من (سورة النحل): {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ}، والتي تُعدِّد أدوات تحصيل العلم، للخروج من حالة الجهل.
نصيحة (ميكافيللي) للسيطرة على (الدولة العثمانية)، في القرن السادس عشر، هي عينها نصيحة (إبراهيم متفرقة)، في القرن الثامن عشر، لتفادي الوقوع تحت سيطرة (الغرب)، وهي عينها نصيحة (الأحنف بن قيس)، في القرن السابع، للسيطرة على (بلاد فارس). هذا الخِطاب لم يخضعَ للنقد والتحليل، فالتغيير لا يمكن أن يحدث دفعة واحدة، وما يَصلحُ لمريضٍ من دواء، قد لا يصلح لمريضٍ آخر، يعاني المرض عينه، في الظروف عينها، فغالباً ما يصير الانتقام هدفاً، إذا انتقلت السلطة، إلى درجة تغيير مدير عام، أو مدير قسم. وفي التاريخ، لقي المقرَّبون من (الحجاج) حتفهم، حال استلام (سليمان بن عبدالملك) للسلطة، وبضمنهم (محمد بن القاسم الثقفي)، و(قتيبة بن مسلم الباهلي)، وغيرهم من رجالاته، وأقربائه. وتصطدم السلطة الجديدة برغبة الذين كانوا يمتلكونها، فتفرضُ عليهم عبئاً ثقيلاً، لا يخفّفه غير الحوار، والتسامح، بخصوص ما كان بإمكانهم فعله، ولأنَّ الضحيَّة لا تستوعب الأفعال الخاطئة، التي مكَّنتها من الحصول على السلطة.
عام 1513 أشارَ (ميكافيللي) على (لورنزو ميديتشي): "من الصعب جداً الاستيلاء على (الدولة التركية)، لكن السيطرة عليها سهلة جداً، لأسباب عديدة، وذلك في حالة هزيمتها. أما (مملكة فرنسا)، فمن السهل جداً إسقاطها، لكن السيطرة عليها أمرٌ شديد الصعوبة"[7]. وقبل ذلك، وبعده، شرحَ الأسباب: اجتماعياً، وسياسياً، واستشهدَ باحتلال (الاسكندر المقدوني) لمملكة (داريوس)، والسيطرة عليها، فلم تقم ثورة واحدة ضدَّ خلفائهِ، وكان حكمهم سوف يستمر، لولا أنَّهم اقتتلوا فيما بينهم. ويبرّر سهولة السيطرة على (الدولة العثمانية)، بأنَّ شعوبها مضطهدة، يُعَاملون كالعبيد، بلا أدنى كرامة. وشرط السيطرة هو قتل الإمبراطور العثماني، وكلّ من يمثله، مع عدم ترك فراغ في حياة الناس. وهذه عين نصيحة (الأحنف بن قيس) لـ(عمر): "نهيتنا عن الانسياح في البلاد، وأمرتنا بالاقتصار على ما في أيدينا، وإنَّ مَلِك فارس حيّ بين أظهرهم، وإنهم لا يزالون يساجلوننا ما دام ملكهم فيهم، ولم يجتمع ملكان فاتفقا، حتى يخرج أحدهما صاحبه. وقد رأيت أنّا لم نأخذ شيئاً بعد شيء إلا بانبعاثهم، وأن ملكهم هو الذي يبعثهم. ولا يزال هذا دأبهم حتى تأذن لنا، فلنسح في بلادهم، حتى نزيله عن فارس، ونخرجه من مملكته، وعزّ أمته، فهنالك ينقطع رجاء أهل فارس"[8]. وهو عينُ ما فعله (بريمر)، بحلِّ الجيش العراقي، والأجهزة الأمنية، والإعلام، وإعدامهِ (صَدَّام حسين). بحسب وصفة (ميكافيللي)، و(الأحنف)، كان يجب أنْ تستقر الأوضاع، لكنَّ الأمور ساءت، وخرجت عن السيطرة، لاستحالة التنبؤ بمسيرة التاريخ، رغم التشابه الشديد. فليس هناك شعبٌ أكثر تعلقاً بالماضي من الشعوب الجبلية، ومثلها الشعوب الصحراوية، والمجتمعات العشائرية، وبدرجةٍ أقل: الذين يمتهنون الزراعة في القرى النائية. وليس من فكرةٍ تشدُّ الناس، وتجذبهم، كفكرة التغيير والتجديد، لأنَّهم يرون فيها خَلاصَاً من العذاب والسأم الذي يعيشونه، لكنَّ أيَّ تغيير جوهريّ سوف يزلزلهم، ويقلقهم حدَّ الموت، بسبب ضغوطات سلطة التاريخ، والفراغ الذي سيلاحقهم، وداء التقليد، والمحاكاة، أو ما يسمى بالألفة الآبائية، من قوله تعالى: {قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا، أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} البقرة/170.
بعد (ميكافيللي) بثلاثة قرون، راقبَ رجل الدولة: (إبراهيم متفرقة)، هزائم الدولة العثمانية، مرة تلو الأخرى، و"أشار على السلطان (محمود الأول) أنْ يقتبسَ من (الغرب) العلوم العسكرية، من خلال كتابهِ (أصول الحكم في نظام الأمم)، الذي تحدّث فيه عن فساد (الدولة العثمانية)، وأسباب قوة الدول الأوربية، ووضّح فيه أهمية أنْ تأخذَ الدولة العثمانية بأسباب قوة الدول الأوربية. وطرح هذه الفكرة بمنهج عقلي، يشبه منهج فلاسفة الغرب، وقال إنَّ الدولة العثمانية إنْ لم تأخذ بهذه الأسباب، فإنَّ وقوعها تحت سيطرة (الغرب) سيصبح حتميّ الوقوع"[9]. وازدادت الدعوات إلى ضرورة تحديث (الدولة العثمانية)، مع زيادة عدد سفراء أوربا في (استنبول)، وتراجع الإمبراطورية العثمانية أكثر فأكثر. وحاول السلطان (سليم الثالث)، 1789 ، تأسيس جيشٍ على أُسس علميَّة، لكنَّ خِطاب السلطان اصطدمَ بمصالح (الجيش الإنكشاري)، الذي كان قويَّاً إلى درجة طمحوا إلى عزل السلطان. وبعد وفاة مفتي الدولة العثمانية، استطاعوا استمالة المفتي الجديد، بحجَّة أنَّ البنطلون من أزياء النصارى، ومخالف للقرآن الكريم والسنة الشريفة، وأفتى المفتي الجديد بأنَّ أي خليفة يُدْخِلُ أنظمة الغرب وطرقهم في الدولة، ويجبر رعاياه على اتباعها، غير صالح للولاية، فعزلوه، وأسروه. ثمَّ استطاعَ "السلطان (محمود الثاني)، عام 1826، القضاء على الإنكشارية، حُرَّاس الرجعية. وقام بعد ذلك، بإنشاء الكليات الحربية، والطب، والهندسة، والبحرية"[10].
العلاقة بين السياسي وعالمه: الدولي الخارجي، أو الداخلي المحلي، تنكشف من خلال خطِابهِ، الذي يحاول فرض نوع من السيطرة على سلوك الآخرين، باعتماد بنية معرفية تاريخية، قلَّما تستغني عن العنصر الديني، بتوظيف النص الديني، كما في قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} الشورى: 38. محاولة من أجل عقلنة السياسة، ينظرون بعقولهم أيُّ الأمور أصلح.
داخلياً: توظيف بعض الكلمات، والممارسات، كحضور الرئيس (صلاة الجمعة)، في الصفِّ الأمامي، ليشيع بين الشعب صورة الرئيس المؤمن.
خارجيَّاً: توظيف (واشنطن) الدور الإقليمي الديني لـ(طهران)، وتكييفه وفق مصالحها، وتعزيز الخطاب السياسي لـ(إيران)، باعتبارها القوة العظمى الوحيدة في المنطقة، التي ليست بحاجة إلى شَرَاكة، وحلفاء، بقدر حاجتها إلى أتباع، لا يجدون ملاذاً غير (واشنطن). هذا التوظيف بدأ في العراق منذ حرب 1980، وبلغَ ذروته فيما بعد 2003، حينَ عجزَ الخِطاب السياسي في (بغداد)، أنْ يتحرَّر من الإيقاع الطائفي، الذي أثبتَ نجاحَهُ في تحصيل أعلى نسبة أصوات في الدورات الانتخابية الثلاثة: 2005، 2010، 2014، وصار الكل لا يرى شيئاً، إلا عبر شبكة المنظور الطائفي، التي تغذَّت بازدياد حِدَّة السجالات، وزعزعة مؤسسات الدولة.
لكن هل يُؤدي كل تغيير إلى إصلاحٍ بالضرورة؟ بالتأكيد لا. بينما يُشترط في كلِّ إصلاحٍ، أنْ يسبقهُ تغيير. تقول القاعدة رقم (45)، من قواعد (روبرت غرين) الثماني والأربعين: "بَشِّر بالحاجة إلى التغيير، ولكن إيَّاك أنْ تصلح أكثر من اللازم، دفعةً واحدة"[11]. كمحاولات (السلطان عبدالحميد الثاني)، التي أودت بإمبراطوريتهِ، و(نيقولا الثاني)، قيصر روسيا، ومحاولة (عبدالكريم قاسم) للإصلاح الزراعي، التي التفَّ عليها الإقطاع، و(الملك فاروق)، وشاه إيران (محمد رضا بهلوي)، يريد غربنة إيران بضربةٍ واحدة. ومقابل هذا السقوط المُروِّع، مقاومة (بريطانيا)، و(الولايات المتحدة الأمريكية)، لانتهاجهما مسالك التغيير البطيء.
لتوضيح مخاطر التغيير دفعة واحدة، استشهدَ (روبرت غرين) بتأييد الكاردينال (وولزي)، الخجول، نصف المتحمِّس، لتطليق ملك بريطانيا (هنري الثامن) (1491- 1547) زوجته (كاترين)، أميرة منطقة (آراغون) الإسبانية، ليتزوج الجميلة (آن بولين). تأييده أودى بمنصبهِ، وبحياتهِ، فيما بعد. ورفض (توماس مور) لطلاق الملك، ولقانون السيادة، فاتهم بالخيانة العظمى، وأعدِمَ 1535. وكان سبقَ وأنْ أعدَمَ، بعد يومين من تتويجه، اثنين من وزراء أبيه، بتهمة الخيانة عام 1510، لكنَّ (توماس كرومويل) (1485— 1540) ركبَ الموجة التي أودت بحياتهِ، قاد حملة إصلاحات ضد الكنيسة، فصادر ممتلكاتها لصالح الملك، وكان يجيد اللغة اللاتينية، والإيطالية، والفرنسية، درس القانون، أصبحَ عضوا في البرلمان الإنجليزي عام 1523، وبحلول 1534 قام الملك بترفيع ابن الحداد (كرومويل)، من منصب مستشار ملكي، إلى أمين سر الملك، بسبب تأييده المطلق لطلاق الملك. أجرى مسحاً سرياً لممتلكات الكنيسة، المتراكمة عبر قرون طويلة، عاد جواسيسه بأرقام خيالية لم يتوقعها. بدأ حملة إشاعات ضد فساد الكنيسة الإنكليزية، واستغلالها لأناسٍ من المفترَض أن تخدمهم. كسبَ تأييد البرلمان لحلّ الكنيسة، لجذبهم حول فكرة الأمة الإنكليزية، ذات القومية المستقلة عن سلطة (بابا الفاتيكان)، الإيطالي، استولى على ممتلكاتها، وأزاحها من الوجود، واحدةً بعد الأخرى. فرضَ المذهب البروتستانتي وعاقبَ المتمسكين بالمذهب الكاثوليكي. عام 1535، اندلعت عِدَّة ثورات، هدّدت عرش (هنري الثامن)، انتهى منها، واحدةً بعد الأخرى. عام 1536، في أوجِ انتصاراتهِ السريعة، لم ينتبه (كرومويل) إلى تزايد أعداد وقوة أعدائهِ، الذين جعلوا الملك يشعرُ بمخاطر إصلاحات (كرومويل). الملك لم يُرِدْ غير الطلاق من (كاترين)، ليتزوج (آن بولين)، وفي سبيل هذا الزواج أقالَ كبير مستشاريه (توماس وولسي)، رئيس أساقفة (يورك)، وعيَّن (توماس كرانمر)، الذي أعلن زواج (هنري) و(كاترين) لاغياً وباطلاً، وبعد خمسة أيام، أعلن زواج (هنري) و(آن بولين) بأنه جائز. أصدر (البابا كليمنس السابع)، بابا الفايتكان التاسع عشر بعد المئتين، أحكاماً بالحرمان ضد (هنري)، ورئيس الأساقفة، ووقع أول شقاق بين كنيستي (إنجلترا) و(روما). أصبحت كنيسة إنجلترا تحت سيطرة الملك وحده، راح (هنري الثامن) يعمل ببطء على إبطال إصلاحات (كرومويل)، فسمحَ بممارسة الطقوس الكاثوليكية، بعدما كان (كرومويل) قد جعلَ ممارستها خروجاً عن القانون. عام 1540 حاول (كرومويل) استعادة مكانتهِ، بضربة نَرْدٍ، أراد لها أنْ تكون ضربة حظ، كانت زوجة (هنري الثامن): (جين سيمور) قد ماتت، فعثر للملك على زوجة جديدة، وهي (آن)، أميرة (مقاطعة كليفز) الألمانية البروتستانتية، وأُحرجَ الملك، الذي طلبَ منه إنقاذهُ من هذا الزواج بطريقة قانونية، ولمَّا فشل، اتهمه بالخيانة العظمى، وقطعَ رأسه تحت فأس الجلاد. لم يرد (كرومويل) غير تحطيم سلطة الكنيسة، ومصادرة أموالها، وإرساء المذهب البروتستانتي، لكنَّهُ تعجَّل كثيراً، فجلب على نفسهِ جميع أنواع السخط الشعبـي والملكي. فالتغيير المفاجئ يضايق الإنسان، حتى لو كان نحو الأفضل. فـ(إنكلترا) صارت بروتستانتية، لكن بعد قرنٍ من إعدام (كرومويل). والثورة الفرنسية لم تحقق أهدافها في العدالة والمساواة، إلا بعد قرنٍ من قيامها.


الهوامش:




[1] شكسبير- يوليوس قيصر- ترجمة حسين أحمد أمين- دار الشروق- 1994- القاهرة- ص79- ص87.
[2] كارنز لورد- الأمير العصري- ترجمة: هلا الخطيب- مكتبة العبيكان- 2008- الرياض- ص300.
[3] ماكس فيبر- العلم والسياسة بوصفهما حرفة- ترجمة: جورج كتورة- المنظمة العربية للترجمة- 2011- بيروت- ص263.
[4] أرسطو- السياسيات- ترجمة: أوغسطين بربارة البوليسي- اللجنة الدولية لترجمة الروائع الإنسانية- 1957- بيروت- ص8.
[5] أرسطو- السياسيات - مصدر سابق- ص286- 287.
[6] ماكس فيبر- العلم والسياسة بوصفهما حرفة- مصدر سابق- ص 275- 276.
[7] ميكافيللي- الأمير- ترجمة أكرم مؤمن- مكتبة ابن سينا- 2004- القاهرة- ص33.
[8] محمد بن جرير الطبري- تاريخ الرسل والملوك- دار التراث- ط2- 1387للهجرة- بيروت- أحداث سنة سبع عشرة- ذكر فتح رامهرمز وتستر- ج4-ص83.
[9] د. ماجدة مخلوف- بدايات اتجاه المسلمين إلى الغرب: إصلاحات سليم الثالث (1789- 1808)- حوليات آداب عين شمس- المجلد 31 ديسمبر 2003- ص 36- 247. Gündüz Akıncı TÜRK FRANSIZ KÜLTÜR İLİŞKİLERİ (1071-1859)
[10] سهيل صابان- تطور الأوضاع الثقافية في تركيا- المعهد العالمي للفكر الإسلامي- 2010- بيروت- ص109.
[11] روبرت غرين- كيف تمسك بزمام القوة- ترجمة: د. محمد توفيق البجيرمي- مكتبة العبيكان- ط5- 2011- الرياض- ص637.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق