الاثنين، 8 سبتمبر، 2014

تاريخ محمد علي باشا...استغلال التاريخ

بقلم: عفاف لطفي السيد (مارسوت)
ترجمة: عمر جاسم محمد
مقدمة المترجم:
ليس هذا المقال دفاعاً عن (محمد علي)، إنما هو دفاع عن المنهجيات الرصينة للبحث والكتابة التاريخية، التي ظلت على مدى عهود طويلة؛ تشكو من الانحياز والتعاطف غير المبرر، فالجهل بالتاريخ العالمي يوقع الباحثين في شرك التهويل والتعطيل للدقة والرصانة، وهذا جعل من الحقائق التاريخية رهينة الولاءات والانحيازات النفسية والفكرية، فصار المؤرخون – غالبهم – يودعون أوهامهم وأباطيلهم بين طيات الحقيقة، فيختفي شكلها حتى تؤدي خدمة لترسيخ الباطل والزيف.. هكذا تناقش (مارسوت) نموذجاً جلياً لاستغلال التاريخ.. نعم، يصح أيضاً أن نمنح هذا البحث، على قلة أوراقه (استغلال التاريخ)، فالتاريخ كما قيل: أخطر ما أنتجته كيمياء الفكر الإنساني.

المجد والشهرة قيم عابرة، وحين تكون رهينة المؤرخين، فإنهم يصنعون الأبطال، والمدانين من الشخصيات التاريخية، هكذا تغدو هذه القيمة سريعة التلاشي.
المجد والشهرة قيم عابرة، وحين تكون رهينة المؤرخين، فإنهم يصنعون الأبطال، والمدانين من الشخصيات التاريخية، هكذا تغدو هذه القيمة سريعة التلاشي.
ما هي الأسس التي يقوم عليها الثناء، أو الذم، للشخصيات التاريخية؟ يوضح (والترشتاين Wallerstein) أن المثالية التاريخية للقرن التاسع عشر اتجهت لكتابة الحقائق التاريخية، "كما كانت على حقيقتها في الماضي" "wie es eigentlich gewesen ist"، لكنه يضيف: لا يمكن نقل الماضي إلا على حقيقته، إلا أن الحقائق تتغير بتغير المجتمعات، فيتجه المؤرخ لإعادة كتابة التاريخ، في اطار الواقع الذي يعيشه، وفقاً للظاهرة المدروسة(1).
وعلى هذا، فإن "الحقائق" التاريخية في الماضي، تصبح - في كثير من الأحيان- "خيالاً" ينشأ من دوافع التحيزات الدينية للعصر، أو من الدوافع الاجتماعية والاقتصادية. ولسوء الحظ، فإن الكثير من المؤرخين المعاصرين، استخدموا هذه "الحقائق" كقاعدة لبناء الكثير من الروايات التاريخية، وبالتالي، التوصل إلى أفضل طريقة لتشويه الواقع التاريخي. وأثناء قيامي بالبحث عن مصادر لكتابة بحوث أولية عن سيرة (محمد علي باشا)، مررت على الكثير من الأمثلة التي تظهر التشويه للحقائق التاريخية، دفعتني للاعتقاد بأن سيرة (محمد علي)، وحياته، وأعماله، بحاجة إلى إعادة نظر شاملة.

التعداد السكاني:
أجرى (محمد علي) تعداداً للسكان في مصر عام 1864، وأعلن أن عدد نسمات الشعب المصري بلغت4,476,440 بزيادة أكثر بكثير عن عام 1800، إلا أن الرحالة الأوربيين، والقناصل، و"خبراء" آخرين، أعلنوا أن هذه الأرقام متناقضة وغير دقيقة، وعرضوا أرقامهم الخاصة حول التعداد السكاني للشعب المصري.
والأعداد التي طرحها الأوربيون، تراوحت بين 1500000 لدى (هامونت Hamont)، و 3000000 لدى (بوسليموت Boislecomte)، بينما أعطى (بورينغ Bowring) تقديراً وسطياً بمقدار 2500000 على الأكثر، في حين قرر (كامبل  Campbell) أن الرقم 2235000 أقرب إلى الدقة. وكان 800000 منهم فلاحين، في بلد كان يغلب عليه الطابع الزراعي(2). وكتبت (هيلين ريفيلن) في "السياسة الزراعية لمحمد عليthe Agricultural Policy of Muhammad Ali": "الأدلة المعاصرة، تجمع تقريباً عن تقدير عدد السكان المصريين بــ 3 ملايين، وأكثر المراقبين يعطون كمعدل متوسط بحدود 2500000"(3)، وأعربت عن اعتقادها بأن الأرقام الأوربية أكثر دقة من المصرية، لأن الباشا قد "بالغ بحجم السكان المصريين، لتبرير سياساته العسكرية والاقتصادية"، على الرغم من أنها لم تفسر لماذا ينبغي على رجل مستقل مثل (محمد علي) أن يبرر سياساته، ولمن يبرر؟
أحصى (جستن مكارثي Justin McCarthy ) في مقاله: "السكان المصريون في القرن التاسع عشر"- الصادر في عدد خاص من مجلة دراسات الشرق الأوسط- أعداد السكان التي أجريت لها إحصائيات في الأعوام 1882، 1897، 1907، ورجوعاً إلى 1864، فأثبت أن أرقام الباشا كانت، بلا أدنى شك، الأكثر دقة بين جميع الأرقام المذكورة، أما بقية النسب فمن الواضح أنها من خيال مؤلفيها(4).
لماذا كانت الإحصائيات السكانية للشعب المصري تهمل، لصالح ما قدمه الخبراء الأوربيون، على الرغم من أن الأخيرة أظهرت تناقضاً كبيراً وملحوظاً، حتى أن أبسط الناس يمكنه أن يتساءل عنهم؟ هل هناك تحيز ضد (محمد علي)؟ بالقطع نعم، ولكن أيضاً لإثبات أن "سياسة (محمد علي) في التجنيد قد أثرت في تراجع النمو السكاني،"لكن أرقامه أظهرت العكس من ذلك، ولكي يشرحوا أن سياساته تلك قد أثرت بشكل كبير على الزراعة، إذ ظلت "ربع الأرض غير مزروعة"(5).
أظهرت النسب الحقيقية لتعداد السكان المصريين، على الرغم من 25 عاماً من الحروب، والأوبئة، وانتشار الكوليرا، والتي استغرقت حوالي 21 عاماً من أصل 44 عام، أي للفترة من 1800 إلى 1844، أن أعداد سكان مصر كانت بازدياد مستمر، وذلك عائد إلى الرخاء الذي شهدته مصر، والذي نتج عن ازدهار الأمن الداخلي للبلاد، مع كل ارتباطات هذا الازدهار وتشعباته في النمو الاجتماعي - الاقتصادي، وهذا الازدهار لم تعرفه مصر خلال فترة حكم المماليك(6). وبالتالي، فإن المرء لا بد وأن يستنتج: أن بقدر تعلق الأمر بالنمو السكاني في مصر، فإن ظهور (محمد علي) قد ساعد بشكل كبير على نمو السكان، وبالتالي تحسن ملفت، وصورة مشرقة للماضي.

التجنيد الإلزامي: 
في جانب آخر من المغالطات التاريخية - فيما كتب عن (محمد علي باشا)- المزاعم التي روجت لها جهات مشهورة، مثل: (هامونت Hamont)، و(بورينغ Bowring)، فضلاً عن تقارير القناصل الأجانب في مصر، في أن طريقة التجنيد في مصر كانت مروعة ومشينة للإنسان، وكان الوالي يمعن الإيذاء بالجند. وعلق القنصل الإنكليزي (باركر) على طريقة التجنيد "press gangs"**: إن السكان الحضريين تم ربطهم بالسلاسل، وجرهم -كالطريقة التي يربط بها الفلاحون ثيرانهم- نحو مراكز التجنيد.
وربما أقبل ادعاء القنصل بأن الأساليب المستخدمة للتجنيد في عهد (محمد علي)، كانت مهينة وقسرية، ولكن في الوقت نفسه، أود أن أسأل: كيف كان يتم التجنيد في أي مكان آخر من العالم؟ في الجيش البريطاني كان هناك آلاف من المتطوعين، وماذا عن عمليات اختطاف الرجال، لإدخالهم في سلاح البحرية قسرياً؟ والتي تعتبر حقيقة تاريخية راسخة، لا يمكن لأحد إنكارها؟
وبالرجوع إلى المعجم اللغوي الإنكليزي، نجد أن معنى "press gang": تخدير الرجال وشحنهم إلى سلك البحرية، بينما هم فاقدون للوعي". وقد وصف المؤرخون البريطانيون أن القائمين على هذه العملية قد انتشروا بشكل مخيف في شوارع لندن، وبدأوا يعتقلون المارة من أجل استلاب أموالهم، مما جعل شوارع لندن كمدينة الأشباح، لا يمكن للرجال فيها أن يضمنوا سلامة رقابهم في الليل، وقلما تجد أحداً يسير ليلاً فيها".
أما الجيش الفرنسي، فقد تفاخر بأنه كان يمتلك خدمة تجنيد متميزة، لكننا نرى المؤرخين الفرنسيين -من الجيل الذي سبقنا- يصفون نظام التجنيد الفرنسي كما يأتي: لقد ضمت قوائم التجنيد: الجند المخبولين، المجرمين، وغالباً كان يتم تجميعهم عن طريق الخداع والعنف"، "وغالبهم كانوا يسعون وراء الحصول على الغذاء والماء ليس إلا، وكان دخولهم الجيش للخلاص من شر المليشيات المنتشرة في الأرجاء، والتي كانت تمثل في ذلك الوقت "مهنة صيد البشر"(7)، "Les racoleurs enrolaient les naifs, les vagabonds, les repris de justice, souvent par la ruse et la violence. "Tout leur etaient bon pour toucher la prime de récolement  ... tous les hommes qui etaient quelque chose s'ingeniaient a echapper a la milice, et la poursuite des refractaires prenait les allures de la chasse a l'homme . "أما بالنسبة للعقوبات التي يتعرض لها الجنود: "كان المذنب يوسم بعلامة معينة، ويفرض عليهم العمل في التجديف في القوادس -(نوع من أنواع السفن، المزودة بمجاديف لدفعها، حيث نشأت في إقليم البحر المتوسط، واستُخدمت في الحرب، والتجارة، والقرصنة، منذ الألفية الأولى قبل الميلاد: المترجم  Henry George Liddell & Robert Scott Galeos, A Greek-English Lexicon)- حتى الموت، لأكثر الجرائم بساطة" "la marque, les galères au la mort étaient infligées pour les fautes les plus légères".
وقيل إن نظام التجنيد قد تحسن في عهد (نابليون)، بحيث أصبحت "العقوبة ضد من يعارض التجنيد الضرب المبرح المميت، وكان القانون يسمح بتجنيد الشاب من العائلة التي ليس لها سوى معيل واحد هو ذلك الشاب، لتبقى أسرته تعيش في حالة من العوز ما يدفعها إلى الانحراف أو التشرد بسبب الجوع والبرد والبؤس، فصار الناس يأكلون القاذورات من الطرق، حتى تحولت هذه إلى ظاهرة عامة في المجتمع"(8)، "la punition touchant les refractaires qui n'avait d'abord frappe que l'insoumis, atteignit a partir de 1811 le pere de celui-ci, sa mere, ses freres, soeurs et beaux-freres, toute sa famille, tous ceux chez lesquels, extenue de faim, de froid et de misere, Ie malheureux avait bu, mange, travaille, au dormi; elle s'etendit par la suite a toute la commune.!(9).
هذه النصوص التي أوردتها أعلاه، يمكنها بكل بساطة أن تصف نظم التجنيد الذي استخدم في مصر محمد علي، والتي كانت، في الواقع، تطبيقاً عملياً للنمط الفرنسي، نتيجة استقدام المستشارين العسكريين الفرنسيين، الذين دربوا الجيش المصري على النظام والطراز الأوربي الحديث. والفرق الوحيد بين نظام التجنيد المصري والفرنسي، هو أن (محمد علي) حين سمع بأن الفلاحين يعترضون على نمط التجنيد في الجيش، أصدر أمراً إلى ابنه (إبراهيم) يدعوه لوقف استخدام الأساليب العنفية في التجنيد، مؤكداً أنه من الضروري 
تجنيد الرجال عن طريق إقناعهم بقيمة دخول سلك الجيش، والفوائد التي يمكن أن يحصلوا عليها، ومن الواجب استخدام "رجال الدين" لأجل هذا الغرض. فبرز للباشا عالم من علماء الأزهر، وهو الشيخ (خليل بن أحمد الرجبـي)، الذي كتب (خطبة حماسية) تظهر القيمة الدينية والأخلاقية الكامنة وراء التجنيد، مؤكداً على إبراز جانب مهم في الترويج لنظام (محمد علي)، فقد اعتبر من ماتوا أثناء الخدمة العسكرية شهداء، والشهداء موعدهم الفردوس الأعلى(10). ومن نافلة القول، إن هذه الحجة لم تقنع سوى عدداً قليلاً من الناس، لذا فإن التجنيد بالأساليب القسرية استمر، حتى وإن كانت تلك الأساليب تثير الناس، وتجعلهم يصرون على رفض التجنيد.
على هذا، يمكننا أن نفترض، أو نجزم، بعبارة أدق، أن نظام التجنيد في مصر لم يختلف عن تلك الأنظمة التي مورست في فرنسا وإنكلترا، ناهيك عن بروسيا، ما يؤدي بنا إلى الاستنتاج، بأنه إذا كان نمط التجنيد الذي أداه (محمد علي) يجعلنا نحكم عليه بالطاغية، فإنه ينبغي – إنصافاً للحقيقة التاريخية - أن نعيد التفكير في تاريخ فرنسا وإنكلترا حول التجنيد بذات الطريقة التي ننظر بها إلى نظام (محمد علي)، والأمر معهم أكثر بشاعة، لأنهم يفترضون أن نظامهم ليبرالي، في حين أن الباشا لم يكن ليبرالياً! فنخلص إلى القول بأن أساليب (محمد علي) لم تكن أفضل من تلك التي مورست في الغرب - الأكثر تقدماً -، لكنها بالتأكيد لم تكن أسوأ.
الحروب الخارجية وسلوك الجيش (الحرب على موريا):
كانت الحرب على (موريا) الفرصة المناسبة لحملة التشويه التي شنتها أوربا على "الترك العاجزين" والإسلام، وبطبيعة الحال على أساليب إبراهيم باشا الوحشية في الحرب، واتهم إبراهيم بممارسة الإبادة الجماعية، وترحيل أعداد كبيرة من اليونانيين إلى مصر، من أجل إخلاء مناطق بأكملها، وحرق القرى... إلخ.
اليونانيون، الذين وصفوا - في المراسلات الخاصة للسياسيين البريطانيين - بطريقة مهينة، وكأنهم لصوص وأوباش، واعتبرتهم المراسلات أحفاد هكتور*** والكسندر، وأنهم يقاتلون وينتحرون من أجل أمتهم ودينهم، لكن الازدواجية الغربية هذه، لم تذكر الأفعال البشعة التي ارتكبها اليونانيون بحق الشعب التركي في جزيرة كريت وموريا، مثل تسخير النساء التركيات في المحاريث كالبهائم، أو عملية ذبح من كانوا على متن سفينة، لم يكن لديهم إشارة تدل على أنها سفينة سلمية، فطالت عملية القتل حتى النساء والأطفال، وأبيد كل من كان على متنها. مع ذلك، فهذه لا تعتبر قضية هنا! القضية هنا: ما هي الطريقة التي تصرف بها جيش إبراهيم، واختلفت عن تصرفات أي من الجيوش البريطانية والفرنسية في حرب معاصرة، مثل حملات شبه الجزيرة؟
كان الجيش الفرنسي مدرباً على البقاء بعيداً عن أرضه، وفي إسبانيا والبرتغال، حيث كان الطعام شحيحاً، قام الجيش الفرنسي بتعذيب المدنيين وإجبارهم على إخبارهم عن مخابئ الطعام. وعن هذا المشهد كتب الجنرال (روبرت لونغ): "كانت الأمهات معلقات على مقصلة الإعدام يحملن أطفالهن، والنار تلتهب من تحتهم"(11). ووصف (نيد باكينهام) بشاعة أساليب الفرنسيين في رسالة إلى أخيه: "إن هذا الرعب الذي ينشره الفرنسيون هنا، إنما هو من فعل شياطين جاءوا من عمق الجحيم"(12). ولم يكن البرتغاليون بأكثر رحمة من الفرنسيين، فقد كان ردهم يقوم على "العين بالعين"، الجنود الفرنسيون الذين وقعوا أسرى بأيدي البرتغاليين، تعرضوا لأبشع أنواع التعذيب، والجرحى الذين تركوا أحرقت أجسادهم وهم أحياء، وكان نصيب الضباط أن تنشر أجسادهم إلى نصفين"(13).
أما عن الجيش البريطاني، الذي صدم بتصرفات الجيش الفرنسي الوحشية، كيف كان تصرفه حين احتل بلدة بطليوس* عام 1809؟ "لم يستثن باب من الخلع بأقدامهم، ولم يكن للشيوخ حرمة، قتلوا كل من صادفوه، واغتصبوا النساء، وامتلأت صدور الأطفال بحرابهم"، و"سحلت راهبة في الشارع من قبل جنديين، لكن أحدهم حاول عبثاً أن يمنع الآخر من الاعتداء عليها، فكانت النتيجة، أن اتخذ الجندي موضع المحارب، وأطلق النار على صاحبه"(14). فهل من الغريب أن (ولينغتون) قد وصف جيشه بأنه "حثالة الأرض"؟ ولكن كيف عرض الضباط البريطانيون سلوك جنودهم؟(15).
هكذا وصف سلوكهم من قبل ضباطهم:
الجنرال (وليام براغ)، قائد فرقة الخيالة الثالثة في الجيش البريطاني: "لقد استحق الناجون حرية نهب المدينة بجدارة".
قائد كتيبة الرمالة الجنرال (جون كينكيد): "كان من حق الرجال أن يستمتعوا بوقتهم لقضاء بقية أيامهم".
الجنرال (الكساندر ليث – هاي) كان يحمل الضربة القاضية: "كان تمزيق المدينة إلى أشلاء، شرف جسده التاريخ".
   لم تكن الوحشية مقتصرة على جيش دون آخر، بل إن العنف كان من سمة الجيوش، وأي جندي يمكنه أن يرتكب أبشع الأمور في سلك الجندية. لقد استغل الأوربيون أساليب إبراهيم الوحشية في (موريا) كوسيلة لتبرير العمل العسكري الأوربي ضد العثمانيين ومصر. ربما يكون ذلك سبباً وجيهاً في حينه، ولكن ما هو غير مبرر، أن المؤرخين استمروا بتعريف إبراهيم على أنه رجل غليظ وهمجي، باستخدام (موريا) كدليل على إثبات همجيته تلك، في حين أن في عصره، كان هناك قادة عسكريون يضاهون إبراهيم بذات الأفعال، وربما أبشع.

الصناعة المصرية:
كانت محاولات إدخال الصناعة في مصر، وحالة العمال، موضوعاً آخر مارس فيه المراقبون الأوربيون مواهبهم في توجيه الانتقاد لـ(محمد علي). فمنذ أول لحظة شعر فيها الغرب أن مصر تسعى للتوجه نحو الصناعة، أعلنوا رفضهم القاطع لهذا التحول، وكانت مبرراتهم أن مصر، هي البلد الوحيد الذي يعتبر بلداً زراعياً بالدرجة الأساس، وأن إنكلترا وفرنسا بحاجة دائمة إلى المواد الخام التي تنتجها مصر، هذا فضلاً عن اعتبار مصر أحد أكبر الأسواق لتصريف البضائع الأوربية. وقد علق القنصل الفرنسي (دروفيتي) على هذا الموضوع بقوله: "إنه من العبثية والسخف تفعيل الصناعة في أمة تقوم مصالحنا الكبرى على إنتاجها الزراعي"(16)ce projet absurde de vouloir rendre manufacturière une nation dont les grands intérêts sont dans l'agriculture.'!
وتسرد (ريفلين) كل الحجج حول معايير التصنيع في القرن التاسع عشر، وتضيف سبباً جديداً بأن الفلاح المصري لا يرغب في أن يتحول إلى "عامل مصنع"، ولم يكن نشوء طبقة البروليتاريا أحد الخيارات المتاحة، تقصد بذلك تحول الفلاحين إلى عمال، كما دعا إلى ذلك (كارل ماركس)، مضيفة أن الصناعة المصرية "محكومة بالفشل" قبل التفاوض حول المعاهدة التجارية لعام 1838، وانهارت في النهاية بسبب ضعف السياسة الصناعية للباشا(17). ولكن، إذا كانت الصناعة المصرية "محكومة بالفشل" من جهة، لماذا كانت إنكلترا حريصة بشدة للضغط باتجاه توقيع المعاهدة، وحاربت لسنوات طويلة لتبقي شروطها وبنودها قائمة؟ ومن جهة أخرى من له القدرة على التكهن بأن أي شيء "محكوم بالفشل"؟
وبنفس التحامل تكرر (ريفلين) مزاعمها حول أحوال العمال الصناعيين في مصر، فتشير إلى أن الأجور كانت جيدة نسبياً، لكنها دائماً كانت متأخرة عن الموعد، مما يجعل العامل غير منتج بالشكل السليم، ما دفعها للاستنتاج أن الجانب الإنساني الذي صور به الباشا كان "مبالغ فيه"(18) إلى حد كبير، وبسبب هذا التأخير، ليس لدي أدنى شك في أن حالة العمال في المصانع المصرية كانت مزرية في ذلك الوقت، لكنها مع ذلك، لم تكن أسوء من أي مصنع بريطاني في الوقت نفسه!
كانت المصانع البريطانية حيث ساعات العمل الطويلة، والمرافق الصحية المهملة، وكان العقاب الجسدي الذي لحق بالعاملين -من رجال وأطفال- لا مثيل له، والأطفال كانوا ينقلون في عربة الأحمال من مساكن المشردين في لندن، والمقاطعات الجنوبية إلى (لانكشير)، ويودعون كأنهم حجارة في غرفة واحدة لكل 70 - 80 طفل، حيث كانت الأسرة دائمة الدفء، بسبب التبديل بين الأطفال العاملين، الذين عملوا لفترة 16-17 في اليوم.
يذكر (روبرت بلينكو) في سيرته الذاتية عن حياته، عندما كان طفلاً عاملاً في أحد المصانع البريطانية، عن رئيس العمال في المصنع، حيث اعتاد على "وضع يده على رأسي، ويجز شعري كما يجز الصوف، يسحبه بشدة حتى تتساقط أشلاءه، ومضى الوقت من تكرار فعله ذلك، فصرت أصلعاً كراحة اليد". وعن طريقة أخرى للتعذيب، الذي يتعرض له الأطفال في المصانع، تذكر المصادر أن رئيس العمال كان يضع "أداة صغيرة، تشبه الملقط، تربط من الأذن إلى الأنف من الجهتين، لتبقي الطفل متحفزاً للعمل، ويبقى على هذا الحال لساعات طويلة"(19).
وسواء في مانشستر، أو أدنبره، أو شيفيلد، أو حتى الولايات المتحدة، كانت ظروف السكن والمعيشة للعمال في حالة يرثى لها، 12-20 شخص يعيشون في غرفة واحدة، ينامون على قش قذر، في أجواء يرثى لها، حتى أن أكثرهم صحة يتعرض لأمراض خطيرة، فلم يكن هناك ما يميز عامل الصناعة في الغرب عن ذلك الذي في مصر! ليس سوى القليل فقط.
صدر أول قانون تشريعي حول المصانع في العالم عام 1802، ضمن قانون الصحة والآداب للمبتدئين في المجال الصناعي والمصانع في انكلترا. دعا هذا القانون لاستحداث مفتشين متطوعين داخل المصانع، لكن هذه الإجراءات بقيت حبراً على ورق، إذ كان المفتشون المتطوعون هم ذاتهم ملاك المصانع.
لم يتم دفع أجور للمفتشين المتطوعين داخل المصانع إلا في عام 1833، أي أصبح المفتشون ضمن دائرة الرقابة العامة، وكان هذا في بداية حركة الإصلاح الإداري. كل هذا حدث في انكلترا، في خضم الأعمال الشاقة والإصلاح البطيء الناتج عن الثورة الصناعية في بريطانيا، كله كان قبل أن تدخل الصناعة إلى مصر بوقت طويل، وأوجه هذا الكلام للذين ينقدون الأوضاع الصناعية في مصر، والذين يظنون أن مصانع أوربا كانت في القرن العشرين ملاذاً آمناً، أو على كفاءة عالية من الانتظام القانوني والإنساني، وكأنها لم تكون مجرد بالوعات قذرة ومهينة للإنسان وكرامته!
وما أود الإشارة إليه، أن هناك قلق حقيقي وراء ما يفعله الناقدون لسياسة (محمد علي) الصناعية، فحري بهم –كمؤرخين- أن لا يستشهدوا بهذه الأحداث، باعتبارها دليلاً على بشاعة (محمد علي)، وأفعاله المشينة تجاه شعبه، بل عليهم أن يعرفوا أن هذا التصرف كان لا يختلف أبداً، وربما كان أكثر إنسانية، مما كانت عليه الأحوال تحت سلطة أي مالك لمصنع في (لنكشير). وبفشلهم في عقد المقارنات الحقيقية بين الوقائع التاريخية، كان المؤرخون مذنبون، لأنهم لا يزالون يفكرون بطريقة عفا عليها الزمن، ولا يمكن تبرير أفعالهم هذه بجهلهم بأحداث العالم المعاصرة، وإلا فإن هذا ليس سوى تحيز ضد الباشا وجهوده. على أني في الوقت نفسه، أؤكد أن أوضاع العمال في شتى البلدان لم تكن مختلفة، فالحالة كانت ظاهرة عامة، ليست مختصة ببلد دون آخر.
الملكية وحيازة الأراضي:
ويستمر تحيز ونفاق القناصل، حين يصفون التغييرات، فيما يتعلق بإجراءات (محمد علي) لتغيير أوضاع الملكية والحيازة الزراعية (1808 – 1814)، فقد ذكر القنصل الإنكليزي (Edward Missett) أن الوالي "صادر جميع أراضي مصر"(20). أما (بارنيت)، فقد ردد نفس المزاعم، والتي كما أشار إليها Boislecomte أن المراقبين الأوربيين مارسوا هذه المزاعم أكثر من السكان المحليين(21)، والسبب في ذلك بسيط، لأن (محمد علي) ألغى نظام الالتزام، وصادر أملاكهم، وسجلها باسم الدولة، في الوقت الذي عجزت الدولة العثمانية نفسها عن فعل ذلك. فقد كانت للسلطان (سليم) محاولات لإلغاء نظام الالتزام، لكن الباشا نجح حيث فشل السلطان. ولقد كانت مصر على الدوام مجالاً ملائماً لحرية الزراعة، فقد كان للفلاحين حق العمل في الأراضي وزراعتها كما شاءوا. واليوم نحن ننتقد هذه التغيرات حول الملكية وحيازة الأراضي، بعد أن تحولت إلى ملكيات واقطاعيات كبيرة، ولكن هذا النقد لا بد وأنه يستند إلى أسس ومعايير مختلفة.
وحتى يكون النقد شاملاً، وغير متحيز، أذكر نقد الإنكليز لحركة التطويق**** التي كانت مثالاً صارخاً على مصادرة الأراضي في إنكلترا، في مقابل تحويل (محمد علي) الأراضي لحيازة الدولة. وبينما كان (محمد علي) يفرض الضرائب على الفلاحين، كانت تجري أسوأ الأفعال تجاه المستأجرين الأيرلنديين للأراضي الإنكليزية، وصولاً إلى نهاية القرن التاسع عشر، وهذا أقل ما يقال عن تلك الحالة.

شخصية محمد علي باشا:
لم يقتصر التحامل ضد (محمد علي) على الحالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بل ذهب أبعد من ذلك ليشمل خصائصه الشخصية، فتقريباً كل اللوحات التي رسمت (محمد علي) تظهره بلحية بيضاء كثيفة، وعمامة مثيرة للانتباه، تدل على منزلته الاجتماعية، من خلال حجمها الكبير واللافت. يذكر (كوبدن)، الذي كان له لقاء قصير مع الباشا، وصفاً سلبياً لزي الباشا: "لحيته بيضاء كلياً، لكني رأيت الكثير ممن حوله شعورهم كثيفة فوق المعقول"(22). وإن صدق (كوبدن) بقوله هذا، فيعني أن الكثير من المصريين كانوا يعانون من مرض "الشعرانية" (الكاتبة ساخرة من كوبدن هنا). ثم يمارس (كوبدن) بكل ابتهاج مزاعمه بمعرفته بعلم الفراسة، وكأنه يفترض أن لديه عينين بأشعة سينية، لنرى من خلاله عمامة الوالي، وما تخفي تحتها، وتحليل شخصيته، ونبش كل ذرة بين خصلات شعره! فعلق على حجم جمجمة الباشا الكبيرة، المغطاة بعمامة، قائلاً: وفقاً لهذا الحجم، فإن له قوة فريدة، يفترض أنها لجندي همام، وينسجم حجم مقدمة الرأس مع قدرته على التخطيط والتكنيك، وبروز شخصية مفخمة من خلف تلك العمامة"(23).
ثم يناقض (كوبدن) نفسه ويقول: إنه "لم ير شيئاً غير عادي أو لافت على وجه (محمد علي)" ، "لأن عينيه كانت "لا تتوقف عن الحركة، ولم يكن هناك ما ينبئ عن عبقرية أو عظمة فكرية في شخصه".
ويقرر (كوبدن)، أن عيون الوالي - على ما يبدو - تتناسب أكثر مع عيون تاجر تبغ، يتحين الفرصة ليبخس الميزان في متجره، على أن يكون حاكماً. وأنهى وصفه للباشا بقوله: إن الوالي "قد أظهر نفسه للأوربيين على أنه نبيل خلاّق مجدد ومصلح، وأنا لا أطيق وصفه إلا بطاغية جشع"(24).
كان هذا التحليل الذي قدمه (كوبدن) عن شخصية الباشا، الأكثر خبثاً، فقد كتبه بعد زيارته القصيرة لمصر، بعد أن اجتمع برجل قال عنه إنه لم ينبس ببنت شفة. ومن اللافت لهجته الساخرة التي كتب بها عن مصر حال وصوله، والتي جرت قبل التقاءه الباشا بوقت طويل. وواضح أن هذا التحامل ضد شخصية الباشا لا علاقة لها بشخصه، بل هي نابعة من قناعة (كوبدن) الراسخة بأن دولاً مثل مصر، يجب أن تظل زراعية، وتترك الصناعة لإنكلترا.
ومن الجلي أن "جاذبية" و"سحر" الباشا، التي اجتذبت قناصل، مثل: (موراي) و(سولت)، قد فشلت في إحداث أي تأثير بـ(كوبدن)، الرجل الذي يفترض أنه ينافس مصانع (لنكشير)، أو الذين وضعوا الرجال في المصانع، في حين كان ينبغي أن يوضعوا في الحقول، لإنتاج المزيد من القطن من أجل انكلترا.

قصة جنون محمد علي:
أخيراً، أود أن أثير موضوع جنون (محمد علي) المزعوم، أو حسب ما قال القنصل (موراي): إن "خللاً عقلياً وجسمانياً" قد أصابه. فقد عزا الكثير من الذين كتبوا عن حياة (محمد علي)، هذا الجنون الذي أصابه، بأنه كان نتيجة الإفراط في ممارسة الجنس مع مملوكة جديدة استجلبها الوالي، كان ذلك بسبب تناوله جرعة منشطات جنسية شديدة القوة، وبالتالي فإن (محمد علي) - حسب رأيهم - سيسجله التاريخ باعتباره "رجل كهل قذر"، لم يعرف متى يتمنع عن النزوات والرغبات، وقد نال جزاءه. إن هذه الصورة جاءت مطابقة تماماً لمتلازمة "التركي الفاجر"، التي لطالما عانى منها الغربيون، وتتماشى مع العصر الفيكتوري البروتستانتي، الذي يرى أن المفرطين بالجنس سيعاقبهم الرب حتماً.
والحقيقة إن ما يسمى "جنون الباشا" تمخض عن سلوك لأطباء يونانيين وإيطاليين غير أكفاء، فقد أعطوه جرعة من نترات الفضة كعلاج لـ(الدوسنتاريا)، والتي من شأنها أن تشفي الدوسنتاريا، لكنها في الوقت نفسه تدمر خلايا الدماغ. ومن المحزن، أن التطور العلمي والطبـي لم يكن كما هو عليه في الماضي، فقد كان هذا السلوك الخاطئ كارثيا، لرجل يعاني من عجز بالقلب، فضلاً عن أن يعاني من تلف بالدماغ بسبب الأدوية(25).
إن التحامل والاعتبارات السياسية والاقتصادية، فضلاً عن الجهل، نقل لنا صورة خاطئة عن (محمد علي)، وعصره، وربما، إذا ما أردنا الخوض في عمق تاريخ تلك الفترة، يمكن للمرء أن يستنتج أن الباشا كان مستبداً وقاسياً، مقارنة بمعاصريه. ولكن في هذه الحالة، يجب أن تكون هذه الاستنتاجات مبنية على أسباب مختلفة عن تلك التي طرحناها، ويجب أن تكون مستمدة من عمق المنطق الداخلي لتلك الحقبة.
----------
الهوامش:
  هذه الترجمة العربية للأصل الذي كتب بالإنكليزية : The History of Muhammad Ali: Fact or Fiction?, Afaf Lutfi al-Sayyid Marsot, Source: Journal of the American Research Center in Egypt, Vol. 15 (1978), pp. 107-112, Published by: American Research Center in Egypt
1. Immanuel Wallerstein, The Modern World System (New York, 1976),9.
2. Pierre Nicolas Hamont, L 'Egypte sous Muhmut Ali (Paris, 1843), Il, 640: also Georges Douin, La Mission du Baron de Boislecomte. L a egypte et la. Syrie en 1833 (Cairo, 1927), 109 -I 0; Cambell, FO 78/ 408B.
3. Helen Rivlin, The Agricultural Policy of Muhammad Ali (Cambridge, Mass., 1961), 279.
4. Justin McCarthy, "Nineteenth-Century Egyptian Population," in The Middle Eastern Economy: Middle Eastern Studies, vol. 12 (October. 1976). no. 3.
5. Rivlin, p. cu: , 205,279.
6. McCarthy, op.cit:
**(التجنيد القسري Press Gang): هي عملية اقتياد الشباب إلى سلك الجيش، سواء بأذونات عسكرية، أو بدون أذونات، وقد بدأت هذه الحالة فعلياً في عام 1644، وبشكل خاص لتجنيد الشباب في سلاح البحرية الإنكليزية الملكية، واستمرت حتى نهاية القرن الثامن عشر، وبدايات القرن التاسع عشر. انظر:  Hill, J. R. (2002). The Oxford Illustrated History of the Royal Navy. Oxford University Press. pp. 135–137.). المترجم.
7. E. Lavisse and A. Rambaud, eds., Histaire Generale du IV Siede a NosJours (Paris, 1910), Vll, 221.
8. Ibid., IX, 75.
9. Egyptian Government Archives, Maiyya Turki, Daftar 10,6 Ragab 1237/1822.
10. Tarikli Muhammad Ali, unpublished ms., Dar al­ Kutub, Cairo.
***(هكتور أو هكطور (Ἕκτωρ): أمير طروادة، وقائد جيشها، وأهم أبطالها، تصدى لهجمات الأغريق طوال عشر سنوات من حصار طروادة. اشتهر بفروسيته وحنكته وشجاعته، ومهارته بترويض الخيول، وهو الابن المفضل للملك (بريام) ملك طروادة، وولي عهده. وأمه هي (هيكوبا)، وأخ الأمير (هيلينوس)، توأم الأميرة (كاساندرا)، والأمير (ديفوبوس)، والأمير (بارس)، الذي تسبب بالحرب المدمرة، بسبب خطفه (هيلين)، أجمل نساء الأرض، زوجة (مينلاوس). يعتبر (هيكتور) أول العظماء التسعة في التاريخ اليوناني القديم، ليس فقط بسبب شجاعته الحربية، ولكن أيضاً بسبب طبيعته النبيلة، حيث اشتهر بنبل أخلاقه: انظر James M. Redfield, Nature and Culture in the Iliad: The Tragedy of Hector. (Durham: Duke University Press, 1994), ix.).  المترجم.
11. Elizabeth Longford, Wellington: The Years of the Sword (New York, 1969),24-6.
12. Ibid.
13. Ibid., 18l.
14. Ibid., 272.
15. Ibid.
16. Edouard Driault, La Formation de l'Empire de Mohamed Aly de l'Arabie au Soudan: 1814-1823 (Cairo, 1927),174.
17. Rivlin, op.cit., 199.
18. Ibid., 349, n. 20.
19. T. K. Djang, Factory Inspection in Great Britain (London, 1942),27.
20. FO 24/5, 12, L 14.
21. Boislecomte, op.cit., 90; also Rivlin, op.cit.; 59,66.
****( يشير مصطلح التسييج، أو التطويق، إلى العملية التي تُنهي الحقوق التقليدية، مثل: حش الأرض الخضرة من أجل الدريس، أو رعي الماشية في الأرض العامة، والتي كانت تحدث سابقاً في نظام الحقول المفتوحة. بمجرد تسييج الأرض، تصبح استخدامات الأرض هذه مقتصرة على المالك، ولم تعد أرضاً مشتركة بين جميع الرعاة. ويتم استخدام المصطلح أيضاً في (إنجلترا) و(ويلز)، للإشارة إلى العملية التي أنهت النظام القديم للزراعة، الصالحة للحراثة في الحقول المفتوحة.  وفي ظل التسييج، تُحاط مثل تلك الأرض بسياج (مسيجة)، وتحول ملكيتها، أو تُملك، لمالك واحد أو أكثر. وبدأ انتشار عملية التسييج على نطاق واسع في المراعي الطبيعية الزراعية الإنجليزية، أثناء القرن السادس عشر. وبحلول القرن التاسع عشر، انحصرت الأراضي العامة غير المسيجة على المراعي النائية في المناطق الجبلية، والأجزاء الصغيرة نسبياً من الأراضي المنخفضة. كانت عملية التسييج تقترن في بعض الأحيان بالقوة والمقاومة وإراقة الدماء، وتظل واحدة من الموضوعات الزراعية والاقتصادية الأكثر إثارة للخلافات في تاريخ إنجلترا. ويزعم المؤرخون الماركسيون، والماركسيون الجدد، أن ملاك الأراضي الأثرياء استغلوا سلطاتهم في الدولة لتخصيص أراضٍ عامة لصالحهم. وأسفر ذلك عن وجود طبقة عاملة لا تمتلك أراضٍ، وفرت العمالة المطلوبة في تطوير الصناعات الجديدة في شمال إنجلترا. مثال: "بالنسبة لمجال الزراعة تُعد الفترة بين عامي 1760 و1820 سنوات التسييج الكبرى، والتي تم فيها، في قرية تلو الأخرى، فقدان الحقوق المشتركة" . "وكان التسييج (الذي كانت تمارس فيه جميع المغالطات والغش) عبارة عن قضية سرقة فئوية واضحة للعيان".  The Agricultural History Review 29 (British Agricultural History Society). pp. 71–82. المترجم)
22. John Morley, Life of gobden (London, 1908), 1,67.
23. lbid.
24. Ibid., 72.
25. 4.4.1826, FO 78/147

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق