الأحد، 1 مارس، 2015

المفارقة في مسرح محيي الدين زنكنة

أثير محسن الهاشمي
أولا : المفارقة اللفظية
1. مفارقة العنوان:
للعنوان أهمية كبرى في الدخول إلى عتبة النص، ذلك لأنه يمثل دلالة وعلامة لـِما يحتويه النص، أول ما يشير إليه المعنى، كما أن العنوان استدعاء القارئ إلى نار النص، وإذابة عناقيد المعنى بين يديه. إن له طاقة توجيهية هائلة، فهو يجسد سلطة النص وواجهته الإعلامية.(1) وبالتالي يحفظ للنص خصوصيته، ويمنعه من الذوبان في النصوص الأخرى، ويـُكسب النص شرعية تاريخية وفنية وثقافية. (2)
وبعد اطلاعنا على مسرحيات (محي الدين زنكنة) وجدنا بعضا من عنواناته يدلّ على المفارقة، وهو ما يسمح للتحليل على وفق ما يشكله من تناقضات قابلة للرمز والإيحاء والمغايرة بأكثر من صورة.
من عنوانات المسرحيات التي اشتملت على عنصر المفارقة، هي مسرحية (الجنزير)(3)، فالكاتب يستدعي المفارقة من خلال هذا المزج الحاصل ما بين كلمتين بمفهوم واحد (الجنرال / الوزير)، حيث يركّب الكاتب الجزء الأول من كل مقطع، ليكوّن عنوانا، يحتاج إلى تفسير، أو لا يـُفهم إلا بعد قراءة نص المسرحية.
محيي الدين زنكنة
وتتضح المفارقة في عنوان مسرحيته (صراخ الصمت الأخرس)(4)، وذلك بتوظيفه لمعطيات متناقضة مـُجسدة بشكل ٍ ونسق واحد، مما يعطي دلالات أوسع من خلال قرن (صراخ / الصمت / الأخرس) تحت مفهوم ومركب واحد.
ونجد استراتيجية المفارقة حاضرة في عنوان مسرحيته ( مساء السلامة أيها الزنوج البيض )(5)، إذ يتصف العنوان بمفارقة ناشئة من تناقض وتباين بين ما هو مألوف، وبين عكس ذلك، كما في لفظ ( الزنوج ) وتحويل صفتهم (السود) إلى (البيض)، لاسيما أن للون الأبيض دلالاته الخاصة،  كما أن للون الأسود دلالاته المعهودة. وغاية الكاتب ربما هو شدّ المتلقي إلى النص، ولمحاولة منه إلى المغايرة في بث رؤاه، حيث تتجـّسد القيم الجمالية عند الشعوب ذات اللون الأبيض ببياض البشرة، وينسحب ذلك على جمال النفوس، فالطهارة بيضاء، والخير أبيض، ولكن حركة الزنوجة تذهب إلى نقيض ذلك تماما، وإن كان ذلك ردّة الفعل تجاه الرجل الاستعماري الأبيض، الذي سرق قوت الشعوب الزنجية بحجّة أنه جاء ليعلّمها الحضارة، ويخلّصها من التخلف، ولذلك كان السواد تعبيرا عن الجمال والطهارة والنبل، كما في قصيدة ( البطاقة السوداء ) للشاعر (ليون داماس)، وهو من (غيانا) الفرنسية، فيقول:
              لن يكون الأبيض زنجيا قط  
              لأن الجمال أسود
             والحكمة سوداء ..  (6)
ويشير الكاتب (صباح الأنباري)، إلى أن (زنكنة) "قد اتخذ من النشاز الفني الدال أساسا في عنوانها، حيث زاوج حالتين مختلفتين لجنسين مختلفين مولدا منهما معنى دلاليا جديدا، معبرا عنه بصيغة رمزية، تضمنتها عبارة (الزنوج البيض). وهي مزاوجة لم تعن باللون العرقي، ولكن بالحالة التي تشير إليها. بمعنى أنها تشير إلى وضع لا إنساني سائد، يقوم على كاهل البيض، كما لو كان قائما على السود.
فالرأسمالية، وهي تمضي في سبل تطورها، لا يقتصر استغلالها واستلابها على الأسود حسب، وإنما تتعداه إلى الأبيض، فتبلغ به مبلغ الأسود. ومن هنا فإن النشاز اللوني لم يكن في العنوان مقصودا لذاته، بل للحالة التي تنم عنه، وطبيعة تلك الحالة". (7)

2-مفارقة التناص:
تعد مفارقة التناص نوعا مهما من أنواع المفارقة اللفظية، باعتبار أن التضمين أول ما يقع لفظا ثم يعكس مضمونا معينا، كما يتمايز هذا النوع كونه ينصب باتجاهين:
الأول: ما تشكله المفارقة من تجليات اللغة في الغرابة، والتشخيص، وقلب، وتحريك،... إلخ .
الثاني: ما ينتج عن التناص من استجابة وتطابق، ومن ثم تحويل إلى صياغة جديدة، وبالتالي إقران هذين المفهومين في بوتقة واحدة، من شأنها أن تضيف ألفاظا تركيبية تعكس ماهية الدلالة.
إن الاستجابة التي تحدثها المفارقة مرة، والتناص مرة أخرى، تحدث بطريقة تحويلية، لا طريقة تطابقية، وهذا التحويل هو الشرط الأدبي لعملية التناص بين الخطاب ومجاله التناصي، كما ترى (جوليا كريستيفا)، وقد تكون الاستجابة تكثيفا وتعميقا، كما يرى ذلك (سولر).(8)
إذ ترى (كريستيفيا): "إن التناص قانون جوهري، إذ هي نصوص تتم صناعتها عبر امتصاص، وفي الوقت نفسه هدم النصوص الأخرى للفضاء المتداخل نصيا".(9) 
ومن ذلك يمكن أن تعمل المفارقة في علاقات التناص، والنص الموازي، والتعليق النصي، والترابط، كما يمكن لتقنيات أخرى أن تعمل داخل هذه العلاقات.(10)
نجد مفارقة التناص في مسرحية ( تكلم يا حجر ) لـ(محي الدين زنكنة):
"... السوط بالنسبة لي، مثل ما كانت العصا للنبـي موسى. ضرب بها البحر، فاستحال أرضا يابسة. وأضربك به، فتستحيل بلبلا غريدا، أو حمارا ناهقا".(11)
 يتناص الكاتب (زنكنة) في هذا النص مع قوله تعالى: {فأوحينا إلى موسى إن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كلّ فرق كالطود العظيم}.(12)
 تقع المفارقة بتناص الكاتب مع القرآن الكريم، لكن بتغيير محور الآية الكريمة إلى محور آخر، إذ تحولّت الألفاظ إلى ألفاظ أخرى، وبالتالي تغير المضمون:
موسى  ــــــــ الرجل ( المتكلم )
العصا  ـــــــــ  السوط
البحر     ــــــــ الرجل ( السجين )
يكون البحر يابسا   ـــــــ   يكون الرجل بلبلا غريدا، أو حمارا ناهقا
ومما لا شك فيه، إن كل هذه التداعيات تستنهض المفارقة، سواء بجزئياتها، أو بوصفها تحت كلية واحدة.

3. مفارقة التشبيه:
إن التشبيه، عند أهل البلاغة، إنما يكون بين أمرين، وربما أكثر، يجمع بينهما وجه شبه يقره التواطؤ، أو العرف، أو المنطق. وعليه، فإذا ما خـُولف التواطؤ، أو بـُوين العرف، أو اختل المنطق، في التشبيه، وقعت المفارقة.(13)
 وقد غلا النقاد العرب في الإعجاب المتواتر بمكانة التشبيه، فقد رأوا فيه جانبا "من أشرف كلام العرب"، وفيه تكون الفطنة والبراعة، ولذا جعلوه أبين دليل على الشاعرية، ومقياسا تعرف به البلاغة.(14)
 ثمة مفارقة للتشبيه، في مسرحية (صراخ الصمت الأخرس) لـ(زنكنة):
"الأول: ذلك ما يفعله كل عاقل.. يتخلص من الأجزاء المرشحة لخيانته.. من جسمه أولا.
الثاني: (يضرب أذنيه – يجرهما)  آه يا خائنتان .. يا كلبتان .. يا ...".(15)
 تكوّنت مفارقة التشبيه نتيجة قرن متناقضين، متباعدين كل البعد، في مضمون واحد (أذنيه / كلبتان).

ثانيا: مفارقة الموقف
1. المفارقة الدرامية:
إن أهمية المفارقة الدرامية تكمن في المسرح أكثر من غيرها في الأجناس الأخرى، ذلك لتنوع دراما المسرحية، وتشعب أحداثها، وتشابك شخصياتها، مما أدى إلى بروزها فيها أكثر من غيرها.
للمفارقة الدرامية حضور مهم في المفارقة الموقفية، ذلك أنها تمثل تجلّيا مخصوصا من تجلياتها، فهي علاقة المغايرة بين فهم الشخصية المحدودة لحالتها، في لحظة معينة من الحدث المتكشّف، وما فهمه الجمهور، في اللحظة نفسها، من وضع هذه الشخصية على حقيقتها.(16)
إن هذا النمط من المفارقة يفيد انقلابا مفاجئا في الظروف، خاصة عند اتسامها ببناء درامي، إذ تصير المفارقة هي المبدأ الأول في الدراما، من حيث إحداث الانكسار، وتغيير الاتجاه، فهي القوة التي تنبع منها، وتعود إليها، كل لحظات التحول الواضحة، التي اصطلح  على تسميتها انقلابات، أو تحولات درامية peripeteis . (17)
في مسرحية ( العقاب ) لـ(محي الدين زنكنة)، ثمة مفارقة درامية، نلمحها من خلال المسرحية كاملة ، إذ إن التحول أوّل ما يؤكد تلك المفارقة، ومن ثم جهل الآخرين بما يحدث لشخصية (حامد)، الذي يعود إلى أهله بعد ما دُفن في المقبرة:
".. سعدون: إذن اتفقنا. نلتقي في المسجد.. إن شاء الله .. الفاتحة على روحه الطاهرة.
حسن: إن شاء الله.. ( يتقدمهما. يفتح لهما الباب. يرتد مصهوقا. كأن قوة جبارة دفعته إلى الوراء) اللهم رحمتك (يسقط على ظهره)".(18)

2- مفارقة الحدث:
من سمات مفارقة الأحداث أنها تكون فاعلة في مجال الزمن، حيث تتسم ببناء درامي واضح أحيانا، ومثلها المعروف: إغراق ضحية بمخاوف معينة، أو آمال، أو توقعات، بحيث يتصرف على أساسها، ويتخذ خطوات ليتجنب شرا متوقعا، أو يفيد من خير منتظر.(19) و"لكن أفعاله لا تؤدي إلا إلى حصره في سلسلة من الأسباب، تؤدي به إلى سقوطه المحتوم". (20)
ومن هنا يتبين لنا أهمية مفارقة الحدث، وموازاتها للمفارقة الدرامية، مع فارق الاختلاف البسيط بين النوعين.
تتشكل أحداث مسرحية (مع الفجر جاء، مع الفجر راح) على مفارقة، مفادها أن شخصية (الأم) فُقد ابنها في الحرب، تاركا زوجته وابنه يعيشان مع والدته، لذلك لا ترغب الأم في زيارات أحد أقارب زوجة ابنها إليها، مع شكّها في عشقه لها، وكانت النهاية أنها قتلت ولدها، بعد عودته من الحرب، ظنا منها بأنه الرجل الذي يزور زوجة ابنها:
"... (ضربات متتالية كأنها تضرب شخصا ماثلا أمامها. طرق خفيف على الباب من الخارج) جاء الوغد (تسد باب المطبخ) ادفع الباب أيها الوغد إنه مفتوح .. عشيقتك تركته لك مفتوحا، كما اتفقتما.. ( يفتح الباب برفق شديد، يدخل شخص بهدوء وحذر، يسدّ الباب خلفه، يتوجه مباشرة نحو غرفة (سحر).. من بين أسنانها: ما هذا لقد غير ملابسه.. جاء متنكرا.. ( الشخص يعالج فتح باب غرفة (سحر)، بسرعة خارقة، تدفع عربتها نحوه، تنقض قوية بالفأس على رأسه، تندّ من الشخص صرخة قوية.. أخ ) أخ ؟ أخ فقط ؟ خذ المزيد أيها النذل.. أيها الوغد.. (يسقط الشخص على الباب فيفتح، تقفز سحر من فراشها .. نحو الباب)
سحر: آه .. يا إلهي  رررشيد .. ررشيد .. ( ترتمي فوقه )
العجوز: رررشيد .. ا .. ا .. ابني ؟ ( تنهض واقفة على قدميها. تسقط فوق الجثة.
سحر: آه .. أيتها التعيسة" .(21)

3-المفارقة الرومانسية:
تعد المفارقة الرومانسية نوعا أساسيا من أنواع المفارقة الموقفية، إذ تُعد نوعا من الكتابة، يقوم فيه الكاتب ببناء هيكل فني وهمي.(22) ثم يقوم الكاتب فجأة بتدمير هذا الوهم وتحطيمه، من خلال تغيير أو انقلاب في النبرة، أو الأسلوب، أو من خلال ملاحظة ذاتية سريعة وعابرة، أو من خلال فكرة عاطفية عنيفة ومناقضة. (23)  أو "بشكل أكثر تحديدا، يمكن القول إن المفارقة الرومانسية تعبير عن موقف تتمثل فيه المفارقة، ويعكس المتناقضات"(24).
تتجلى المفارقة الرومانسية على لسان شخصية ( المذيع ) في مسرحية (الجنزير) لمحي الدين زنكنة:
".. وآن لنا أن ندخل التاريخ من أوسع أبوابه، بقوة الأجداد الحية أبدا ( موسيقى )، فقد أمرت الحكومة أن يتبادر، على الفور، إلى استحداث وزارة استثنائية، ذات صلاحيات مادية ومعنوية، تشريعية وتنفيذية، بلا حدود، تحت اسم: وزارة الدعاية والإعلان.. "(25)
نلحظ أن المفارقة الرومانسية تجلت في الوهم والتفخيم الذي أُسس له، حتى يـُتصور أن الحدث كبير جدا، وأن الإنجاز سيكون مهما: ( ندخل التاريخ / وزارة استثنائية / تشريعية وتنفيذية / بلا حدود) غير أن الوهم كُسر بذكر اسم الوزارة ( الدعاية والإعلان )، وهي ليست بمستوى الوهم، والكلام الذي بُني عليه.

الهوامش:
  1. ينظر: الشعر والتلقي ( دراسات نقدية )، د.علي جعفر العلاق، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان، ط1، 1997، ص173.
  2. ينظر: في نظرية العنوان ( مغامرة تأويلية في شؤون العتبة النصية )، التكوين للتأليف والترجمة والنشر، دمشق، ط1، 2007 م، ص420.
  3. الأعمال الكاملة لمسرحيات محي الدين زنكنة، منشورات مركز طلاويَذ الأدبي والثقافي، السليمانية، 2004 م ، ص5 .
  4. الأعمال الكاملة لمسرحيات محي الدين زنكنة، منشورات مركز طلاويَذ الأدبي والثقافي، السليمانية، 2004 م ، ص45.
  5. ينظر: ثلاثة نصوص، محي الدين زنكنة، إصدارات مجلة المسرح ، السليمانية ، ط1 ، 2010 م، ص5.
  6. ينظر: جمالية الشعرية، د.خليل الموسى، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، ط1، 2008م، ص182.
  7. البناء الدرامي في مسرح محي الدين زنكنة، صباح الأنباري، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1، 2002 م ، ص95.
  8. ينظر: الشعر والتأريخ: شعرية التناص، ناظم عودة، مجلة الأقلام، العدد 7-8/ تموز - آب 1992 م، ص132.
  9. التناص في شعر الرواد ، أحمد ناهم، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 2004م ، ص20-21.
  10. بناء المفارقة في شعر ابن زيدون، د.أحمد عادل، مكتبة الآداب، القاهرة، 2009 م، ص251.
  11. مسرحيات، ( مسرحية تكلم يا حجر )، محي الدين زنكنة، دار الشؤون الثقافية العامة،  بغداد، ط1، 1994 م، ص82.
  12. سورة الشعراء : 63.
  13. ينظر: المفارقة في مقامات العصر العباسي، تغريد ضياء، (أطروحة دكتوراه )، الجامعة المستنصرية، 2003م ، ص46.
  14. ينظر: الصورة الأدبية، مصطفى ناصف، دار مصر للطباعة، ط1، 1958 م، 46 .
  15. الأعمال الكاملة لمسرحيات محي الدين زنكنة، (صراخ الصمت الأخرس)، ص253 .
  16. ينظر: بناء المفارقة في شعر ابن زيدون : ص171، نقلا عن index to the Glossary of critical concepts : dramatical irony .
  17. ينظر: المفارقة في النص الروائي، حسن حماد، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2005م، ص196 .
  18. مسرحيات، ( مسرحية العقاب): ص149 -150.
  19. ينظر: المفارقة وصفاتها، ميونك، ترجمة: د.عبد الواحد لؤلؤة، دار المأمون، بغداد، 1987 م، ص79.
  20. المصدر نفسه : ص79.
  21. عشرة نصوص مسرحية، ( مع الفجر جاء، مع الفجر راح ): ص225 – 226.
  22. ينظر: المفارقة في الشعر العربي الحديث، د.ناصر شبانة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2002م، ص69.
  23. ينظر: المفارقة والأدب :ص 33.
  24. المصدر نفسه : ص33.
  25. الأعمال الكاملة (الجنزير): ص 28.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق