الجمعة، 7 أبريل، 2017

ندوة الحوار/ جدليّة العلاقة بين الدعوة والسياسة في الفكر الإسلامي

أدار الندوة، وأعدها باللغة العربية: سرهد أحمد
 يشهد التيار الإسلامي جدلاً داخلياً حول علاقة الدعوة بالسياسة، خاصة في ظلّ التحولات التنظيمية والفكرية الكبيرة التي يواجهها التيار، ونتيجة لذلك تلوح بوادر الدعوة لفصل العمل الدعوي – الديني عن النشاط السياسي والممارسة الحزبية، وانتقلت هذه الدعوة من مجرد خطاب ونظرية إلى فعل وواقع عملي لدى العديد من الاتجاهات الإسلامية في العالمين الإسلامي والعربي، في مقابل بقاء حركات أخرى على منهج الدمج وعدم الفصل بين الدعوي والسياسي.
والنظرية الإسلامية مليئة بالمفاهيم المتعلّقة بالدعوة والسياسة، فرغم تأكيدها لعقود خلت على الأخذ بهما بتواز، وعدم تغليب أحدهما على الآخر، ربما الحجّة في ذلك مقتضيات فرضتها ظروف المرحلة آنذاك، لكنها لم تغفل الإشارة في بعض متونها إلى الفصل بين الممارستين، إذا ما اقتضت الضرورة ذلك، لكن بوتيرة أقلّ، إلى أنْ أصبح الفصل مطلباً مهيمناً، وبات حيزاً يتّسع شيئاً فشيئاً في النظرية الإسلامية، حتى تجاوز ذلك إلى الفعل الملموس والعمل المتجسّد.
وابتداءاً يدور السؤال عن نوع العلاقة بين الدعوة والسياسة، وماهيّتها؟ وهل تستمر العلاقة في تناغم؟ أم أن الفصل هو مصير هذه العلاقة؟ وما حجّة دعاة الفصل؟ وما مشروعية هذا الفعل؟ وما هي دوافعه؟ وهل تنجح الأحزاب الإسلامية الحداثوية، المتبنيّة لمنهج الفصل، في تصدّر المشهد من جديد، بعد تراجعها خطوات لأسباب موضوعية أكثر منها ذاتية؟ ولماذا تتمسّك اتّجاهات إسلامية أخرى بمنهج الدمج والإصرار على المضيّ في ذات الفعل القديم؟
وللإحاطة بهذا الموضوع الحيويّ والتفاعليّ الهام تعقد مجلة (الحوار) ندوتها الفكرية الثالثة تحت عنوان: (جدليّة العلاقة بين الدعوة والسياسة في الفكر الإسلامي). ويشارك في الندوة مجموعة من الأساتذة المهتمين بالفكر، وهم كلّ من: (سالم الحاج) رئيس تحرير مجلة (الحوار)، و(علي صالح ميران) رئيس تحرير مجلة (پَيامي راستي)، و(عمر إسماعيل) مفكر وباحث، و(هيوا علي) أكاديمي وباحث اجتماعي، و(عبد اللطيف ياسين) باحث في الفكر الإسلامي، و(هيوا حامد) كاتب وباحث قانوني.
sالحوار: كيف يمكن التعبير عن العلاقة بين الدعوة والسياسة؟
sالأستاذ عمر إسماعيل:
 بسم الله الرحمن الرحيم، شكراً على تنظيم هذه الندوة، وطرح هذا الموضوع، لأنّه موضوع حيوي للغاية، ولاعتباره طرحاً له صداه ويلقى اهتماماً لدى أوساط كثيرة. ومن منطلق متابعاتي لتجربة العمل الإسلامي في الدول الأخرى، وملاحظاتي عليها، أرى ضرورة تصنيف العلاقة بين الدعوة والسياسة إلى ثلاث مستويات: الأول: العلاقة التداخليّة بين الدعوة والسياسة، أو التداخل بين التديّن والممارسة السياسية بمعناهما الواسع والخاص. ويمكن أن أضرب مثلاً بسيطاً بعملية (خلط السكر بالشاي)، هل فصلهما بعد ذلك عملية سهلة؟ الجواب: لا بتاتاً.. وأمّا المستوى الثاني: فهو الفصل القاطع بين الدين، بمعناه الضيّق الخاص، أيْ العلاقة بين الله والإنسان، والمستوى الثالث: هو التمييز بين الدعوة والسياسة، بمعنى التوزيع التخصّصي والمؤسّسي، أو الوظيفي والفني، والمستوى الأخير يمكن الأخذ به والاستناد إليه.

sالأستاذ علي صالح ميران:
 هنا المقصود بالعلاقة بين الدعوة والسياسة، هي الدعوة الإسلامية والسياسة الإسلامية، فإذا كّنا نتحدّث عن دعوة وممارسة سياسية أخرى، فإنّ شكل العلاقة يكون مختلفاً، وعليه يكون التعريف مختلفاً أيضاً عن شكل وتعريف العلاقة في مقصدنا الأول. وأنا متّفق مع طرح الأستاذ (عمر إسماعيل)، في أنّ العلاقة بين الدعوة الإسلامية والسياسة علاقة تداخلية ترابطية، والمطلوب إعادة هيكلة هذه العلاقة بشكل يفضي إلى توزيع الأدوار على أفراد العمل الإسلامي، كلٌّ حسب تخصّصه، بحيث يؤدّي كلّ فرد دوره ضمن حدود اختصاصاته. ورغم أن المقصود بالدعوة في الفكر الإسلامي هو التربية والتنشئة وفق العقيدة والقيم الإسلامية، فهذا لا يعني أن الممارسة السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية هي بمعزل عن الدين والدعوة. ونحن نقف بالضدّ من عملية فصل الدين عن السياسة، كما ينادي بذلك العلمانيون في مجتمعاتنا، لقياسهم الخاطىء على المجتمعات الغربيّة.

sالأستاذ عبد اللطيف ياسين:
 إذا نظرنا لتاريخ البشرية نرى بجلاء الممارسة الإنسانية للسياسات، على المستويين الداخلي والخارجي، في إطار الدولة.. وهذه السياسات كانت ذات سمة دينية في الغالب. وعلى مرّ العصور خضعت الدولة للدين، وانعكس ذلك حتى على بناء علاقاتها السياسية مع محيطها، وهنا أقصد العصور التي سبقت الإسلام، مثل اليونانية والرومانية وغيرها، فصاغت تلكم الدول سياستها مع محيطها وفقاً للدين، مع الاختلاف في مستوى حضور الدين، لكن في المحصلّة النهائية هو الحضور الذي لا خلاف عليه. وقد تطرّق إلى ذلك الدكتور (عبدالخالق نواوي)، في مؤلّفه: (العلاقات الدولية في الشريعة الإسلامية)..
 وبشأن الدعوة، بمفهومها العام أو اللغوي المطلق، فأرى أنّ لجميع الأديان دعوات دون استثناء، أيْ إنّ الدعوة لم تنسلخ عن الدين، بل هناك تلازم بينهما.. وعليه أصبحت السياسة مكوّناً أساسياً في البنيان الديني وتركيبته وخطابه، وبناء على ذلك لا يمكن فصل الدعوة عن السياسة بين عشيّة وضحاها، لأنه كما أسلفنا القول بأن العلاقة بين الدعوة والسياسة متجذّرة.. وحين نتناول مفهوم الدعوة والسياسة تظهر لنا العلاقة في جزئين، كما أشار إلى ذلك الدكتور (جاسم سلطان)، وهي إنّ أيّ مفهوم أو فكر ينحصر في إطار الفرد الواحد، فلن تكون هناك دعوة، طالما أنّ الفكرة ظلّت كامنة في نفس الفرد، ولكن حينما يعرض الفرد الفكرة أو المفهوم على أفراد آخرين، ويقوم باستقطابهم، فهو بذلك يكون قد مارس الدعوة أوتوماتيكيّاً، وإذا اتّسعت دائرة السعي لنشر الفكرة في شريحة أكبر، وتشكّلت وفق ذلك كتلة مؤثرة، حين ذاك ننتقل إلى نوع من التوظيف السياسي للفكرة.. وخلاصة القول هي إن الدعوة فعل بشري مقصود، الغرض منه تنشئة مجموعة متماثلة في تبنّي فكرة أو منهج ما، وأمّا السياسة فهي عملية إيصال الدعوة وتطبيق مضامينها. وهذا الربط بين الاثنين ربط عضوي، تاريخي، توجيهي.

sالأستاذ هيوا علي:
 بسم الله الرحمن الرحيم، بداية أشكر الأساتذة الحضور، وأستهلّ كلامي بالتأكيد على أهمية تعريف مصطلحي (الدعوة) و(السياسة) ليتشكّل لدينا منظور موضوعي حين نخوض في الحديث حول مفاهيم المصطلحين نفسيهما، وحين نتعرّض لتعريف الدين ككلّ، باعتباره فوق الفعل البشري.. السؤال هو: كيف يكون التعريف؟ هل نتمسّك بالتعريف الإطلاقي، أم بالتعريف التخصيصي؟ هل نأخذ بالحدّ الأعلى للتعريف، أم بالحدّ الأدنى منه؟ ومن هذا المنطلق نواجه إشكاليّة في تعريف الدين: هل الدين يشمل الحياة كلّها؟ وهذا هو الحدّ الأعلى للتعريف الإطلاقي الدين، أم إنّه ينحصر في جزء من الحياة، ويسيرها؟ وهذا هو الحدّ الأدنى (التعريف التخصيصي) للدين. ففي التعريف الأول لا يمكن فصل الدين عن مناحي الحياة، لا سيّما السياسة، أيْ إنّ السياسة جزء من الدين كمنظومة لا يمكن تجزئتها.. أمّا في التعريف الثاني، فيظهر الدين كعلاقة بين الله والإنسان، لا دخل لأحد بها.
وحول مفهوم الدعوة والسياسة، ونوع العلاقة بينهما، أرى أنّ الدعوة هي المحاولة لإيجاد ارتباط الإنسان بالله سبحانه وتعالى. أما الأهم من السؤال فهو التعمّق في معنى الدعوة، لأن الدعوة تكون بالفعل والقول والمعنى. فالدعوة لذلك تكون متناسبة مع الحالة التي فيها الإنسان. فأنا كأستاذ جامعي، وفي الموقف الذي أنا موجود فيه، يصبح على عاتقي أن أحتسب ذلك دعوة إلى الله، إذا نويت بذلك رضى الله سبحانه وتعالى. لذلك أنا مع توسيع وتطوير مفهوم الدعوة حسب الظروف الزمانية والمكانية. أمّا السياسة، فهي مرتبطة بالدرجة الأولى بالعقل والإدارة، كما أشار إلى ذلك العالم السوسيولوجي الفرنسي (ماكس فيبر). تعني السياسة بهذا المنظور، أن نتعامل مع الظروف والشروط المكانية والزمانية وفق معطيات ومفروضات العقل. وكما نعلم أن (ماكس فيبر) (Max Weber) يعتقد بأن العلم هو الذي يستطيع إزالة الغطاء السحري عن العالم. ويفيدنا هذا المفهوم أن نتعامل مع الواقع الاجتماعي على أنه يمكن فهمه وفق المعايير العقلية العلمية. وكما هو مشهور عن تعريف السياسة بأنها فن إدارة الأمور، فكيف يمكن إدارة الأمور الحياتية بدون الفهم العقلي والواقعي لها؟ فلا يمكن إدارة أمور الحياة وفق المنظور السحري، الذي يسعى إلى إعطاء تفسيرات ماورائية للواقع العملي المتداول بين أيدينا. وأرجو أن لا يساء فهم ما قلتُ، فالسياسة - بالدرجة الأولى - هي فعل العقل الإنساني، ولا يمكن أن يكون هناك سياسة إسلامية، بل الأصح أن نقول سياسة عقلية إنسانية، قابلة للخطأ، وليس ما ورائية.. ونستنتج مما سبق بأن الدعوة والسياسة شيئان منفصلان على المستوى النظري والواقعي. فالدعوة إلى ماذا؟ حسب اعتقادنا، لا يمكن أن ندعو الناس إلى شيء دنيوي (أو ما دون الله). فلا يمكن أن نربط الدعوة بالسياسة، لأن السياسة مرتبطة بما دون الله، أي: العالم الإنساني. فإذا رأى باحث ما بأن ندعو إلى الله على أساس العقل والعلم، فلا بأس بذلك، أما كيف تكون النتيجة، بلا شك النتيجة غير ما نتوقع: فالإنسان لا يرتبط بالله، بل يرتبط بما دون الله. فالعقل عاجز عن فهم هذه الرابطة، لأن العقل يفهم ما بوسعه..

sالأستاذ سالم الحاج:
بسم الله الرحمن الرحيم، استكمالاً لما تفضّل به الأساتذة الحضور، إذا عدنا إلى التاريخ القديم، نلحظ أنّ لكل أمّة من الأمم نبـي أو رسول، و(القرآن الكريم) في مجمله حين يتحدّث عن وظيفة الأنبياء، فهو يحدّدها بإطار الدعوة والتبليغ، وقليل من الأنبياء والرسل حازوا الملك، ومارسوا السياسة. يقول الله تعالى على لسان موسى عليه السلام: [وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ]. وبذلك نفهم أن أصل الدين ليس متلازماً مع الملك (أو السياسة)، كما يشير القرآن، وكما هو معلوم من حياة الأنبياء وتاريخهم، ونفهم أن السياسة (أو قل: السلطة، أو الحكم، أو الدولة، سمّها ما شئت)، ليست ملازمة أو ضرورة لا فكاك عنها بالنسبة للدين.. ولو كان غير ذلك، لما رأينا الأنبياء إلا ملوكاً وساسة!!.. أمّا إذا تحدّثنا عن الإسلام، الذي تتجلى فيه بشكل أوضح مسألة اقتران إقامة الدين بإقامة السلطة السياسية، فالعلاقة بين الدعوة والسياسة هي علاقة بين وحدتين أو وظيفتين، فالرسول (عليه الصلاة والسلام) كان قائماً بالدّين، بصفة الرسالة والوحي الإلهي، وإلى جانب ذلك كان (عليه الصلاة والسلام) يمارس السياسة، وتسيير شؤون العامة، باعتبار ذلك جزءاً من مسؤولياته.. ولكن هل استطاع الخلفاء من بعده حيازة السلطتين الدينية والزمنية بأيديهم؟! وهذا بحث آخر نحتاج إلى التأملّ فيه.. وما أقصده في مسألة علاقة الدين (أو الدعوة) بالسياسة، هو أنّ العلاقة موجودة أصلاً، لكن الوظيفة الأساسيّة للدين (أو الدعوة) هي تبليغ الدين، أمّا السياسة فهي أيضاً وظيفة، على المسلمين ممارستها وإقامتها، ولكنّها تأتي بحكم (ما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب).. وأعتقد أنّ الرسول (عليه الصلاة والسلام) مارس السياسة من هذا المنطلق، ولم يكن مطلوباً منه شرعاً القيام بذلك، بدليل أنّ أغلب الأنبياء والرسل لم يمارسوها (أيْ: السياسة، بمعنى الحكم والسلطة)، كما استدلننا بالآية القرآنية. لكن الأمر يختلف مع الرسول (عليه الصلاة والسلام)، فهو قد مارس السلطتين الدينية والدنيوية، فالأولى اتّسمت بالقدسيّة، لعلاقتها بالوحي، والثانية لم تكن مقدّسة، لأنّها عمل بشريّ معرّض للخطأ والصواب، وقابل للمراجعة (وهذا ما أدركه الصحابة جيّداً، وعملوا على أساسه).
sأستاذ هيوا حامد:
 بسم الله الرحمن الرحيم، سأجيب على هذا السؤال بـثلاث نقاط، النقطة الأولى: ضرورة معرفة الخلفيّة التاريخية لظهور هذه الإشكاليّة. والنقطة الثانية: تحديد إطار هذه الإشكاليّة، ومناقشتها. والنقطة الثالثة: وجوب تعريف المصطلحات لفهم المراد منها.. وأردف قولي بالسؤال: أين المشكلة؟ وأتبع سؤالي بالجواب التالي: إن المشكلة تكمن في سوء الفهم، وشكل عرض المشكلة نفسها! وعلى هذا الأساس أرى بأنّ هذا العرض للعلاقة بين الدعوة والسياسة، ليس عرضاً طبيعيّاً وسليماً، بل هو عرض خاطئ.. فلو تحدّثنا عن العلاقة بين الدين والسياسة، فإنّ هذه الحالة لها فرضية أخرى، وتحليل آخر، وإذا تناولنا الدعوة كجزء من الدين، فذاك موضوع آخر أيضاً. والحديث عن السياسة كمؤسّسة، موضوع مختلف كذلك، لأن الحزب السياسي ليس وحده يمارس العمل السياسي، فهناك قنوات أخرى تمارس السياسة، وهي موجودة كمؤسّسات سياسيّة، مثلاً (الحكومة) تمارس السياسة، وكذلك النخبة، وجماعات الضغط، والإعلام، جميعها تمارس السياسة بشكل من الأشكال.. والدعوة بحدّ ذاتها ممارسة للسياسة، فالدعوة هي سياسة، والسياسة هي دعوة، ولا يمكن أنْ نفصل بينهما إطلاقاً.. لكنّ الحديث عن الدعوة والعمل الحزبي يحتمل النقاش، لماذا؟ لأنّه إذا كان المقصود بالدعوة، هي الدعوة إلى عمل منظّم ومؤسّساتي موجّه إلى الناس للالتزام بالعقيدة والقيم والأخلاق والعبادات، فعليه يمكن لأيّ شخص كان، في أيّ مؤسسة من المؤسسات، سياسيّة كانت أو غير سياسيّة، أن يكون ملتزماً بالدعوة.. لكن أيّ نوع من الدعوة؟ هنا تبرز الإشكاليّة: فإذا كان الاعتقاد السائد - على سبيل المثال – بأنّ وجود شخص في منصب وزير بإحدى وزارات الحكومة، يجعله ملزماً بتعليم الناس الصلاة، فهذا اعتقاد خاطئ.. إذ الدعوة التي يقوم بها الوزير الذي هو في سدّة الحكم، هي الدعوة إلى العدل، من خلال انتهاجه للقيم في الالتزام الوظيفي.   
وكل حزب سياسي، وأحياناً تيار سياسي، ينشأ من ظروف معينة، فنراه معبئاً بمعطيات بيئته، ومثال على ذلك: الحركات الإسلامية بعد سقوط الخلافة، خاصة الحركة الإسلامية في مصر وباكستان، وإلى حدّ ما في تركيا، حيث نشأت في ظروف كانت فيها الهويّة الإسلامية تواجه تهديداً بالطمس، لذلك فالشخوص التي مارست العمل السياسي، عملت على دمج الدعوة بالسياسة، وهذا الفعل كان طبيعياً، فالحزب السياسي في الدولة المحتلة يتبنى الخطاب والعمل المقاوم، وهذا ما ظهر في العالم العربي والإسلامي.. بينما - مثلاً - الأحزاب السياسية في أفريقيا، حيث ساد نظام الفصل العنصري، تبنّت نوعاً من النضال ضد ذاك النظام.. والآن في أوروبّا حيث البيئة في خطر، نرى أحزاباً أوروبيّة معبئة بأفكار الحفاظ على البيئة، مثلاً حزب الخضر الألماني..
 وختام القول هو إن العمل الإسلامي المعاصر خضع لتأثيرات كبيرة، جعلته يكتسب طابعاً خاصاً، فالخلافة تعرّضت للسقوط، والهوية الإسلامية واجهت هجمة المحو والطمس، والاستعمار هيمن على العالم الإسلامي، والاستشراق ينشر أفكاره في المجتمع الإسلامي.. ومن وجهة نظري كان الأجدى أن يكون عنوان الندوة: (تنظيم العلاقة بين الدعوة والسياسة).

الحوار: ما هو الأساس النظري والعملي للعلاقة بين الدعوة والسياسة؟
 sالأستاذ عمر إسماعيل:
 في الحقيقة لا يمكنني الإجابة عن هذا السؤال بسهولة، لأن الحديث عن العلاقة بين الدعوة والسياسة، كما أشار إليه الأساتذة، يقودنا إلى جذور موضوع جدلي رئيس، وهو العلاقة بين الدين والسياسة، وأنا لم أستعرض وجهة نظري بعد حياله، وكانت إجابتي على السؤال الأوّل هي وجود علاقة وطيدة بين الدعوة والسياسة، وهذه العلاقة مبنيّة على أساس تخصّصي، تمييزي، فنّي، مؤسّسي.. وبالنسبة للعلاقة بين الدين، بمعناه العام، مع السياسة، فهي علاقة كانت - ولا تزال - قائمة على نوع من التداخل، فقد كان البنيان الفلسفي والوظيفي للحضارات القديمة قائماً على الدين، فالحضارة الصينية تأثّرت بالمعتقدات الكونفوشيوسية، والحضارتان الفارسية والرومانية شكّل الدين المجوسي والوثني جزءاً من فلسفتهما العقدية، وسلوكهما السياسي.. وعليه، فإنّ أيّ حضارة أو دولة أو مجتمع، لم تكن بمعزل عن مؤثرات الدين في تنظيم علاقاتها الداخلية والخارجية. والأمر ينطبق أيضاً على الحضارات الحديثة القائمة حالياً.. ونعلم أن الفصل القاطع بين الدين والسياسة، نظرية نشأت نتيجة الصراع بين الكنيسة والسلطة السياسية التي كانت قائمة آنذاك في أوروبّا..
 وحول العلاقة بين الدعوة الإسلامية والسياسة، فالتمييز بين الاثنين هو الأصل، وليس الفصل بينهما.. وحين تسألني عن التأصيل، أجيب بأن هناك الأحاديث والممارسات النبوية، وأقوال الصحابة، وآراء العلماء، تدعم توجّهي. مثلاً قوله تعالى: [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِيناً]، وحديث الرسول (صلى الله عليه وسلم) في واقعة (تَأَبيرَ النَّخْلِ): "اأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُم"، ودعاؤه (عليه الصلاة والسلام): "اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي".. وبهذا الصدد أيضاً هناك أقوال العلماء، فهذا الإمام (الشاطبـي) أورد في مسألة المصالح: "أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين".. ولو طالعنا الكتب الفقهية لقدامى المسلمين، لوجدنا تصنيفاً للأعمال إلى: (أعمال تعبديّة، وأعمال عاديّة)، ويأتي ذكر (العبادة) في مقابل (المصلحة)، و(العبادات) تقابلها (المعاملات).. والإمام (الماوردي) له مؤلف مشهور، اسمه: (أدب الدنيا الدين).. وبالنسبة للدعوة، كلغة، هي عملية تقوم بها توجّهات وتجمّعات شتّى، دينية وغير دينية، لأنها - باختصار - ترويج لفكرة ما في أوساط الجماهير، بهدف كسب الأخيرة إلى جانب مروّجيها..
 وبشأن ما إذا كانت العلاقة بين الدعوة والسياسة قائمة على فصل المقدّس عن غير المقدّس، أنا لست مع هذا الطرح إطلاقاً، لأنّ السياسة ممارسة تستمد ديموتها من القيم التي تنادي بها الدعوة ذاتها.

sالأستاذ علي صالح ميران:
 أشعر أننا وسّعنا دائرة الموضوع أكثر من اللازم، وأقول باختصار: إن بعض الأحزاب الإسلامية يحاول فصل الدعوة عن ممارستها السياسية، وهذا لبّ الموضوع ومحوره الأساسي، الذي من أجله عقدنا هذه الندوة، فمنهم من يـُنظّر للفصل، ويطبّقه حالياً، وآخرون يرفضون الفصل..
 وبالنسبة للأساس النظري للعلاقة بين الدعوة والسياسة، سواء المتعلّق بالفصل التام، أو المتعلّق بالتمييز الوظيفي والتخصصي، ليست لديّ معرفة تفصيليّة بذلك، لكني مع عدم الفصل، وأقول بأن هناك تداخلاً وظيفياً بين الدعوة والسياسة، فهناك دعاة يمارسون السياسة وهم لا يجيدون من أمرها شيئاً، والعكس كذلك صحيح. وهذا الخلط بحدّ ذاته مصدر لكثير من المشكلات. الرسول (عليه الصلاة والسلام) مارس الدعوة والسياسة معاً، لكن هذه الحالة استثناء. ومن جهة أخرى، تختلف ممارسة الدعوة من قبل الدولة، عنها لدى الحزب السياسي، ويمكن أن يكون الناس جميعهم دعاة، ولكن ليس كلّ الناس يمارسون السياسة، فالمشتغلون بالسياسة هم نخبة من الناس.. والدعوة غير السياسة، فالأخيرة وثيقة الصلة بالمناورة، فإذا شابت الدعوة المناورة انفضّ الناس من حولها.
وأودّ أنْ أشخّص في هذا المقام حالة، وهي وجود بعض الأحزاب الإسلامية التي تمارس الدعوة والسياسة دون توزيع تخصّصي، نراها سجّلت إخفاقات في المجالين، فلا هي نجحت في أداء مهام الدعوة، ولا هي تقدّمت في ممارسة السياسة.

 sالأستاذ عبد اللطيف ياسين:
 أتّفق مع توجه الأستاذ عمر إسماعيل بشأن التمييز التخصّصي والمؤسّسي بين الدعوة والسياسة، والأمثلة التي أوردها من النصوص النبويّة والتراث الفقهي لقدامى المسلمين حول تلازم الدعوة والسياسة.. لكن في ذات الوقت يجب إعادة توزيع التخصّصات على المشتغلين في المجالين، لأنّ التخصّص هو الأصل، وهناك الكثير من الأحاديث والنصوص الشرعية والأقوال الفقهية تثبت ذلك.. وأشير إلى أنّه قبل سقوط الخلافة العثمانية بأكثر من خمسين سنة ظهرت على العالم الإسلامي مظاهر الإنهاك، نتيجة جملة من التحديات الخطيرة، وأبرزها تأثّر النخبة السياسية بالأفكار الغربية حيال الدين والسياسة.. وأعتقد أنّ جدليّة العلاقة ليست بين الدعوة والسياسة، بل بين الحزب والدعوة، وهذا هو التحديد الدقيق لأصل الموضوع.
جميع التجارب الإسلامية، على امتداد التاريخ المعاصر، ولدت من رحم الأزمات، فجماعة (الإخوان المسلمين)، وهي المدرسة الإسلامية الاعتدالية المقاصدية الكبرى، نشأت في أجواء من الأزمات التي كانت تخنق معظم مجالات الحياة في (مصر) آنذاك، وسبق ذلك إعلان الإمام (البنا) عن تأسيس جمعية (الشبان المسلمين)، بعد فترة وجيزة من سقوط الخلافة.. فولادة هذه الجماعة كانت في ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية سيّئة للغاية، حتى المؤسسات العلمية تعرّضت للاستهلاك.. وأدرك (بديع الزمان سعيد النورسي) هذا الأمر الجلل، وتألمّ لذلك كثيراً، فكان ينادي بالتجديد لانتشال الأمة من التخلّف والتبعية.. وفي وقتنا الراهن هناك تجارب إسلامية فصلت العمل الدعوي عن الممارسة السياسية، بعضها حالفها النجاح، مثل التجربة الإسلامية في تونس والمغرب، وأخرى لم تنجح مثل التجارب الإسلامية في الأردن ومصر والعراق. وللبيئة السياسية، والأرضية المجتمعية، دور كبير في حالتي النجاح أو الاخفاق في الفصل، ولا أحسب أن سبب الاخفاق أو النجاح مردّه العقليات التي تقود تلكم الحركات، بل الأمر أوسع من ذلك.

sالأستاذ هيوا علي:
هنا لا بدّ من الإشارة إلى نوعين من الأسس: الأساس التراثي، والأساس التجديدي: وقد أشار الأستاذ عمر إسماعيل إلى الأساس التراثي، حيث هناك شواهد في تاريخ المسلمين بالفصل الوظيفي للسياسة والدعوة. وأنا مع هذا الفصل الوظيفي. وأرى أن الشيء الضروري قبل ذلك الفصل، هو إعداد العدّة في مجال التخصصات العلمية، وإعداد المتخصصين بالعلوم الجديدة، خاصة العلوم الاجتماعية. إن التخصّص يهيء الظروف المناسبة للتمايز والتقسيم الوظيفي. وأرى أن الإسلاميين لا يزال ينقصهم علماء وباحثون متخصّصون بالعلوم الاجتماعية والعلوم النفسية والعلوم الاقتصادية والعلوم الإدارية. الشيء الغريب هو أنه يوجد متخصصون في بعض المجالات، ولكن لا يرى لهؤلاء أثر أو مكانة في إعداد السياسات والبنى التطويرية للحزب..
ورغم وجود الأساس النظري والعملي للتمييز التخصّصي والمؤسّسي للدعوة والسياسة معاً، كما تفضّل بذلك الأستاذة، وأوردوا على ذلك نصوصاً شرعيّة وأمثلة من التراث الفقهي والمعرفي الإسلامي، لكن السؤال هو: لماذا لا نقدم على هذه الخطوة ؟ هل هناك مخاوف من الإقدام عليها؟.. وفق قراءتي تدلّ المؤشرات على أن هناك بالفعل مخاوف، ربّما حجّة القائمين على العمل الإسلامي في ذلك هي درء المفسدة، أيْ أنْ يفضي فصل الدعوة عن السياسة إلى فصل الدين عن السياسة، حينها ستحلّ الكارثة وتفنّد نظرية (الإسلام نظام حياة) التي تأخذ بها الآن، وتلقى نفس مصير المسيحية في الغرب، مع الفارق بين الدينين. وأرى أن استمرار هذا التداخل الوظيفي الحالي بين الدعوة والسياسة، سيذهب بالدعوة والسياسة معاً، لأنّ الداعية يعجز عن ممارسة السياسة، والسياسي يعجز عن ممارسة الدعوة، التي هي مجموعة مفاهيم وقيم عليّا موجّهة إلى الناس. وأجدّد التأكيد على أن هناك مخاوف متوّهمة من فصل الدعوة عن السياسة، رغم وجود الأرضيّة النظرية لتبنّي هذا المنهج.
sالأستاذ سالم الحاج:
تأكيداً على ما سبق من الحديث حول السلطتين الدينية والزمنية، فلقد كان الرسول (عليه الصلاة والسلام)، إلى جانب حيازته ما يمكن تسميته بـ(السلطة الدينية)، فإنه قد مارس السلطة الزمنيّة (السياسة والحكم)، ولم يحز أحد من بعده تلكم السلطتين، ولا يجوز لهم ذلك، إذ لا يوجد في الإسلام مؤسسات تمثّل الدين، ومن ثم لا توجد سلطة دنيوية وأخرى روحيّة. ونحن إذ استعملنا عبارتي السلطة الزمنية والسلطة الدينية في حديثنا كان لمجرد تقريب الموضوع للأفهام لا أكثر. فالرسول (صلى الله عليه وسلم) كان المرجع والممثّل الوحيد للدين، والآن (القرآن الكريم) هو من يمثّل الدين، وهو المقدّس الذي لا جدال فيه.. ولو تمعّنا في بعض مراحل التاريخ الإسلامي لتبيّن لنا كيف أنّ معظم الخلفاء، باستثناء الخلفاء الراشدين (رضي الله عنهم)، تعمّدوا استغلال السلطة الدينية، لتثبيت دعائم ملكهم، وليبرّروا العديد من الممارسات الاستبدادية والمسلكيات التسلّطية، فكانوا غالباً ما يسفكون الدماء بغير وجه حق، ويبدّدون أموال المسلمين على الباطل، ولم يتجرّأ أحد على الوقوف بوجوههم.. وهناك أمثلة صادمة من العصرين الأموي والعباسي، وغيرها.. وحين سقطت الخلافة العباسية في بغداد، حاول البعض إحياءها في مصر، وبالفعل نصبوا خليفة هناك، لاعتقاد الخاصة والعامة على أنه رمز ديني، له نوع من القداسة.. حتى الحركات الإسلامية في بداية نشأتها، كانت تعتبر نفسها ممثّلة للدين، ومتحدّثة باسمه.. لكنها ما لبثت أن اتّخذت قالباً حزبياً.. وكانت الحركات الإسلامية تتبنّى خطاباً أممياً عالمياً بمعنى تمثيلها للإسلام، رغم أنها لا تمثّل سوى نفسها.. فهذا الدمج، أو المزج، بين السلطتين الدينية والزمنية، لهو جذور تاريخية عميقة، وإنْ كان غريباً عن حقيقة الإسلام..

sالأستاذ عمر إسماعيل يعلّق على فقرة في إجابة الأستاذ سالم الحاج:
كان الخليفة رمزاً لوحدة الأمة فقط، وليس رمزاً دينياًّ، وكان لهذا الرمز أهميّة في تلك الحقبة من التاريخ الإسلامي.

sالأستاذ هيوا حامد:
قبل سقوط الخلافة لم تكن هناك إشكالية بالمعنى الإشكالوي للعلاقة بين الدعوة والسياسة، لكن هذه الجدليّة ظهرت مع تبنّي الحركات الإسلامية الناشئة بعد سقوط الخلافة لمنهج الدمج بين العمل الدعوي والممارسة السياسية.. وقلنا بأن هذا الدمج جاء لظروف موضوعية بحتة. فقد كان الوجود الإسلامي والهوية الإسلامية يواجهان هجمة تغريب شرسة.. وهنا أطرح سؤالاً: هل الأحزاب الإسلامية تستمّد شرعيّتها من الله، أم من القوانين السارية في الدولة؟ فاذا كانت تستمّد شرعيتها من القوانين النافذة في الدولة، كأيّ حزب سياسي، وهي قوانين تنظّم عمل الحزب السياسي، هل حينها يكون العمل الدعوي عملاً منظّماً وفقاً للقانون؟ وأن يسري في روعنا أنه بهذه الدعوة المنظّمة قانوناً، نعمل على هداية الناس؟ فهذا محل سجال!! لأنه لو تبصّرنا في (سورة النصر): [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً]، لثبت لنا أن (النصر) و(الفتح) عملان وحركتان سياسيّتان، وليسا عملين دعويين منظّمين: فالكلمة الأولى تشير ضمناً إلى (صلح الحديبية)، والمفاوضات والدبلوماسيّة هي الوجه الناعم للسياسة.. والثانية تشير بوضوح إلى (فتح مكة)، وهو عمل عسكري، ويمثّل الوجه الخشن للسياسة.. كلتا الحركتان السياسيّتان كانتا سبباً في دخول الناس أفواجاً في دين الله.. حركتان سياسيّتان، وليستا عملان دعويّان منظّمان!!
فالدعوة لا تحتاج إلى إجازة ورخصة لممارستها، لأن الدعوة عمل مطلوب من الجميع القيام به، فالعامل في مجال عمله يجب أن يدعو إلى قيم الإتقان والإخلاص في العمل.. والسياسي هو الآخر في مجال ممارسته للسياسة يجب أن يدعو إلى العدل والشورى والمساواة.. وأضرب مثلاً بالنبـي (يوسف) (عليه السلام)، الذي لخّص مضامين دعوته حين تقلّد أرفع منصب في الدولة، بإشاعة قيم الحق والعدل والحرية، بشكل أبهر الجميع، فبدأ الناس يسألون عن مصدر تلك القيم، ولماذا تختلف عن قيم الآخرين، فشجّع هذا العمل شريحة من الناس على الإيمان بما جاء به، والانخراط في دعوته.. ونرى في زمننا الحاضر نماذج لأنظمة حكم إسلامية تطبّق نفس منهج (يوسف)، في مقابل نماذج أخرى تدّعي الإسلام، تفرض الدين بالقوّة، وتكره الناس عليه.. ونتائج كلا النموذجين شاخصة للعيان.

sالأستاذ عمر إسماعيل يعقب على إجابة الأستاذ هيوا حامد:
أنا أنفي وجود إشكالية في العلاقة بين الدعوة والسياسة، وحتى بين الدين والسياسة، لا في عصر الرسول (عليه الصلاة والسلام)، ولا في عصر الخلفاء الراشدين، وأذهب أبعد من ذلك جازماً بعدم وجود إشكالية في تلك العلاقة حتى في العصرين الأموي والعباسي والعصر العثماني، لوجود مؤسسات تعنى بحقل الدعوة وكذلك حقل السياسة، فالخلفاء والسلاطين كانوا يمارسون السياسة ويحوزون سلطة إدارة الدولة، وأمّا عملية نشر الدعوة، والقيام بمهمة التبليغ، فكانت مهمة الفقهاء والعلماء.. وكلا المؤسستين المعبّرتين عن الدعوة والسياسة كانتا تسيران في خطّ متواز، وكل مؤسسة محتفظة بتخصّصها، واستمرت هذه العلاقة على هذا المنوال إلى سقوط الخلافة العثمانية، فبدأ الجدل يثار حول العلاقة بين الدعوة والسياسة، أو الدين والسياسة، من جانب نخب تأثّرت بالفلسفات والمفاهيم والأفكار الغربية، تلكم النخب حاولت استنساخ تلك الآيديولوجيا الغربية وتجربتها الخاصة.. وباعتقادي، إن للسياسة مفهوماً أشمل في التصوّر الإسلامي، عنه في التصوّر الغربي، لأنه في هذا الأخير السياسة تعني فنّ ممارسة الحكم، وكيفيّة إدارة السلطة، وهذا الاختلاف بين التصوّرين للسياسة أشار اليه الدكتور (حامد ربيع) في كتابه (مدخل في دراسة التراث الإسلامي)، حيث يقول: "والواقع أنّ الخلط بين النظم السياسية، أيْ نظم الممارسة الحكومية ونظم التعامل الاجتماعي على مستوى العلاقات الفردية، هو دخيل على تقاليدنا الإسلامية والعربية.. الفقيه - وهذه ظاهرة عامة اشترك فيها أغلب الأمّة، وعلى وجه التحديد الأئمة الأربعة - لم يكن يسمح لنفسه بأن يتعرّض للافتاء في أيّ ناحية من نواحي السلطة، أيْ تلك التي نصفها اليوم بأنّها التعامل السياسي.. وعمليّة الربط بين المواقف الفكرية والآيديولوجية، والنظم الاجتماعية، لا تبرز إلا في المجتمعات غير الناضجة فقط". ووفق هذا الطرح ندرك أن مكمن المشكلة القائمة منذ أمد في عالمنا الإسلامي، هو اقتباس التصوّر والنموذج الغربي، ولا نجاة منها إلا بالعودة إلى التصوّر الإسلامي.

sالحوار تطرح سؤالاً ثالثاً: ما السبب في تجدّد المطالبة بتنظيم العلاقة بين الدعوة والسياسة في هذه المرحلة، هل هي ضغوطات المجتمع، أم التحوّلات العالمية؟

sالأستاذ علي صالح ميران يجيب بداية:
هناك عوامل تدفع التيارات الإسلامية لإعادة تنظيم العلاقة بين الدعوة والسياسة، منها التغيير الفكري الجذري والقناعة الموضوعية الراسخة بأهميّة الفصل كجزء من عملية تجديد وتحديث الفكر والممارسة الإسلامية، ولربّما تشكّل التغيّرات المجتمعية وتحوّلات السياسة الدولية جزءاً أيضاً، لكن وقعها أقلّ. وحول ابتعاد العلماء والفقهاء عن السياسة، وانشغالهم بالدعوة والتنشئة، في العصور التي تلت عصر الخلفاء الراشدين، لاستشعارهم بأنّ السياسة كانت ملتوية. ولو لم تكن على تلك الشاكلة لاشتغلوا بها إلى جانب عملهم الدعوي! وبالنسبة للسياسة في المجتمعات الغربية، أرى أنّ ممارستها سليمة، فهي العماد الأساسي في ضبط حركة المجتمع، وتوفير سبل العيش الكريم لأفراده.. وما نلاحظه من انضباط، ليس لأن الإنسان الغربي منضبط ذاتياً، إنّما هو نتيجة تأثير الفعل السياسي، خصوصاً في مجال تحقيق العدالة الاجتماعية، ما يجعل الإنسان الغربي يشعر بالاستقرار المادي والمعنوي، وبالتالي ينعكس ذلك على سلوكه.. وتختلف ممارسة السياسة بالنسبة للدولة عنها في الحزب السياسي، ففي الأخير تكتسب السياسة في أغلب الأحايين طابعاً شعاراتياً لا تطبيقياً، على مستوى توجيه الأفراد وضبط سلوك المجتمع.
وبشأن حديث الأستاذ (هيوا حامد) حول صلح الحديبية وفتح مكة، برأيي صلح الحديبية أظهر حكمة الرسول (عليه الصلاة والسلام) في ممارسة السياسة، وكيف كان لهذه الممارسة الحكيمة للسياسة مردود إيجابي على المجتمع الإسلامي، تمثّل في فتح مكة ودخول الناس في دين الله بتلك الأعداد الغفيرة.
s الأستاذ سالم الحاج يضيف قائلاً:
ظهر التوافق في أحاديثنا جميعاً عن أن الفصل أو التمييز التخصّصي للعمل الدعوي والممارسة السياسية له جذور في التاريخ الإسلامي، فالطبقة السياسية (الخلفاء والسلاطين) كانت منشغلة بممارسة السياسة وتدبير شؤون الدولة، وطبقة العلماء والفقهاء منكبّة على العمل الدعوي، لدرجة أنّ البعض كان لا يحبّذ التواصل مع السلاطين، ويرفض حتى تبّوأ منصب القاضي، وهناك أمثلة مشهورة على ذلك. فكيف إذاً، ولماذا، ظهرت هذا الإشكالية في الفكر السياسي للمسلمين؟

sالحوار تطرح السؤال الثالث، مرّة أخرى، على بقيّة الأساتذة:

sالأستاذ عبد اللطيف ياسين يرّد:
حقيقة، ما أورده الأستاذ (عمر إسماعيل) من مقتطفات من كتاب (مدخل في دراسة التراث الإسلامي) لـ(حامد ربيع)، أثبت صحة توجّهنا بأنّ الأصل في العلاقة بين الدعوة والسياسة هو التمييز لا الفصل بمعنى القطيعة التامة.. وأضيف ملحوظة متعلّقة بموضوعنا، وهي أن النظام السياسي لا يعني المؤسسات التي تدير الدولة، هذا التعريف خاطىء، بل النظام السياسي هو انعكاس الواقع الاجتماعي ومحصلة للحركة الاجتماعية، وهو ما أكّده لي الدكتور (حسن علي الساعوري)، أستاذ العلوم السياسية بـ(جامعة النيلين)، في إحدى محاضراته، وقد التقيت به أثناء إقامتي في السودان.. وهنا في إقليم كوردستان حاول الكيان السياسي القائم، بكلّ الوسائل المتاحة من سلطة ومال، استنساخ التجربة التعليمية والتربوية الغربية، وتطبيقها في المدارس الكوردستانية، منذ عام 2003، وإلى 2014، إلا أنّ تلك المحاولة باءت بالفشل، والسبب أنّ هكذا تجارب تتلائم مع طبيعة المجتمع الغربي، وسياقاته الفكرية والسلوكية.. فالعملية التربوية والتعليمية هي سياسة وبرامج عامة، يضعها النظام السياسي الذي هو انعكاس للحالة المجتمعية القائمة، أيْ إنّ المجتمع يحدّد شكل النظام السياسي، ومساره.. وهذه النظرية، وتطبيقها، لا تقتصر على المجتمعات الغربية فقط، فقد شهدت مجتمعات المسلمين، في العصور السابقة، وجود مؤسسات تعليمية وتربوية حدّدت شكل النظام السياسي، من ناحية البناء الفكري، أو الناحية الوظيفية. الآن حالة مجتمعات المسلمين تغيّرت، فالمناهج التعليمية هي مقتبسات غربية، خصوصاً في العلوم التي يطلق عليها العلوم الإنسانية (النظرية). والفلسفة التي يقوم عليها النظام السياسي أيضاً فلسفة وافدة، وفي هذه البيئة المتأزّمة نشأت الأحزاب الإسلامية، هذه الأحزاب انصبّت جهودها على إحياء الأمّة، وهذا ما نادى به الإمام (حسن البنا)، وعمل عليه، حين أسّس جماعة الإخوان المسلمين بمصر.. وواجهت دعوة الإخوان ضغوطات هائلة في عهد البنا نفسه، حيث الاحتلال الإنكليزي، والنظام الملكي القائم بأمر الاحتلال آنذاك.. وبعد استشهاد الإمام البنا لاقت الجماعة الأهوال على يد النظام الناصري.. وهنا في إقليم كوردستان، واجه التيار الإسلامي الاعتدالي - ولا يزال يواجه - صنفاً آخر من الضغوطات، ونوعاً مختلفاً من مصادر الإزعاج..
 وأحسب أن الدين المسيحي الحقيقي لم يكن في صدام مع السلطة الزمنية، بل إنّ الوثنيّة التي دخلت إلى المسيحيّة، هي التي دخلت في صراع مع السلطة، ومع كلّ ما هو استكشاف علمي، ووقعت على أثره القطعية بين الدين والسياسة. وحول مفهوم القائم بأمر الدعوة، أعتقد بأن تعريف الداعية، ومفهوم مهمّته، يختلف عن الذي نراه اليوم، فأغلب الأشخاص الذي ينعتون أنفسهم بالدعاة، هم ليسوا دعاة، بل هم وعّاض...
sالحوار: بناء على طروحات الأساتذة نستشفّ سؤالاً نجعله الرابع، وهو: إذا كانت الدعوة هي إحياء الأمّة، ألا تحتاج هذه المهمّة إلى نظام سياسي؟ وعليه، أليس الدمج بين العمل الدعوي والممارسة السياسية ينطلق من مفهوم (إحياء الأمّة من خلال نظام سياسي)؟
sالأستاذ هيوا علي يجيب:
صحيح أنّ الهدف الأساسي للدعوة الإسلامية هو (إحياء الأمّة)، وربّما بوجود نظام سياسي كانت عملية البعث والنهضة ستكون وتيرتها أسرع.. لكن حالياً لا وجود لنظام سياسي من هذا القبيل، بل مجموعة تيارات إسلامية تدّعي القيام بهذه المهمة.. وهذه التيارات تواجه مشكلة، لأنّ بعضها ينادي بفصل العمل الدعوي عن الممارسة السياسية، ظنّاً منها أنّ ذلك سيساعد في توزيع ثقل تلك المهمة على مجموعات متخصّصة بشكل متكافىء، وبالتالي يسهل الوصول إلى الهدف المنشود.. وأعتقد أن هناك مشكلة (على مستوى الواقع) فيما يتعلّق بالفصل أو التمييز بين الدعوة والسياسة، فقد قلنا إنه في العصور الإسلامية السالفة، كان هذا التمييز قائماً، معبّراً عنه بعدّة مؤسسات، لكن هل بمقدور التيارات الإسلامية القيام بعملية الفصل، وإقامة مؤسّسات تختصّ كلّ مؤسسة بالدور التخصصي المناط بها؟ رغم أن بعض تلك التيارات ينادي بالفصل، ويتبنّاه حالياً، لكن هل نجح في مسعاه؟ وبشأن دوافع التنظير لعملية الفصل، لا شك أن للتحولات الفكرية في العالم دور في ذلك، وهي تمسك بتلابيبنا جميعاً..
وأذكّر بأن الهدف الأساسي للحزب السياسي، وهو الوصول إلى السلطة، وليس (دعوة) الناس، لأنّه عن طريقها يقوم الحزب بتنفيذ مشاريعه السياسية، وبرامجه الخدمية، وبعد ذلك تكون دعوة الناس إلى العمل الصالح الحقيقي.. وهذا ينطبق على الأحزاب الإسلامية أيضاً.. ولقد رأينا كيف أن جماعة الإخوان واجهت مشكلة، حين حاولت إطلاق مشروعها الدعوي من خلال السلطة، التي حازتها لأشهر قليلة..
 وبتصوّري، على الأحزاب الإسلامية الخروج من النمط الكلاسيكي، لكي يتسنّى لها أن تكون منابر يعبّر من خلالها جميع فئات المجتمع عن رغباتهم وتطلّعاتهم.

sالحوار : نعيد طرح السؤال الرابع على بقية الأساتذة؟

sالأستاذ سالم الحاج يردّ قائلاً:
بعد سقوط (الخلافة العثمانية) نشأت عدّة حركات معبّأة بأيديولوجيا وخطاب استعادة (الدولة الإسلامية)، وذلك كردّ فعل على سقوط الدولة التي كانت تمثّل وحدة المسلمين، وتحمل شيئاً من قدسيّة الدين.. مثال على ذلك ظهور (جماعة الإخوان المسلمين) في مصر على يد (الإمام حسن البنا)، وظهور (الجماعة الإسلامية) في باكستان والهند على يد (الإمام أبو الأعلى المودودي).. ولكن لو تمعنّا في مضامين هذا الخطاب الحركي وقرأناها من زاوية أخرى، لتجلّى لنا افتقاد هذا الخطاب إلى شيء من الواقعية، فطيلة العقود الماضية لم تستعد هذه الحركات دولتها المنشودة، رغم ما بذلته من جهود جبارة. في المقابل تكرّست الدول القطرية بمرور الوقت، وأصبحت أمراً واقعاً.. صحيح أن هذه الدول القطرية جاءت على أعقاب سقوط الخلافة العثمانية، وبدعم وتآمر استعماري غربي، لكنها اليوم تمثّل دولاً للمسلمين، بالرغم من وجود انحرافات وأخطاء كبيرة في شكل نظام الحكم، وأساليب الإدارة، وعملية التشريع.. وحتى في التاريخ الإسلامي، لم يعرف المسلمون، ولم يتداولوا مصطلح (الدولة الإسلامية)، بل وجدت دول المسلمين، ولم تك هذه الدول تخل من انحرافات وأخطاء كبيرة..
على أن إلباس (الدعوة) هذا اللباس السياسي، قد حذّر منه الكثير من المفكرين والعلماء والباحثين الإسلاميين، ومعروفة هي طروحات (أبو الحسن الندوي)، و(وحيد الدين خان)، في كتابيهما اللذين تشابهت حتى أسماؤهما: (التفسير السياسي للدين)، و(التفسير السياسي للإسلام).. وفيهما ينقدان طروحات السيد (أبو الأعلى المودودي)، الذي كان من المنظرين الأوائل لمفهوم (الحاكمية) بمفهومها السياسي، والتي كانت هي الأساس الفكري لطروحات حركات الإسلام السياسي في شبه القارة الهندية، وعموم منطقة غربيّ آسيا، والتي انتقلت أصداؤها إلى المنطقة العربية.. وفي المرحلة الراهنة توجد عدة حركات إسلامية تنادي بـ(تحرير) الدعوة من السياسة، وترى أن على الحزب السياسي أن يمارس وظيفته السياسية، ويترك أمور الدعوة لأصحابها.. وترى أنّ الحزب السياسي (والمقصود هنا: الأحزاب الإسلامية)، إذا عجز عن منافسة السلطة القائمة في ميدان السياسة، وكسب الأصوات، فليتحوّل إلى جمعيّة دعوية أو تربوية، أيّ أن يتحرّر كليّاً من القالب السياسي..
ومن ناحية أخرى، أعتقد أن أفضل وسيلة لتجاوز إشكاليّة تنظيم العلاقة بين الدعوة والسياسة، هو تخلّي الحزب السياسي الإسلامي عن كونه يمثّل الإسلام، خصوصاً تلك الأحزاب التي توظّف الإسلام في حملاتها الدعائية الانتخابية، وأن تندمج في الواقع وفق قاعدة (التشارك على أرضيّة الإسلام).. بمعنى: أننا إذا سلّمنّا بأن الدول الحالية هي دول مسلمين، وأن الأحزاب السياسية فيها هي اجتهادات في السياسة (والدّنيا)، وليس في (الدّين)، وأن أنظمة الحكم فيها هي أنظمة تمثّل أصحابها، واجتهاداتهم، وأنهم يمارسون (حاكميّة) قد سمح الله سبحانه لـ(الإنسان) أن يمارسها، وهي بالتالي لا تمثّل اعتداءاً على حاكمية الله.. فإن الطريق يكون مفتوحاً أمام الأحزاب التي تتبنى (المرجعية الإسلامية)، أن تمارس دورها كلاعب من اللاعبين، الذين يريدون أن يؤدّوا دورهم في الاهتمام بالشؤون العامة، والقيام على أمر الناس.. وآنذاك فلا فضل لحزب إسلامي على آخر، إلا بالعمل الصالح، والبرامج السديدة، والفوز في كسب أصوات الناس.. إن الحركات الإسلامية عندما تفلح في حلّ عقدة (الحاكمية)، وتتجاوز مسألة تكفير الشعوب والحكام، وتتصالح مع واقعها وشعوبها، فإنها آنذاك يمكنها أن تتفرّغ براحة بال لممارسة السياسة والعمل العام، دون أن تنصّب نفسها قيّماً على الدّين والدعوة، فإنّ للبيت ربّاً يحميه!!
s الأستاذ عمر إسماعيل يعقّب على إجابة الأستاذ سالم الحاج:
أوافقك الرأي بأن الدول التي نشأت في التاريخ الإسلامي لم تسمّ نفسها دولاً إسلامية، بل كانت تحمل أسماء أخرى مثل الخلافة الراشدة، والخلافة العباسية والأموية والفاطمية والعثمانية، فالدولة كانت دولة حياد إيجابي، دولة الجميع: مسلمين وغيرهم.

sالحوار: نطرح السؤال الخامس، وهو السؤال الجوهري، وهو: هل نفصل الدعوة عن السياسة، أم نفصل الحزب عن الدعوة؟



sالأستاذ هيوا حامد يجيب:
 أعتقد أن العمل الدعوي لا ينفصل عن أيّ ممارسة أخرى، حزبيّة كانت أو سياسيّة.. لكنّ الذي يجب فصله عن الحزب السياسي، هو تلك المراكز التي يقتصر عملها على نشر العلوم الشرعيّة، وبعض الأدبيات الإسلامية، بمختلف صنوفها المعرفيّة.. فإذا كانت مدمجة في حزب سياسي، فعلى الأخير فصل وظيفتها، لأنها لا تدخل ضمن وظيفة الحزب السياسي أصلاً.. وإنّي أختلف مع الأساتذة في إشارتهم إلى التمايز بين الدعوة والسياسة، وأوردوا أمثلة على ذلك في التاريخ الإسلامي، وأحسب أنّ السلطان - بالإضافة إلى وظيفته - كان في نفس الوقت داعية، لكنه لم يمارس نشر العلوم الإسلامية، هذه الوظيفة كانت متروكة للفقيه، الذي كان هو أيضاً داعية، وكان في حدّ ذاته يشكّل مؤسّسة معرفيّة ومركزاً فقهياً.. وبحسب قناعتي ليست وظيفة الحزب السياسي تحفيظ الناس القرآن، ولا تعليمهم العلوم الشرعية.. وأنا لا أقصد أنّه ليس على الحزب تشجيع الناس على حفظ القرآن، أو دعم نشر العلوم الشرعية، إطلاقاً.. فالهدف الأساسي للحزب السياسي منصبّ على حيازة السلطة العامة، وتبوأ مقاليد إدارة البلاد، وحينها يكون أفق ترسيخ القيم الإسلامية وتنميتها أكثر اتّساعاً، لأنّه في الأصل حزب دعوي، خصوصاً إذا كان ذلك مدرجاً في نظامه الداخلي.. والحزب السياسي يتشكّل وفق قانون الأحزاب السياسية، وهذا القانون ينظّم عمل الحزب الساعي إلى السلطة، وهو بحيازتها يدير شؤون الدولة بتنصيب أشخاص ذوي دراية بأمور الحكم وتسيير الشؤون العامّة، لا لأنهم فقهاء وذو دراية بالعلوم الشرعية.. وهذا ما فعله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين نصّب ثلاثة أشخاص كولاة على مكة والحبشة واليمن، عند دخولها في الإسلام، لدرايتهم بأمور الحكم، ولم ينصّب عليهم أحداً من صحابته الأقربين، بل أرسلهم إليهم لتعليمهم أمور الدين، والفقه فيه.

sالأستاذ هيوا علي متسائلاً:
هل هذا التعريف المطلق لمفهوم الدعوة، الذي أورده الأستاذ (هيوا حامد)، مقبول في الأوساط الإسلامية؟.. نحن الآن بصدد إنضاج فكرة متكاملة عن العلاقة بين الدعوة والسياسة، لكنني غير مقتنع بأن تمييز العمل الدعوي عن الممارسة السياسية يتمّ من خلال مؤسسات متخصّصة بنشر الثقافة والعلوم الإسلامية، وأنّ هذه المؤسسات أو المراكز يجب أن تفصل عن منظومة العمل الحزبي الإسلامي..

·                      الأستاذ هيوا حامد يردّ مؤكّداً:
 لو تفقّهنا في الآيات والأحاديث التي تشير إلى مسألة التكسّب والتجارة في السوق، وهي مسألة معيشية، لأدركنا أن الشخص العامل في هذين المجالين حين يعمل على إيفاء الكيل والميزان بالقسط، لقوله تعالى: [وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا]، إنّما هو داعية بحدّ ذاته، ودعوته تنحصر بتطبيق قيم العدل في الميزان، وعدم تطفيف الكيل، وهي قيم إسلامية.

sالحوار: نعيد طرح السؤال الخامس على بقيّة الأساتذة:
sالأستاذ عمر إسماعيل يجيب:
أنا متّفق مع فكرة الأستاذ (هيوا حامد)، أنّ عمليّة تبليغ وهداية النّاس لا يمكن فصلها عن أيّ ممارسة أخرى، سياسية كانت أو غير ذلك. وانطلاقاً من هذا المفهوم فجميع الناس دعاة بالقيم، حكاماً كانوا أو محكومين، سلاطين أو فقهاء.. لكن حين تتم مأسسة الدعوة، أي إنشاء مؤسسات ومراكز لنشر الثقافة والعلوم الإسلامية، فحين ذاك لا يمكن أن تكون جزءاً من منظومة العمل الحزبي السياسي.. وأشير إلى أننا يجب أن نولي اهتماماً بالمفاهيم والمضامين، وليس بالآليات والميكانزمات، أيْ وجوب تأصيل المفاهيم إسلامياً، وأعني بالآليات، الأحزاب التي تروّج لتلك المفاهيم، وتعمل على تطبيقها، وهذه الأحزاب تنظّم عملها وفق القانون، وهذا أمر واقع لا يمكن الانفكاك منه.. ووفقاً للفلسفة الحديثة تنحصر وظيفة الحزب، ويتحدّد هدفه الأساس، في الوصول إلى السلطة، وليس نشر العلوم الشرعية. لكن يمكن للحزب السياسي، ذا المرجعيّة الإسلامية، إنشاء مؤسسات ومراكز لنشر العلوم والثقافة الإسلامية، تكون خارج منظومته الحزبية.. وبحسب المفهوم الإسلامي للسياسة، يعدّ إمام المسجد أو خطيب الجمعة ممارساً للعمل السياسي، لأنه يوجّه العامة، ويهتمّ بأمورهم الحياتية.

sالأستاذ علي صالح ميران:
كلّ المؤشرات توحي بإمكانية فصل الدعوة عن العمل الحزبي، وهذا يحتاج إلى قرار جريء، لكن يبدو أنّ هناك مخاوف من حصول شقاق في العمل الإسلامي، أيْ نشوء اتجاهين متضادّين جرّاء ذلك.. وهذه مجرّد مخاوف كما ذكرت، وربما لن يكون هناك أيّ شقاق، بل على العكس ربما يتبادل الطرفان منافع وفوائد جمّة.

sالأستاذ عبد اللطيف ياسين:
صحيح هناك مخاوف لدى بعض التيارات الإسلامية من فصل العمل الدعوي عن الممارسة السياسية، لإدراكها أن أيّ عمل من هذا القبيل سينجم عنه بمرور الوقت نشوء كيان غريب باسم الدعوة، وهذا ما حصل لدى بعض الأحزاب والجماعات الإسلامية في عدد من البلدان العربية، مع وجود بعض الاستثناءات.. وهنا في إقليم كوردستان، يتحتّم إدراك مشكلات الواقع الكوردي، ويجب أن نحذر من عملية الفصل بين الدعوة والسياسة حتى بالنسبة للمؤسسات والمراكز التي تعنى بنشر العلوم الشرعية والإسلامية، والداخلة ضمن منظومة العمل الحزبي السياسي الإسلامي.. ولنا تجربة في ذلك، حيث كانت هناك هيئات إغاثية انفصلت تدريجيّاً، فكانت النتيجة أن وقعت بأيدي جهات غير إسلاميّة، وظّفتها لأهداف خاصة. وليس من الغريب أن يستغل الجانب الدعوي من قبل جهات غير إسلامية .
 sالأستاذ هيوا علي:
أنا مع فصل العمل الدعوي عن العمل السياسي الحزبي.. وأوكّد أن الدعوة هي غير محصورة في التيار الإسلامي، فأفراد هذا التيار لا بدّ أن يقوموا بدعوة أنفسهم قبل غيرهم، وعليهم أن يدعوا الناس بالتزامهم السلوكي والخلقي، قبل الخطاب والكلمة الموجّهة.. وأرى أن العمل الدعوي في تراجع، في مقابل تنامي الممارسة السياسية للتيار الإسلامي بإقليم كوردستان. ومن معطيات الواقع الذي نعيش فيه، لا بدّ من فصل الدعوة تخصصياً، عن السياسة..

sالأستاذ سالم الحاج:
أعود لاستكمال إطار الفكرة التي طرحتها آنفاً، وهي أن مجتمعاتنا القائمة حالياً هي مجتمعات يشكّل المسلمون فيها الغالبية العظمى، وأنْ لا وجود للسلطة الدينية في الإسلام، وأنّ السلطة الزمنية موجودة، وهي غير مقدّسة، ولا تمثّل الدين، ولا تنطق باسمه، وإنما تمثّل نفسها، واجتهاد القائمين عليها.. وأن الدعوة إلى الله، بمعناها العام، هي عمل ومهمّة كافة المسلمين، ولا تختص بفئة أو طبقة منهم، وإن كانت بالمعنى الخاص، من اختصاص الدعاة والعلماء.. ولا شك أن تحرير الدعوة من أيدي السياسيين، إسلاميين كانوا أو غيرهم، هو مطلب ضروري وحيوي، لكي تقوم الدعوة بواجبها على أتمّ وجه وأصحّه.. وقد رأينا أنه على مدار التاريخ جرى استغلال الدعوة لحاجات سياسية.. وأن عملية تحرير الدعوة من السياسة ستصون الدعوة ذاتها، وتعزّز من قوتها.. وكلامنا عن فصل الدعوة عن السياسة هو من باب الاختصاص، والوظيفة، وإلا فإن الدعوة إلى الله لا تنفك تحمل وجهاً سياسياً، وهي عملية غير بعيدة عن السياسة، بما أنها اهتمام بشؤون العامة..



sالحوار: في ختام هذه الندوة نتوّجه بالشكر والامتنان إلى الأساتذة المشاركين، لما قدّموه من أفكار وعرضوا من طروحات حول الموضوع الذي نأمل أن يشكّل تناوله بهذه النقاشات إضافة جديدة إلى أدبيات العمل الإسلامي المعاصر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق