الاثنين، 8 سبتمبر، 2014

قصة قصيرة - انتخاب حر وشفاف

مروان الكوردي
الساعة العاشرة وعشر دقائق صباحاً:
المكان: متوسطة مقلوب للبنين/ كلكجي
سار المدرس بخطوات متباطئة  بين الحائطين في الممر العلوي للمدرسة، متجاوزا صفا تلو آخر، والضجيج والصراخات تسمع من وراء كل باب يمر بجانبه، إلى أن وصل إلى غرفة مكتوب عليها بصبغ أزرق، وبفرشة مبعثرة الشعرات، كلمة: (الثاني حـ).
 دخل المدرس إلى الصف دون أن يرى وقوفا جماعيا مرتبا من قبل الطلاب كما هو معتاد، إذ لم يكن هناك (مراقب).
كان الأولاد مبعثرين كأحجار الشطرنج بين الـ(رحلات) و على الرحلات، وكان البعض منهم يضرب الآخرين بالكتب على رؤسهم، والبعض الآخر يركض بين الصفين من الرحلات، والأتربة المتطايرة بين ثكنات
الدقائق في الصف تزيد الأمور تعقيدا، تماما كما تضربها العاصفة في الصحراء.. كل هذا أدى إلى جنون المدرس و هيجانه، صاح بملء فيه: يا حيوانات، لماذا لا تهدأون؟؟؟؟ من أين تعلمتم كل هذه الأخلاقيات الفاضلة؟ هل أنتم من أولاد الشوارع؟
قال أحد الأولاد: يا أستاذ، نحن لا نملك مراقبا جيدا، هذا الـ(غانم)، الذي هو مراقب علينا، لا يساوي شيئا. أجاب آخر من مكانه -بعد أن هدأت الأوضاع- : لا يقدر أن يضبط الوضع، نريد انتخابا يا أستاذ، سنرشح من هو أفضل.. 
و من آخر رحلة من جانب النافذة جاءت كالطلقة:
_ سنجعل الحصة هذه انتخاباً ديمقراطياً، سنجعل المهزلة هذه نهائية ياآآآآآآآستاذ.
كان الوضع ذاك مقلقا بالمرة  للمدرس.. وكان يعلم جيدا كيف يهدأ الوضع..
لقد رأى بعد لحظات أن كلام الطلاب صحيح، وأن الوضع لا يمكن أن يستمر هكذا.. ويعتبر قضاء فترة الدرس في أمور خارجية من الأمور المحببة له..  لكن من الأفضل أن يشرف بنفسه على عملية التصويت، وأول الأمر لا بد أن يعرف من هم المرشحون لمنصب (مراقب صف).
قال في كلام جهوري: من يرشح نفسه؟ فليرفع يده.. من يريد ذلك؟
رفع (غانم) القريب من النافذة يده، وهو (المراقب الحالي)، معلنا أنه سيرشح نفسه لولاية ثانية، ورفع (حكيم) يده أيضا، وقريبا من المدرس رفع (لقمان) يده.. أصبح المرشحون للمنصب ثلاث طلاب، مراقب قديم، وآخران جديدان..
قال المدرس لهم: توقفوا، لنرى جدول أعمالكم، إذا ما فاز أي واحد منكم بالمنصب، ترى ماذا في نيته أن يقدم للطلاب من خدمات؟
وقف (غانم) على قدميه وسط الصف، وقال:
إذا صوتم لصالحي، وفزت بالعملية، سأنظف الصف لكم يومياً، وأحل مشاكلكم مع المدرسين، وأرتب صفنا، وأرتب الرحلات في تنظيم جيد، وأخدمكم جميعاً، بالإضافة إلى أنني أساعد الطلاب الفقراء ..
بعده قال المرشح الثاني (حكيم): عندي أشياء أكثر أهمية من برنامج عمل (غانم). أنا سأصلح باب الصف بالبزمار، وأجلب الماسحة الأسفنجية للصبورة، وأبدل الرحلات القديمة هذه بالرحلات الجديدة العائدة للصف المقابل، إذا ما كانوا غير موجودين في الصف، وأشتري لكم كرة قدم صينية من حسابي الخاص.
قال المدرس : هذا جيد، وأنت يا لقمان ما هو جدول أعمالك؟
لقمان، الطالب اللعوب .. الفنان الماهر، والمشاكس العبوس.. قال بلسان يفهمه الطلاب، ويقدرونه حق تقدير:
_ سأستعمل كل طاقاتي وقوتي وتفنناتي ومهاراتي مع جميع المدرسين، حتى مدير المدرسة، في تأجيل الامتحانات، وإذا لم يأت أي طالب إلى المدرسة في يوم ما، سوف أحصل على إجازة له من قبل الإدارة، وإذا قام الطلاب بالتبرع بالمال، سوف أقوم بحملة لصبغ الشبابيك والحيطان، وأشتري ستائر رائعة. لكن صدقوني، سيكون من أهم أولويات أعمالي تأجيل الامتحانت دائما وأبداً.
وبعدها تم توزيع قصاصات الورق على جميع الطلاب، و تم إعلامهم بأن على الطالب الواحد أن يصوت لمرشح واحد، ولا يُري الورقة لجاره، وبدأوا بالتصويت: وبدأت أول عملية انتخابية ديمقراطية في تعيين منصب (مراقب الصف) في تاريخ المدرسة. 
بعد خمس دقائق كانت النتائج كالآتي:
(17) صوتا للقمان، (14) صوتا لحكيم، صوت واحد لغانم.
ومن جانبه شكر (لقمان) جميع من صوت له، ووقف من مكانه مرة أخرى، ورفع إصبع الشهادة إلى الأعلى، وفي فرح وسعادة أعلن:
 بإذن الله سوف أحل مشاكلكم .. وأخدم الطلاب ليل نهار.. ومن اليوم أنت وأنت وأنت مجاز .. ولا تنسوا أنكم قد تخلصتم من عقدة الامتحانات، وإلى الأبد.
وصفر الفراش من الخارج صافرة النهاية، معلنا بذلك انتهاء الحصة الرابعة في ذلك اليوم.. وغروب شمس  المراقب القديم (غانم).. وبدء اللحظة الأولى من حياة المراقب الجديد.. المراقب (لقمان)!!.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق