الأربعاء، 5 يوليو، 2017

قراءة في كتاب/ الإسلام والدولة المستحيلة

د. مصطفى عطية جمعة جودة
هذا الكتاب ([1]) يتناول - بصراحة ووضوح - قضية محورية، نرى أن الكل يدور حولها، ولا يغوص بداخلها، ألا وهي الموقف من الدولة المدنية الحديثة، المؤسسة على المفهوم الغربي، والتي تم تطبيقهافي أقطار العالم العربي والإسلامي، بعد تفكك دولة الخلافة العثمانية، التي كانت تجمع غالبية أقاليم المسلمين في رحابها، وبعدما رحل المحتل الأجنبـي، وهو ضامن أنه ترك ذيولاً لا نهاية لها، تتمثل في النظم التي شكّلها على طريقته وفق ما أراد.
فظهرت دول، وطفت على السطح دويلات، وباتت هناك حدود مرسومة، ومناطق مقسومة، وارتفعت أعلام وطنية، معززة بهويات جديدة، تربط المسلم المعاصر بحدود وطنه المصنوع، في مسعى إلى صنع هويات مضادة لهوية أخرى تولد معه، ويحملها في جيناته، تتصل بالإسلام: ديناً وحضارة وثقافة، وتستبدلها بما أسمته: دوائر الانتماء، مثل: الانتماء إلى العالم الإسلامي، والعربي، والقاريّ.
ومع نشوء الدولة الحديثة ؛ تم استيراد كثير من أنماط الحكم والإدارة والمؤسسات، وأيضا المفاهيم والمبادئ، من النظم الغربية، إلى أطر الدول الجديدة، والتي تتابعت عليها العقود، وباتت واقعاً لا مفر منه. بل إن الكلام عن الوحدة - بأشكالها - توارى، وأصبح الحديث يدور – إن دار – عن أوجه من التعاون، وتلاقي السياسات، وتقارب الشعوب، والنظر في تسهيل التنقل بين الدول، بعدما زادت حدة الفروق بين أقطار غنية، وأخرى فقيرة، وثالثة أكثر فقراً، ودول تتمتع بحريات، وتتداول السلطة فيها، وأخرى تسمح بهامش من الحريات، ومع وجود بعض الأحزاب الضعيفة، أو الكرتونية، غير الطامحة للسلطة،والتي تكتفيبجريدة ومقر ومتحدثين باسمها. كما تنوعت في الدول أشكال الحكم نفسها، ما بين: ملكية مطلقة، وملكية دستورية، وجمهوريات متعددة، ولتكون المحصلة في النهاية متشابهة: تراجع معدلات التنمية، البطالة، سوء استغلال ثروات الوطن، تزاوج الثروة مع السلطة، ازدياد الهجرة داخل الوطن من الريف إلى المدينة، وإلى خارجه: إلى الدول الأكثر ثراء وتقدماً، والأسوأ: ازدياد اغتراب المواطن، وانكفائه على ذاته.
ستتمحور قراءتنا في هذا الكتاب على قضاياه المثارة في الكتاب نفسه، والتي تتوخى الإجابة عن سؤال مهم، ألا وهو: هل تصلح الدولة الحديثة، ببنائها الغربي، لتكون معبّرة عن المجتمع المسلم؟ وهل يمكن أن يقدم المسلمون المعاصرون بنية هيكلية جديدة للدولة المسلمة، تعبّر عن شريعتهم وأخلاقهم، ضد الهيمنة الغربية بعلمانيتها المفرطة؟ وتلك أسئلة تتخطى رؤية المفكرين السياسيين المعاصرين، الذين رأوا أن الدولة - بهيكليتها الغربية - مجرد وعاء يمكن أن يحوي ما نشاء من قيم، ولكن المؤلف يرفض هذا، ويقرأ الدولة الحديثة قراءة ثقافية، وأخلاقية، وسياسية، وعلمانية، فلا يعقل أن يتشكل وعاء بمعزل عن جوهره، فلحاء الشجر وساقها وجذورها أجزاء لا تتجزأ من طبيعة تكوينها، وما ستخرجه من أوراق وثمرات.
زمن تأليف الكتاب :
صدر الكتاب في زمن قريب (نوفمبر2013م)، وجاءت الترجمة بدورها في السنة التالية لصدور الكتاب (2014م)، أي إن أفكاره
لا زالت تعتمل في الساحة الفكرية، تنهل من الواقع، وتساهم في النقاشات الدائرة حول أزمات دول العالم الإسلامي،حيث  تتقاطع فيه عشرات الخيوط، وتتفجر فيه ألغام: الهوية، الانتماء، وتسلط الفاشية العسكرية، والحزبية، وضياع البوصلة لدى الأنظمة الحاكمة.
وفي وقت اندلاع ثورات ما يسمى (الربيع العربي)([2])، التي كشفت – فيما كشفت – عن ترهل الدولة الوطنية،وفشلها، وهشاشة بنيتها، وقيامها على أسس تمييزية، مما أدى إلى اشتداد العصبيات الإثنية والطائفية، وتعاظم المذهبية، أكثر من مفاهيم المواطنة والعدالة والمساواة، وتأبيد بعض حكامها في كراسي الحكم، ورغبتهم في الاستئثار المطلق للسلطة، ومن ثم توريثها.فانتفضت الشعوب، ولعبت القوى الإقليمية والدوليةألعابها، وبدلا من أن تنجز الثورات ما طالبت به، وجدنا في النهاية، وإلى لحظتنا المعيشة الآن، أن الثورات أسفرت عن الارتداد إلى حكم عسكري مستبد،أو تفككت الأوطان المصنوعة ذاتها، وعصفت بها الحرب الأهلية، وسادت ساحاتها مليشيات مسلحة، مع ضعف الحكومات المشكلة، خاضعة لنفوذ جهات إقليمية أو دولية، مما جعل بعض الجماهير تترحم على أيام الدولة التسلطية، حين تنازل الناس عن حرياتهم في مقابل أمن وأمان منحه حاكم طاغية.
وليعود سؤال الهويةيلح بقوة، بل وبحدة: ماذا عن هويةالمسلمالمعاصر؟التي لا تنفصل عن مطالباته بالحريات والحياة الكريمة،وتمتعه بثروات الوطن،وحق المشاركة في الحكم،واختيار ممثليه، مع سؤال: هل المنظومة القانونية والإدارية والسياسية المستوردة، تتواءم مع أخلاقيات المسلم، وغايات شريعته، ومبادئ دينه؟
وفي ضوء هذا الواقع، يأتي هذا الكتاب، ليعيد مناقشة القضية برمتها من جديد، لأن تجارب التطبيق لشكل الدولة المدنية المستورد من الغرب؛ لم تؤت ثمارها المرجوة،كما خطط واضعوها منذ أكثر من قرن، وإنما زادت الاغتراب، وأظهرت مشكلات الانتماء: فبعدما كانت الرابطة الإسلامية تعتمل في القلوب، لتجمع المسلم القاصي والداني في رباط واحد، باتت القلوب في حيرة: أتخلص لحدود مرسومة في الخرائط، غير محددة في الواقع، وتُقدِّم مصلحتها الضيقة على حساب العالم العربي والإسلامي الممتد؟ في ضوء التغني بأمجاد حضارات سابقة على الحضارة الإسلامية، مثل: الفرعونية في مصر، والبابلية والآشورية في العراق، والفينيقية في الشام، وغيرها. وهذا التغني ليس لأمجاد تلك الحضارات، وإنما محاولات لإيجاد عمق تاريخي، يساهم في تمييز الهوية الوطنية الضيقة على حساب الهوية الإسلامية الكبرى، التي تجمع القلوب في قبلة واحدة، وكتاب مقدس واحد، ومشاعر متوحدة نحو قضايا الإسلام التي لا خلاف عليها، مثل: احتلال فلسطين وكشمير، وأزمة مسلمي بورما والصين. وقد رأت الشعوب الإسلامية، أن دولة كبرى (الاتحاد السوفيتي) تأسست على فلسفة الاشتراكية المادية، وظلت أكثر من سبعة عقود، تسعى لمحو هوية شعوب مسلمة انضوت تحت لوائها، ولكن ما إن تفككت الدولة الأم، حتى عادت تلك الشعوب إلى هويتها الإسلامية بأقوى مما كانت، وكأنها كانت تختزنها طيلة حكم الحقبة الشيوعية.
كل هذه الملابسات والقضايا،وغيرها، تعود إلى بؤرة التفكير، بعدما توارت في غياهب النسيان، وتأتت في عنوان الكتاب بشكل مباشر: (الإسلام والدولة المستحيلة، الإسلاموالسياسةومأزق الحداثة الأخلاقي)، وهو عنوان يلج إلى الأزمة مباشرة، لأنه يفترض أن الفكر السياسي الإسلامي لا يقبل الدولة المدنية الحديثة، لأن ثمة اختلاف في الأسس بينهما، فالدولة في الإسلام تقوم على أساس الشريعة الحاكمة، بكلياتها الخمس، ومقاصدها المعتبرة، والتي نصت عليها كتب علماء الأصول والفقهاء، ومن تطرق إلى الأحكام السلطانية في تاريخ الفكر الإسلامي، وقد ظلت الشريعة هي الحاكمة في بلاد المسلمين اثني عشر قرناً حتى القرن التاسع عشر الميلادي([3])، قبل أن تتعرض دولة الخلافة العثمانية إلى التفكك، ومن ثم سقوط معظم أقطارها تحت نير الاحتلال الأجنبـي الغربي، الذي عمل – وبدأب – على إقصاء الشريعة، وإحلال القوانين الغربية محلها إلا في النذر القليل من قوانين الأحوال الشخصية المأخوذة من الشريعة الإسلامية، بنفس بنية القضاء الغربي ومحاكمه، والتي هي بطيئة في إجراءاتها، وآليات عملها، مما يطيل أمد التقاضي، ويضخّم المشكلات، خصوصاً أن النخبة الوطنية القومية – ما بعد الاستعمارية، التي حكمت الدول الإسلامية،وحاربت المستعمر، حافظت على الهياكل الاستعمارية الموروثة، ولم يظهر الإحساس بالمواطنة إلا بشكل بطيء، وبقيت الانتماءات التقليدية (العصبيات المختلفة)، ولم تملأ الفراغات السياسية الناتجة عن انهيار البنى التقليدية القديمة([4])،فيمكن القول: إن الشريعة الإسلامية المرتكزة على أخلاقيات الإسلام وقيمه، ترسخت في الوجدان الجمعي للشعوب الإسلامية على المستوى الزمني الممتد، وعلى تنوع الشعوب الإسلامية وثقافاتها، لأن المسلم كان "يرى فيها ينبوعاً روحياً وأخلاقياً وصلة مع الله وسبيلاً إلى ترويض النفس...، فالغالبية العظمى من مسلمي العصر الحديث تتمنى العودة إلى تطبيق الشريعة، بشكل أو بآخر" ([5])، وتلك قراءة واقعية، لمشاعر جماهير المسلمين في عالمنا المعاصر، وما حدث من مراجعة نفسية وحضارية، بعد العديد من الأزمات التي عصفت بأقطار العرب والإسلام، فكانت الصحوة الإسلامية حركة مواكبة لها، ومعبرة عن نبضها، والتي لا يمكن لأي متخذ قرار أن يتجاهل تلك الرغبة، لأنها ليست هماً اقتصادياً ولا اجتماعياً، وإنما حاجة حضارية، تتصل بالهوية المشكِّلة لثقافة الأمة ومرجعيتها، وهي: الإسلام، وشريعته، ونظمه.
لذا، فإنه يضع تصوراً للدولة الإسلامية يرتكز على مفهوم النطــــاق المركزي  Central Domain([6]) إقامة السيادة كلها لله تعالى، ودعم الفصل بين السلطات بشكل حقيقي، وإخضاع المؤسسات كلها، خاصة مؤسساتالتعليم للتوجيه الأخلاقي المرجو، وأن السلطتين التنفيذية والتشريعية خاضعتان للنظام الأخلاقي الشرعي المستهدف، ويقتصر عمل السلطة التنفيذية على تنفيذ السيادة الربانية، ويسمح لها بإصدار لوائح وقوانين في إطار تلك السيادة، كي يتحول مفهوم المواطن إلى مفهوم المجتمع الأخلاقي النموذجي، الذي يرتبط كل فرد فيه بالآخرين بعلاقة أخلاقية متبادلة، وينظر الأفراد والجماعات إلى أنفسهم أنهم امتداد للكون الأخلاقي([7]).

أزمة أخلاقية، أم أزمة مرجعية؟
تأسست الدولة الحديثة على مفاهيم الحداثة الغربية، التي تعني - فيما تعنيه- القطيعة بدرجات مع الماضي الموروث، وتأسيس مرجعيات جديدة، فنظرت بعين محتقرة إلى التاريخ القديم، والثقافات المتوارثة.
فمفهوم التحديث، وبناء الدولة الحديثة في العالم الإسلامي، ارتبط بتكرار تجربة الحداثة الغربية، والتلاقي عند المؤسسات والنظم الثقافية الغربية، وهي بحد ذاتها وهم من أوهام العصر الحديث([8]). وتناست أن العالم الإسلامي حُكِم بنظام دولة تأسس أخلاقياً وثقافياً على شريعة الإسلام، فيما تأسست الدولة الحديثة على مفاهيم مأخوذة من التراث اليوناني والروماني، واجتهادات الفلاسفة الغربيين في العصر الحديث([9]). فالمشروع الغربي التنويري سعى لاستبدال الأخلاق الدينيةوالعرفية والتقليدية، بأخلاق عقلانية ونقدية جديدة، تجعل الأخلاق التقليدية تحت إمرة العقل البشري، بهدف خلق حضارة كونية جديدة ([10]). لذا نظروا إلى أخلاق الأمم والشعوب كأنها كل واحد"بنية جماعية واحدة"، بدون تمييز، ترتبط بسرديات تاريخية دينية، وأنها جاءت ضمن منظور البشر في التطور والتقدم "الارتقاء التقدمي" ([11])، فيمكن الاستغناء عنها، مادام عصر التنوير وصل لسيادة العقل، الذي سينظر إلى الأخلاق، وكل منتوج الديانات (كلها على الإطلاق)، بإمكانية تجاوزها، وتأسيس قواعد أخلاقية جديدة. ويستند في ذلك إلى مفهوم النموذج Paradigm، ومنها يفترض الحالة المثالية للحكم الإسلامي (Islamic governance paradigm)[12].
فالمشكلة محددة، تتصل بالمرجعية ذاتها. وإن كنت أختلف مع المؤلف في نعته المستمر بأنها "مرجعية أخلاقية"، تواجه "واقعاً أخلاقياً مغايراً في عصرنا"،مما يحتم علينا النظر إلى "المسؤولية الأخلاقية". ويسعى إلى البحث عن "مصادر أخلاقية"، ويعلن أنه سيبحث عنها في "المصادر الأخلاقية الإسلامية"([13])،فالشريعة مثّلت وعبّرت عن قانون أخلاقي، وتشكلت به ([14]).فهولم يحدد ماهية الأخلاق المقصودة، ولكن يبدو من كلامه وتأكيداته المستمرة أنها الأخلاق بمفهومها العام: الفردي، والأسري، والاجتماعي،وأيضاً: الأخلاق بأبعادها الإنسانية النظرية والسلوكية والعملية. فمنظوره شامل للفردي والجمعي، الدولة والعالم، وأيضاً تأثيرات العولمة أخلاقياً.ونرى أنه حصر الأزمة في الأخلاق، والأخلاق جزء منها، وليست كلاً، لأن الأخلاق جزء من نسق ديني وفكري وثقافي، كما أن الأساس الحضاري - بكل أبعاده - واقع، فالأخلاق معبرة عن منظومة حضارية متكاملة.
فإذا نظرنا إلى الجزء، فإن الكل سيغيب عن النقاش، ولكنه لن يتغيب عن الواقع، وسيظل يلح بقوة،أو سيكون الحاضر الغائب. وهذا لا يمنع من قيام المؤلف، طيلة صفحات الكتاب،بتوثيق وجهة نظره الأخلاقية بمنهج مقارن بين الحكم الإسلامي والدولة الغربية، مدعماً وجهة نظره. فيمكن القول: إن المؤلف اتخذ الأخلاق منطلقاً وسبيلاً ومعايير للمقارنة بين الإسلام والغرب، على مستوى الدولة والحكم والممارسة، فانطلق من الجزء إلى الكل، ناظراًإلى الأخلاق في بعد كلي، ظهر في ثنايا فصوله، مثلما كان واضحاً في مقدمته وخاتمته.
فهو يرى أن الأخلاق كانت هدفاً للحكم الإسلامي، ونظمه، وهو يدين أخلاقياً أيضاًسلوكيات الدولة الحديثة في أوروبا،بكل ما ارتكبته في حق أبنائها أنفسهم، والدفع بهم في أتون حروب بنوازع قومية ووطنية مغلقة، مثل الحربين العالميتين الأولى والثانية، وسماح الدولة بتسيّد أخلاق اجتماعية دون مرجعية لها، إلا مرجعية التوافق المجتمعي عليها، والقبول العام، بعكس الدولة الإسلامية المحكومة بالشريعة، أخلاقاً وقانوناً، التي لا تخضع شعوبها لأنانية الحاكم، أو التعصب لأرض، أو قومية.
كذلك، وهو في نظرته إلى العولمة، فإنه يذهب إلى أن الدولة الإسلامية ستثبت أخلاقياً أمام هجمات العولمة، بثقافتها وأخلاقها الغربية، وباقتصادها الليبرالي البعيد عن الأخلاق. وفي نفس الوقت،فإنه يشرح تفصيلاً أسس النظام الاقتصادي الإسلامي أخلاقياً، والمتضمن الحفاظ على الكليات الخمس، ومنها: الحفاظ على المال، جنباً إلى جنب مع العقل والدين والنفس، وكلها تحمي منظومة الدولة الأخلاقية، في مختلف أبعادها الاجتماعية والاقتصادية([15]).
فالشريعة الإسلامية ظلت هي المحور المركزي للحضارة الإسلامية، والدولة التي أقيمت على أساسها، فمنها انبثق التعليم والعلوم، وفي ضوء أخلاقها وُضِعت معايير اقتصادية واجتماعية وسياسية، كانت مطبقة في كثير من العصور، ولم تطبق في عصور أخرى، ولكنها ظلت المعيار والنموذج والنطاق المركزي ([16]). كما قام الحكم الإسلامي (وهو بمفهوم الدولة تقريباً) على اعتبارات أخلاقية وقانونية وميتافيزيقية واجتماعية وسياسية، تخالف ما تقوم عليه الدولة الحديثة، فالجماعة / الأمّة تحلّ محل الشعب الآن، والأمّة مفهوم معنوي ومادي، وفي كلتا الحالتين محكوم بقواعد أخلاقية، وبغض النظر عن جغرافية الدولة، فإن كل إقليم تطبق فيه الشريعة الإسلامية يُعَدّ مجالاً إسلامياً، أو داراً للإسلام ([17]).. ويذهب المؤلف إلى أن مبدأ الفصل في السلطات، في الدولة الحديثة،وأنظمتها الدستورية، أضعف مما نجده لدى نظام الحكم الإسلامي، وأن الفقهاء تفهموا حاجات الشعب ومصالحه،وعبّروا عنها، مما يجعل الحكم الإسلامي نسيجاًلحكم مدني عادل وديمقراطي ([18]).
ويكون السؤال:هل قبول مفكري الإسلام المعاصرون، للدولة المدنية الحديثة، في أدبياتهم، كافٍ لإحداث التواءم المطلوب بين القديم والجديد، أو الأصالة والمعاصرة؟
للإجابة عن هذا السؤال، يورد المؤلف رأي (جماعة الإخوان المسلمين)، بوصفها الجماعة الأكبر في الحركات الإسلامية المعاصرة، والتي قبلت بنمط الدولة المدنية الحديثة، ونظمها الغربية، إذا كانت قواعدها لا تتعارض مع الشريعة الإسلامية، لأنها تأتي ضمن الاستفادة من تجارب الأمم المتقدمة في الشأن السياسي والتنظيم الإداري للدولة([19]).فهم يرون أن الشريعة يمكن أن تقدم حلولاً وإجابات لأزمة القيم الأخلاقية المعاصرة، وتناقش الأزمات الاجتماعية والنفسية المعيشة([20]). أما قضية أن الشريعة إنما هي تفسيرات واجتهادات بشرية، كما يقول العلمانيون، وإنما الجماعة المسلمة هي التي قدمت الفقهاء / الخبراء الشرعيين والقانونيين، الذين تلمسوا حاجات الناس الاجتماعية والنفسية،وسعوا لاستنباط ما يتواءم معها من الشريعة([21])، وللفتاوى أسس وقواعد لا يتخطاها الفقهاء، والذين هم يترفعون عن الدنايا، بكافة أشكالها، وإن وُجِدَعلماء يخالفون شروط الفتوى، فلا يعتد بآرائهم، وإنما الفتاوى المعتبرة هي التي استندت عليها المؤلفات الشرعية الرصينة([22]). أما التوجس الذي كان ينتاب البعض من بعض الفقهاء الخاضعين للولاة والأمراء، فإنهم كانوا منبوذين علمياًومجتمعياً، والتوجس نفسه دال على الالتزام نحو الأخلاق وحقوق المجتمع([23]).

أزمة الذات المسلمة المعاصرة :
وهي الذات التي تشكلت ونمت في ضوء منظومة المؤسسات التعليمية المقامة على النظام الغربي في البلاد الإسلامية، من مدارس وجامعات ومعاهد عليا ومراكز بحثية، فتلقت التعليم المدني، وفي نفس الوقت سعت إلى التوافق مع القوانين والنظم والدساتير وشكل الدولة المستورد من الغرب، فقبلت بأية أشكال منها.
وفي سبيل إيضاح نظرة الشريعة للإنسان ذاته، يورد المؤلف رأي (أبي حامد الغزالي)، في كتابه (إحياء علوم الدين)، موضحاً أن الإنسان كائن قابل للتشكل، تتنازع فيه نوازع أربعة: سبعية، بهيمية، شيطانية، ربانية.. وأن الشريعة، بهديها وقانونها، تقود الإنسان إلى طريق الخير، الذي يدعمه نظام الدولة الأخلاقي كله([24]). فالسلوك الأخلاقي مكتسب بالكامل، ومسألة تدرب، ولو لم يكن هكذا لما كان هناك معنى على الإطلاق للتربية والتوجيه والإرشاد([25]).
ويطلق عليها المؤلف (ذاتية علمانية)، تقبل الانتماء للإسلام، وتتكيف مع الدولة الغربية، دون أن تلتزم بـ" تقنيات الذات Technologies of the Self"([26])، في فروض وممارسات ونظم. ولكن ثمة أدلة على فشل هذا التوجه، كما وضح في فشل الحقبة الناصرية، والشعارات الاشتراكية، وصعود قوى الإسلام السياسي، وهجومها الشديد على هذا الإخفاق([27]).
إن رأي المؤلف المتقدم، يقيسه على فشل المشروع الناصري، ومختلف التجارب التي شابهته، في العراق وسورية والجزائر وليبيا وتونس، لأنها - ببساطة - ارتكزت على المشروع الغربي كله، فلسفة وقيماً وأخلاقاً وسياسة ونظماً ومؤسسات، وسعت لاستنساخه، في ضوء منظور بناء التاريخ والتقدم على المركزية الغربية، أي هيمنة البنية الفكرية الغربية([28])، دون النظر إلى حاجة الشعوب النفسية والفكرية والاجتماعية لهذه النظم. أما الإسلام في تلك الفترة، فيمكن أن نقول إنه كان إسلاماً محدوداً ومقتصراً على المساجد والمؤسسات الرسمية، مثل الأزهر في مصر، والقرويين في المغرب، يتصدره علماء تقليديون، يقدمون العلوم الشرعية القديمة، وغير منشغلين بمناقشة مدى قبول الشعب لشكل الدولة الغربي، وجلّ ما فعلوه هو محاولة التجسير بين الإسلام الدين، وبين الاشتراكية المستوردة، وهي محاولة أشبه بصبغ الجدار الذي سرعان ما جف وتقشر، وسقط الطلاء كله، وأبان عن فشل التجربة برمتها.
فالدولة القومية الحديثة ترى نفسها مصدر السلطة والتشريع والتنفيذ، ولا يتقدمها شيء آخر، فلها الحق في بسط سلطانها على كل شيء في الدولة، بما فيها المؤسسات الدينية ذاتها، لتخضعها لنظامها القانوني. أما الدولة الإسلامية، فإن الشريعة مصدرها، وهي التي تنظم المجال الإنساني فيها عامة، إما بصورة مباشرة أو من خلال تفويض محدد وواضح، وتتحكم - بالتالي -في منظومة المؤسسات في الدولة الإسلامية، وتخضعها للإرادة الأخلاقية الشاملة، التي هي الشريعة ([29])، التي سعت إلى تدعيم المنظومة الأخلاقية الاجتماعية والسياسية عبر اجتهادات شرعية مستمرة، لتعزز الجوانب التطبيقية لقانون الشريعة ([30]) في وعي الناس العام.
فشتان بين تلك التجارب ورأي المفكرين السياسيين المعاصرين في شكل الدولة، فهم يقبلون الشكل الغربي المؤسس على قاعدة حريات، وحقوق الإنسان، ومحاسبة الشعب لحكومته بعد اختيارها، واستقلال المؤسسات القضائية والتشريعية، وكل هذا له جذور في الفكر السياسي الإسلامي القديم، الذي كانت له مؤسساته ونظمه التي تخالف النظم الحالية. ولكن نظام الحكم الإسلامي اعتمد على مبدأ السيادة لله تعالى، وأن الأمة وأفرادها ليسوا غاية للدولة، وإنما هم ساعون ومرتهنون لغاية عظمى، وهي تحقيق خلافة الله على الأرض، وعمارتها ونشر القيم الربانية فيها([31]).
ويؤكد المؤلف على أن: التماهي بين الذات وبين الدولة الحديثة ذات السيادة، والذي يعد تشكيلاً للذات، بوصفها مصدراً لكل من القانون والأمة ذاتها، على أن مختلف المفاهيم المتصلة بالدولة هي مفاهيم لاهوتية معلمنة، أي تفصل الدين عن الدولة، فمن المستحيل نشوء دولة إسلامية السيادة على أسس القومية الغربية، والدولة موجودة لأجل وجودها، ومن ثم فإن المواطن لا قيمة له، بل يمكن التضحية به من أجل بقاء الدولة واستمراريتها، لذا فإن الدولة تمتلك القانون والقوة لتطبيق القانون، ولها نظامها البيروقراطي المهيمن، الذي لا يتغير إلا بتغييرات تشريعية([32]). فالدولة لا تعرف إلا نفسها، وأنها غاية نفسها، ولا تعرف غاية أخرى([33])،فالدولة الحديثة تمثل وحدة مترابطة إدارياً وقانونياً وعسكرياً([34])، وبمرور الوقت تعاظمت سلطة المؤسسات والنظم في الدولة، وباتت متحكمة، وأدى مبدأ تقاسم السلطة إلى زيادة سلطاتها([35])، ونشأت بالتالي سلطات مدعمة لسلطة الدولة نفسها،التي تسعى إلى مصلحتها بغض النظر عن اتفاقها أو تعارضها مع القيم الأخلاقية الإنسانية العليا: فإذا كانت حركتها تصب في مصلحة الدولة ذاتها فأهلاً بها، ولو أدت إلى السيطرة على شعوب أخرى مغلوبة على أمرها، ونهب ثرواتها، واستعباد سكانها، وإبادتهم أحيانا. فهي تقوم بكل ذلك من أجل مصلحة الدولة العليا فقط ([36])، وهي أنانية مفرطة، أخضعت الشعب والقانون والسلطة التنفيذية، وأيضاً الشعوب الأخرى، لإرادتها.
إن مفهوم التماهي غاية في الأهمية، لأنه يعطي بعداً مهماً في بناء الدولة، وتأسيس شرعيتها. فالفرد –ببساطة- يتمثل توجهات الدولة، وفلسفتها،وقيمها، وهو الذي ينتخب حكومتها. وربما لا يكون هناك تلاق بين فكرة الدولة القومية والدولة في المفهوم الإسلامي، لأن الدولة القومية ترى الشعب صفوفاً متراصة في بنية الدولة التي هي هدفهم جميعاً، ومن واجبات الدولة الحفاظ على حقوق المواطن، وحمايته. أما الدولة في الإسلام، فهي قائمة على تحقيق مقاصد وغايات، نصّت عليها الشريعة،وشدّدت، فالشريعة تسبق الدولة والسلطة التنفيذية، والفرد والدولة والجماعة مسؤولون أمام الله سبحانه ([37])، فالله سبحانه وتعالى هو صاحب السيادة، وهو جل شأنه يملك كل شيء، بالمعنى الحرفي، فيملك الأشياء والبشر. وأما ما يملكه الناس من متاع أو عقار، فهو ملكية مجازية لا أكثر، ويظل كله لله تعالى ([38]). وبالتالي هناك فرق بين مكانة الفرد في الدولة الوطنية / القومية، وبين مكانته في دولة الإسلام، ففي الثانية ينتمي لها عقدياً، ويرى أنها تحقق مقاصد الشريعة، وقائمة على تطبيقها، فإذا لم تطبقها، فيمكن أن تسقط، لتأتي دولة أو حكومة أو أمراء آخرون يقومون بهذه المهمة.
إن النتيجة التي يصل إليها المؤلف([39])، في نهاية كتابه،تركز على أهمية تفكير المسلمين المعاصرين في تشريع نظم لدولهم، تتخذ من النطاق المركزي الأخلاقيالإسلامي نموذجاً وهدياً، بحيث يكون قابلاً للتطوير والبناء عليه، ويكون لديهم تخيل لشكل تلك الدولة الأخلاقية ذات المرجعية الشرعية، يساهمون به في الفكر السياسي الإنساني، بصياغة قواعد شريعتهم بطرائق جديدة، والدخول في نقاش مع نظرائهم الغربيين، وفي العالم كله، يبرزون فيه الطابع الأخلاقي الفاضل للشريعة، وفائدتها للإنسانية، خصوصاً أن هناك اتجاهاً أخلاقياً مهماً في الحضارة الغربية، يرتكز على المسيحية، وإن كان معارَضاً من اتجاهات علمانية أخرى،ترتكز على الرؤية السقراطية للإنسان، ولكن لابدّ من تدعيم الأخلاقيات وفق مبدأ التعددية الأخلاقية والثقافية، كما يجب الوصول إلى ميثاق أخلاقي مع سائر البشر، وأيضاً: الطبيعة والكون الذي يحوينا.

الهوامش:



[1]) تأليف وائل حلاق، ترجمة: عمرو عثمان، سلسلة ترجمان، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، دولة قطر، ط1، أكتوبر 2014م .
[2]) كان هذا البعد حاضراً بقوة في وعي المؤلف، وعبّر عنه في مقدمته، وفي ثنايا الكتاب، وفي نهايته أيضاً. انظر على سبيل المثال الصفحات: 22 حيث يشير إلى الثورات المعاصرة ذات الطابع الإسلامي، مثل الثورة الإيرانية، وصعود تيارات الإسلام السياسي في الربيع العربي. وفي ص294 يؤكد على أهمية تحرك المسلمين مستغلين ثوراتهم في تقديم مشروعهم الأخلاقي.
[3]) ص19 .
[4]) ص31، ويستدل على ذلك بإيران، حيث أخضعت الثورة الإسلامية مؤسسات الدولة للشريعة الإسلامية، فشوهتها في الإجراءات والتطبيق، فلم تتحقق مزايا الدولة المدنية الحديثة،ولا الدولة الإسلامية المأمولة. وقد أورد المؤلف هذه الملحوظة عن إيران، دون توثيق لمصدره، فهي رأي على إطلاقه، لا يستند إلى بحوث ميدانية في ميدان الإدارة والحكم.
[5]) ص20 .
[6]) يقصد به:فكرة أو مجموع الأفكار التي تنبع من النطاق، وتدور حوله الأفكار الأخرى. والنطاق هنا هو نطاق الإسلام المركزي الأخلاقي . انظر التعريف ص301
[7]) ص250 .
[8]) ص57.
[9]) ص33 ، 34 .
[10]) ص40  ، 41.
[11]) ص53 .
[12]) ص302.ويعني بالنموذج: الأفكار السائدة، والمسلمات، والافتراضات، في عصر ما .
[13]) انظر الصفحات : 35 ، 36 ، 37 .
[14]) ص43 .
[15]) انظر الصفحات 260-265 .
[16]) ص45 .
[17]) ص105.
[18])ص148 .
[19]) ص22 .
[20]) ص50 .
[21]) ص113.
[22]) ص116.
[23])ص119 .
[24]) ص236 .
[25]) ص239 .
[26]) يعود المفهوم إلى (ميشال فوكو)،ويشير إلى: الوسائل المتاحة التي يستخدمها الفرد للتأقلم داخل النظام الاجتماعي القائم، وكيفية إخضاع نفسه لقيود المجتمع. واستخدم المؤلف المصطلح في حديثه عن إخضاع المسلم للعبادة والأخلاق. ص299 .
[27]) ص47 .
[28]) ص54 .
[29]) ص111.
[30])ص214 .
[31]) ص106 .
[32]) انظر : ص70 -78 .
[33]) ص82 .
[34]) ص87 .
[35])ص194.
[36])ص191 ، 192 .
[37]) ص108 .
[38])ص109 .
[39]) الصفحات : 294-297.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق