الأربعاء، 5 يوليو، 2017

آخر الكلام/ التوفيق بين الماضي والحاضر؛ الأنموذج الحضاري الأمثل!

محمد واني
الماضي والحاضر عالمان مختلفان، لا يلتقيان أبداً في نقطة واحدة مشتركة، لكل واحد منهما منطقه الخاص، ومساره الزمكاني الذي يختلف عن الآخر، ولكنهما مع ذلك مترابطان، تحكمهما علاقة جدلية قوية، مثل العلاقة التي تربط بين الحر والبرد، والموت والحياة.. وكما يستدل الحر بالبرد، والبرد بالحر، وكذلك الموت بالحياة، ولايمكن أن يكتمل معنى أي واحد منهما بدون الآخر، فإن الحاضر ابن الماضي، الذي يحمل موروثاته الجينية نفسها، ومهما حاولنا أن نجرّد أحدهما عن الآخر، فلن يكتب لنا النجاح، وستبوء محاولتنا بالفشل الذريع.. والمثال التركي ماثل أمامنا بوضوح، عندما حاول الزعيم (مصطفى كمال أتاتورك) الخروج من مسار التاريخ العثماني العريق، ونسف كل إنجازاته الحضارية والثقافية، وتحديث المجتمع وفق أساليب الحياة الغربية. ولكن محاولته فشلت، وها هو الشعب التركي يحاول الآن أن يلملم نفسه، ويعود إلى أصوله القديمة، ويعيد أمجاد سلاطينه السابقة. وإذا كان الحاضر والماضي متداخلان بشكل عضوي، ويمثلان وجهين لعملة واحدة، فإن التوازن بينهما عمل حضاري
وإنساني ضروري لابد منه، فالارتماء إلى الماضي، والتحليق في عالمه (الجميل)، الذي يتمنى كل فرد منا أن يعيشه، ويغوص فيه، لن ينجم عنه غير الجمود والتخلف، وعدم مواكبة التطور المعاصر، والسير باتجاه الغلو والتطرف.. وكذلك، فإن التشبث بالحاضر على حساب الماضي،لا ينجم عنه غير التعقيد والابتعاد عن عالم البساطة والروحانيات، والنظرة الأحادية، والحسابات المادية المجردة، والعلاقات القائمة على المعرفة النفعية، والابتعاد عن عالم البساطة والروحانيات و.. ينتهي الأمر أيضاً بنوع من الغلو والتطرف المشابه..!
ولا تتوقف المسألة عند أفراد وجماعات، فما زالت بعض الدول، مثل: (مصر)، و(اليونان)، وغيرها، تتغنى وتتفاخر بماضيها الحضاري التليد، دون أن تربطه بالحاضر، فتخلّفت عن ركب التقدم الحضاري، وعاشت في أسفل قوائم الدول المتطورة، بخلاف (الصين)، التي استلهمت ماضيها الحضاري الكبير، لبناء حاضرها العلمي، وتطورها الهائل، الذي أنجزته في فترة زمنية قياسية..

ولم تزل المعجزة اليابانية تبهر العقول، في الطريقة التي تم فيها الدمج بين الحاضر والماضي.. فقد استطاعت هذه الدولة، على الرغم من تقدمها العلمي الهائل، أن تحتفظ بعلاقة حميمة مع الماضي. ويكفي أن نشير إلى أن 80% من اليابانيين ما زالوا يدعمون ويؤيدون زيارة المعابد، بحسب هيئة الإذاعة البريطانية، ولديهم ملايين الآلهة يعبدونها بهدوء وانسجام، بينما نحن المسلمون لدينا إله واحد، لا شريك له، ومع ذلك لا نكف عن الاختلاف، والصراع، والقتل على الهوية!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق