الأحد، 1 يناير، 2017

نظام الأسرة في الديانة المجوسية (= الزرادشتية)

أ. د. فرست مرعي
المقدمة
من أجل أن نرى مدى تأثير الإسلام في إيران، يجب علينا أن ننظر في النظام الاجتماعي الإيراني يومذاك، الذي غيّره الإسلام، وساد بنظامه في إيران بدلاً من ذلك النظام الفاسد.
إن مجتمع إيران الساساني (224-651م) كان مجتمعاً طبقيا صنفيا )= مهنياً)، تجري فيه أصول النظام الطبقي على أشد الوجوه. ولم يكن الساسانيون هم الذين اخترعوا هذا النظام الطبقي، بل كان جارياً في إيران منذ عهد الهخامنشيين (= الإخمينيين-529-331ق.م) والإشكانيين (الفرثيين – ملوك الطوائف في
المصادر الإسلامية- 247ق.م – 226م)، وإنما أيده الساسانيون.
كتب المؤرخ (المسعودي)، المتوفى سنة346هـ/957م، يقول: "ورتب أردشير (224-241م- مؤسس الدولة الساسانية) المراتب فجعلها سبعة أقسام".
وكتب في كتابه الآخر: (تنبيه الأشراف)، يقول: "وكانت للفرس مراتب، أعظمها خمس، هم وسائط بين الملك وسائر رعيته، فأولها وأعلاها الموبد (= طبقة رجال الدين)... والثاني الوزير... والثالث الاسبهبذ (= القادة العسكريين)... والرابع دبيربد (= طبقة الكتاب)... والخامس هو ته خشه بد... وكان هؤلاء المدبرين للملك، والقوام به، والوسائط بين الملك ورعيته... وللفرس كتاب يقال له (كهنامه)، فيه مراتب مملكة فارس، وأنها ستمائة مرتبة، على حسب ترتيبهم لها. وهذا الكتاب من جملة (آئين نامه)، وتفسيره: كتاب الرسوم، وهو عظيم، في الألوف من الأوراق".
وإذا كان نظام الطبقات، الذي أوجده (زرادشت)، فاسداً؛ فإن نظام الأسرة كان أشد فساداً، وذلك لأن (الزواج) عندهم خلا من فكرة (حرمة الأسرة)، كما أن النسب لم يبن على صلة الدم بين الأب والأبن.

رابطة النسب
لم تقم نسبة الأبن إلى أبيه على أساس الدم عند الإيرانيين، ولكنهم كي يكثروا من المؤمنين بدين زرادشت في الأسرة، فقد أجاز لهم دينهم القديم ألواناً من البنوة الاصطناعية، التي لا رباط فيها بين الولد ومن يُدعى أبوه. ثم أن صلة الدم لم تكن ذات وزن في النسب. فالزوج السيدة وحدها هي التي ينسب ما تنجبهم من بنين وبنات إلى الأب، أما الزوج الخادمة فأبناؤها الذكور وحدهم يلحقون بأبيهم، أما البنات فيعتبرن رقيقاً لا يعرف له نسب. وكان زواج الأبدال شائعاً، وهو كما يقول الهربدان (هربد تنسر)، الذي نقل عنه (البيروني): "عليهم إذا مات  الرجل ولم يخلف ولداً، أن ينظروا فإن كانت له امرأة زوجوها من أقرب  عصبة له باسمه، وإن لم تكن له امرأة فابنة المتوفى، أو ذات قرابته، فإن لم توجد، خطبوا على العصبية من مال المتوفى، فما كان من ولد فهو له".
وكانت عقوبة من يغفل هذا العقد صارمة، لأنه "قتل ما لا يحصى من الأنفس، بقطع نسل المتوفى وذكره إلى آخر الدهر". وفي العقد الذي أشرنا اليه في الفقرة السابقة، والذي يتنازل بمقتضاه الرجل عن زوج إلى أخ له في الدين، كان الأطفال الذين يولدون من هذه (المعاشرة) ينسبون للزوج الأول، ويعتبرون أولاده؛ وعلى هذا ضمّت الأسرة خليطاً من الأبناء، أكثرهم لا يربطه بالأب غير حمل اسمه، وأدى هذا إلى تفكك الروابط بين أفراد الأسرة التي تكونت على هذا النحو من سلالات مختلفة.

الزواج
قام الزواج عند الزرادشتيين على أساس تعدد الزوجات، مع التفريق بين نوعين من النساء: الزوجة السيدة، والزوجة الخادمة، كما رأينا في طبقات المجتمع. وينبغي أن تتزوج الفتاة في الخامسة عشرة من عمرها.
والزوجة – عند الزرادشتيين – سواءً أكانت سيدة أو خادمة، كانت أقرب ما تكون إلى الرقيق؛ ليس لها مكانة ولا كرامة، فقد أجاز الدين الزرادشتي للرجل أن يتنازل عن زوجته، ولو كانت سيدة (= ممتازة)، لرجل آخر قد وقع في الفاقة (= الفقر)  لكي تعينه بعملها على الحياة؛ وهذا العقد محمود جداً  عند زرادشت،" لأنه إحسان على أخ في الدين معوز".
تعدّد الزوجات
إن الموضوع الذي كان الموابذة (= رجال الدين المجوس) يتصرفون فيه كثيراً بالنسخ والجرح والتعديل، هو موضوع الحقوق الشخصية، أو قل قانون الأحوال الشخصية، ولا سيما أحكام النكاح والإرث، فإنها كانت مهمة ومعقدة إلى درجة كان الموابذة يتصرفون فيها كيفما يشاؤون، وكان لهم في هذا الموضوع صلاحيات مخولة لم تكن لأي رجال دين من الأديان.
أما تعدد الزوجات، فقد كان أمراً شائعاً في العهد الساساني، وإن كان أكثر الزرادشتيين الآن يحاولون إنكاره إذ ذاك، إلا أنه لا مجال لإنكاره قطعاً، فقد كتبه كل من كتب عن هذا الموضوع من المؤرخين: هيرودوت اليوناني(484-425ق.م)، واسترابون اليوناني(63،64-20،23ق.م)، في العصر الإخميني (= الهخامنشي)، وحتى المؤرخين المعاصرين.
فمثلاً كتب المؤرخ اليوناني (هيرودوت) عن طبقة الأشراف في العهد الإخميني – الهخامنشي، يقول: "لكل واحد منهم عدة نساء رسميات، ولهم أزواج كثيرة غير معقودات...".
وكتب المؤرخ اليوناني (استرابون) عن نفس هذه الطبقة يقول: "إنهم يتزوجون كثيراً، ولهم أزواج كثيرة غير معقودات أيضاً".
ويقول (زوستن) (161-138م)، من مؤرخي العهد الإشكاني) =ملوك الطوائف) في الاشكانيين- الفرثيين: "إن كثرة الأزواج كان معمولاً لديهم منذ أن توصلوا إلى ثروة وقدرة ومكنة، ولا سيما الأسرة المالكة، وإنما كانت عيشة البداوة الصحراوية تمنعهم من قبل أن يتزوجوا كثيراً".
بل إن الذي كان شائعاً بين طبقة الأشراف في إيران القديم، كان أمراً أكثر من تعدد الزوجات، فإنه لم يكن محدداً بحدّ كالأربعة أو أقل أو أكثر، ولا مشروطاً بشروط: كالعدالة، وتساوي حقوق الأزواج، أو القدرة الجنسية، أو المالية، بل كما كان النظام الاجتماعي إذ ذاك نظاماً طبقياً، كذلك كان نظام العائلة أو الأسرة.

الزواج في العصر الساساني
كان الزواج في هذا العصر على خمسة أنواع، يتحدد بمقتضاه وضع المرأة نفسها في المجتمع، ووضع أبنائها أيضاً. وهذه الأنواع هي:
1- الزوجة الممتازة: وتعدّ زوجة ممتازة المرأة التي تتزوج بموافقة أبويها ورضاهما. وينسب الأبناء الذي تنجبهم إلى زوجها. ومن البديهي أن تكون موافقة الوالدين وفق شروط معينة.
2- الزوجة التي تكون خاصة لزوج واحد: ويكون زوجها مجبراً على تقديم أول بنت ينجبها من زوجته إلى أهل الزوجة، تعويضاً عن ابنتهم التي أخذها منهم.
3-  زوجة الميت: إذا مات رجل قبل أن يتزوج، يمكن أن يخطب له أهله فتاة، ويزّوجوها من رجل حي، فينسب نصف الأبناء الذين تنجبهم هذه المرأة من هذا الزوج للرجل المتوفى، وينسب النصف الآخر إلى الزوج الحقيقي (= الحي).
4- الأرملة المتزوجة: إذا مات رجل عن زوجته دون أن ينجب منها، وتزوجت أرملته من رجل آخر، ينسب نصف الأبناء الذين تنجبهم إلى زوجها الأول، والنصف الثاني إلى زوجها الثاني.
5- المرأة الوضيعة: تعدّ المرأة التي تتزوج دون موافقة أبويها (زوجة وضيعة)، وتخضع لكثير من الشروط.

نظام الزواج بالمحارم في المجوسية الزرادشتية
لقد اتبع المجوس الزرادشتيون نظام الزواج من الأقارب الأدنين (= خويذ وكدس)، فقد أباح لهم (زرادشت) أن يتزوج الأب من ابنته، والأبن أمه ، والأخ أخته... وهكذا. وكان زواج المحارم هذا شائعاً بنوع خاص في الطبقات الحاكمة والمثقفة.
وقد ورد في كتاب الزرادشتيين المقدس (دينكرت- الذي كتب في القرنين الأول والثاني بعد الإسلام ) ، "أن الزواج بين الأخ وأخته منور بمجد إلهي، وله فضيلة طرد الشيطان".
وقال الموبذان موبذ (نرسي مهر)، وهو أحد شراح الآفستا): "إن زواج المحارم يمحو الكبائر".
وقد تزوج الحكيم الإيراني (أرداك فيراز) أخواته السبع، وتزوج (بهرام جوبين) أخته (كردية)، التي حيك حولها قصص كثير.
وإذا كان البارسيون (= الزرادشتيون الجدد)، المستقرين في (الهند)، يرون في هذا النظام عيباً قبيحاً، ويحاولون أن ينفوا وجوده كنظام اجتماعي ديني عند الزرادشتيين قبل الإسلام، وينسبونه إلى المزدكية، فإن الواقع أن هذا النوع من الزواج كان شائعاً لدى أمم أخرى غير الإيرانيين، وأن الإيرانيين الزرادشتيين كانوا يعدونه عملاً صالحاً يثاب عليه صاحبه.
وقد اقتضت العناية بنقاوة دم الأسرة – التي كانت من الصفات البارزة في عادات الجماعة الإيرانية – جواز الزواج بين المحارم: بين الأب والبنت، والأم والابن، والأخ والأخت، ويسمى هذا النوع من الزواج (خويذ وكدس)، وفي الآوستا: (خَوِيث وَدَثه).
وعادة زواج المحارم قديمة عند الفرس؛ ويمدّنا تاريخ الإخمينيين (= الهخامنشيين)، كأول دولة فارسية، بأمثلة كثيرة منه. وقد مجد آل- (خويذ وكدس) في النسكين: (باغ) و(وَرشتمان سَر)، حيث قيل إن الزواج بيين الأخ وأخته منور بمجد إلهي، وله فضيلة طرد الشيطان. وقد ادعى الشارح (نرسي بُرزمِهر) أن زواج المحارم (خويذ وكدس) يمحو الكبائر.
ثم إن العادة الإيرانية، عادة الزواج من الأخت أو البنت أو الأم، لم يشهد بها في العصر الساساني الكتاب المعاصرون، أمثال (أجاثياس) و(ابن ديصان)، بل إن تاريخ العصر نفسه يمدّنا بكثير من أمثلة من هذا النوع من الزواج. ومن الجائز أن يكون الولي (أرداك ويراز) – الذي اتخذ من أخواته السبع زوجات له – شخصاً خيالياً؛ ولكن ها هو ذا المغتصب العرش من الملك كسرى أبرويز الثاني (بهرام جوبين)، قد اتخذ أخته (كردية - كورديك) زوجاً له، وها هو ذا (مهران – كُشنَسب) الذي كان قد تزوج أخته قبل أن يدخل في المسيحية" عملاً بالعادة القبيحة النجسة التي يبيحها هؤلاء الضالون (= على حدّ تعبير الكتاب المسيحيين)".
وأخيراً نجد في كتاب قانون سرياني (خاص بالزواج)، من تأليف البطريرك (مار أبها)، الذي عاش أيام كسرى الأول(531-579م)، الفقرة الآتية: "إن العدالة العجيبة عند عباد أوهرمزدا تقضي بأن يكون الرجل على صلات شهوانية  مع أمه وبنته وأخته". ويروي الزرادشتيون أمثلة من القصص الخرافي، يثبتون قداسة هذا العمل (آرثر كريستنسن: إيران في عهد الساسانيين، ترجمة: يحيى الخشاب، راجعه: عبدالوهاب عزام، ص309-310).
يقول (أبو الريحان البيروني)، المتوفى سنة 440هـ/1048م، في كتابه (تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة ): "عقد قرآن الأم، والذي ينسب إلى الزرادشتية، بأنه سمع ذلك من (سوبه هيوودي مرزه بايي بن رستم) بأن زرادشت منع هذا العمل، وأن كوشتاسب)=ويشتاسب) جمع العقلاء والمشايخ والمسنين ليتباحثوا مع زرادشت في مجلس، وكانت إحدى الأسئلة هي: إذا اضطر رجل في حالة جهل، وخوفاً من (عدم الإنجاب)، أن يضاجع والدته، فما العمل؟ أجاب زرادشت: (ليضاجعها، لتبقى الذرية).
مسألة عقد قران المحارم (= الأخوة بالرضاعة)، كانت من العادات والتقاليد العشائرية البدائية منذ قديم الزمان. وكان هذا الزواج شائعاَ في المجتمعات الأسرية، ومن أسباب ذلك، الأصالة العرقية والدم، والفوائد الاقتصادية، والتي دفعت بتلك العشائر لسلوك مثل هذه العادات والتقاليد القديمة.
المصادر التاريخية، تبيّن بأن الزواج بين الأقارب، وزواج الأخوة من الرضاعة، كانت  شائعة ومنتشرة بين بعض سلسلة الملوك الإيرانيين.
المؤرخون اليونانيون يظهرون عصر الإخمنيين(529-331 ق.م)، في أن الموغ (= رجال الدين المجوس) في هذا العصر كانوا يتزوجون من أمهاتهم.
 وفي العصر الإشكاني- الفرثي- ملوك الطوائف (247 ق.م-226م)، كان هذا العمل اعتيادياً، وبعض ملوكهم كانوا يرون عقد قرآن الأخوة من الرضاعة، كان - فحسب - لحماية الأصالة والعرق ونقاء الدم.
ويذكر المؤرخ الألماني (آرثر كريستنسن)، في كتابه القيم (إيران في عهد الساسانيين) الصفحة 309- 311،  نماذج كثيرة من زواج الملوك الإخمينيين والساسانيين من محارمهم، على سبيل المثال لا الحصر:
فقد تزوج الملك قمبيز الثاني(529-522 ق.م) ابن كورش الثاني، مؤسس الدولة، من أخته (أتوسا)، كما تزوج من أخت أخرى .
و تزوج الملك الإخميني داريوش الثاني(423-405 ق.م) من خالته (به ريزاد) الفاتنة الجمال، وكان لتلك الملكة اليد الطولى في كل ما حدث بالبلاط من خداع ودسائس، بعدها تزوج من أخته (باريساتس).
كما أن نجل الملك الإخميني أردشير الثاني- أرتحشتا الثاني(402-359ق.م) تزوج من ابنته (ئاتوسا) التي كان يراودها، لذلك طلبت منه والدته (به ريزاد) الزواج من ابنته، وتزوج من ابنته الأخرى (وامستريس).
وتزوج الملك دارا الثالث (داريوش- 335-331 ق.م) من ابنته (تاتيرا).
وإزاء هذه الأدلة الصحيحة، التي نجدها في المصادر الزرادشتية، وعند الكتاب الأجانب المعاصرين، على السواء، نرى الجهود التي بذلها بعض البارسيين المحدثين (= بارسيو الهند تحديداً)، لنفي وجود زواج المحارم في إيران الزرادشتية، لغواً من القول على حد تعبير (كريستنسن) الصفحة (311).
أما بشأن التأويل الذي يقترحه (بلسار)، إذ يقول: "إنه يظهر أن (خويذو كدس) تعني العلاقات بين الله والإنسان عن طريق حياة مقدسة"، "فإنه هذا ينبغي أن ينسب جملة إلى الفلاسفة الشيوعيين مثل مزدك، وليس إلى الزرادشتية".
والواقع أن زواج المحارم كان لا يعتبر سفاحاً، بين الأقارب، ولكنه عمل صالح يثاب عليه صاحبه من الناحية الدينية. ولعل السائح الصيني (هيون تسيانج HiuenTsiang) يشير إلى هذا النوع من الزواج، إذ يقول إن عادات الزواج عند الإيرانيين في زمانه كانت الاختلاط المطلق (كريستنسن، ص311).
وإن الزواج بالمحارم، الذي كان شائعاً في ذلك العهد، كان مبنيّاً على هذا الأساس أيضاً، أيْ أن الاُسَر في سبيل منع امتزاج دمها بالدم الأجنبـي، وتوارث أموالها بين الأجانب، كانت تسعى أن تتزوج بأقربائها مهما أمكن. وحيث كان هذا العمل على خلاف الطبع والفطرة، كانوا يحملون الناس عليه بقدرة الدين والدولة ومواعيد الثواب في الآخرة ووعيد العذاب لمن يمتنع عنه.
و قد جاء في كتاب (ارداى ويرافنامه)، المنسوب إلى (نيك شابور)، من علماء عهد الملك الساساني كسرى أنوشيروان الأول (531-579 م)،  والذي هو شرح (معراج الروح)، جاء فيه: "أنه رأى في السماء الثاني أرواح أناس كانوا قد تزوجوا محترمهم ((خو يت ك دس)) فكانوا مغفوراً لهم إلى الأبد، وأنه رأى في قعر العذاب روح امراة مخلدة في العذاب لأنها كانت قد كسرت هذا الرباط المقدس (!) وأن ويراف هذا الذي استحق المعراج، كان قد اختار سبعاً من أخواته للزواج بهن".
و قد جاء في القسم الثالث من كتاب (دينكرت) إصلاحات لهذه المسألة: منها: "ما يصطلح عليه ((نزد بيوند))، بمعنى الزواج من الأقارب، مشيراً فيه إلى زواج الأب بابنته والأخ بأخته. وقد شرح أحد الباحثين الكبار في الديانة الزرادشتية (نرسي بزرك مهر) هذا القسم من الكتاب، هذا الزواج جاء بفوائد ومنافع كثيرة لهذا الزواج وقال: "إنه يمحو الذنوب أو يجبر كبائر الذنوب".
وعلى السياق نفسه، يذكر المؤرخ الأمريكي اليهودي (ول ديورانت)، في كتابه (قصة الحضارة- مج1، ج2،441، ص476:" كان الآباء ينظمون شؤون الزواج لمن يبلغ الحلم من أبنائهم. وكان مجال الاختيار لديهم واسعاً، فقد قيل لنا إن الأخ  كان يتزوج أخته، والأب ابنته، والأم ولدها.
ومن جانب آخر تذكر المستشرقة البريطانية (ماري بويس) في كتابها: (تاريخ الزرادشتية من بداياتها حتى القرن العشرين- الصفحة 68) ما نصه: "تابع (=الملك قمبيز الثاني- 529-522 ق.م)  عمل والده، وهو توسيع الامبراطورية الفارسية، فضمّ إليها ممتلكات واسعة من مصر السفلى، لكننا لا نثق كثيراً بمعلومات الكتاب اليونانيين عن (قمبيز)، وهي المصدر الأساسي لتاريخ الإخمينيين. وفيما يتعلق بولاء قمبيز للزرادشتية، نعرف أنه كان أول إنسان يحقّق (هفاتفاداتا)، أي الزواج بين الأقرباء في الدم. كان هذا الزواج ممجداً وفق الكتابات البهلوية، وبالأخص الزواج من داخل الأسرة نفسها، زواج الأب من أبنته، الأخ من أخته، وحتى الابن من أمه. أعطى (فرافارانه) ((رمز الإيمان الزرادشتي)) اسم هذا النوع من الزواج، يحتل هذا الاسم في (فرافارانه) مكاناً غريباً، ففي نهاية المقطع المكرّس للإقرارات العليا العامة، ولعله أضيف متأخراً، ففي هذا المقطع من كتاب الآوستا- الآفستا-(Yasna9،12) يحكى ما يأتي: "أعلن نفسي نصيراً لهذا الدين، عابداً لمزدا، الدين الذي يجبر[الأعداء] على أن يسلموا أسلحتهم، الدين الذي يساعد (هفاتفاداتا) الصحيحة".
وتنقل المستشرقة في كتابها أيضاً، الصفحة 114- 115 عن وثيقتين يونانيتين أسماء الملوك البارثيين (= ملوك الطوائف)، ومنهم (أرساك- أرشاك- 250-248ق.م) وزوجاته الرئيسيات، تقول الوثيقة الأقدم: "أثناء حكم الشاهنشاه (أرساك)، والملكة (سياسا)، أخته وزوجته، في نفس الوقت، و(أريزاتا)، ولقبها (أفتوما)، أخت وزوجة الشاه (= الملك الأرمني) العظيم (تيكران)، وكذلك (أزاتا) أخته وزوجته...". تشهد هذه الصيغ بوضوح على أن الارشاكيين – البارثيين ساروا على هدى الإخمينيين في عادة زواج (هفايتفاداتا)، وتزوج الشاه المذكور أعلاه، مثل (قمبيز)، من أختيه. كان الزواج بين الأخوة والأخوات مسموحاً به في بين رعايا الارشاكيين (= الفرثيين)، جيران الزرادشتيين، مثلاً (ألينا) و(مونوباز) في أديابنا (= إمارة أديابين اليهودية في إربل- أربيل)، (إيراتو)، و(تيكران الرابع) من سلالة الارشاكيين في أرمينيا. وملك أرمينيا (تيريدات الأول) الحاكم الشريف بامتياز، يسمّي نفسه أخاً للملكة في كتيبة (=نقوش- كارني). ليس الحكام وحدهم تمسكوا بهذه العادة، بل الناس العاديون أيضاً، كما كتب عن برديصان (= من أهالي الرها- أورفة الحالية) في القرن الثاني بعد الميلاد، فقد أورد أمثلة متعلقة بأنصار المخلصين لتقاليد الأجداد، وهو الحفاظ على عادة الزواج بين الأقرباء في الدم بين الفرس في آسيا الصغرى".
والزواج بين الأقربين من الأقرباء (فهلوي: خويتكداس، آفستي: خوايتفداتا)، الذي يعتبره الزرادشتيون عملاً صالحاً، هو أمر مرفوض من الأساس عند المسيحيين، وبالتالي تعلّة (توطئة) لهجوم مرير. ويظهر من المناقشات المفصلة التي جرت حوله في السينودات ( = المجامع الكنسية)، وما دوّن في مختلف السجلات القضائية، أن هذا كان نقطة جوهرية في المناظرة المسيحية، كما كان في بعض الأحيان مورد هجمات أقلّ حجماً وشدة خلال انعدام الخصام العنيف- ضد أولئك الزرادشتيين الذين جعلوا من الزمان (زرفان) إلآهاً يعلو قدراً على جميع الآلهة وسائر البشر. باعتباره والد (آهورامزدا)، الذي كان مصدر كل الأشياء الخيرة، فضلاً عن ( آهريمن) معين كل الأشياء الشريرة- أنه ذاك (زرفان) بعينه الذي يقود مسيرة العالم، ويتحكم بمسيرة البشرية.
وبدأ ذلك الجدل عند كتاب الأرمن، مثل (آزنيك الكولبـي)، و(ايليشي)، وفي المضان والمصادر السريانية أسلوب جارح، فيه من التهكم والسخرية اللاذعة ما لا مزيد عليه. ويبدو أن مصدر الكزاد والحجج مستمد من كتاب (ثيودور المصيصي Theodor of Mopsuestia)، الذي ترجم إلى السريانية في تاريخ متقدم، يصعب جداً إغفال هذا الجدال على غرار ما فعل (هـ .هـ شايدر H.H. S).
ويقول الباحث الإيراني الكبير (سعيد نفيسي) في كتابه (تاريخ اجتماعي إيران- ج2، ص39): "إن من البديهي المسلم المقطوع به، الذي نجده بصورة قاطعة وحيّة في مصادر ذلك العهد الإيراني القديم: هو الزواج بالأقارب والمحارم من الطبقة الأولى كان معمولاً بل شائعاً بينهم حتماً، وعلى الرغم من الضوضاء الحمقاء التي يفتعلها الزرادشتيون أخيراً".
ثم يأتي الأستاذ (نفيسي) بالنصوص التي جاءت في كتب الزرادشتيين المقدسة، مثل (دينكرت) وغيره، ثم بالروايات التي أوردها المؤرخون المسلمون: كالبلخي المتوفى سنة322هـ/943م، في كتابه (كتاب البدء والتاريخ)، والمسعودي في كتابه (مروج الذهب ومعادن الجوهر)، وأبو حيان التوحيدي المتوفى سنة404ه/ 1013م، في كتابه ( إمتاع المؤانسة)، وأبو علي مسكويه المتوفى سنة421ه/ 1030م، في كتابه (تجارب الأمم وتعاقب الهمم). إضافة إلى أخبار زواج الملك الساساني قباد(488-497م،499-531م) بابنته أو ابنة أخته، وزواج بهرام جوبين (= بهرام السادس) بأخته (كردية)، ومهران كشناسب بأخته، والذي صار مسيحياً فيما بعد.
وينقل المرحوم (مشير الدولة) في كتابه المهم: (تاريخ إيران باستان- تاريخ إيران القديم)، نقلاً عن المؤرخ اليوناني القديم (سترابون)، بشأن الهخامنشيين (= الإخمينيين) قوله: "إن هؤلاء (= أي من كان يلقب: مغ، من شيوخ بيوت النار) كانوا يتزوجون بأمهاتهم حسب عادتهم القديمة".
ويقول بشأن الإشكانيين (= البارثيين – ملوك الطوائف): "إن بعض مؤرخي الأجانب يذكرون زواج الملوك الاشكانيين بأقربائهم وأرحامهم بكل كراهية، ذكر ذلك المؤرخ اليوناني  (هيرودوت) للملك الإخميني (كمبوجيه -  بارديا 522 ق.م)، وبلوتارك للملك الإخميني الآخر آرتخشتر- ارتحشتا الثاني- أردشير الثاني (404-359 ق.م) ".
ويردّ بعض الكتاب الفرس الزرادشتيين هذه النسبة، ويقولون: لا ينبغي أن نفهم كلمة (خواهر= الأخت) عند الإشكانيين بمعناها الحقيقي، بل إن الملوك البارثيين كانوا يطلقون الأخت على جميع بنات الملوك، إذاً كان هؤلاء أُسرة فيهم بنات الأعمام وأحفادهم".
ويضيف (مشير الدولة) يقول: "بما أنه يجب أن نتحرى الحقيقة في كتابة التاريخ نقول: إن الحق في هذه المسألة هو أن زواج الأقارب الأرحام المسمى (خوتك دس)، كان أمراً مستحبّاً لدى الفرس القدماء؛ والظاهر أنهم كانوا يعللون هذا الأمر بحفظ البيوت والاُسَر، وطهارة الأعراق والعناصر والدماء".
ويقول المؤرخ اليعقوبي، المتوفى سنة292هـ/905م: "وكانت الفرس تعظّم النيران، ولا تستنجي بالماء، إنما تستنجي بالدهن...  ولا تأكل إلا بزمزمة، وهو الكلام الخفي، وتنكح الأمهات والأخوات والبنات، وتذهب إلى أنها صلة لهن، وبرّ بهن، وتقربُ إلى اللهِ فيهنَ".
ولقد كان هذا الأمر رائجاً بين المجوس في صدر الإسلام. وجاء في (كتاب وسائل الشيعة- ج17، ص596 ) ما يلي: "فقد روي أن رجلاً سبّ مجوسياً بحضرة أبي عبدالله (= جعفر الصادق المتوفى سنة148هـ/765م)، فقال: أما علمت أن ذلك عندهم النكاح".
وجاء في روايات أبواب الحدود: "عن أبي الحسن الحذاء، قال كنت عند أبي عبدالله عليه السلام، فسألني رجلُ: ما فعل غريمك؟ قلت: ذاك ابن الفاعلة! فنظر إليَ أبو عبدالله عليه السلام نظراً شديداً، قال: قلت: جُعلت فداك! إنه مجوسي أمه أخته! فقال: عليه السلام: أو ليس ذلك في دينهم نكاحاً؟!" (وسائل الشيعة – ج18، ص430؛ ج3 باب عن فروع الكافي، ج7، ص240؛ والتهذيب، ج10، ص75).
ويذكر الفقيه الكبير أبو يوسف، المتوفى سنة 182هـ/ 798م في كتابه (الخراج) الصفحة260-261، ما نصه: "وفي خلافة علي بن أبي طالب  حدثت مناقشة بين الصحابة حول أمر المجوس، ورفع الأمر إلى الخليفة علي بن أبي طالب، فقال لهم: "فقال: سأحدثكما بحديث ترضيانه جميعاً عن المجوس: إن المجوس كانوا أمة لهم كتاب يقرأونه، وإن ملكاً لهم شرب حتى سكر، فأخذ بيد أخته، فأخرجها من القرية، وأتبعه أربعة رهط، فوقع عليها، وهم ينظرون إليه، فلما أفاق من سكره قالت له أخته: إنك صنعت كذا وكذا، وفلان وفلان وفلان وفلان ينظرون اليك. فقال: ما علمت بذلك. فقالت: فإنك مقتول ولا نجاة لك إلا أن تطيعني، قال فإني أطيعك، قالت: فاجعل هذا ديناً، وقل: هذا دين آدم، وقل: حواء من آدم، وادع الناس إليه، وأعرضهم على السيف، فمن تابعك فدعه، ومن أبى فاقتله، ففعل، فلم يتابعه أحد، فقتلهم يومئذ حتى الليل. فقالت له: إني أرى الناس قد اجترؤا على السيف، وهم على النار لُكع، فأوقد لهم ناراً ثم أعرضهم عليها، ففعل، فهاب الناس النار فتابعوه. فأخذ رسول الله الخراج لأجل كتابهم، وحرّم مناكحتهم وذبائحهم لشركهم. قاتلوا الذين خالفوه، فأصبحوا وقد أسرى على كتابهم فرفع من بين أظهرهم، وذهب العلم الذي في صدورهم، فهم أهل كتاب، وقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر الجزية منهم".
وروى الشيخ الصدوق، المتوفى سنة381هـ/ 991م في كتابه (التوحيد)، خبراً رواه (الحر العاملي) المتوفى سنة 456هـ/ 1064م في كتابه (وسائل الشيعة)، في أبواب النكاح، أبواب ما يحرم بالنسب، الباب الثالث: تحريم الأخت مطلقاً، الحديث الثالث:" وفي الأمالي وكتاب التوحيد... عن الاصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث: أن الأشعث قال له: كيف يؤخذ من المجوس الجزية، ولم ينزل عليهم كتاب، ولم يبعث إليهم نبـي؟!
فقال عليه السلام: "بلى يا أشعث: قد أنزل الله عليهم كتاباً، وبعث إليهم نبياً. وكان لهم ملك، سكر ذات ليلة فدعا بابنته إلى فراشه فارتكبها. فلما أصبح تسامع به قومه، فاجتمعوا إلى بابه وقالوا: أخرج نُطَهِرك ونقم عليك الحد!
فقال: هل علمتم أن الله لم يخلق خلقاً أكرم من أبينا آدم وحوَاء؟ قالوا: صدقت، قال: أليس قد زوَج بنيه من بناته، وبناته من بنيه؟ قالوا: صدقت، هذا هو الدين!
فتعاقدوا على ذلك. فمحا الله العلم من صدورهم، ورفع عنهم الكتاب، فهم الكفرة يدخلون النار بلا حساب... والمنافقون أسوأ حالاً منهم...".
ويفهم من هذه الروايات أن المجوس كانوا يفعلون هذا في صدر الإسلام، ولهذا فقد أصبحت هذه المسألة مورداً للبحث والنقاش في الفقه الإسلامي، وعرضها وبحث حولها فقهاء الإسلام من أهل السنة والشيعة الإمامية الاثنا عشرية، في مختلف أبواب الفقه، كمسألة حيّة، لها مصاديق واقعية خارجية، ولقد كان أكثر هؤلاء الفقهاء إيرانيين من القومية الفارسية؛ ولو لم يكن هذا الأمر رائجاً بين المجوس الزرادشتيين، لم تكن تطرح هذه المسألة في كتب الفقه الإسلامي لذلك العهد. ويبدو أن هذا الملك هو نجل الملك الإخميني كورش الثاني (قمبيز الثاني 529- 522 ق.م)، بدليل تطرّق المؤرخ اليوناني الكبير (هيرودوتس) إليه.

إن إنكار وجود هذه السنّة المجوسية بين المجوس اليوم، من قبيل إنكار البديهيات، إلا أن الزرادشتيين المتأخرين، وخاصة بارسيي الهند، وزرادشتيي إيران، يحاولون أن يعيدو النظر مرة أخرى في تاريخ هذا الدين، فيجددوا بعض نظرياتهم ويصلحوها، في أصول دينهم وفروعها، تبعاً للنظام الاجتماعي الإسلامي، باعتبارهم أقليّة صغيرة، ولذلك فهم قد أباحوا لأنفسهم الكذب المصلحي الكثير.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق