الأحد، 1 يناير، 2017

آخر الكلام/ يوسف أيّها الصدّيق افتنا" (1)

عندما تقرأ سورة في القرآن كسورة الفاتحة في صلاة واحدة أربع مرات، وفي اليوم واحداً وعشرين مرة على الأقل، وعلى مدار أربعة عشر قرناً متواصلاً، ولا تمل ولا تهجر، يتبيّن لك فوراً أن القرآن معجزة لا تنقضي عجائبه بمرور الزمن، وكذلك آياته وسوره وقصصه التي نسجت بكلمات فيها الجذب والشد والألفة، ووضعت بدقة من أجل السرد الحكائي، فيها كل أنواع القصة؛ القصة الطويلة كقصة يوسف، وقصة موسى، والقصة القصيرة (الأقصوصة) كقصص هود ولوط وعاد وثمود، والقصة القصيرة جداً، وهي عبارة عن كلمات قصيرة جداً، ولكنها تروي قصة بكامل قواعدها: البداية والوسط والنهاية (لحظة التنوير)، مثل قصة نوح مع ابنه: [ونَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ،
قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ، قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلّا مَن رَّحِمَ، وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ].. والقصة التي حيّرت العقول وأبهرتها على مرّ السنين هي قصة يوسف، ففي هذه القصة يبدأ بناء الحدث في لحظة التأزم أو العقدة مستعيناً برؤيا: [يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكباً...]، ويترك القارئ في شوق ولهفة لمعرفة ماهيّة هذه الرؤيا، والأب يعرف تفسيرها ولكنه فقط يكتفي بتحذيره من أخوته دون أن يفصح أكثر، وهذا يزيدنا شوقاً ولهفة لمتابعة أحداث القصة إلى آخرها.. والقصة تتكلم عن عالمين مختلفين، ولكنهما واقعان: العالم المادي المعاش وعالم الرؤيا، والعالمان يكمّلان بعضهما البعض، وهما مرتبطان بحياة الإنسان، وكذلك يتكلم عن عالمين أو مجتمعين؛ عالم البداوة بقسوته وخشونته، وهو عالم ذكوري يعتمد على القوة الجسمانية والتفكير المحدود السطحي (المجتمع الذي كان يعيش فيه يعقوب النبـي وأولاده)، ولا نجد في هذا المجتمع شخصية أنثوية أبداً كل أبطالها رجال، حتى في قمة حزن أم يوسف على ولدها لم تشر القصة إلا إلى حزن الأب فقط!.. والمجتمع الآخر الذي تسلط الضوء عليه هو المجتمع المخملي (الأنثوي) في (مصر)، أبطاله الأساسيون كلهن سيدات ونسوة، متحللات – إلى حدّ كبير - من قيود الحشمة والأخلاق..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق