الجمعة، 7 أبريل، 2017

آخر الكلام/ "يوسف أيّها الصديق أفتنا" (2-2)

محمد واني
المجتمع الذي عاش فيه (يوسف) النبـي، مجتمع بدوي مغلق، يتحكّم فيه الرجل ويقوده، ولا يوجد فيه أيّ دور للمرأة، ولا يظهر في السرد القصصي دور (أمّ يوسف)، حتّى وهي في أوج حزنها وألمها على فلذة كبدها، الذي اختفى فجأة أمام عينيها، ولم يعد له أثر.. الأب (يعقوب) هو الذي يبكي ويحزن، ويشعر بمرارة فقدانه، وعذاب فراقه، حتّى ابيضّت عيناه من الحزن.. رغم أن الأمّ - بطبيعتها التي خلقها الله عليها- هي الأكثر انجذابا وحنانا للأولاد من الأب، ولكن في المجتمعات التي تعتمد على القوّة والبطش والعمل الشاقّ، ولديها عادات وتقاليد أخلاقيّة خاصة حيال المرأة، يختفي دور المرأة، التي ترمز عادة إلى الضعف والاستكانة وقلّة الحيلة.. قد تبكي وتتلّوى، ولكن في سرّها، وليس بشكل علني، مثل يعقوب..
وهذا الأمر يتكرّر أيضاً في قصّة (إبراهيم) عليه الصلاة والسلام مع ابنه في مسألة الذبح، فلا يوجد أيّ دور لـ(أمّ إسماعيل) فيها، ولا تبدي أيّ موقف حيال الأمر - سواء سلباً أو إيجاباً - ولكنّنا نفهم من سياق القصة أنّها استسلمت لمشيئة الله، ورضيت بقدرها، ولكن لا حضور لها في المشهد أبداً.. أخوة يوسف، رغم امتلاكهم للقوّة الجسديّة والعدديّة، ولكنّهم يشعرون في قرارة أنفسهم بخواء عاطفي لا يحتمل، وكلّ يوم يزداد هذا الشعور، ويتفاقم، مع ازدياد اهتمام الأب بأخيهم الصغير، وإظهار حبّه له بصورة علنية.. والأسوء أنهم توصّلوا إلى نتيجة، وهي أن (يوسف) - بكلّ ضعفه وصغره- أقوى منهم بكثير، لذلك اتّفقوا على التخلّص منه، ومن هذا الشعور الفظيع الذي ينخر فيهم ويعذّبهم.. كان على (يوسف) الصغير، وهو محاط بحب الأب، ودفئه، أن يشقّ طريقه لوحده، في رحلة حياة قاسية، بدأها في غياهب (بئر)، ومنها أرسل بشعاع نور إلى المنطقة.. وكان أخوة يوسف على حقّ تماماً عندما رأوا أن أخاهم الصغير، هو أقوى منهم رغم أنهم عصبة، وقد برهنت الأيام القادمة، المليئة بالتحدّيات والصراعات المريرة، أن الطفل الصغير يملك شخصية قوية، وإرادة لا تلين أمام مغريات الحياة، ومباهجها، في المجتمع المخمليّ الذي انتقل إليه (المال، والجاه، والنساء، والسلطة).. كلّ ما يتمنّاه المرء، ويسعى إليه، ويضحّي من أجله بالغالي والنفيس، أتاه جاهزاً على طبق من ذهب، ولكنّه رفضه كلّه، لأنّ له مفهوماً آخر مغايراً لمفاهيم المجتمع الانحلالي لهذه الأشياء، التي هي في أصلها وأساسها ليست حراماً، بدليل أنه أحبّ النساء، وتزوّج، ووصل إلى أعلى مراتب الجاه والسلطة، ولكن في إطار الشرع والقوانين والالتزام..

باختصار أحدث (يوسف) في (مصر) انقلاباً شاملاً، وانتشلها من الضياع والتيه والجوع والجهل.. أصلح كلّ شيء في وقت قياسي، وعالج كلّ مشاكلها بحكمة ربانية، وبصيرة نورانية.. فما أحوجنا اليوم إلى رجل مبارك مثله، لينقذنا من الضياع والفوضى التي نغوص فيها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق