الاثنين، 8 سبتمبر، 2014

المواطن يدير الدولة ومؤسساتها

توانا عبد المجيد
 إن لبناء النماذج أهمية كبيرة، فمن خلالها يمكن اختصار الفكرة التي يحاول المنظرون إيصالها، وتسهيل فهمها، ثم إبقاء التركيز عليها، حيث إن عناصرها الأساسية موجودة في حيز واحد. ولهذا، فإن العمل والكتابة من خلال النماذج، يمكننا من أن نبني الهيكل الذي سوف تشيد عليه الحضارة، من خلال تشكيل تلك النماذج. لذا ارتأينا أن نقدم موضوعنا من خلال نموذج أسميناه بـ(نموذج العمل المؤسسي).الذي يتكون من ثلاثة عناصر أساسية، وهي:- الخدمة أو المنتج، الذي ستقوم المؤسسة على أساسه. والمؤسسة، بكل ما تحمله من هيكل تنظيمي، ورؤية، ومبان، ومكائن، ومعدات. وأخيرا: الجهة المستفيدة من كل ذلك. ولقد أدرجنا مصطلح المؤسسة ضمن
الموضوع، لأن الذي سيتم التركيز عليه في مواضيعنا، هو القطاع العام بالدرجة الأساسية، لذلك لم نذكر مصطلح الشركة في هذا المجال، رغم أنه قد يتم التطرق إلى القطاع الخاص في بعض الأحيان . 
تنقسم المؤسسات، بشكل عام، إلى: مؤسسات خدمية، وهي التي تقدم الخدمات، ومؤسسات إنتاجية، وهي التي تنتج منتجات معينة. وبالتالي فإن لكلا القسمين جهة تستفيد منها. ولأن المؤسسة تكون قائمة على أساس وجود جهة مستفيدة، فإن عملها الأساسي يجب أن يكون إرضاء الجهة المستفيدة، من خلال إدراك حاجاتها. ولهذا، فإن المؤسسة لا تبدع ولا تسير على الطريق الصحيح، ما لم تبن لنفسها رؤية واضحة، قائمة على الأسس العلمية الموضوعية، والتي من خلالها تجعل أفراد المؤسسة يسيرون على النهج الصحيح، ولا يحيدون عن المنهج الذي انبثق من تلك الرؤية. ولأن الرؤية هي الإطار الذي سيسير تحتها أفراد المؤسسة، فإن القرارات ومناهج العمل حينما يتم صياغتها يجب أن تراجع مع الرؤية: هل تخدم الرؤية، أم لا ؟ عندها ستكون القرارات ولوائح العمل الموضوعة سليمة، وتسير على النهج الصحيح. كما أن الجهات المستفيدة يمكنها، من خلال معرفة الرؤية، إدراك طبيعة مهام عمل المؤسسة.
والجهة المستفيدة هو المواطن، والذي يعبر عن مجموعة من الناس يعيشون في مجتمع ما، تحت سقف قانوني واحد، لهم حقوق على الدولة توفيرها، وعليهم واجبات ينبغي القيام بها. وفي الأنظمة الدكتاتورية للحكم، يتم التركيز على الواجبات التي على المواطن أداءها، متناسين الحقوق التي له، والتي على الدولة أداءها. وما أن تتحول الدولة من نظام دكتاتوري إلى نظام شبه ديمقراطي، فإن المواطنين يتحولون إلى المطالبة بحقوقهم، دون أن يعطوا للواجبات التي عليهم أهمية تذكر. أما المجتمعات المستقرة، فإن التوازن بين الحقوق والواجبات هي التي تجعل الدولة مستقرة، وتسير على النهج الصحيح. والمواطن هو الجهة المستفيدة، التي يجب على المؤسسات التركيز عليها، ومعرفة احتياجاته، وتلبيتها. فالمواطنون هم أساس قيام المؤسسة، ومحور بقائها، وبدون المواطن لا يمكن للمؤسسة أن تنتج وتخدم، والمؤسسات يجب أن تلبي حقوق المواطنين، كي تتمكن الدولة بعد ذلك أن تطالب المواطنين بأداء الواجبات التي تقع على عاتقهم. 
وكما أسلفنا، فإن المؤسسات تنتج منتجات، أو تقدم خدمات، يستفاد منها المواطن، وهذه الخدمات والمنتجات قد تكون مادية ملموسة أو معنوية. وفي كلتا الحالتين، فإن الذي تقدمه المؤسسة للمواطنين هو الاحتياجات الفعلية، التي في حالة نقصها يكون المواطن في ضنك العيش. فالمؤسسات التي تشكلها الدولة هي لخدمة المواطنين وتوفير متطلبات حياتهم، لذلك فعدم رضى المواطن عن مستوى الخدمة المقدمة، دلالة على فشل المؤسسة في العمل المناط بها. ومن هذا ندرك أن المواطن هو صاحب القرار الرئيسي في اعتبار المؤسسة ناجحة أو فاشلة، ويمكن الاعتماد على طلبات المواطنين في صياغة الرؤية والمنهجية التي تسير عليها المؤسسة، حتى لا تنحرف عن مسارها الصحيح.
 ومن كل ما تقدم ندرك أن المواطن هو الصاحب والمالك الفعلي لكل مؤسسات الدولة، وله كافة الحق والصلاحية في تغيير رؤيتها وسياستها، إن كانت تعارض حاجاته الفعلية على المستوى العام، دون التحيز إلى فئة بعينها، إنما تحقيق المصالح العامة هو الأساس.
وعليه نستنتج أن المؤسسات القائمة على توفير خدمات للمواطنين لا يمكنها النجاح ما لم تركز على المواطن، وتعتبره الجهة التي تدير المؤسسة. وهذا الأمر لا يتحقق ما لم تبن المؤسسة رؤية واضحة قائمة على إرضاء المواطن، وتعلق رؤيتها وتنشرها بين كافة الموظفين، ضمن ملاك المؤسسة، ثم بعد ذلك تركز على معرفة احتياجات المواطنين، وتملأ بها عقول وآذان موظفيها. ومن أجل أن تستبق الأحداث لا بد أن تقوم المؤسسات بالاطلاع على المؤسسات الناجحة في هذا المجال، فتأخذ منها ما يتناسب مع طبيعة عملها. والأهم من كل هذا، أن تقوم الدولة بتوفير بيئة تشجع المواطنين على المطالبة بحقوقهم، عندها ستجد المواطن يتحول من اتباع سياسة السخط من الدولة، ومؤسساتها، بشكل عام، إلى سياسة الرضا العام، مع تقديم الانتقادات بين الحين والآخر لبعض الحالات. لأن عدم أخذ آراء المواطنين بشكل مستمر، قد يعيد المؤسسة إلى حالاتها الأولى، التي يكون فيها المواطن ساخطاً منها.
 وأخيرا، فإن العمل خير من ألف كلمة، فإن لم تترجم الأقوال إلى أفعال، لا يمكن للمؤسسات أن تزدهر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق