الأحد، 3 يناير، 2016

سلوك النظم السياسية في البيئة الداخلية والأنساق الدولية - تفسيرات ومقاربات

سرهد أحمد
ساهمت (النظريات السياسية)، إلى حد كبير، في تفسير معظم (الظواهر السياسية)، التي هي محور (علم السياسة) المعاصر والحديث.
وتعتبر (الدولة)، وما يصدر عنها من نشاط، على المستويين الداخلي والخارجي، من أكبر (الظواهر السياسية)، التي أخذت في حد ذاتها حيزاً كبيراً في الفكر والتنظير السياسي.
وأسهمت بعض (النظريات السياسية) في تحليل العملية (البنائية والوظيفية) لـ(النظام السياسي) لـ(الدولة)  – داخلياً - من حيث إدارة (المؤسسات)، ورسم السياسات العامة، وتنفيذها، والاستمرار بعملية (الاتصال)، من ناحية تلقي المطالب، والاستجابة لها، بما يضمن إرضاء الجماهير، ويحقق - في الوقت نفسه - استقرار (الدولة)، وديمومة (النظام).
فـ(الاتصال) يشكل عصب الحياة لأي (نظام سياسي)، وفقاً لمقولات المفكر السياسي الأمريكي (كارل دويتش)، الذي يعد مؤسس هذا المنهج المحوري في (علم السياسة) الحديث.
وللمقاربة، فإن (المنتظم السياسي) القائم في إقليم كوردستان – العراق، يضم مؤسسات إدارية (تشريعية وتنفيذية وقضائية)، هي (أبنية سياسية) مشابهة تماماً لما موجود في جميع الدول، لكن هل هي تمارس وظائفها بالشكل المأمول، والمتعارف، وفقاً للقواعد العصرية؟ وهل (السلطة السياسية) على اتصال بالجماهير؟ وهل تصوغ السياسات العامة في حدودها الدنيا؟ الجواب بالجزم: لا، فالجهاز الإداري الحكومي يضم عدداً هائلاً من الموظفين، يفوق سعة الجهاز وقدراته أضعافاً، فأضحى أداة لتقنين البطالة، ووسيلة لكسب مؤيدين للحزب الحاكم. وأما السلطتان (التشريعية والقضائية)، فتخضعان لإرادة (السلطة التنفيذية)، وهي من أملت عليهما قراراتها، في العديد من المواقف. ولا تأخذ (السلطة السياسية)، في الاعتبار، قنوات الاتصال الحقيقية بالجماهير، وتمارس – أحياناً- نوعاً من الانتقائية (الحزبية والمناطقية)، في الاستجابة للمطالب.
أما على مستوى السياسات، والبرامج، والخطط العامة الهادفة إلى تحقيق التنمية المستدامة، على كافة الصعد.. فيشهد غياب التراتبية الإدارية، والمرجعية العلمية التخصصية، لصالح هيمنة المزاجية، وطغيان العشوائية.
واستمرار سلوك النظام على هذا النمط، دون تغيير، يعرض الإقليم إلى هزات سياسية، واجتماعية، يفرزها الغضب الشعبـي، والسخط الجماهيري، ربما تطيح بالنظام، وتعيد صياغة (المنتظم السياسي) على أسس مختلفة من جديد. وقد ظهرت أولى تلك الرّجات، فيما عرف بهبّة السابع عشر من شباط 2011.                        
*  *  *  *  *  *
كما أسهمت أغلب (النظريات السياسية)، في تفسير سلوك (الدولة)، في علاقاتها مع الدول الأخرى (السياسية الخارجية) - الإقليمية والدولية -، وعن ماذا تبحث (الدولة) في (النسق الدولي) القائم.  
فأي (سياسة خارجية)، حينما تخرج وراء حدود (الدولة)، فإنها تلتقي بغيرها من (السياسات الخارجية للدول)، وإن (التفاعل) الناجم عن ذلك يطلق عليه (السياسة الدولية).
ولذلك تشمل (السياسة الدولية) (التفاعلات السياسية)، غير أن التفاعلات التي تجري في المسرح الدولي، هي ليست سياسية فقط، وإنما هي أيضاً تفاعلات تشمل الجوانب الاقتصادية، والعسكرية، والاجتماعية، والثقافية، وغيرها من أنواع التفاعلات الأخرى، التي تشكل في مجملها ظاهرة (العلاقات الدولية)، وفقاً لـ(سوسيولوجيا العلاقات الدولية) لـ(البروفيسير مارسيل ميرل)، أحد كبار أساتذة العلاقات الدولية بجامعة (السوربون)، وبمعهد الدراسات السياسية، بـ(باريس).
وعليه يمكن القول إن (الدولة) أو (الدول) تبحث عن مصالحها في (النسق الدولي)، وفي الغالب تأخذ عملية البحث عن (المصالح السياسية) طابعاً صراعياً ( الصراع على المصالح)، خصوصاً (المصالح الجيوسياسية)، وهي تتخذ أشكالاً متعددة، منها تصدير لـ(إيديولوجيا)، أو (إخضاع نظام – تبعية سياسية)، أو (نقل لمعركة إلى خارج إقليم الدولة)، وأيضاً (جني مكاسب اقتصادية).      
ويختزلُ عالم السياسة الأمريكي (هانز مورغنتاو) توصيفه للظاهرة السياسية الدولية مما سبق طرحه على أنها (غريزة الحياة – كغريزة - التنافس - غريزة الهيمنة).  
وللمقاربة أيضاً، ينكشف هذا النمط من السلوك، خلال الصراع الدائر في (الشرق الأوسط)، تحديداً انعكاسات (الأزمة السورية) على الساحتين الإقليمية والدولية. بداية، كان دخول (إيران) بقوة على خط الأحداث، مدفوعة بالإيديولوجيا المذهبية، التي تتماثل فيها مع النظام، ولدفع خطر خروج الجغرافية السياسية السورية عن دائرة نفوذها، ولأن تلك الجغرافية تمثل أيضاً جسراً حيوياً مع (جنوب لبنان)، ويقع على خط التمدد شرقاً، بالمرور عبر (العراق)، بعد نجاحها في احتوائه، والتوسع جنوباً في (الخليح)، عن طريق دعم التمرد الحوثي في (اليمن).
وتبع ذلك اصطفاف (موسكو) مع (طهران)، في الدفاع عن النظام السوري، بشكل صارخ، لأهداف امبريالية، ولإعادة الأمجاد، والظهور بمظهر الند لواشنطن، وحلفائها الغربيين، بتعزيز تواجدها العسكري في (البحر المتوسط)، انطلاقاً من قاعدة (طرطوس) البحرية، وكفرصة تستثمرها لتصدير أزمات البلاد السياسية والاقتصادية، التي لحقت بها إثر ضمها لجزيرة (القرم)، ودعمها للانفصاليين في (أوكرانيا).              
وعادة ما (تتضارب المصالح)، فحينذاك تلجأ (الدول) إلى استعمال (القوة) – التقليدية، العسكرية - وفقاً لنظرية (الواقعية الكلاسيكية)، وهي منهج كان على اتصال بـ(الواقع الدولي)، وكان أكثر تعبيراً عن أوضاعه، يقوم بتحليل الأحداث بالارتكاز على فكرتي (القوة) و(المصلحة). إن (المجتمع الدولي) هو ميدان صراع مستمر نحو زيادة (قوة الدولة)، بالكيفية التي تمليها مصالحها، بغض النظر عن التأثيرات التي تتركها في (مصالح الدول) الأخرى.
وعلى الرغم من تسارع وتيرة الأحداث الدولية، في النسق الدولي الحالي، فيما يتعلق بـ(المصالح المتضاربة)، نتخطى تفسيرات (الواقعية الكلاسيكية)، لأنها تغفل وجود وسائل قوة غير تقليدية، يمكنها أن تشكّل خيارات أقل كلفة، منها (المساومات السياسية)، أو (الضغوط الدبلوماسية)، أو (الحصار الاقتصادي). والأخير أثبت نجاحه في إخضاع بعض الأنظمة للإرادة الدولية، كما فعل المجتمع الدولي، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، في إيقاف المشروع النووي الإيراني.
والأقرب هو الأخذ بــ(القانون الواقعي) الحديث -  ويتجسد في (ميزان القوى)، الذي يمثل أداة لتحقيق (السلم والأمن الدولي)، بقدر ما يمثل قانوناً لضبط النظام والاستقرار الدوليين.
وللمقاربة كذلك.. بدأت تتشكل ملامح نظام عالمي جديد، يتخطى الأحادية القطبية، ويبلور التعددية القطبية، فأصبحت (الصين)، كما (روسيا)،  تتنازعان مع (الولايات المتحدة) على (السيادة الدولية)، وينظمّ إليهما (الاتحاد الأوروبي)، وإن كانت سياساته الخارجية تتوافق تماماً مع (أمريكا)، فضلاً عن ظهور (فواعل) أخرى لاحقاً، تحاول انتزاع مكانة لها على المسرح الإقليمي، والدولي، مثل: (تركيا)، و(السعودية)، وكان قد سبقتهما في ذلك (إسرائيل).  
ويمكن القول على الجملة، إن إيجاد نوع من (توازن القوى)، بين تلك (الفواعل)، عملية شاقة للغاية، لـتضارب بعض المصالح، وتقاطع أخرى. ورغم ذلك، ولعقلانيتها، تتجنب (الفواعل) الاصطدام المباشر مع بعضها، لضمان بقائها كرقم  ضمن (المعادلات الدولية)، تحقيقاً لمصالحها.

وفيما يتعلق بـ(إقليم كوردستان)، وسط صراع الأقطاب والقوى هذه، نشير إلى أن هناك مترتبات يخلّفها صراع (القوى العظمى) المتواصل في المنطقة على (الوطن الكوردستاني)، وللتخفيف منها يتوجب إعادة تنظيم السلطة لسلوكها السياسي في البيئة الداخلية، حتى تتمكن من التعامل، بقرارات مسنودة شعبياً، مع متغيرات النسق (الدولي)، والحذر من الذهاب بعيداً مع دولة إقليمية، في اتفاقات مصالح، يظن طرف إقليمي آخر أنه المستهدف من ورائها، أو الدخول في أحلاف مبهمة الماهية، مستثنين التحالف الدولي الحالي القائم لمحاربة (تنظيم داعش).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق