الاثنين، 8 سبتمبر، 2014

الناس والمظاهر ..في عالمنا الثالث

سيروان أنور مجيد
حينما كنت في مرحلة البكالوريوس درّسنا أحد الشيوخ، وكان خريج جامعة الأزهر، وذا علم ودراية كبيرة بمنهجه وتجارب الحياة، فهو لحسن حظه أكمل الماجستير في الأزهر الشريف، إذ يومها كانت الأزهر قبلة لطلاب العلوم، يعجّون إليها من جميع البلدان الإسلامية. إلا أنّ الحظّ لم يحالف شيخي هذه المرة، ولم يستطع تكملة الدكتوراه، رغم محاولاته العديدة، لأنّه لم يوقّع للبعثيين، وقت نظام صدام حسين البائد، لذا لم يقبل في الدكتوراه، وهذا ما انعكس على شخصيته السايكولوجية سلباً، لا لأنه ليس بهذا المستوى، بل إنّ الكثير من أساتذة عصره من حملة الدكتوراه كانوا من طلابه، وحتى بعد الدكتوراه كانوا يتتلمذون على يديه .. لقد كانت المؤثّرات السلبية التي ترعرعت في كوامن شخصيته، هي من نتاج ذلك المجتمع .. مجتمع أفراده ينصتون لسابقة (د.)، أي: الدال والنقطة، ويحترمون صاحبها، أكثر من حامل الماجستير، والبروفيسور أكثر
من الدكتور.. وهكذا دواليك، بغضّ النظر عن كيفية الحصول على هذه الشهادة، أو هل أنّ حامل هذه الشهادة فعلاً تنغرس فيه مفردات شهادته بما فيه..؟ فلربّ مدرّس أفقه من بروفيسور.. فالإبداع العلمي يتجسّد بالإثبات وطرح الأفكار والمؤلفات، أكثر بآلاف المرات من التلقي الببغائي..!
 ولقد كان الشيخ محقاً، فهو يعيش في مجتمع مسلم بالتسمية، ولكن (بطاقات أحوالهم الشخصية: التذكرة) مكتوب عليها: ملم.. في الصغر تألمت لهذا الـ(ملم) في التذكرة كثيراً، وخاطبت نفسي كيف أنّ القائمين على الجنسيات والتذكرة يكتبون (ملم)، ولا يبالون بتعريف المسلم مسلماً كتابة ومضمونا؟ وأيّام الكلية تعجبت من مقولة شيخي، وحجم معاناته التي لخصها في "الناس باللباس، ولو كان مام عباس (العم عباس)!!" وقلت حينها: أترى يكون هذا الكلام صادقاً على أفراد مجتمعي، لا سيما ونحن في مجتمع ينبغي أن نكون بمرتبة "خير أمّة أخرجت للناس"، حسب المنطق الربّاني..! 
ولكن حينما مضت الأيام، وتعلّمنا شيئاً من سطور الكتب وتجارب الزمان، تيقّنت صحة كلام شيخي بحذافيره، في غالبية الأحوال.. وحتى مسلمو اليوم، في واقع الحال، لربّما تصح تلك التسمية المسطورة لهم في بطون تذكراتهم!
نعم، في غالبية الأحوال نحن نقيس الناس باللباس...! ففي عالمنا الثالث علينا أن نعيش للآخرين لا لأنفسنا....! فطريقة اللباس، ونوع السيارة، وطبيعة الشهادة، والسكن، هي التي أضحت المحدد الأساسي لهوية الشخص، والمحفز للاحترام، وليس جوهر الشخص. فنحن أمام المظاهر الخارجية بامتياز.. ولا ندري قد أصبحنا، منذ زمن، عالة حتى على العالم الإنساني.. نحن أمّة نعيش في الماضي أكثر من كوننا في الواقع، نبدع في النقد، وفي الموازنة غير الدقيقة، ولدينا إسهامات في تبغيض وتنقيص أمور الآخرين، وبالتأكيد نحن حكماء حال محادثاتنا عن آفات المجتمع، وكلنا لحظتها أصحاب مبادئ، ولكن حينما نأتي إلى حيز التطبيق، سرعان ما تغيب مبادؤنا، وبين عشية وضحاها نكون أصحاب مصالح، و(نفسي .. نفسي) يكون شعارنا الألمع!.. نعم، نجمّل أحاديثنا بالذكر الحكيم ،والأحاديث النبوية، وأقوال العلماء والحكماء، ونعلّم الآخرين، ولكن لا نستطيع تحمل برهة من النقد والرأي الآخر، كما كان خريجو الجامعة المحمّدية..! أما ترجمة ما نقوله في حياتنا، فاقرأ عليه السلام..! فهي للآخرين، وللغة التلفاز، لا أكثر من ذلك..! فإذا ما واجهنا الرأي الآخر، بأبسط لغة، سرعان ما نتهم كريم الأمس بالخيانة والوضاعة..
 فما أغربنا نحن..! وأين نحن من مقولة مهندس الإسلام (عمر الفاروق) حينما يشدد في مقولته المشهورة عن إيجاد المرء سبل الخير لصاحبه، قائلاً: "لا تظن بكلمة صدرت من أخيك شراً، وأنت تجد لها في الخير محملاً"، بل نعمل على العكس من ذلك تماماً، إلا من رحم ربّي.. نعم، نعمل عدّة أعذار لشتم الآخر والحطّ من مكانته وشخصيته وهيبته.. والكلام يطول ويطول فينا عن ذلك، ولا يسعفنا في ذلك المجلدات الكبيرة.. يا ويلتاه! لما حلّ بنا، وتغيرنا من أمّة القلم، إلى أمّة الأكل والأحلام والطبخ.
وفي كلمتي الأخيرة أقول: يا شيخي، كم أبدعت في وصف زماننا وواقع حالنا، فإذا كان العقد الماضي هكذا، فاقرأ على هذا العقد السلام، لأننا نتطور بالعدّ العكسي، ونخالف عجلة تطور الزمان، بل ونبدع في مخالفة تلك العجلة..! نعم أصبحنا نبدع في التخلف، لأننا لسنا كتلاميذ تلاميذ المصطفى في التجدد والحيوية.. والصبر فينا أصبح شيئاً من الماضي.. فأين نحن من صبر علي (كرم الله وجهه) في حيويته وتجدّده ونظرته البصيرة للتعلم والتطور في جميع ميادين الحياة، فهو كان أصبر من الصبر، ولهذا هؤلاء أصبحوا أمة في غضون سنين، إذ يقول عن صبره : "سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري، وأصبر حتى يأذن الله في أمري. سأصبر حتى يعلم الصبر أني صابر على شيء أمرّ من صبري".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق