الأحد، 1 يناير، 2017

الفكر السياسي الإسلامي المعاصر بين تيارين

د. سعد سعيد الديوه جي
يمر الفكر الإسلامي عموماً، والسياسي خصوصاً، بهزّات عنيفة، تعكس صوراً قاتمة ومرتبكة لما يتعرض له العالم الإسلامي من أزمات ومشاكل، وكان من أهم أسبابها الداخلية ضياع الخلافة عام 1924م، والتي تعلّق بها المسلمون رغم مرورها بمراحل ضعف واندثار أدت لزوالها، وعدم استطاعة الفكر الإسلامي مواكبة المعاصرة، وبقائه حبيساً لأفكار الماضي بشكل مفرط، جعلته بعيداً عن روح العصر المتغيرة والمغامرة بشكل سريع.
لقد حاول هذا الفكر الخروج من هذه الأزمة بتأسيس الأحزاب والحركات الإسلامية، وكان من أبرزها حركة الإخوان المسلمين 1928 م في مصر، والتي انتشرت فيما بعد في عموم العالم الإسلامي، لتنتشر
بعدها وخصوصاً بعد هزيمة 1967 م ظواهر التطرف والغلّو المستندة إلى أفكار نشأت تحت وطأة الهزائم والحالة المتردية لما يمر به العالم الإسلامي، ناهيك عن الوحشية المفرطة التي جوبهت بها هذه الحركات، مما أدى ببعض أفرادها للنزول تحت الأرض، وتبني الأفكار المتطرفة، والتفاسير البعيدة عن روح الدين الإسلامي الحنيف، والاختلاف المشروع كمبدأ عام، وهو أمر طبيعي جداً في كل الأمور، ومنها  - وربما أكثرها - الاختلافات السياسية، ولا يمكن أن يشذ الفكر الإسلامي عن هذا المبدأ مطلقاً، وهو ما لم يستوعبه الإسلاميون أنفسهم، ولا خصومهم الخائفين من الإسلام، والمتحركين بدوافع استعمارية وأجنبية .
فالفكر السياسي المتعلق بإدارة كيان الدولة داخلياً وخارجياً مسألة دنيوية بحتة، أصلها إقامة العدل، وتحقيق مصالح الأمة، بما لا يتعارض مع أمور الشريعة، إن كان لها دور في ذلك الأمر، وذلك استناداً لقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): "أنتم أعلم بأمور دنياكم"، فهنا يقصد الرسول (عليه الصلاة والسلام) بالأخذ بالأمور الدنيوية، على قدر تعلقها بمعرفتنا بالعلوم الوضعية (علمانية المعرفة)، فالشريعة ليست قوالب جامدة أو جاهزة تتداخل في سياسة الدولة، طالما أن السياسة تتغير بتغير المكان والزمان، وبتغير مصالح العباد، في حين صارت العلمانية - بوجهها القبيح الذي طرحه (أتاتورك)- كابوساً يؤرّق أفكار الإسلاميين.
إن التعلّق بالماضي البعيد، بما يخصّ السياسة، والمصالح، وطرق الإدارة في نواحي الحياة المتشعبة، كالصناعة والزراعة والتعليم والصحة... إلخ، تعلقاً حرفياً، كان من الأسباب في تصلّب الفكر السياسي، وفقدانه للواقعية والمرونة، ناهيك عن اجتزاء مفردات قرآنية لا تمّت للأمر بصلة، وإن صار لها صلة - كمبدأ الشورى -، فإن مفكرينا لم يطوروا هذا المصطلح، وبقوا واقفين عند حرفيته.
إن عدم وجود نصوص قرآنية صريحة عن مسألة تفاصيل الحكم وإدارة الدولة، بشكلها الحالي المعقد، وكذلك عدم وجود أحاديث نبوية شريفة بهذا الخصوص، لبساطة الحياة آنذاك، ومحدوديتها، يدلان - بما لا يدع مجالاً للشك -أن الأمر متروك لعموم المسلمين، وخاصتهم، لتقرير الطريقة التي يديرون بها شؤونهم، بعيداً عن طرق القتال والعنف، والإقرار بحتمية الاختلاف الذي يفرز الصالح عن غيره.
لقد بلغ الإفراط بالتعلق بالماضي، حتى في استخدام المصطلحات الإدارية والسياسية: (الحسبة، والديوان، والأمير، والبيعة، ... إلخ)، وهي مسمّيات لا علاقة لها بالإسلام، لا من قريب ولا من بعيد، وكان لها زمانها، وتغيير المصطلح اسميّاً لا يلغي مفهومه.
لقد حدث الاختلاف في الرأي العسكري في معركة (أحد)، والرسول (صلى الله عليه وسلم) حيّ يرزق، في القصة المعروفة، واستشار - عليه السلام - أصحابه في وقعة (الخندق). وبعد وفاة الرسول (ص)، تردّد (علي) (رض) في المبايعة، ولكنه بقي يصلّي الجماعة خلف (أبي بكر)، ولم يجرّد سيفاً على أحد، وربما كانت له نظرته الخاصة في مسألة الاستخلاف، أكّدها في نهجه عندما سئل بعد استشهاد (عمر) (رض) فأكّد السير على نهج الرسول (ص)، وليس على نهج الرسول (ص) وأبي بكر وعمر (رض)، وهذا بالتأكيد في الأمور السياسية والدنيوية، وليس في أمور الشريعة والعبادات.
وعمر (رض) لم يتفق مع أبي بكر في حروب الردة، ولكن الاختلاف لم يرق إلى الخلاف والنزاع.
وفي خلافة عمر (رض) منع الصدقات عن المؤلفة قلوبهم، وفيها نص قرآني صريح، فالزمن كان قد تغير عن زمن الرسول (ص) عند إعطائها. واختلف عثمان (رض) مع أبي ذر (رض)، ولم تمنع صحبة أبا ذر للرسول (ص) من تعزيره من قبل عثمان (رض) ونفيه، فقد اجتهد وأخطأ وأصر على رأيه.
لقد كانت آراء عمر (رض) في مسألة الاستخلاف سابقة لعصره بكثير، عندما تجاوز اعتبارات القرابة والأسبقية للإسلام، وقال قوله الشهير: "لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً لولّيته"، فسالم (رض) لم يكن الأعلم بالشؤون الدينية، ولا الأسبق إلى الإسلام، ناهيك عن كونه مولى. فالسياسة وموهبة الإدارة والحكم وقيادة الجيوش تتجاوز هذه الاعتبارات، ولا تلغيها بصورة كاملة .
إن بروز معالم تشتت الأمة الإسلامية الناشئة، الذي صاحب توسعها غير المتوقع على حساب أقوى إمبراطوريتين آنذاك هما الفارسية والبيزنطية، وفي واحدة من أكثر نقاط الانقلاب بروزاً في التاريخ، واستلام (معاوية) (رض) لدفّة الحكم، وخبرته الطويلة في إدارة الدولة (الشام)، أثناء حكم عمر وعثمان ( رضي الله عنهما)، وبعد أحداث الفتنة، ربما دفعه لجعل الخلافة وراثية، فقد وصلت أمور الدولة الناشئة إلى حالة من الاضطراب لا بد معها من الحزم لوقف التدهور، فكان اجتهاداً له ما يبرّره في ذلك الزمان القلق، الذي دفع فيه عمر وعثمان وعلي ( رضي الله عنهم) حياتهم!
ونحن لا نريد أن نبقى في أجواء التاريخ، ولكن التطلع إلى المستقبل يفرض علينا قراءة التاريخ قراءة متأنية للاستفادة من تجاربه، ولا يمنع كذلك الاستفادة من كل تجارب الأمم السابقة والحالية، طالما لا يتعارض ذلك مع الخطوط العريضة لمصالحنا ومقاصدنا ومقاييس القرآن الكريم .
والفكر السياسي المعاصر، بكل جوانبه الاقتصادية والإدارية والاجتماعية، وبما يتعلق بالعلاقات الدولية، يعتبر فكراً معقداً، وذلك لتغيّره السريع حسب المصالح الآنية والاستراتيجية للأمّة، ولا يمكن أن يقوم على فتاوى فقهية صارمة من ذوي الاختصاص في الأمور الشرعية فقط .
إن مسألة الموائمة بين تعاليم الإسلام ومقتضيات الحياة المعاصرة، هي من أكثر المسائل غياباً عن فكرنا السياسي المعاصر، ولا يكفي الانتظار وتقنّص أزمات مشاكل النظامين الرأسمالي والاشتراكي لنقول بأن البديل هو (النظام الإسلامي)، أو (الإسلام هو الحل)، بدون أن نعرف أسس هذا الحل في كل النواحي.
ونرى أن طرح الأمور بهذه العاطفية المفرطة، وبأوجه أحادية الجانب غير عميقة، قد صار منهجاً وطريقاً لكثير من الشباب المسلم المتحمس، بعد خيبات الأمل التي أصيبوا بها على كل المستويات.
لقد مهّد لهذا الطريق بعض مفكرينا، كـ(سيد قطب) - رحمه الله - عندما حصر الدين، وكان يقصد به الوجهة السياسية للدين، بمجال ضيّق جداً ينطلق من تاريخ الغزوات والمجاهدين ، فيقول في (في ظلال القرآن): "إن هذا الدين منهج حركي، لا يفقهه إلا من يتحرّك به، فالذين يخرجون للجهاد به، هم أولى الناس بفقهه، بما يتكشف لهم من أسراره ومعانيه، وبما يتجلى لهم من آياته وتطبيقاته العملية أثناء الحركة به. أما الذين يقعدون، فهم الذين يحتاجون أن يتلقوا ممن تحركوا، لأنهم لم يشاهدوا ما شاهد الذين خرجوا، ولا فقهوا فقههم، ولا وصلوا من أسرار هذا الدين إلى ما وصل إليه المتحركون، وبخاصة إذا كان الخروج مع رسول الله ( ص)، والخروج بصفة عامة أدنى إلى الفهم والتفقه" !
إن حصر الفكر السياسي، وجوانبه العسكرية، والاقتصادية، وتسميته بـ(الدين)، لهو أمر مجاف للواقع، وليس بالضرورة أن يكون المجاهدون أعلم بالشؤون السياسية والعسكرية ممن لم تسنح لهم الفرصة لخوض الحروب.
فالرسول (ص) أعطى القيادة لخالد بن الوليد وسماه (سيف الله المسلول)، وعكرمة بن أبي جهل، وكلاهما كان سبباً في هزيمة المسلمين في (أحد)، وكان (عكرمة) (رض) ممن لم يعف عنهم الرسول (ص) بعد فتح (مكة)، إلا بعد وساطة (هند بنت عتبة)، وزوجه، في القصة المعروفة .
وولى الرسول (ص) (أبو سفيان) خراج (نجران)، وهو الذي حاوره ملك الروم بشأن الرسول، ولم يكذب، وأجابه بكل صدق وأمانة قائلا: "وأيم الله لولا مخافة أن يؤثر عليّ الكذب لكذبت"!
فتلك هي واقعية الرسول ومعرفته بالرجال، وليس في المسألة أسرار وطلاسم، فديننا ليس دين أسرار، كما تدّعي المسيحية وغيرها، وإنما دين واقع وإيمان وعمل.
إن الأساليب البلاغية والقصصية التي لا تستند إلى واقع في التعامل مع معطيات الحياة المتبدلة بشكل سريع، لا تصلح لعكس الدين على الدنيا، وبالعكس. وأن زمن الاستنباط من المجتمعات البسيطة، لا يمكن عكسها بصورة حرفية على مجتمعاتنا الآن، فلكل زمان دولة ورجال، كما يقال.
و(سيد قطب) ( رحمه الله ) يدّعي "أن فقه الدين لا ينبثق إلا في أرض الحركة، ولا يؤخذ من فقيه قاعد، حيث تجب الحركة".
وهذا الكلام يدل على ارتباط فكره بأجواء الحروب والغزوات فقط، فالفقه وليد الحاجة وليس العكس، ولا يمكن طرح المسائل السياسية فقط على مقياس فقهي معين، ثم نقول لمن حمل البندقية: أنت أولى من غيرك بإدارة أمور المسلمين.
لذلك نرى استخدامه لمصطلحات جديدة على الفكر الإسلامي، مثل: (أرض الحركة)، وهي استخدامات مبهمة، يلّمح بها للجهاد والغزوات، والتي تختلف مقاصدها أيام صدر الرسالة، وما بعدها، عن ما يجب أن تكون عليه بين المجتمعات المسلمة الآن، أو حتى بين الفرقاء المسلمين داخل المجتمع نفسه، فالبون شاسع جداً.
لقد كانت منطلقات هذا التيار دينية بحتة، لم تتعامل مع الواقع إلا بمنظور ديني خالص، بعيداً عن الواقع ومتغيرات أخرى يمكن التعامل بها بصبر وأناة، بعد أن أصبح العالم معقداً لحدّ كبير.
إن التيار الثاني، والذي نعتقد بأنه برز بعد مخاض الربيع العربي، الذي طغت عليه الروح الإسلامية، وما رافق ذلك من تنامي روح الغلو والتطرف والإرهاب، والتي يؤكد (روجيه غارودي) بأنها مؤامرة (أيْ: التطرف والإرهاب)، امبريالية، تستغل سذاجتنا وسطحيتنا لتمرير مشاريعها بقشرة دينية، ولم يعرفها الإسلام في تاريخه من قبل.
هذا التيار الذي دخلت فيه (حركة العدالة والتنمية) معترك الحياة السياسية التركية قبل أحداث الربيع العربي، ونجحت به أيما نجاح ، وحاولت الحركات والأحزاب الإسلامية شق طريقها في مصر وتونس على هذا الأساس، تم محاربتها بشكل كبير - كما نعرف - لأنها تمثل الخطر الحقيقي لأعداء الأمة، فيما لو تبلورت ونجحت، بينما التيار الأول يهدم نفسه بنفسه .
لقد أخذ هذا التيار ينمو داخل الحركات العربية، وغيرها، بعد أن وعى مفكروه أن البناء الداخلي خير من الصدام مع الآخر، خصوصاً أن الصدام العسكري ليس في صالح الأمة الإسلامية في وقتنا الحاضر.
لذلك أخذ الشيخ (راشد الغنوشي) زعيم حزب النهضة الإسلامية في تونس المبادرة علنياً بقوله: "نخرج من الإسلام السياسي لندخل في الديمقراطية المسلمة، نحن مسلمون ديمقراطيون ولا نعرف أنفسنا بأننا الإسلام السياسي". وإن كان لنا تحفظ على نصّ الجملة الأخيرة، حيث يمكن صياغتها بالقول بأن ذلك هو الإٍسلام السياسي كما يجب أن يكون عليه .
وقال: "نريد أن يكون النشاط الديني مستقلاً عن النشاط السياسي، فهذا أمر حق للسياسيين، لأنهم لن يكونوا مستقبلاً مهتمين بتوظيف الدين لغايات سياسية، وهو جيد أيضاً للدين، حتى لا يكون رهينة للسياسة، وموظفاً من قبل الساسة".
إذاً، فنحن أمام تيارين أحدهما مفرط بتوظيف الماضي البسيط، ويحاول تطبيقه على حاضر سياسي معقد، ومستقبل ربما أكثر تعقيداً، في كثير من المجالات، ليس أقلّها تعقيداً نشوء الدول الوطنية ذات الأغلبية المسلمة، وباختلافات قومية لا يمكن إهمالها، وبحدود معينة لم تكن معروفة سابقاً، ناهيك عن وجود اختلافات ثقافية واقتصادية عميقة، فكان إهمال هذه الحقائق عاملاً في الابتعاد عن صنع واقعية للتقارب بين المسلمين، وعدم وضوح المعالم السياسية مع مختلف دول العالم على كافة المستويات، وهي أمور غاية في الأهمية، ولا تنحصر في أمور فقهية مأخوذة من القرآن الكريم، أو السنة النبوية الشريفة، فقط .
أما التيار الثاني، فقد استخدم السياسة بوعي أكثر انفتاحاً، على أساس جلب المصالح ودرء الأضرار، ومواكبة ما يجري على كوكبنا بدقة بالغة. فالأمة الإسلامية لها خصوصيتها التي تفرض عليها هذه الأمور .
وهذا الطريق الذي يسلكه هذا التيار ليس سهلاً، لإنه طريق وعر لا يريد أعداء الأمة لنا السير فيه، وسيعملون على إسقاطه، كما أثبتت المؤامرات التي نفذت داخل دول الربيع العربي، حيث لعب رأس الحربة فيها المحسوبون منا وفينا، ولعل أبرز مثال لذلك ما حدث في مصر، وما يجري الآن في تركيا .
وهذا التيار إذا تغلغل داخل النفوس المؤمنة بروح إسلامية معاصرة، تتطلع إلى المستقبل، ولا تهمل الماضي، فإنه سيحقق نجاحات باهرة، كما حصل في تجربة العدالة والتنمية في تركيا، وكانت تجربة أذهلت الأعداء قبل الأصدقاء. إن الاستفادة من التجربة التركية يدعو لدراستها والاستفادة من دروسها الناجحة، والابتعاد عن أخطائها، وأخذ الحذر من أعدائنا المشتركين، وهي مسألة حتمية لا جدال حولها.

وأخيراً، فما بين التيارين تيارات كثيرة تستطيع أن تتبلور على شكل حركات أو أحزاب سياسية، تقر بالاختلاف المشروع، وتتخلى عن الخلاف في الجزئيات، لمصلحة الأمة، التي فاتها الكثير.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق