الأحد، 1 مارس، 2015

واحدية الحق وتعددية الخلق

علاء الدين حسن
كاتب وباحث سوري
إنَّ وحدانيَّة الخالق (عزوجل)، وتعدديَّة الخلق، هو أصل التَّصوُّر .. فالله هو الواحد الأحد، وما سوى الله متعدِّد .. الله واحد في ذاته، واحـد في صفاته، أي أنَّه (سبحَانه) اتّصف بأعلى وأكمل الصفات، ولا يشابهه فيها أحـد، فهو عالِم محيط بعلمه الأشـياء، ليس كعِلم المخلوق، وهو رحيم وليس لرحمتـه حدود: [لَيسَ كَمثلهِ شَيء وَهـوَ السَّميعُ البَصـير] الشُّورى:11. والله  واحـد في أفعاله، لا يشاركه فيها أحـد.
ولو تعدَّدت الآلهة، لأدَّى ذلك قطعاً إلى فساد الكون، لتعدُّد الأنظمة المتعارضة المتعدّدة، الَّتي تحاول تسييره بحسب أنظمتها. ولا يحـدث شيء في ملك الله إلاّ ما يريده: [إنَّمـا أَمرُه إذَا أرادَ شَـيئاً أَن يقولَ لـهُ كُن فَيكُون] يس:82. ولله ملك السَّموات والأرض، والله على كلِّ شيء قدير.
ولقد كان التَّفكيرُ الإسلاميُّ في عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقوم على التَّأكيد على أصول العقيدة وأركانها، وكانت الآيات المكيَّة خاصَّة تؤكِّد على هذا الجانب، فجاءت بالأدلَّة القاطعة المثبتة لوحدانيَّة الله، وكمال ألوهيّته، وبيَّنت بطلان الشِّرك والأنداد. أي أنَّ القرآن الكريم قد أثبت العقائد الدِّينيَّة المتعلِّقة بذات الإله وصفاته وأفعاله، وأقام عليها الأدلَّة والبراهين، وحمل على عقائد المخالفين بالحجَّة الدَّامغة، وخاطب العقل، واستنهض الفكر، وعرض نظام الأكوان، وما فيها مِن الإحكام والإتقان على أنظار العقول، طالباًَ بالإمعان فيها، لتصل بذلك إلى اليقين بصِحَّة ما جاء به ودعا إليه (*).
والله هو الخالق وحده، وهو المحيي والمميت، ولا يستعان بسواه: (( إذَا استَعنتَ فَاستعنْ بالله، وَإذَا سَألتَ فَاسـألِ الله، وَاعلمْ أنَّ الأمَّـةَ لَو اجتَمعتْ علَى أَن ينفعوكَ بِشيءٍ لَـمْ يَنفعوكَ إلاّ بِشيءٍ قَدْ كَتبهُ الله لَك، وَلَـو اجتَمعـتْ علَى أَن يضـرُّوكَ بِشـيءٍ لمْ يَضرُّوكَ إلاّ بِشيءٍ قدْ كَتبــهُ الله علَيـك..)) (1). وفي فاتحـة الكتـاب: [إيَّـاكَ نعبُـدُ وَإيَّـاكَ نَستَعين] الفَاتحـة : 5.
وكلمـة التَّوحيد دالَّة على نوعَي التَّوحيـد: توحيد الرّبوبيَّة، وتوحيد الألوهيَّة. أمَّا توحيد الرّبوبيـَّة، فهو الإقرار بأنَّ الله خالق كلّ شيء (2)، وأمَّا توحيـد الألوهيَّة، فهو استحقاقه سبحَانه وَتعَـالى أن يُعبَد وحده لا شـريك له (3).

دَعوةُ الأنبيَاءِ وَالمرْسَلين :
والتَّوحيد هو دعوة الأنبياء والمرسلين عليهِم الصَّلاة وَالسَّلام: [وَلَقدْ بَعثنَـا فِي كلِّ أمَّة رسـولاً أنِ اعبُدوا الله وَاجتَنبوا الطَّاغوت..] النَّحل: 36.
والطَّاغوت هو كلُّ ما يُعبَد مِن دون الله، سواء كان مِن البشر، أو مِن الأفلاك، أو مِن الحيوان.. فلا عبادة إلا لله، ذلك ليعيش النَّاس أحراراً متساوين. ولا يمكن لأحد أن يبلغ جماليَّة الحرية إن لم تكن العبادة لله وحده، والحريَّة حياة وقوَّة، تنطلق إلى ضياء الفكر والخطوات، وحيثما توفَّر احترام الحريَّة، توفَّر احترام العقل، واحترام الحريَّة فعل يعبِّر عن الجمـال.. أمام عرش الحريَّة تتسامق الأشجار بمداعبة النَّسيم، وفي فضائها تسكب الأزهار عطرها.
ولـمَّا كان مفتاح الدَّعوة الإلهيَّة معرفة الله تعَالى، قال أفضل الدَّاعين (عليهِ الصَّلاة وَالسَّلام)، لمعاذ (رضيَ الله عَنه)، وقد أرسله إلى اليمن: (( إنَّك سَتأتي قوماً مِن أَهلِ الكتَاب، فليَكن أوَّل مَا تَدعوهُم إِليه: شَهادة ألاّ إلهَ إلاّ الله، وَأنَّّ محمَّداً رسولُ الله، فإنْ عَرفوا ذلكَ فَأخبرهُم أنَّ الله فرضَ عَليهِم خمسَ صَلواتٍ فِي اليَومِ وَاللَّيلة))(4).

تَعدديَّـة الخلْق :
فإذا وقفنـا عند الخـلق، وجدنا التَّعـدّديَّة العرقيَّة، ووجدنا التَّعدّديَّة اللّغويَّة، ووجدنا التَّعدّديَّة الدِّينيَّة، والتَّعدّديَّة الثَّقافيَّة، والتَّعدّديَّة الحزبيَّة، والتَّعدّديَّة القيميَّة.. وكلّ هذه التَّعدّديـات شرعها الله عزَّ وَجلَّ، وينبغي أن ندرك هذه الحقيقة. يقول الله عزَّ وَجلَّ: [وَمنْ آياتهِ خلقُ السَّمواتِ والأرضِ واختلافُ ألسنتِكم وَألوانِكم إنَّ فِي ذلكَ لآياتٍ للعالِمين] الرُّوم : 22 . ويقـول عزَّ وَجلَّ : [وَمَا أَرسلنَا مِن رسـولٍ إلّا بِلسانِ قَومهِ ليبيِّن لهمْ]إبرَاهيم : 4 .
ويقول عزَّ وَجلَّ: [ يَا أيُّها النَّاسُ إنَّا خَلقناكُم منْ ذكرٍ وَأنثَى وَجَعلناكُم شُعوباً وَقَبائلَ لتَعارَفوا إنَّ أَكرمَكم عندَ الله أتقَاكم..]الحجُرات : 13. خلقناكـم مِن آدم وحـوَّاء.. خلقناكم مِن رجل وامرأة.. وجعلناكم عروقاً وأجناساً، ليتعرَّف بعضكم إلى بعض، وليتعاون بعضكم مع بعض: [إنَّ أكرمَكم عندَ الله أتقَاكم ].
ولم يقل الله عزَّ وَجلَّ: إنَّ أكرمكم عند الله أغناكم، ولا غير ذلك.. فمقياس التَّفاضل عند الله ـ يوم القيامة، لا في هذه الدُّنيا ـ هو التَّقوى.. فليس في هذه الدُّنيـا مقياس نقيس به درجة التَّقـوى عند البشـر. ولذلك قال الله تعَالى: [إنَّ أَكرمَكم عندَ الله أتقَاكُم إنَّ الله عَليمٌ خَبير ]، عليم بشؤون خلقه، خبير بما في قلوبهم وصدورهم.
وفي حجَّة الوداع أعلن الرَّسول (صلَّى الله عليهِ وَسلَّم)،  في خطبة عصماء، أنَّ النَّاس جميعاً متساوون كأسنان المشط: (( إنَّ ربَّكم وَاحد وَإنَّ أباكُم وَاحد، كلُّكم لآدمَ وَآدمُ مِن تُراب.. لاَ فضلَ لعربيّ علَى عجميّ، وَلاَ لأبيضَ علَى أسوَد، إلاّ بالتَّقوى..)) (5).
فليس هناك أفضليَّة لجنس على آخر، كما يدَّعي اليهود بأنَّهم شعب الله المختار، أو كما ادَّعى (هتلر) بأنَّ الجنس الآريّ يجب أن يحكم العالم، أو كما اعتقد بعض فلاسفة الإغريق بأنَّ هناك شعباً خُلق ليسـود ويقود ويحكم، وشعوباً خُلقت لتُسـاد وتُقاد وتُحكَم.. أو كما اعتقد بعض الحداثويّين بأنَّ هناك عبيد وهناك سادة .. وكلّ هذه التَّصوّرات خاطئة، فالإنسـان -أيَّاً كان- فهو مكرَّم مِن حيث أصل الوجود الإنسـانيّ: [وَلقدْ كرَّمنا بَني آدَم ..]الإسرَاء : 70. ولكنَّهم يتفاوتون بالعِلم والعمل والمجاهدة.. يقـول الله عـزَّ وَجـلَّ: [قُل هَل يَستوي الَّذينَ يعلمُونَ وَالَّذينَ لاَ يعلمونَ إنَّما يَتذكَّر أولُو الألبَاب ]الزُّمَر : 9.

التعـدّديَّة الدِّينية:
وأعطى الله تعالى الإنسـان ملكات ومواهب ليختار لنفسه: [ فَمنْ شَـاءَ فَليؤمنْ وَمنْ شَـاءَ فَليكفرْ إنَّا أَعتـدَنا للظَّالمين نَاراً]الكهْف : 29.
ويقول عزَّ مِن قائل: [وَلَو شَـاءَ ربُّك لجَعـلَ النَّاسَ أمَّـة وَاحدة وَلاَ يَزالونَ مختلِفـين إلاّ مِن رحِم ربُّك وَلِذلكَ خلَقهُم ] هُود : 118 ـ 119. أي: للاختلاف خلقهم: [وَلَو شَاءَ ربُّك لآمنَ مَن فِي الأرضِ كلُّهم جميعاً أَفأَنتَ تُكرهُ النَّاس حتَّى يَكونـوا مُؤمنين] يونُس: 99. وفي آية أخرى: [أَنلزمكمُوها وأنتُم لهَا كَارِهون] هُود: 28. أنرغمكم على الهداية ؟.. [لاَ إِكراهَ في الدِّين قَد تبيَّن الرُّشدُ مِن الغيِّ فمَن يكفرْ بالطَّاغوتِ وَيُؤمنْ بالله فَقد استَمسكَ بِالعروةِ الوثقَى..] البقَرة: 256.
ونجد سـورة (الكافِرون) قد جمعت بين جانبين: الاعتزاز بالدِّين إلى أبعد حـدّ، والمسامحة مع المخالف إلى أقصى درجـة.. [قُل يَا أيُّها الكافِرون، لاَ أعبُدُ مَا تعبُدون، وَلاَ أنتُم عَابِدون مَا أعبُد..].. إلى أن قال الله عزَّ وَجلَّ [لكمْ دِينكُم وَليَ دِين]، فالأديان تعدَّدت، وخُتمت بدِين الإسلام: [اليَومَ أَكملتُ لكمْ دينَكم وَأَتممتُ عليْكم نِعمَتي وَرضِيتُ لكمُ الإِسلامَ دِيناً]المائِدة: 3.
والنَّاس آمنوا أو كفروا فحسابهم عند الله في الآخـرة: [الله يحكمُ بَينكُم يَومَ القيَامة فيمَا كنتُم فيهِ تَختلِفـون]الحجّ : 69.

أدلَّة حريَّة العقيدَة :
ومـمَّا يدلّ على حريَّة العقيدة في: أنَّ مهمة الرُّسـل ـ عليهِم الصَّــلاة وَالسَّــلام ـ تمثَّلت في التَّبشـير والإنـذار والتَّبليغ، ولم تتمثَّـل في القهـر والتَّسـلُّط: [فَذكِّر إنَّما أنتَ مُذكِّر لَستَ عَليهِم بمصَيطر ]الغاشِـية: 21 ـ 22. فالإجبار لا يعمِّق القناعة في القـلوب.
ومـمَّا يدلُّ على حريَّة العقيدة أيضاً: المعايشة السّلميَّة لأهل الشَّرائع. قال تعَـالى: [لاَ يَنهاكمُ الله عنِ الَّذينَ لمْ يُقاتلوكُـم فِي الدِّينِ وَلمْ يخرجُوكم مِن ديارِكم أنْ تَبرُّوهم وَتُقسِطوا إليهِم إنَّ الله يحبُّ المقسِـطين]الممتحنَـة: 8.

التَّعدّديَّة القيميّة وَالفكريَّة :
وهذه التَّعدّديَّة اتِّجاه ذو تأثير بالغ في الفلسفة الأخلاقيَّة المعاصرة، حيث يؤكِّد على مكانة القيم في الحياة الإنسانيَّة، جاعلاً منها مقوّمات معنويَّة هادفة، على أنَّ أهمّ خاصيَّة تتميَّز بها التَّعدّديَّة القيميَّة هي أنَّ القيم الأساسيَّة الَّتي ترتكز عليها الحياة تكون متنازعة فيما بينها، بسبب الاعوجاج في الاستدلالات.
أمَّا الظُّروف الموضوعيَّة، الَّتي تلازمت مع التَّعدّديَّة القيميَّة، فمنشؤها: التَّعارض بين الدِّين والعقل، واتِّساع رقعة اللّيبراليَّة (6)، وصدام الحضارات.
وقَبِلَ الإسلام التَّعدّديَّة الفكريَّة والتَّنوُّع الفكريّ، وأرسى مرتكزات هذه التَّعدّديَّة بوضوح، واحترم الخصوصيَّة الثَّقافيَّة والبيئيَّة لمجمل المجتمعات، بحيث أتاحت هذه التَّعدّديَّة مرونة اجتماعيَّة حفظت حضارتنا مِن الصِّدام والانهيار. والإسلام بطبيعته دِين يستوعب مختلف الثَّقافات، فالتَّعدّديَّة الفكريَّة ليست نتاج مشروع عولمي، وإنَّما هي أصالة ثابتة في حضارتنا، فالقرآن الكريم الَّذي هو أصل الأصول، ومرتكز بناء، هذا الكتاب العظيم تعدَّدت أحرفه، وطرائق قراءته.. أنزله الله عزَّ وَجلَّ على سبعة أحرف لقبول تعدّد اللّفظ، الَّذي يعبِّر عنه علّام القراءات، بأنَّ مواضع الاختلاف بين الأحرف السَّبع، هي: الإفراد والتَّثنية والجمع والتَّذكير والتَّأنيث – اختلاف تصريف الأفعال مِن ماض ومضارع وأمر – اختلاف وجوه الإعراب – اختلاف بالنَّقص والزيادة – الاختلاف بالتَّقديم والتَّأخير – الاختلاف بالإبدال – اختلاف اللَّهجات كالفتح والإمالة والتَّفخيم والتَّرقيق(7).
واحترام اللَّهجات هو احترام بيِّن للخصوصَّية الثَّقافيَّة لكلِّ قبيلة، حيث لم يكن انتشار القرآن تصديراً لثقافة البيئة، ولا للهجتها، رغم شمولها وتوسّطها، وإنَّما أقرَّ الإسلام أنَّه يمكن لكلِّ قبيلة أن تقرأ باللّهجة الَّتي تتقن. ولعلَّ سبب الورود على أحرف سبعة، هو التَّخفيف على الأمَّـة رحمة بها، وخصوصيَّة لمكانتها.
وكلُّ الأحرف نزل بها الوحي الأمين على رسول الله (عليهِ الصَّلاة وَالسَّلام)، وتلقَّاها القرَّاء فنشروها في الأمصار. جاء في الحديث: ((.. إنَّ القُرآنَ نزلَ علَى سَـبعةِ أحرُف، فَاقرؤوا مَا تَيسَّر مِنه)) (8).
- ومِن معالم قبول الاختلاف في الفهم والتَّطبيق: حادثة بني قريظة المعروفة، حيث قال رسول الله (صلَّى الله عليهِ وَسلَّم): ((لاَ يُصلينَّ أحدٌ العَصرَ إلّا فِي بَني قرَيظة)) (9). فاختلف الصَّحابة (رضيَ الله عنهُم) وقوفاً عند هذا الحديث، فمنهم مَن صلَّى في الطَّريق، ومنهم مَن صلَّى بعد وصوله إلى بني قريظة. والثَّابت مِن توجيه النَّبـيِّ (عليهِ الصَّلاة وَالسَّلام) أنَّه أقرَّ رأي الفريقين دون أرجحيَّة رأي على آخر. وإذا كان (ابن القيِّم)  قد رجَّح اجتهـاد طرف على آخر (10)، فإنَّ ذلك محض رؤية ذاتيـَّة، وليس حجَّـة قطعيَّة بالضَّرورة.
في كلِّ حال، نلحظ في الحادثة: قبول أفهام وتفسيرات متعدّدة للنَّصِّ الواحد، وعدم إنكار الاختلاف الَّذي يحتمله النَّصّ، والثَّابت أنَّ كلَّ فئة فهمت نصّ حديث الرَّسول الكريم بصورة تستوعب تعدُّد أوجه الفهم، ولم يستخدم أيّ الطَّرفين وسائل حجب الآخر مِن حقِّ الاجتهاد. لقد فهموا جميعاً أنَّ المقصد هو التَّعجُّل بمحاصرة بني قريظة دون تباطؤ، فتحرَّكوا بمقتضى هذا الهدف المركزيّ، كلٌّ وفق رؤاه، ولو ذهب بعضهم راكباً وبعضهم ماشياً وبعضهم مهرولاً، فذلك كلّه لم يحدّده نصّ الحديث.
- هذا وقد اختلف الصَّحابة رضيَ الله عنهُم في التَّأويل والفتوى: اختلاف تنوّع وليس اختلاف تضادّ (11)، ذلك أنَّ التنوّع سمة أساس مِن سمات البشر، والإسلام لم يلغِ هذا التَّنوّع، ولم يصادره، ولم يحجر على العقول في التَّفسير والاستدلال، حتَّى عرفنا للصَّحابة مدارس واضحة، فقد عرفنا عن (ابن عبَّاس) رخصه، وعرفنا عن (ابن عمر) شدائده، ولكنَّ القلوب ما اختلفت، فكانوا إذا التقوا تعانقوا، ولم تتأثَّر أخوَّتهم باختلاف اجتهاداتهم، ولم يوقع تعدُّد الرؤى شيئاً مِن الشَّحناء، بل السَّماحة وسعة الصَّدر كانت ميزة الجميع، وكان لقاؤهم على نقلة اجتماعيَّة واحدة، لا يقبلون بالقولبة في قوالب جامدة، بل تنوَّعت آراؤهم، وذلك شكَّل لديهم مزيداً مِن قوَّة وتعاضد، دون زعزعة ولا تنازع، وكذا لابدَّ للبناء الشَّامخ مِن وجود فواصل تمدّد، وفواصل هبوط، تسمح بحريَّة الحركة عند الاهتزازات. والبناء المتماسك إن لم يتَّصف بهذه المرونة، لاشكَّ أنَّه ينهار مع أوَّل هزَّة أو زلزلة.
إنَّ هدف الاجتهاد هو الوصول إلى الحقّ، ولا يجوز أن يكون انتصاراً للرَّأي، أو تعصُّباً للمذهب. ولهذا ورد عن السَّابقين: "إذا صحَّ الحديث فهو مذهبـي". وأيَّـاً كانت حاجة (يعقوب) مِن توجيه: [ادخلوا من أبواب متفرِّقة]؛ فإنَّ الإشارة واضحة إلى التَّوحُّد على الهدف، مع تعدُّد الوسائل والأبواب والمسارات. يقول (القرطبـيّ): لئلاّ يراهم الملك، ويرى عددهم وقوَّتهم، فيبطش بهم حذراً وحسدا (12). ودلَّت الآية على ضرورة الحذر ممَّا يُخاف منه، توخيَّاً للسَّلامة في كلِّ حال.
إنَّ فهم الإسلام يرسم على الدَّوام الخطوط الرَّئيسة، والملامح العامَّة، والضَّوابط الكليَّة، تاركاً مساحة واسعة للاجتهاد في الجزئيَّات، وهذا المنهج يتغلَّب على البيروقراطيَّة، ويحطِّم فرضيَّة الجمود.
    
التَّعدّديَّة السِّـياسيَّة:
وكما شرع الإسلام التَّعدّديَّة الثَّقافيَّة، فقد شرع أيضـاً التَّعدّديَّة السِّياسيَّة، ووضع الآليات اللاّزمة للتَّعايش السّلميّ بين مختلف الطَّوائف الملتقية في العقيدة، المتعدّدة في المفاهيم، وذلك بتعامل الرَّسول الكريم -بعد مقدمه المدينة- تعاملاً يرتكز على هذا الأساس، حيث أرسى تنظيماً إداريَّاً يعتمد على التَّعدُّد حتَّى مع غير المسلمين. وجعل الإسلام الشُّورى فيصلاً لمجمل المسائل: [وأمرُهم شُورى بَينهُم ]الشُّورى: 38، أي أنَّ إمارة المسلمين قائمة على التَّشاور فيما بين بعضهم وبعض.
إلى ذلك، فالتَّعددية السِّياسيَّة ثروة مِن الأفكار والأعراف والأذواق، عرف الإسلام كيف ينظِّمها، ويجعلها أولى لبنات بنيته الصَّالحة، بغية التَّوصُّل للغايات المتلخّصة لوحدة الأمَّـة، ومنحها العقل الجمعيّ، لتكون أقدر على القيام بدورها، وفق تنوُّع مرن يستوعب العوامل المتشابكة، في تناسق أصيل، ومنهجيَّة حقَّة. 
ودعا الإسلام إلى حريَّة التَّعبير عن الرَّأي. يقول صدّيق الأمَّة (رضيَ الله عَنه): "إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوِّموني". ويقول أيضاً: "أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعـة لي عليكم".
ويقول الفـاروق (رضيَ الله عَنـه): "مَـن رأى منكم فيّ اعوجاجاً فليقوّمـني". ولقد قال مَن قال: لو رأينا فيك اعوجاجاً يا ابن الخطَّاب، لقوَّمناه بسيوفنا. فقال عمر: "الحمد لله الَّذي جعل في المسلمين مَن يقوِّم اعوجاج عمر بحدِّ سيفه".
ويقول (رضي الله عنه): "متى تعبدّتم النَّاس وقد ولدتهم أمَّهاتهم أحرارا". فالحريَّة حقٌّ وعدل، وبالعدل نحقِّق الغايات السَّامية، والمقاصد الكريمة. ولن يكون للإنسـان شأن إلا بالحريَّـة.. وعندما يلتئم صوت الحريَّة مع ضمير الأرض تولد الكلمـات.
* هكذا تترسَّخ في أعماقنا وحدانيَّة الخالق، وتعدّديَّة الخلق: فالله واحـد أحد، والخلق متعـدّد. وتعدّديَّة الخلق إنَّما تعني التَّوازن والاستقرار واستدامة الحياة. ومنذ أن خلق الله (آدم)، خلق لـه زوجة ليسـكن إليهـا، وتسكن إليه.
وفي قصَّة الطّوفان يقول الله (عـزَّ وَجلَّ) مخاطباً نبيَّه نوحاً (عليه السلام): [قُلنَا احملْ فيهَا منْ كلِّ زَوجَين اثنَين] هُـود: 40.
وتشير الإحصاءات إلى التَّسـاوي بين نسبة الذُّكور والإناث في معظم الكائنات، وهذا يرجـع إلى الصِّبغيَّات (chromosomes) الَّتي تبيِّن تعـدّديَّة الخـلق.
وكم كان الإنسان ظالماً في جاهليّته عندمـا غاب عن عقله سرُّ الله في خلقه، فراح يئـد البنـات دونمـا رحـمة ولا رأفــة: [وَإذَا المـوءودةُ سـُئلت بأيِّ ذَنبٍ قُتلتْ]التَّكوير: 8 ـ 9. فمشيئة الله تعالَى هي وحـدها تتحكَّم بمنح هذا النَّوع، أو غيره: [يهَبُ لمَن يشاءُ إناثاً وَيهَب لمَن يشاءُ الذُّكور ]الشُّورى : 49. وفـي عـالم النَّبـات، نقـرأ قـول الله عزَّ وَجـلَّ: [وَأَنبتتْ مـنْ كلِّ زَوجٍ بَهيـج ]الحجّ : 5.
ومِن البديهيّ أنَّ تميُّز الأشياء لا يكون إلاّ بإظهار أضدادها: فاللَّيل يُعرَف بالنَّهار، والشّحنة السَّالبة تُعرَف بنقيضتها الموجبة، والفعل يُعرَف بردِّ الفعـل، وفي الذَّرَّة نجد البروتون والإلكترون، ولكلِّ ميزان كفَّتان.
والشّمال يقابله الجنوب، والشُّروق يقابله الغروب، وفـي البحر ماء عذب، وملح أُجاج.  وفي الجانب الرُّوحي: الحيـاة مقابل الموت، والهدى مقابل الضَّـلال، والتَّشـديد مقابل المغفرة.
 وقد أحسـن مَن قال (13):
الوَجهُ مِثـلُ الصّـبحِ مبيضُّ  
              والشَّـعرُ  مِثلُ اللَّيلِ  مسـودُّ
 ضدَّانِ إذَا استجمعَا حسـُنا 
                وَالضِّـدُّ يُظهرُ حُسنَه الضِّـدُّ

خاتـمَة:
وهكــذا يتَّضح: أنَّ قضيَّة الألوهيَّة والوحدانيَّة قد شغلت الفكر الإنسانـيّ، قديـماً وحديثاً، ولا زالت هذه القضيَّة تشغل ذلك الفكر، ولا تزال الدِّراسات والبحوث حول هذه القضيَّة على أشدّها، لمعرفة أسرار الكون، وعجائبه، ودقَّة قوانينه ونظمه، الَّتي تقود للإيمان بوجود إله واحد خالق مبدع، وعبادته وحده، ونبذ عبادة الوثنيَّـة.
وكان للفلسفة الإسلاميَّة دور واضح في إثبات العقيدة الإيمانيَّة، حين جابهت التّيّارات الفكريَّة والفلسفات الَّتي حاولت الطَّعن في أصول العقيدة.
وكان للمنهج النَّفسيّ والعقليّ الأثر الأكبر في إحقاق حقِّ التَّوحيد، وإقناع كثير مِن رؤوس الباطل، في عهد النُّبوَّة، بتوحيد الله عزَّ وَجلَّ، في ظلِّ فترة زمنيَّة قصيرة، سـرعان ما تحوَّلت بعدها أرض الجزيرة العربيَّة إلى موطن للتَّوحيد، بل إلى منطلق للدَّعوة إليه.
"والقرآن الكريم اشتمل على مناهج فـي الاستدلال، والجدل، والتَّأثير، تكشف عن أدقّ نواميس النَّفس الإنسانيَّة.. وفـي مناهجه البيانيَّة الـمثل الأعلى للكلام النَّافذ إلى القلوب، والحجج الدَّامغة"(14).
أخيـراً: مِن حقِّ الحقِّ علينا أن يكون ضالّتنا.. مِن حقِّ الحقِّ علينا أن نقوله، لا نخاف في الله لومة لائم.. مِن حقِّ الحقِّ علينا أن ننطق به، ولو على أنفسنا.. مِن حقِّ الحقِّ أن يضعه الإنسان في نصابه.. الحقُّ كلمة طيّبة، كشجرة طيّبة، أصلها ثابت، وفرعها  في السَّماء.. مِن حقِّ الحقّ أن يبقى صافياً، نقيَّاً، بعيداً عن اللّبس بالباطل..
من حقِّ الحقِّ أن نجتمع عليه، ونعرضه في أوضح صورة، ذلك أنَّ الله هو الحقّ، وخلق السَّموات والأرض بالحقّ، وأنزل الكتاب بالحقّ، فالحقُّ مقصود الخلق، ومقصود التَّنْزيل.

الهوامــــش:
(*)  أصول الدِّين الإسلامي، رشدي محمَّـد، ط (4)، دار الحكمة، بغــداد 1990م، ص 30.
  1. سـنن التِّرمذي، حديث رقم 2516، صـفة القيامـة 4/667 .
  2. العقيـدة الطَّحاويَّـة، ص 24 .
  3. المصدر السَّابق نفسـه، الصَّفحة ذاتهـا.
  4. رواه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الدّعاء إلى الشَّهادتين، 1/50 .
  5. رواه أحمد 6/570 ، والطَّبراني في الأوسط 4749، عن أبي سعيد الخدري .
  6. اللّيبراليَّة هي الفكر السِّياسيّ الَّذي يطالب بممارسة الحريَّات، لتحقيق تصوّرات للحياة الرَّاسخة، دون تدخُّل الدَّولة، إلاّ بما يحفظ الحريَّات.
  7. انظر: التّبيان في علوم القرآن، الصَّابوني، ص 223 وما بعد .
  8. مسند أحـمد، حديث رقم 159 .
  9. ص البخاري، كتاب أبواب صلاة الخوف، باب صلاة الطَّالب والمطلوب راكباً وإيــماءً ... ح رقم 904 .
  10. انظر: زاد المعـاد، ص 131 وما بعد.
  11. انظر: مقدّمة في أصول التَّفسير، ص 10 وما بعدها .
  12. انظر: تفسير القرطبـي، ا 9/229 .
  13. هو الشاعر: دوقلــة المنبجي.
  14. انظر: المعجزة الكبرى، د. محمَّد أبو  زهرة، دار الفكر العربي، دون تاريخ، القاهرة، ص411.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق