الأحد، 1 يناير، 2017

(الموصل) ودورها في التصدّي للغزو الصليبي (541 - 589 هـ / 1146 - 1193م) للدكتور شكيب راشد آل فتاح


بقلم: أ.د. عماد الدين خليل
من أَوْلى من أبناء (الموصل) أنفسهم في تدوين تاريخ مدينتهم عبر تغاير الأزمان والعصور ؟ ومن أولى من أقسام الدراسات العليا في (جامعة الموصل) في تبنيّ الموضوعات المعنية بتاريخ (الموصل) في رسائل طلبتها وأطروحاتهم؟
والآن، فإننا بمجرد إلقاء نظرة على رفوف المكتبة المركزية، أو المكتبات الفرعية لكليتي الآداب والتربية في جامعتنا العزيزة، يجد المتابع نفسه إزاء عدد ليس بالقليل من الرسائل والأطروحات
التي كتبت عن تاريخ (الموصل) السياسي والحضاري، عبر مراحله القديمة والإسلامية، والحديثة والمعاصرة.
ومنذ عصر فجر التاريخ، مروراً بالإمبراطورية الآشورية، وانتهاءً بالفتح الإسلامي، والدول التي تشكّلت في العصور الإسلامية: الراشدون، والأمويون، والعباسيون، حيث كانت (الموصل) جزءاً من الخلافة الأم التي ارتبطت بها برابطة الولاء العميق، وصولاً إلى عصر الدول والإمارات الإقليمية: الحمدانيون، العقيليون، الأتابكة، الخروف الأبيض والأسود.. وما أعقبها من قيام الدولة العثمانية، حيث عادت (الموصل) لكي ترتبط بالخلافة الأم بوشائج عميقة، تدفقّت رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه لكي تكتب عن تاريخ (الموصل)، فلا تكاد تترك عصراً أو مرحلة إلاّ وأشبعتها بحثاً وتمحيصاً.
فإذا جئنا إلى عصر الحروب الصليبية تحديداً، حيث لعبت (الموصل) دوراً مؤثراً في حلقات عديدة منه، وجدنا أنفسنا إزاء جملة خصبة من الدراسات التي تعاملت مع هذا الدور، والرسالة التي بين أيدينا واحدة منها.
ولقد أتيح لي منذ ستينيات القرن الماضي أن أكتب عن دور (الموصل) في مواجهة الغزو الصليبـي عبر حلقتين: أولاهما عن عصر ولاة السلاجقة (489 -521هـ/ 1095-1127م)، وثانيتهما عن عماد الدين زنكي، مؤسس الإمارة الأتابكية في (الموصل) (521-541هـ/1127-1149م). وتجيئ الرسالة التي بين أيدينا لكي تواصل الطريق، وتعالج دور (الموصل) في التصدّي للغزو الصليبـي، عبر الفترة الممتدة بين سنتي (541-589هـ/1146-1193م)، والمعاصرة لأتابكيتيْ (الموصل) و(حلب)، وعهد الناصر (صلاح الدين)، وهي الفترة التي فقدت فيها (الموصل) دورها القيادي في المقاومة الإسلامية للغزو الصليبـي، وتراجعت إلى الخط الثاني، الذي يقوم على الإسناد بالرجال والمال للقيادات الجديدة في الشام وفلسطين، زمن (نور الدين محمود) (541-569هـ/1149-1173م)، والناصر (صلاح الدين الأيوبي) (569-589هـ/1173-1193م).
يمهّد الباحث لدراسته بالحديث عن موقع (الموصل) الجغرافي، وأهميته في الحروب الصليبية، وبتقديم رؤية تاريخية للموصل قبيل العهد الأتابكي، ثم يعرض لأوضاع (الموصل) خلال حقبة حكم عماد الدين زنكي.
بعدها تتوالى فصول الرسالة الأربعة، مستقصية دور (الموصل) في مواجهة الغزو الصليبـي في عهود أتابكيتي (الموصل) و(حلب)، وعصر الناصر صلاح الدين، وهو دور متشعب ومؤثر يكاد يبلغ نصف القرن من الزمن، قدّمت فيه (الموصل) الكثير لحركة المقاومة الإسلامية، بما فيها التصدّي للحملة الصليبية الثانية (542-543هـ/1147-1148م)، وتحرير العديد من الحصون: العريمة، أنب، أفامية، حارم، ومواجهة إمارة طرابلس الصليبية، وتعزيز الجبهة الشمالية زمن (نور الدين محمود)، والانضمام إلى وحدة الناصر صلاح الدين، التي حققت إنجازها الكبير في معركة حطين (583هـ/1187م )، وتحرير مدينة القدس، والعديد من المدن الخاضعة للمملكة الصليبية في فلسطين، فضلاً عن تحرير شمالي الشام، لكي ما يلبث البحث أن ينتهي عند دور (الموصل) في حصار عكا والتصدّي للحملة الصليبية الثالثة.
ولا يبخل الباحث، وهو يقدّم لرسالته هذه، في تحليل أهم المصادر والمراجع التي اعتمد عليها، وهو التقليد الذي درج عليه معظم طلبة الدراسات العليا في جامعاتنا، وفي وضع خاتمة يلّخص فيها الملامح الأساسية للدور الذي مارسته (الموصل) في مواجهة الغزو الصليبـي، وهو - كما رأينا - دور واسع ومؤثر وضع بصماته الواضحة على خارطة العصر.
وبإلقاء نظرة على التهميشات الغنية للرسالة، وثبت مصادرها ومراجعها، الذي ينطوي على عشرات المصنفات والرسائل الجامعية والدوريات والمراجع الأجنبية، يتبيّن حجم الجهد الذي بذله الباحث في بناء رسالته هذه.
لقد أتيح لي أن أتعرّف على الباحث في بدايات اشتغاله على أطروحة الدكتوراه عن المؤرخ الدمشقي (سبط بن الجوزي)، مشرفاً، ولم يسمح لي سفري إلى خارج العراق على الاستمرار معه، ثم التقيته عبر مناقشة أطروحته تلك التي نالت درجة (الامتياز)، ثم ها هي رسالته للماجستير بين يدي.

إنه، من بين قلّة من طلبة الدراسات العليا المتميزين، لا يكتفي بالوقوف عند حافات النصّ، أو يلجأ إلى رصف النصوص الواحد تلو الآخر، وفق طريقة آلية يكاد الباحث يغيب فيها عن عمله، ولكنه كثيراً ما يذهب إلى ما وراء النصّ، محلّلاً، ناقداً، مقارناً ومستنتجاً، بل إنه يرفض النص أحياناً، بعد تمحيصه وتقليبه على وجهه، وإحالته على نصوص أخرى أكثر سلامة.

إن حضور الباحث في بنية عمله، ضرورة من الضرورات المنهجية، والرسالة التي بين أيدينا تقدم لنا واحداً من الشواهد المقنعة على ذلك، وقد تأكدت الظاهرة أكثر فأكثر في أطروحته للدكتوراه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق