الثلاثاء، 9 سبتمبر، 2014

خطاب السلطة .. معركة السيطرة

عبد الكريم يحيى الزيباري
يقول (روسو): "وُلِدَ الإنسان حرَّاً، وهو الآن في كلِّ مكان يرسف في الأغلال، فَمَا بالُكَ بواحدٍ من النَّاس يُخيَّلُ إليهِ أنَّهُ سيد الآخرين، والحال أنَّه لا ينفكُّ عبداً أشدَّ عبوديَّةً منهم"، ويعتبر أنَّ السلطة كانت حقَّاً(1) أصلياً، تنازلَ عنه الأفراد طَوْعاً شرط عدم التجاوز والطغيان. لكن هذه مجرَّد خيالات، فالناس تنازلوا تحت التهديد والقمع، سواء كان الحاكم طرفاً في العقد، بحسب (روسو) و(لوك)، أم لم يكن طرفاً في العقد، بحسب (هوبز). (فوكو) استنبطَ من مقولة: "السياسة امتداد للحرب بوسائل أخرى" (2) ثلاث معانٍ مختلفة: 
الأول: علاقة السلطة السياسية بالمجتمع، علاقة ميكافيلية، علاقة الصيَّاد الماكر بالفريسة، لا ينحني إلا ليصطادها، علاقة القوي بالضعيف. ولكي تستمر السلطة، عليها إدامة هذه القوة باستمرار، في عملية إعادة تثبيت، وذلك في حربٍ غير مرئية، غير مُفكَّر بها علانية، مسكوتٌ عنها، يجري "تثبيتها في المؤسسات، وفي التفاوت الاقتصادي، وفي اللغة، وفي أجساد البعض... بمعنى أنَّ السياسة هي المعاقبة، ومواصلة التفاوتات
في القوة الظاهرة في الحرب"(3) . تثبيت القوة في اللغة، من خلال السياسة اللغوية المتَّبعة في الترجمة، والترويج لنشر اللغة الرسميَّة، وتهميش غيرها.
الثاني: لا يوجد سلام حقيقي، وحالة السِّلم التي تعيشها بعض المجتمعات، هي حالة سِلم كاذب ومزيَّف، لأنَّ السِّلم المَدَني يُضمِر صراعات الأحزاب والتكتلات من أجل الحصول على السلطة. 
الثالث: للحرب كلمتها النهائية بصيغة قرار، كنتيجة لامتحان القِوى المتصارعة، بالتالي لا يمكن "ممارسة السلطة إلا بوصفها حرباً مستمرة". والحرب المستمرة الشرسة هي فرضية (نيتشه).
السلطة منذ نشأتها تخوض حرباً ضدَّ الأخطار الداخلية، والخارجية، التي تهدِّد رأس الملك: تُمارِسُ قمعاً في الدَّاخل، بحجة التهديدات الخارجية الخطيرة وشيكة الوقوع. وتمارس حروباً خارجية، هرباً من أزمات داخليَّة، أو للتدخل في شؤون داخلية لدول أخرى. وهذه الحرب المستمرة يلزمها قوة دائمة، وأنظمة مراقبة وتجسس، إذا تطورت الأمور. 
لكنَّ (فوكو) يرى أنَّ مفهومي القمع والحرب غير كافيين لتفسير آليات السلطة، وأعاد الاشتغال على سؤال: كيف تعمل السلطة؟ ولأنَّهُ بحسب اعتقادهِ "لا يمكننا ممارسة السلطة، إلا بواسطة إنتاج الحقيقة... إنَّها تُمأسِسُ البحث عن الحقيقة، وتجعله احترافيَّاً، وتمنحه مكافأة، علينا أنْ ننتجَ الحقيقة، لكي نستطيع إنتاج الثروات والخِبرات"(4). لكنَّهُ أثناء محاولتهِ تحديد آليات عمل السلطة، وقبل أنْ يتوقَّف عند مثلث: السلطة، القانون، الحقيقة، قام بتأشير صيرورة ممارسة السلطة في العصر الحديث، التي تغيرت بتغير الأهداف والغايات، فهي تمارس  قمعاً غير مرئيّ ضدَّ الأخطار التي تهدِّد المجتمع والنظام العام، حيث تمَّ إنشاء مؤسسات انضباطية، وذلك لتتمكن السلطة من ممارسة دورها في تشديد الرقابة بغرض الإصلاح، كالمحاجر والسجون والمستشفيات والمدارس والجامعات. وبدأ مشروعه في تدوين ملاحظاته حول عمل السلطة، والتغييرات التي طرأت على الخطاب المتداول حول الجنون منذ القرون الوسطى، وعلى نظم الانضباط والأيديولوجيا، التي تدعمها الدولة. بحسب (فوكو): "تعمل السلطة، من خلال الخِطاب، على قولبة التوجهات، والمواقف العامة، لدى النَّاس، تجاه مجموعة من الظواهر، مثل: الجريمة، والجنون، والنشاط الجنسي... هذه الخِطابات تمثِّل أدوات قوية للحد من وسائل التفكير، أو الحديث، البديلة، وتصبح المعرفة واحدة من قوى السيطرة والضبط... وإنَّ العلاقة بين السلطة والمعرفة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بِتقانات الرقابة، وتطبيق القانون، وفرض الانضباط"(5). كيف يتسنَّى للسلطة تغيير اتِّجاهات النَّاس، بالتشجيع والترغيب إلى العلم والصدق والنزاهة، أو بالزجر والترهيب، وغالباً ما يكون الترهيب والترغيب بصورة غير مباشرة، فَيُدفَعُ الأمر إلى غير أهلهِ، وَيُجمعُ المال من غير حلِّهِ، وإقصاء الصادق الأمين، أو الجاهل، وتقريب وتولية الفاسد الخؤون. وذكرَ الأصفهاني: "قيل في التوراة: مَنْ صنع معروفا إلى غير أهله، كتب له خطيئة... وقيل: اللئيم يزداد بالعرف خَبَالا، كما يزداد المريض من كثرة الطعام وَبَالا. وقال أبو بجيلة: متى تسد معروفا إلى غير أهله، رزئت، ولم تظفر بحمد ولا أجر. وقال آخر: ومن يصنع المعروف في غير أهله، يلاقي كما لاقى مجير أمّ عامر"(6) . حتى إذا رأى النَّاس تقريب الجاهل والفاسد، تركوا طلب العلم، وتفشَّى فيهم الفساد، و" في مجتمع غير حر، تصير الحذلقة والنفاق مصدراً شائعاً للرزق"، واللئيم إذا امتلكَ سلطة يفقد عقله، فلا يكاد يرى إلا نفسه، وهو نوعٌ آخر من الجنون، لم ينتبه له (فوكو)، بينما أشارَ إليه (أرسطو): "التُّخمة تَلِدُ الغطرسة، وإذا ما اقترنَ النقص في التربية بالقوة والسلطة، تولَّد عن ذلك الجنون"(7). فالمنع لأجل المنع، يولِّد الكبت، ويُضرِمُ نار الشهوة. والإفراط في إشباع الشهوة، يورث التخمة، فتحتد بواعث الشر.
في المؤسسات الانضباطية، المختلفة الأشكال المعمارية، والبُنى، والمواقع، بما يتلاءم مع وظيفتها، وما تفرضه من تواصل وتفاعل بين العاملين، بحسب الدرجة الوظيفية، وسهولة الرقابة والسيطرة عليهم، كتحديد منافذ الدخول والخروج، أو كاميرات المراقبة، أو الأضابير والملفات الخاصة بالسيرة الوظيفية، والمعتمدة عند الترقية وتقييم الأداء، وغير ذلك. وبحسب (فوكو) و(فيبر): (إنَّ أفضل وسيلة لتشغيل الإشراف المباشر، أنْ يتسبَّب في استعداء العاملين، أو دفعهم إلى حالة من الاغتراب، التي تقلل من حماسهم) (8)، كما وأنَّ التطور التكنولوجي رفعَ سقف المراقبة إلى أدقِّ تفاصيل حياة المستهدفين. والدولة برئيسها، والمؤسسة بمديرها، ولهذا نصحَ (سقراط)، وجميع تلامذتهِ من بعدهِ، بوجوب الاهتمام بالنَّفس، وترويضها، قبل التفكير في تولي المناصب العامة.
لكن (فوكو) يريد تجاوز الجانب النَّظري في سؤالهِ: "ما هي السلطة؟ سيبقى سؤالاً نظريَّاً، وهو ما لا أريدهُ، فإنَّ الرِّهان هو أنْ نُحدِّدَ ما هي السلطة في آلياتها وآثارها وعلاقتها بمختلف جاهزيات السلطة المُمَارسَة على المستويات المختلفة للمجتمع... وهل يمكن اشتقاقها أو استنباطها واستخراجها من الاقتصاد"(9). وبهذا يخضع الفرد لدورة إنتاجية مُعقَّدة، تشبه دورة النتروجين في الطبيعة. ومتتالية: السلطة، المعرفة، الفرد، هي متتالية إنتاج علاقات قِوى متشعبة ومنتشرة، بحسب (فوكو)، ومتتالية صِراع قِوى، بحسب (نيتشه)، ومتتالية كينونة، بحسب (هايدغر)، ومتتالية إرادة حياة، بحسب (شوبنهاور). وهي مستمرة دون أنْ تفلتَ من دائرة تاريخها، أو مصيرها. 

سياسة العلم
ممثِّل الحزب الشيوعي في البرلمان الفرنسي 1973-1981 السيد (بيير جوكان) قال: "العلاج النفسي السوفيتي، هو الأول في العالَم"، في افتخارهِ بعلميَّة خطاب السلطة الماركسي، ويردُّ (فوكو) عليه: "بالتأكيد هو الأول، ولكن تحديداً هذا ما نؤاخذك عليه... الأمر يتعلَّق بمعركة، معركة المعارف في وجه آثار سلطة الخِطاب العلمي، هذا إذا اعتبرنا صمت الخصم دليلاً على الخوف"(10). خِطاب السلطة الماركسي لا ينتجُ شيئاً أكثر من الخوف، وكيفية زرعهِ ونشرهِ في قلوب الناس، باعتبارهِ الحقيقة الوحيدة غير القابلة للنقاش. فالماركسية تختزل السلطة، في اختزالها الوظيفة الاقتصادية، وهذا الاختزال يلغي القطَّاع العام، وينشر حُمَّى الكسل، وينتجُ أفراداً عاجزين، يعتمدون في حياتهم على ثدي الدولة، والرأسمالية مُعرَّضَة لأمراض مشابهة، في حالة الثروة المفاجئة، وما يتبعها من كساد، كالوباء الهولندي، بسبب اكتشاف النفط.
بدأ (الجاحظ) (رسالة الفتيا): "كان يقال: السّلطان سوق، وإنّما يجلب إلى كلّ سوق ما ينفق فيها. وأنت أيّها العالم، معلّم الخير وطالبه، والدّاعي إليه، وحامل النّاس عليه... وقد قال أهل العلم، وأهل التّجربة والفهم: (يزع الله بالسّلطان أكثر ممّا يزع بالقرآن)، وقد كان يقال: شيئان متباينان، إن صلح أحدهما صلح الآخر: السّلطان والرعيّة"(11) . ويُصلِحُ أحدهما الآخر، من خلال خِطابات تنطلق من السلطة، وتمتلك قوة التأثير، وتنتجُ نوعاً من الحقائق الواقعية، التي تنتشر في تفاصيل الحياة اليومية للمجتمع. يقول (فوكو): "إنَّكم تحاولون ربط الخِطاب الماركسي بآثار السلطة، حيث الغرب -ومنذ العصر الوسيط- قد خصَّصَ هذا الربط أو الأثر بالعلم، وخصَّهُ بالذين يملكون خِطاباً علميَّاً"(12). الغرب ربطَ العِلم بخطاب السلطة، منذ العصر الوسيط، لكنَّ الماركسيَّة ربطت خِطاب السلطة بالأيديولوجيا والشِعارات. ورغم شيوع التصورات الأيديولوجية، والنزعة العسكرية، والقومية، في مناهج التربية والتعليم في الشرق الأوسط، التي حرصت على تنمية نزعة الولاء لرئيس الدولة، لكن الثورات اشتعلت. ومن قبل قالها (نيكيتا خروتشوف): "إذا أطعمتَ الجماهير بالشِعارات الثورية، فسوف تُصغي لك اليوم، وغداً، وبعد غد، وبعد اليوم الرابع فسوف تقول لك: فلتذهب إلى الجحيم". والسلطة      -بحسب (فوكو)- غير المقصود بها "مجموعة المؤسسات والأجهزة، التي تضمن خضوع المواطنين في دولة معينة... يتعيَّن أن نفهم من لفظ (سلطة) تعدد علاقات القوة، التي هي مُحايثة للمجال الذي تمارس فيه... إنَّها القوام المتحرك لعلاقات القِوى، التي تولِّد- بسبب عدم تكافئها- حالات سلطة.. السلطة قائمة في كلِّ مكان، ليس لأنَّها تحتوي وتغلِّف كلَّ شيء، بل لأنَّها تأتي من كلِّ اتِّجاه"(13). السلطة في خِطابها تنتجُ المعرفة، وتتعامل معَها كهدف وأداة في آنٍ واحد. 
بمقدور السلطة أنْ تنتجَ الفرد الصَّامت، المقموع، الخائف، العاجز عن المُشاركة في السلطة، وبمقدورها إنتاج الفرد الواعي، المتحدِّث، الكاتب، المنتج لِخِطابٍ يُشارك في السلطة، من أجل استمرارها بعملية تقويمية مُصاحِبة، فالسلطة تتعامل معَ الفرد كهدف وأداة في آنٍ واحد، والفرد يتعامل معها كذلك. فالسلطة كالهواء يمتلكها كلُّ فرد، ما لم يرغب هو في التنازل عنها، خوفاً أو طمعاً، فيلتزم الصمت، كالمهرِّج في مسرحية (الملك لير) يخاطب الملك: "إذا التزمتُ الصمت جلدتني، وإذا قلت الحقيقة جلدتني حاشيتك". فالسلطة، بحسب (فوكو): "لا تُعطى، ولا تتم مبادلتها، ولا تؤخذ، بل تُمارَس، ولا توجد إلا في الفعل"(14)، لكن بمقدور السلطة العامة مُصادرة سلطة الفرد، بمنعه الكلام، أو منحه هامشاً من الحرية غير كافٍ للتنفس وممارسة الخِطاب، كما في الأنظمة الشمولية، التي تسود العالَم الثالث تقريباً. ومن قوانين الحظر والإباحة تنتج العلاقات، بدءاً بعلاقة الزوج وزوجته، والعامل بصاحب المعمل، والمعلِّم ومدير المدرسة والطلبة، البنك وزبائنهِ، وغيرها من العلاقات المتشعبة في مجالات الحياة كافة. والسلطة -كشبكة علاقات- تهدم بقدر ما تنتج، في علاقة متكافئة، على حافة الانقلاب إلى صِراع، عند غياب العدل (15)، الذي هو ميزان علاقات السلطة، لأنَّهُ "حيثما تكون هناك سلطة، تكون هناك مقاومة"(16)، وحيثما لا توجد مقاومة، ستندثر السلطة، وتتآكل، عاجلاً أم آجلاً. منذ الشجرة المحظورة في الجنة، ولا زال كلُّ محظورٍ مرغوب، لا بسبب موضوعة حظرهِ، بل بسبب رغبة الواقع تحت مظلة الحظر في المعرفة، وهي لا تختلف عن رغبتهِ في الأكل، هذه الرغبة هي الوجه الآخر للسلطة وحبِّ التملك. فتارةً يكون الإنسان في حياتهِ عبداً، حين يستسلم لرغبته، والرغبة لا تكون إلا شكلاً من أشكال التعبير عن الذات، ويكون الإنسان سيِّداً، حالما صار بيدِهِ المنح والعطاء، وغالباً ما يحوز في نفس الوقت الصفتين معاً. فالمعرفة كرغبة، تولِّد رغبةً أخرى، وهي العمل بموجب هذه المعرفة المكتسبة، والعمل شكلٌ آخر من أشكال التعبير عن الذات.
افتخر (فوكو) باكتشافهِ العلاقة بين السلطة، والمعرفة، التي تنتجها، فتتشعَّب في مفاصل المجتمع، باستحداث وتفعيل وسائل ومؤسسات ضبط ومراقبة، تتماشى مع تفاصيل المجتمعات الحديثة، حيث "طرحَ (فوكو) أفكاراً مهمة حول العلاقة بين السلطة، والمعرفة، والخطاب، في الأنساق التنظيمية الحديثة. ويؤدي الخِطاب دوراً مركزيَّاً في آراء (فوكو) حول السلطة والسيطرة في المجتمع، ويشير مفهوم الخِطاب عنده، إلى مجمل أساليب الحديث والتفكير، التي تنتظمها مجموعة من الفرضيَّات المتقاربة حول قضيَّةٍ ما"(17) . 
ماذا كان بوسعِ المرء أنْ يعرفه أو يتعلمه؟ سؤالٌ يعتمد على روح العصر، بحسب (هيغل)، وعلى إرادة القوة وصراع القِوى، بحسب (نيتشه)، وعلى البرادايم الجذر المعرفي، عند (توماس كون)، وعلى الإيبستيمي، بحسب (فوكو). ويشرحه (جيل دولوز): "من غير الصحيح اعتبار العصر سابقاً على العبارات، والقول بأنَّهُ مرجعها، تمثِّلُه، وتعكسه... والاعتقاد بأنَّه وعاؤها، تملؤه، وتشغله... لأنَّ الرؤية ذاتها يتغير نمطها، ولكون العبارات نفسها يتغير نظامها"(18). ثم يضرب (دولوز) مثلاً بتطور مفهوم الأحمق والمجنون، في عصري النهضة والوسيط. لكن لِمَنْ الأولوية في الـتأثير؟ ومن هو الذي يتغيَّر أولاً: الإيبستيم أم الخِطاب؟ أعتقد أنَّهما يتغيران معاً، بدون وجود أسبقية في التغيير، فأي تغيير في أحدهما، يُحدث تغييراً في الآخر، وهكذا تستمر المُعالَجة. فالإيبستيم في العصر الأموي، صَاحبهُ خِطابٌ عنصريٌّ، يقوم على إقصاء الموالي وغير العرب، فسقطت دولتهم على يد هؤلاء المهمَّشين، بقيادة (أبي مسلم الخراساني)، الذي زاحمَ (المنصور) في طريق الحجِّ، وعَزَّه، وأغاظَهُ، فغدرَ بهِ، وقتله، بعدما استدرجه. هذا الإيبستيم بدأ مختلفاً في العصر العبَّاسي، لأنَّ السلطة بيد غير العرب، بعد قرنٍ واحد فقط، وانتقلت الخلافة إلى أيدي الترك، أخوال (المعتصم)، الذي وقعَ في عينِ خطأ أبيه (هارون الرشيد)، حين استخلف (الأمين) و(المأمون)، واستخلف (المتوكِّل على الله)، من بعده، ثلاثة من أبنائهِ: (المنتصر)، ثم (المعتز)، ثم (المؤيد)، فقتله الترك، وبعد ذلك ضعفت الخِلافة، وانتقلت إلى العسكر البويهيين، ثمَّ السلاجقة، ولم يعد أحدٌ يأتمِنُ أحداً، خوفاً من مصير (أبي مسلم الخراساني). وهكذا كانت ولا زالت السلطة، كالسوق الحُرَّة، تعتمد قوانين العرض والطلب: يُجلب إليها من المعارف ما تطلبه، ومن الرجال الأفراد كذلك، فإمَّا نِفاقاً وجهلاً، أو علماً وصِدقاً، وإمَّا زيفاً، أو حقيقة. 
منذ منتصف العصر العباسي، تراجعَ الخِطاب العلمي، لانشغال السلطة بالحرب الداخلية، ومؤامرات البلاط من أجل السلطة. واستنكرَ (الغزالي) إهمال العلوم الطبيعية لصالح دراسة الفقه والدين، وأثر ذلك، وتأثره بتوجهات السلطة، وذلك في القرن الحادي عشر، حين كان الغرب غارقاً في مستنقع العقل الأسطوري، "فكم من بلدة ليس فيها طبيب، إلا من أهل الذمة... ثم لا نرى أحداً يشتغل به، ويتهاترون على علم الفقه، لا سيما الخلافيات، والجدليات، والبلد مشحون من الفقهاء بمن يشتغل بالفتوى، والجواب عن الوقائع، فليت شعري كيف يرخص فقهاء الدين في الاشتغال بفرض كفاية، قد قام به جماعة، وإهمال ما لا قائم به؟ هل لهذا سبب إلا أن الطب ليس يتيسر الوصول به إلى تولي الأوقاف، والوصايا، وحيازة مال الأيتام، وتقلد القضاء، والحكومة، والتقدم به على الأقران، والتسلط به على الأعداء. هيهات، هيهات، قد اندرسَ علم الدين بتلبيس العلماء السوء، فالله تعالى المستعان، وإليه الملاذ"(19). وكان الجيل الأول من العلماء، إذا طلبتهم السلطة لتوليتهم "هربوا وأعرضوا، فيضطر الخلفاء إلى الإلحاح في طلبهم، لتولية القضاء والحكومات، فرأى أهل تلك الأعصار عز العلماء، وإقبال الأئمة والولاة عليهم، مع إعراضهم عنهم، فاشرأبوا لطلب العلم، توصلاً إلى نيل العز، ودرك الجاه، من قبل الولاة، فأكبوا على علم الفتاوى، وعرضوا أنفسهم على الولاة، وتعرفوا إليهم، وطلبوا الولايات والصلات منهم، فمنهم من حرم، ومنهم من أنجح، والمنجح لم يخل من ذل الطلب، ومهانة الابتذال، فأصبح الفقهاء، بعد أن كانوا مطلوبين، طالبين، وبعد أن كانوا أعزة، بالإعراض عن السلاطين، أذلة، بالإقبال عليهم"(20). والعالم الذليل لا يمكن أنْ يقول لوليِّ نعمته: كلُّ ما يضرُّ المصلحة العامة، هو ضارٌّ بسلطتك أكثر، لأنَّ سلطتك تقوم على المصلحة العامة، وأنت تقوم بتقويضها، دون أن تشعر! (21)   
بعد عزلةٍ دامت قرنين، وافق الإمبراطور الياباني على استقبال السفن الأجنبية، عام 1862. قام اللورد البريطاني (تشارلز ليونكس ريتشاردسن) بإهانة أحد الساموراي، فاستل سيفه وقتلهُ. زحفت سبع بوارج عسكرية، وأمطرت مدينة (ساتشوما) بالقنابل، فأحرقتها. أرسلَ الإمبراطور (ميجي)، أذكى أبناء اليابان، لمعرفة سر البارجة التي تقصف من بعيد، وبدأ التوجُّه بنقل العلوم دون أي تحفظ، من أجل المحافظة على كرامة (اليابان)، التي انتهكها الغرب بتفوقهم العلمي. يقول (سارتر): "عام 1886 أصلح (ريناي) التعليم العام.. كان (موري) مقتنعاً: إذا لبثت التربية محدودة بالتصورات الابتدائية- المقتصرة على أيديولوجيا النزعة العسكرية والقومية، وأنْ تنمي لدى الطفل نزعة الولاء للدولة، والخضوع للقيم والتقاليد- فلن تنتج اليابان لا العلماء، ولا التقنيين الضروريين لتجهيزها الصناعي" (22). 
الفرد بدوره يعيد إنتاج السلطة نفسها، التي أنتجته قبلاً، بدعمها وتجديدها وسد الثغرات التي تحدث بمرور الزمن، حتى إذا عجزَ، انتهت السلطة، وظهرت سلطة جديدة، وإذا تغيَّر السلطان، تغيَّر الزمان، وتغيَّرت الأحكام بتغير الأزمان: فإنْ جهلاً، فالأمَّةُ إلى انحطاط، وإنْ علماً ومعرفة، فإلى التقدم والرقي والرفاهية. ولهذا يؤكِّدُ الدين الإسلامي على أهمية العلم . (23)
الفرد المنتج، لا يمكن في أية لحظة، أنْ يكون منفصلاً عن المعرفة، وفي كل عملية إنتاج، أو إعادة إنتاج جديدة، تحدث تغييرات بطيئة، بضغط من روح العصر، وتنتهي السلطة، وتموت، حالما يتوقفان- الفرد والمعرفة- عن عمليات إعادة الإنتاج الضرورية، حتى في أصغر الممارسات السلطوية اليومية. ذلك لأنَّ السلطة غير ذاتية في مقاصدها، ولا يمكن لها أنْ تكون ذاتية، لأنَّ الذات حد، ولا يمكن للسلطة كمفهوم فوكوي: أنْ تكون محدودة بحدّ، ولا أنْ تنحصرَ في حزب واحد، أو عِدَّة أحزاب، أو مؤسسة سياسية فقط، ولا في مركز الشرطة، ولا الأجهزة الأمنيَّة، ولا الجيش، ولا السجن، أو المدرسة، أو الإعلام، أو غير ذلك. السلطة تفقد فعاليتها، ما لم تتشعَّبْ، وتنتشر، بشكل علاقات، بين مؤسسات الدولة كلها، وبين الجسم الاجتماعي، باختلاف أعضائهِ: العامل والتاجر والطالب والطبيب والغني والفقير ومتوسط الحال...الخ، وللقضاء على وهم: أنَّ السلطة لا يملكها إلا الساسة، الذين هم في أعلى الهرم الوظيفي للدولة، يجب التأكيد أنَّ هذا الوهم السَّام، لا يجلبُ شيئاً غير الخراب والتفكك الاجتماعي. فالسلطة الحيوية تأتي من الأسفل، كما تأتي من الأعلى، بتدفق متوازن، فكما تمارس السلطة في إنتاج المعرفة، يجب أنْ يمارس الفرد إنتاج المعرفة أيضاً، كنوع من المقاومة، أو المعارضة، ولهذا تتمكَّن من أنْ تلعبَ دوراً مباشِراً في أدق تفاصيل حياة الفرد، الذي حالما أشْعرَه الواقع بترانسندنتالية المؤسسة السياسية، والبرج العاجي الذي يعيش فيه السياسي، يقوم هو بتعميق قطيعة غير محمودة العواقب، ذلك لأنَّ السلطة في عصرنا هذا "ليست شيئاً يُكْتَسَب، وشيئاً يُحتَفَظ به، أو يُنتزَع بالتآمر، السلطة هي الطريقة التي تعمل بها التكنولوجيات السياسية من خِلال الجسم الاجتماعي.. وحين يقول (فوكو) إنَّ العلاقات السلطوية متحركة، فهو يشير إلى انتشار هذه التكنولوجيات، وإنتاج فعاليتها اليومية، عِبر مَوْضَعَةٍ زمانية ومكانية"(24). فلم يعد من المعقول التعامل مع السلطة، كما لو أنَّها عينُ السلطة البطرياركية قبل عصر النَّهضة.
السلطة تنتجُ الفردَ، والمعرفة، مضغوطين في شكل وثيقة. هذه الوثيقة الصامتة، عليها أنْ تصمت، لتفسح المجال لخطابات تُنتجُ {سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ}، وهذه الخِطابات تُنتَجُ دونَ أنْ تُقال في الوثيقة، لأنَّ مُحرِّر الوثيقة لا يريدُ أنْ يُفصِحَ عنها، فهو لا يرغب في السباحة ضد تيار الخطاب السائد. فحين أعلن (فوكو): إنَّ أول شرط لمناقشة الإسلام، أنْ لا نبدأ بالكراهية، خبَّأ حقيقة انطلق منها بين السطور، وهي أنَّ الإسلام لم يُناقش في الغرب، إلا بدءاً من الكراهية، والأحكام المُسبقة، وذلك على حدِّ علم (فوكو)، على أقلِّ تقدير. ولو كان قال كلامه بهذه الصيغة، لأشاعوا عنه بأنَّه قد باعَ (فرنسا)، أو غير ذلك من الاتِّهامات الجاهزة الطائشة والغبية.
الخِطاب السائد هو خِطاب السلطة، الذي يمارس اللاتناهي من خلال علاقته بالمعرفة. الخطاب السائد ظلَّ يحتقِرُ الحياة لصالح الموت، ويستخدم التعذيب كتطهير، استعداداً لعالم ما بعد الموت، لغاية القرن السابع عشر. ثمَّ بعد ذلك صارَ يُمجِّد الحياة، ويستخدم العِقاب كإصلاح من أجلِ عالمٍ أفضل نعيشه. لكنَّ هذا الخِطاب، في الحالتين، ظَلَّ في علاقته باللاتناهي ثابتاً، لم يتغيَّر، لأنَّ "اللاتناهي، عندما ينزل إلى التاريخ، لا يعود إلا شبكة شاملة لعلاقات القوى فحسب. فاللاتناهي في ظلِّ مطلق (مُثُل أفلاطون)، ثم في مطلق الذات الإلهية القروسطية، ثم حمله الإنسان، ثم حملته الآلة التكنولوجية أخيراً"(25). وكتبت الكثير من الروايات والأشعار في مجلس عزاء النزعة الإنسانية، وبدل الأرانب البيضاء، وضعوا آلة قياس الأوكسجين في الغوَّاصة، وكتبَ (جابرييل مارسيل) في مقدمة رواية (الساعة الخامسة والعشرون): "لم تعُدْ الأرضُ ملكاً لبني الإنسان، والأصح أنَّ بني الإنسان نسوا أنْ يتصرفوا تصرف البشر، غير أنَّ هذا القول ليس وافياً، إنَّ الأمر لا يرتكز على النسيان، والتنكر لِشِرْعَة، بقدر ما يرتكزُ على إعداد منكر، كان ذلك النسيان نتيجة حتمية له"(26). مأساة الإنسان متشابهة في كلِّ مكان، فهو يعيشُ غربةً فريدةً من نوعها، حين اختارَ أنْ يصيرَ مواطناً في خدمة الدولة، اختارَ أنْ يعود إلى الغابة من جديد، بعدما اجتازَ محنة الغراب الأبيض، رمز الأشياء غير المُفكّر بها، والأرنب الأبيض، رمز الساعة الخامسة والعشرون.
(فوكو) تهكّم بالنزعة الإنسانية، التي طالما تفاخرَ بها عصر النَّهضة، لكنَّهُ لم يؤشِّر أنَّ الشَّعب ما كان ليتغير من حشود، تستمتع بمشاهد الحرق والتعذيب، إلى حشودٍ باتت تستهجن هذه المَنَاظِر البشعة، باعتبارها لا إنسانية: لولا تغير السلطة في علاقتها المزدوجة، مع الفرد كهدف، والمعرفة كوسيلة، منذ بداية القرن التاسع عشر، فاستبدلوا التعذيب، كعقوبات جسدية علنيَّة، بعقوبات تدَّعي الإنسانية، لكنهم بقدر ما منحوا الفرد من حرية، فرضوا عليه التزامات، بزيادة المؤسسات الانضباطية والعِقابية. هذه الالتزامات التي لم يفهمها الشعب الإيطالي، وقد "توصل تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية، صدرَ عام 1937، إلى استنتاج يقول: إنَّ الفاشية تناسب روح إيطاليا، وقد جلبت النظام بعد الفوضى، والانضباط بعد التسيب، والوفرة بعد الإفلاس.. كل ذلك في فترة زمنية قصيرة، جعلَ اتخاذ جملة من التدابير الصارمة، أمراً ضرورياً"(27). فضلاً عن شعوب الربيع العربي، التي حصلت على الحرية، قبل حصولها على وعي سياسيّ، وبذلك تحرروا من أيَّة التزامات تِجاه الدَّاخل، من شأنها أنْ تجعلهم ككتلة واحدة، غير قابلة للانفصام. 
في عهد (لويس السادس عشر) ما كانت لتمر عقوبة، كالنفي، والإبعاد، بدون تطويف، أو الربط بعمود التشهير، لإهانة المُعَاقَبْ، حتى الغرامة كانت مقرونة بالجلد العلني. ويقتبس (فوكو) تعريف (جوكور) للتعذيب "ظاهرة لا تقبل التفسير، جعلَ منها اتِّساع مدى خيال النَّاس: بربريَّة ووحشيَّة"(28)، ربما يجد بعض الناس متعةً في مشاهد التعذيب، حيث تغذي لديهم الغريزة التدميرية، أو يعوضون ما لديهم من كبت ونقصٍ، وهو ما نراه في كثرة الإقبال على أفلام الرعب، رغم خلوِّها من معنىً حقيقي. وفي الفقرة 56 من الجزء الأول من كتاب (الحيوان) يقول (الجاحظ): "وليعلم أنّ صاحب القلم يعتريه ما يعتري المؤدّب، عند ضربه وعقابه، فما أكثر من يعزم على خمسة أسواط، فيضرب مائة! لأنّه ابتدأ الضرب، وهو ساكن الطباع، فأراه السكون أنّ الصواب في الإقلال، فلما ضرب تحرّك دمه، فأشاع فيه الحرارة، فزاد في غضبه، فأراه الغضب أنّ الرأي في الإكثار". 
كان (فوكو) لا يجيز التعامل مع المعرفة، كأمرٍ محايد عن القمع الذي تمارسه السلطة، فمثلاً الفحص الطبـي، كوثائق محفوظة متراكمة، تجعلُ من كلِّ فردٍ كحالة، و"إنَّ اللحظة التي تمَّ فيها الانتقال من الأواليات التاريخية الطقسية، لتكوين الفردية، إلى أواليات علمية انضباطية.. هكذا بإبدال الفردية للإنسان الجدير بالذكر، بذات الإنسان الإحصائي، القابل للحساب، هذه اللحظة التي أصبحت فيها علوم الإنسان ممكنة، هي اللحظة التي تمَّ فيها وضع تكنولوجيا جديدة للسلطة"(29)، في هذه اللحظة، حيث الإنسان المريض أو المنحرف أو الشاذ أو المجرم، أكثر تفرداً من السليم غير المنحرف، والطفل أكثر تفرداً من الراشد، وعندما يتفرد الراشد يُسأل: ماذا تبقَّى لديك من طفولتك؟ ويسأل السليم عن ميولهِ الشاذة، وعن رغبته المكبوتة في ارتكاب الجريمة. هذا الواقع الجديد، الذي تنتجه السلطة، بتركيزها على الذرَّة التي يتكون منها المجتمع، وهو الفرد، هذه هي الأيديولوجيا الخفيَّة، التي تمارسها السلطة، باعتبار الفرد، والمعرفة الموجودة عنه، كفرد، من إنتاج السلطة، وأنه لا إرادة لَهُ، إلا بقدر ما تسمح به السلطة، والمعرفة التي يكتسبها، لتكوِّن شخصيته، هي من إنتاج السلطة أيضاً
--------
الهوامش:-
1- جان جاك روسو، في العقد الاجتماعي أو مبادئ القانون السياسي، ترجمة: عبدالعزيز لبيب، المنظمة العربية للترجمة، 2011، بيروت، ص78.
2- (فوكو) الذي قلبَ مبدأ (كارل فون كلاوزفيتز): "الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى". فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع، ترجمة: د. الزواوي بغورة، دار الطليعة، 2003، بيروت، ص43. كارل فون كلاوزفيتز، الوجيز في إدارة الحرب، ترجمة: أكرم ديري، والهيثم الأيوبي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1974، بيروت، ص89.
3- فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع، ترجمة: د. الزواوي بغورة، دار الطليعة، 2003، بيروت، ص43.
4- فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع، ترجمة: د. الزواوي بغورة، مصدر سابق، ص50. ونلاحظ على العكس وجود سلطة فاشلة، تُمأسِسُ البحث عن الأكاذيب، وتنتجُ الخرافات، وتنشر الفقر، والجهل، بين رعاياها، بدءاً بالمؤسسات الإعلامية الموالية، فلا تقول شيئاً غير ما تقوله السلطة.
5-  أنتوني غِدنز، علم الاجتماع، ترجمة: فايز الصبَّاغ، المنظمة العربية للترجمة، ط4، 2005، بيروت، ص722.
6- الراغب الأصفهاني، محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء، دار الأرقم بن أبي الأرقم، 1999، بيروت، ج1/ ص685.
7- أرسطو، دعوة للفلسفة، ترجمة: د. عبدالغفار مكاوي، دار التنوير، 1985، بيروت، ص33.
8-  أنتوني غِدنز، علم الاجتماع، ترجمة: فايز الصبَّاغ، المنظمة العربية للترجمة، ط4، 2005، بيروت، ص418.
9-  فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع، مصدر سابق، ص41.
10- فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع، مصدر سابق، ص40.
11- رسائل الجاحظ، تحقيق: عبدالسلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، 1964، القاهرة، ص213.
12-  فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع، مصدر سابق، ص38.
13- الفلسفة الحديثة/ نصوص مختارة، ترجمة: د. محمد سبيلا، ود.عبدالسلام بنعبدالعالي، أفريقيا الشرق، ط2، 2010، المغرب، فوكو: أين السلطة؟، ص317. 
Michel Foucault: La volonte desavoir, Gallimard 1976. P: 121.
14-  فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع، مصدر سابق، ص42.
15-  أشار إليه تعالى: (وَوَضَعَ الْمِيزَانَ)الرحمن: 7، ومعناها، بحسب المفسرين، قبل أكثر من ألف عام: وَشَرَعَ العدل.
16- الفلسفة الحديثة/ نصوص مختارة، مصدر سابق،  فوكو: أين السلطة؟، ص319.
17-  أنتوني غِدنز، علم الاجتماع، مصدر سابق، ص722.
18- جيل دولوز، المعرفة والسلطة: مدخل لقراءة فوكو، ترجمة: سالم يفوت، المركز الثقافي العربي، 1987، بيروت، ص56.
19-  أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، دار المعرفة، بيروت، الباب الثاني في العلم المحمود والمذموم/ ج1/ ص21.
20- أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، دار المعرفة، بيروت، الباب الثاني/ ج1/ ص42.
21- في هذا الباب مسائل كثيرة يطول شرحها، لكن نختصر من صحيح البخاري حديث: ((إِن اللهَ لا يقبِض العِلمَ انتزاعاً ينتزعهُ من العبادِ، ولكنْ يَقبضُ العِلمَ بقبضِ العلماءِ، حتى إِذا لم يُبقِ عالِماً، اتخَذَ الناسُ رُؤُوساً جُهَّالاً، فَسُئِلوا، فيُفتونَ بِرأيهم، فَضَلُّوا وأضَلُّوا)). ويتضمن الحديث معانٍ عِدَّة، منها: أنَّ السلطة بيد من يملك العلم الشرعي، فإذا مات، أو تمَّ إقصاؤه، انبرى على أثرهِ جاهِلٌ، لا يفقه يقول للحاكم لا، ولو قال لا، فإنَّ أحداً لن يسمعَ، وهي معاناة تتكرر دوماً، قال (أبو فراس): " فَمُطَاعُ المَقَالِ غَيْرُ سَدِيدٍ، وسديدُ المقالِ غيرُ مُطَاعِ". فيضلُّ الناس بسبب الجهل. وقال الحافظ (ابن حجر) في (فتح الباري): "في هذا الحديث الحث على حفظ العلم، والتحذير من ترئيس الجهلة، وفيه أن الفتوى هي الرياسة الحقيقية، وَذَمَّ مَنْ يُقْدِمُ عليها بغير علم". وليس في مجتمعاتنا أكثر من المُفتين، ومفسِّري الأحلام. وفي مسندِ الإمام أحمد: ((إذا رأيتم أُمتي تَهَابُ الظالم أن تقول له: إنك أنت ظالم، فقد تُوُدِّعَ منهم)). وفي صحيح البخاري: ((بَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سَرِيَّةً، فَاسْتَعْمَلَ عليها رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَغَضِبَ فَقَالَ: أَلَيْسَ أَمَرَكُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ تُطِيعُونِى؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا، فَجَمَعُوا، فَقَالَ: أَوْقِدُوا نَارًا. فَأَوْقَدُوهَا، فَقَالَ: ادْخُلُوهَا. فَهَمُّوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا، وَيَقُولُونَ: فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنَ النَّارِ. فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتِ النَّارُ، وَسَكَنَ غَضَبُهُ. فَبَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لا طاعَةَ فى معصيةٍ، إنَّما الطَّاعَةُ فِى الْمَعْرُوفِ)). ونظيرُ ذلك: قاتل نفسهِ، يُعَذِّبُ بتلك الآلة إلى يوم القيامة، ولا فرقَ بين مَنْ يقتلُ نفسهُ، ويقتل آخرا بغير ذنب. فلو أنَّ هذا الحديث الأخير دُرِّسَ في العلوم العسكرية، مع جميع استنباطاته، في أهمية الضبط العسكري، والالتزام بالأوامر، إلا أمراً كهذا، لما احتُلَّت بلدان، وخُرِّبت مدنٌ، بسبب حماقاتِ لا غير.
22- سارتر، دفاع عن المثقفين، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الآداب، 1973، بيروت، ص27.
23-  بالعلم والمعرفة ارتفعت الأمم، وتفاضلت درجات. وفي(سورة غافر) يخبرنا تعالى عن مقولة حملة العرش: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً}، فلكي تمتد مشيئته وسلطته إلى كلِّ شيء، يجب أنْ يمتدَّ علمه إلى كلِّ شيء. وكذلك قوله: {وسع كرسيه السموات والأرض}، قال (الطبري): عن ابن عباس وسعيد بن جبير: (كرسيِّهُ هو علمه). ولم يؤمر نبينا بالاستزادة من شيءٍ إلا من العلم، في قوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً} سورة طه: 114. 
24-  دريفوس ورابينوف، ميشيل فوكو: مسيرة فلسفية، ترجمة: جورج أبي صالح، مركز الإنماء القومي، ص166. 
25-  مُطاع صفدي، نقد العقل الغربي، مركز الإنماء القومي، 1990، بيروت، ص269.
26-  كونستانتين فيرجيل جيورجيو، الساعة الخامسة والعشرون، ترجمة: فائز كم نقش، دار اليقظة العربية، ط4، 1988، دمشق، ص11.
27-  نعوم تشومسكي، ردع الديمقراطية، ترجمة: فاضل جكتر، دار كنعان، 1993، دمشق، ص46.
28- فوكو، المراقبة والمعاقبة، ترجمة: علي مقلد، مركز الإنماء القومي، 1990، بيروت، ص71.
29- فوكو، المراقبة والمعاقبة، المصدر السابق، ص203.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق