الأربعاء، 5 يوليو، 2017

الإسلام والمسلمون وتنوع الانتساب

أ. صلاح الدين محمد بهاء الدين
لجهل البعض بحقيقة الموضوع، أو لأغراض معينة، أو لالتباس في فهم اللغة، وفك الارتباط بين مدلولاتها، أو لأسباب أخرى غير مرئية، حصل نوع من الخلط بين عدة مصطلحات حول الإسلام، والانتساب إليه، وعلى أساس هذا الخلط يحكمون على الجميع بحكم واحد قاهر. وهذا يجانب الصحة والصواب. وكأمين عام لحزب (الاتحاد الإسلامي الكوردستاني)، إليكم تفسيري لتلك المصطلحات والقضايا:
أ/ الإسلام: دين سماوي سمح، وهو آخر الأديان السماوية، وله أكثر من ربع المنتسبين للأديان على وجه الأرض، وله كتاب مقدس كريم (القرآن)، ورسوله الخاتم (محمد) (صلى الله عليه وسلم)، سيرته وسنته محفوظة ومدونة لدى المسلمين.. وله من العمر أكثر من (14) قرناً من الزمن، ولا يزال يتمتع بالحيوية والديمومة والحضور المواكب للعصر.

ب/ المسلمون: هم كل المنتسبين إلى هذا الدين منذ القرن الأول (ستمائة ميلادية)، لحد الآن، فهؤلاء فيهم المصيب في التزامه والمخطئ، وفيهم المُفرِط والمُفرِّط، وفيهم الصحيح والسقيم، حسب درجة التزامه، فهماً وممارسةً.. فالتاريخ الإسلامي هو بالأصل تاريخ المسلمين، وهو ليس حجة على الإسلام، ولا يحكم عليه بسبب ممارسات منتسبيه.
ج/ الإسلاميون: هم منتسبو الحركات الإسلامية، الذين اعتمدوا الإسلام مرجعية، وتبنّوا الشريعة الإسلامية مصدراً رئيساً للتشريع في بلدانهم، وأطلقوا مشاريع فكرية وحركية، ودخلوا المعترك السياسي في بلدانهم، وهم يأخذون شرعيتهم من الشعب، وبآلية انتخابات ديمقراطية، ويؤمنون بحكم مدني، وليس بحكم ديني ثيوقراطي، يؤمنون بالعمل السياسي المدني، ويعتمدون على الحوار والتعايش مع الآخر والتعددية والديمقراطية.
ولم يتخذ الإسلاميون (المتبنون الدعوة والتربية، أو السياسة) النهج العنفي والراديكالي سبيلاً لعملهم الدعوي، أو حياتهم السياسية. ولا شك أن بين هؤلاء حركات وأحزاب تتفاوت درجات وسطيتها واعتدالها وممارستها للنهج الديمقراطي، في داخل فعالياتهم ومنظماتهم، أو مع غيرها من الأحزاب والحركات السياسية. وكذلك تتفاوت درجات اهتمامهم بالعمل التربوي والدعوي والروحي، أو السياسي والاجتماعي: فقسم يعتنون بالجانب التربوي أكثر، وقسم بالجانب الدعوي أكثر، وقسم بالسياسي، وهكذا.. ولا شك أيضاً أن هذه الحركات والمنظمات ليست خالية من الخطأ، وليست معصومة، وهي مشاريع بشرية، وتتحكّم فيها العقول البشرية، والفارق الوحيد هو مرجعيتهم العليا التي يعتمدونها بالأخير، وهي الإسلام، أي لا يخرجون من دائرة ثوابت الإسلام، وهم مطلقو اليد في دائرة المتغيرات كلها.. أما حمل اسم الإسلام - أي الانتساب إلى الإسلام - في تسميتهم للحركات والأحزاب، فهذا شيء فرعي وعرفي، وليس شرطاً ولا ملزماً.. فالأصل في هذه الحركات أن تمارس العمل السياسي ضمن دائرة المتغيرات الواسعة في الإسلام، وتشارك الآخرين بنهج مدني سلمي، ومنهجية وسطية اعتدالية.
نموذج هذه المجموعة هو (الإخوان المسلمون)، في مصر، وفي البلدان العربية الأخرى، (أقصد الإخوان كجماعة أم وكمنهج، وليس الخارجين عن الخط العام، كجماعة الجهاد والهجرة والتكفير)، وكذلك: (الجماعة الإسلامية)، في باكستان، و(جماعة النور)، في تركيا.. وجميع هذه الحركات الإسلامية تبنّت المشروع السياسي الوسطي، وانخرطت في العملية السياسية، في المغرب والجزائر واليمن والعراق والأردن...إلخ، ولا بد من القول إن كل حركة لها خصوصيتها القطرية والمحلية، وليست ملزمة بأي إطار خارج بلدها.
ويذكر أنه من بين هذه المجموعة، يستهدف العاملون في الحقل السياسي، حقداً وملاحقةً وافتراءً عليها من قبل الأنظمة الحاكمة في بلدانهم، بسبب منافستها للأحزاب الأخرى في العملية السياسية، وممارستها - في أكثر الأحيان - دور المعارضة للسلطة الحاكمة، فهؤلاء الحكام لا يروق لهم هذا التيار السياسي الإسلامي، ويحاولون توريطهم في مزالق ومحطات عدائية وعنيفة، وإخراجهم من حالتهم السلمية والمدنية.
فعلّة عداء هذه الأنظمة لهذه الحركات الإسلامية السياسية، ليست في فكرها وممارستها، وإنما لمنافستها في الساحة، ومزاحمتها لهم.. فالسجون والمشانق والزنزانات في البلدان العربية، وطيلة القرن الماضي، كانت مفتوحة الأبواب لقادة هذه الحركات ونشطائها وكوادرها. والقمع والديكتاتورية وحكم العوائل والاستبداد، كانت سمات الأنظمة التي استخدمت عنف الدولة، ومارسته خلال مواجهتها لهذه الحركات. ولولا هذا الخوف من منافسة السلطة، لكان التيار الوسطي خير علاج لإنهاء الفكر المتشدّد، لأن الحل الأمني عاجز عن العلاج، ولا يفل الحديد إلا الحديد، ولا يعالج الفكر إلا الفكر.
د/ الإسلاميون التقليديون: هناك فئة أخرى من الإسلاميين يتبنّون السلفية أو الصوفية أو الجانب الفلسفي أو الفكري النظري، مثل جماعة التبليغ، ومدارس الطلبة في باكستان، والسلفية المدخلية، ونظائرها، نشأت هذه المجاميع طيلة الـتاريخ الإسلامي، وشكّلت فرقاً وجماعات، ولكنها على الأكثر سهلة التفاهم مع السلطة القائمة. هؤلاء المنتسبون مسالمون وتقليديون، وليسوا سياسيين، وهم مرغوبون لدى الأنظمة الحاكمة في المنطقة الإسلامية، في أكثر الأحيان.
ولا يخفى أن بعضاً من المجاميع العنفية اتخذت من هذه المدارس السلفية، أو الصوفية، منحاها الأساسي الفكري، وبالأخص التيار الجهادي السلفي، الذي نشأ على الفهم السلفي المتشدّد، وأخذ منه جرأته على التكفير والحكم على الآخرين بأيِّ مخالفة لظاهر النصوص.
هـ/ الإرهابيون العنفيون: وهم مجاميع المؤمنين بالعنف والتشدّد والإرهاب، والمنتظمون في منظمات مسلحة تحت غطاء الجهاد، مدعومة من بعض الغافلين من الأغنياء، ومخترقة من قبل مخابرات بعض الدول في المنطقة، وعلى مستوى العالم، لخلق البلبلة والفوضى الأمنية، ولتشويه الوجه الناصع للإسلام، والتشويش على العاملين في مجال العمل الإسلامي المعتدل والوسطي.
إن هذه الفكرة يعود تاريخها إلى القرن الأول للإسلام، متمثلاً في جماعة - الخوارج -، وكان التكفير، ثم القتل العشوائي، ديدنهم، وقد قتلوا (علي بن أبي طالب)، وقاتلوا المسلمين، وهدروا دماء كل من يخالفهم ولا يسلك مسلكهم.
وقد واجههم العلماء ونظام الحكم في وقته، وأخمدوا حركتهم، إلا أنها تتجدّد بين فترة وأُخرى. والحلقة الأخيرة لهذه الحالة المستنسخة من (الخوارج) هي تنظيم - القاعدة - الإرهابي، بقيادة (أسامة بن لادن)، السعودي الجنسية، السلفي العقيدة والانتساب، وخلفه: (أيمن الظواهري)، المصري الجنسية، والحاقد والمتمرّد على الإخوان. نشأ ضمن صراع القطبين الأمريكي والسوفيتي، وأصبحت أفغانستان ميداناً للصراع هذا، فاستغل هذا الموقف أصحاب الفكر السلفي المتشدّد في (أفغانستان)، في فترة الثمانينيات، لصنع أجواء عمل عنفي باسم الجهاد، ونجحت الحركات المسلحة هناك في محاربة السوفييت، وإجبارهم على الخروج، ثم انقلبت على العالم الإسلامي والغربي، وأعلنت الحرب على الدنيا.
وقد تفرّعت من هذا التنظيم مجاميع وفرق، وتوزّعت على العالم وقاموا، بجريمة 11 سبتمبر 2001، وغيرها من العمليات الإرهابية، وتشكّلوا أخيراً في تنظيم جديد باسم (داعش) (أي: الدولة الإسلامية في العراق والشام)، واستولوا على مدن سنية عراقية، وأعملوا فيها تدميراً وقتلاً وتخريباً.
يتوجّب على كل متابع ومهتم بشأن الإسلام، من كُتّاب وصحفيين وباحثين وأكاديميين، أن ينتبهوا إلى هذه المفارقات والمقاربات، وأن يميزوا بين هذه التقاطعات، ويفكوا الارتباط بين الاسم والمسمّى، لكي لا يقعوا في خطأ التعميم، ويلتبس عليهم الموضوع، ويتجاوزوا الموضوعية والعلمية. وعليهم أن يأخذوا بنصيحة رب العالمين الآتية في القرآن الكريم:

[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُم ْنَادِمِينَ]سورة الحجرات: الآية 6 r

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق