الأربعاء، 5 يوليو، 2017

رؤوس أقلام بشأن الجدل الدائر بين الدعوة والسياسة

أ. خليل إبراهيم
تشهد الساحة الفكرية والسياسية لدى الإسلاميين،أفراداً وجماعات، وغيرهم من المهتمين بالشأن الإسلامي، وبخاصة فيما يسمى بـ (الإسلام السياسي)، جدلاً واسعاً، وحوارات ساخنة، ونقاشات مستفيضة، حول العلاقة بين الدعوي والسياسي،وفي ضرورة الوصل والجمع بينهما، أو الفصل والقطيعة بين المجالين، أو التمييز والفصل الوظيفي بين الأمرين، كل من منطلقاته الفكرية، وتجاربه العملية، وقراءة الواقع الدعوي ومتطلباته، والواقع السياسي ومقتضياته، على المستويات المختلفة: الذاتية والموضوعية، والداخلية والخارجية.
إن الحديث عن الفصل أو التمييز بين المجال الدعوي والمجال السياسي، وفك الارتباط بينها، ليس أمراً جديداً، بل هو قديم حيث تطرق إليه الإمام (حسن البنا) في منتصف الأربعينيات من القرن الماضي،حيث ألمح إلى ضرورة الفك والتمييز بين المجالين، إذ تتفرغ (الجماعة) للعمل الدعوي، بأبعاده التربوية والثقافية والاجتماعية.
وفكّر (حسن البنا) في لحظة تاريخية، في سنة 1946، وطرح على (مكتب الإرشاد) فكرة اندماج (الإخوان) مع أحد الأحزاب السياسية في (مصر)، ورشح (الحزب الوطني)، الذي أسسه (مصطفى كامل)، وبعده تزعم الحزب (فتحي رضوان) و (نورالدين طراف).
والذي يسند هذا القول، جواب الأستاذ (فريد عبدالخالق)، عندما سئل على فضائية (الجزيرة)، في عام 2012: لو أن (حسن البنا) حيّ الآن، ما الرسالة التي سيوجهها لجماعته، وللرئيس (محمد مرسي)؟. فقال: سيقول لهم: أيها الإخوان لديكم جزء دعوي وجزء سياسي، وعليكم أن تفصلوا بينهما، وكل ميسر لما خلق له، وكل جانب يقوم عليه أفراد مختصون، ويجب أن يكون كل من هذين الجانبين مستقلاً تماماً.
إن فتح ملف التمييز بين الدعوي والسياسي، من قبل الحركات الإسلامية المعتدلة، والتي تنتمي إلى الوسطية والاعتدال، يأتي في سياق عمليات النقد الذاتي، والمراجعات الفكرية، وتقييم مسيرة الجماعات الإسلامية، بغية الوقوف على الأخطاء، وتشخيص مواطن الضعف والخلل، وتحديد جوانب القصور، بهدف تصحيحها وتصويبها.. الأمر الذي يدل على النضوج الفكري، والرشد السياسي، ومعرفة متطلبات العمل الحضاري، بشقيه: الدعوي والسياسي، في اللحظة التاريخية الراهنة.
قبل الخوض في تناول جوهر الموضوع، أرى من الضرورة بمكان التأكيد على الحقائق الآتية:
أولاً: يتسم الإسلامبأنه دين شامل يتسع لكل شؤون الحياة، ويتناول جميع مظاهرها، وتنظّم تعاليمه شؤون الناس كافة، في الدنيا والآخرة.
ثانياً: السياسة جزء من الدين، وفرع من فروعه، وأن سبب ضعف الدين، وضياعه، هو زوال سلطته السياسية. ويخطئ من يظن أن الدين لا يعرض للسياسة، أو أن السياسة ليست من مباحثه. يقول (الإمام الغزالي): "إعلم أن الشريعة أصل، والملك حارس، وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع".
ثالثاً: ما يتداول في الأوساط الإسلامية حول موضوع الفصل بين الدعوة والسياسة، لا ينبثق من المنظور العلماني، والسياق التاريخي الغربي، من عدم تدخل الدين في السياسة، وإبعاده عن قضايا الشأن العام، وإقصائه من مسرح الحياة السياسية.لأن السياق التاريخي مختلف، والتجربة الإسلامية ذات خصوصيات مغايرة تماماً، فيما يتعلق بعلاقة الدين بالسياسة.
رابعاً: إن الاتجاه نحو إغراق العمل الدعوي في المناكفات السياسية، وإخضاعه لحسابات الصراعات الحزبية، وإدخاله في المعارك الانتخابية، أمر يضر بالدعوة، وفعالياتها،ورموزها، ويمس بمصداقية العاملين فيها، ويحمل معه مخاطر تستهدف المؤسسات الدينية ومراكز التعليم الشرعي والإرشاد والتوجيه في المجتمع. الأمر الذي يتطلب تجنب الدعوة والعلماء الشرعيين العمل الحزبي والمعترك الانتخابي، للمحافظة على مسار خدمة الدين، والدعوة إلى الله، وعدم استنزاف القوى العاملة في مجال التعليم الديني ومؤسسات التدين العام، من مساجد ومعاهد الدراسات الشرعية.
خامساً: إن ممارسة الفعل السياسي، والعمل الحزبي، لا ينبغي أن يمارسا بعيداً عن المرجعيةالإسلامية، وقيمها، ومقاصدها، وأهدافها، لأن الأحزاب ليست كيانات مستقلة عن مرجعيات فكرية، فكل حزب ينطلق في برنامجه السياسي من منظور قيمي وفكر آيديولوجي.. فأيّ انسلاخ من مرجعية الإسلام، هزيمة نفسية، وضياع للبوصلة والاتجاه.
سادساً: إن النجاح والإنجاز والإبداع من نتاج التخصص والتفرغ في مجالات العلوم والمعارف، وفي ميادين الإصلاح والنهضة، لذا نرىأنالإسلام يرفع من شأن التخصص،ويحثنا على ذلك، ويضع نظاما محكماً بقوله تعالى:﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ التوبة: 122، وقوله تعالى: (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) الفرقان: 59، وقوله: (وَلَا يُنَبِّئُكَ مثْلُ خَبِيرٍ) فاطر: 14.. فلكل مجال رجاله من أهل الخبرة والكفاءة والاختصاص. ولما رأى أحد علماء الحديث براعةَ(أبي حنيفة) وحذقه في الاستنباط من الحديث، قال له قولاً، يحترم الاختصاص ويعترف به، ولا يتجاوزه: "نحن الصيادلة، وأنتم الأطباء"، أي: نحن في الحديث كالصيدلي عنده الدواء، وأنتم كالطبيب يشخص الداء، و يصف الدواء.
فعدم التمييز بين شمولية الإسلام في التصور، كدين ووحي، وبين الإسقاط على الواقع، والإنجاز في الميدان،من أبرز أسباب الضعف في الأداء والمكتسبات، والتعثّر في الإصلاح.
سابعاً: تأتي الدعوة بضرورة التمييز بين الدعوي والسياسي، و عدم دمجهما في إطار واحد، من قبل أصحاب الاتجاه الدعوي، أكثر مما تأتي من أصحاب الاتجاه السياسي،للحيلوله دون استغراق الدعوي في المعترك السياسي، أو طغيان الجانب السياسي على الجانب الدعوي.
وانطلاقاً مما سبق،إن المقصود بالفصل بين المجالين هو الفصل الوظيفي، من حيث التخصص والتفرغ والتأهل، فهو تمييز عملي تنظيمي إداري مستقل، بناء على معرفة تامة بتمايز ميدان الدعوة، بأدبياتها، وآدابها، بخطابها وبرامجها، برموزها ووسائلها، عن ميدان السياسة و تجاذباتها، وصراعاتها، وقواعد العمل فيها.
وفي هذا الصدد يمكن الإشارة إلى رائد هذه الفكرة، والمنظر لها، في كثير من مقولاته: المفكر الإسلامي (راشد الغنوشي)، رئيس (حركة النهضة) التونسية، لوكالة الأناضول، حيث يقول: "نحن لا نتحدث عن علاقة فلسفية بين الشقين السياسي والدعوي داخل حركة النهضة، لأننا نعتقد أن الإسلام دين شامل، وأن المسلم يمارس كل نشاطه في ظل عقيدته، فلا فصل في عقل المسلم وقلبه بين الدنيا و الآخرة." وأضاف: "نحن نؤثر استخدام كلمة التمايز والتخصص، بدل كلمة الفصل (بين الشقين السياسي والدعوي)، التي تعود بنا إلى فلسفات أخرى، وإلى مراجع أخرى، تتعلق بمسائل فلسفية حول العلاقة بين الدين والسياسة. فنحن نتحدث عن تمايز وتخصص". وقال: "نحن نتحدث عن مرجعية إسلامية، ونحن لا نريد سياسة منعزلة عن القيم الدينية، بل نريد سياسة ببواعث و قيم إسلامية ومقاصد شرعية".. فالمقصود إذاً هو إيجاد حزب سياسي، ينطلق من مرجعية الإسلام وقيمه ومقاصده، يمارس نشاطه السياسي، ويقوم بأدواره، وأداء وظائفه، حسب متطلبات الساحة السياسية، وقواعد اللعبة فيها، بشكل احترافي، ويترك أمر الدعوة إلى الدعاة والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني، وسائر المؤسسات التي تعنى بهذا الشأن. فالحزب يخوض المعترك السياسي، بتقلباته وضغوطاته، ويستقطب كل من يوافق على برنامجه السياسي وأهدافه العامة، دون النظر إلى الرؤى الفكرية أو الدينية أو المذهبية. الأمر الذي يجنب الدعوة، وأجهزتها، من تحمل تبعات إخفاقات السياسي، وتعثراته، أو إنجازاته ومكتسباته. الحزب وحده يتحمل مسؤولية مواقفه وتحالفاته، وما تقدمه من وعود انتخابيه، وما تحققه من مكاسب ومصالح، عبر المعارضة أو المشاركة في الحكومة. ومن شأن هذا التمييز وضع كل من السياسي والدعوي في إطاره،وفي سياقه الذي يليق به، وينسجم  معه في الأدوات والمناهج والبرامج والخطاب والأهداف..
 أرى أن هذا التمييز يخدم الدعوة ومؤسساتها، ويعزز من دور الدين، ويرسخ حضوره أكثر في المجتمع، حيث يحرر الدعوة من قيود السياسة وإكراهاتها، ويجنبها المحاربة والمحاصرة والتحجيم لأغراض سياسية، من قبل أحزاب السلطة، فتبقى الدعوة حرة طليقة،تنشط في المحيط المجتمعي كحاجة وكضرورة".

خصائص كل من الدعوة و السياسة
ثمة تمايز واضح بين كل من الدعوي والسياسي، في المنهج والخطاب والوسائل والآليات، فلكل ميدان لغته ومنطقه، وآلياته وأهدافه، ورجاله وكفاءاته.
فالدعوي ينطلق من حقائق الوحي وبينات البلاغ المبين، تعلماً وتعليماُ، تربية وتزكية، نشراً وبناءاً. قال تعالى:[هُوَ الّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ] الجمعة: 2، ولقد لخص (ابن القيم)–رحمه الله- معنى الدعوة إلى الله، في قول بليغ وكلام رصين، قال: "والرسل من أولهم إلى خاتمهم (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) أرسلوا بالدعوة إلى الله، وبيان الطريق الموصل إليه، وبيان حال المدعوين بعد وصولهم إليه..." (انظر: مدارج السالكين ج3\ 348-349). فجوهر الدعوة هي الرسالة القرآنية، وتبليغها،ودعوة الناس إليها، وتربيتهم عليها، فالدعوي أساسه الوحي، وركيزته الحقيقة.
أما السياسي، فهو انشغال بالهموم اليومية، والقضايا المحلية، ومتابعة المتغيرات والتطورات، على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، ومعرفة دورك وموقعك وموقفك منها، انطلاقاً من المصلحة، واستهدافاً للإصلاح السياسي والاجتماعي، وتطوير البلد من خلال البرامج والمشاريع عبر المشاركة في السلطة وأدوات الوصول إليها، أو المعارضة والتأثير في الرأي العام،وصناعة القرار. فالدعوي أشمل من السياسي، وهو متجرد ومثالي وثابت في طبعه، بينما السياسي متقلب متغير يتناول الحالي والواقعي، فهو تجريبي في ممارسته، والخلط بينهما يسيءإلى الأمرينمعاً، بما يمنع الفاعلية والتأثير في الميدانين. وعن تمايز منطق المجالين يقول (محمد مختار الشنقيطي): "إن منطق الدعوة هو الاكتساب، ومنطق السياسة هو المغالبة، فغاية الدعوة كسب الخصم، وغاية السياسة غلبة الخصم، والجمع بين المنطقين يضر بكل منهما، وتعقيد المجتمعات المعاصرة يحتاج حلولاً معقدة، من ضمنها الفصل بين الوظائف الاجتماعية المختلفة"، "وهذا شبيه بفصل العمل الخيري عن العمل السياسي في أغلب دول العالم، ثم إن الفصل يضمن مزيداً من حرية الحركة والمناورة للمجالين السياسي والدعوي، ويجعل كلاً منهما متحرراً من أعباء الثاني" (موقع عربي 21 الإخباري).
كما ويشير (فهمي هويدي) إلى أنهلم يعد مقبولاً الدمج بين المجالات في الدول الكبرى، وليس من المستساغ وضعها في وعاء واحد، داعياً إلى ضرورة التمييز بين هذه المجالات، من حيث النظر والعمل. ويؤكد على أن العمل السياسي، بتقلباته وصراعاته، يجلب علىلاعبيه عواصف شديدة.
فإذا كان الدعوي مستقلاً ومنفصلاً عن السياسي، فقد حافظ على وجوده، ونجا من مخاطر تلك العواصف الهوجاء.
هذا على المستوى النظري، وتصور بعض المفكرين، أما على مستوى التجارب القائمة، فنحن بحاجة إلى دراسة أعمق، وتقييم موضوعي، آخذين بنظر الاعتبار ملابسات وظروف وبيئة كل تجربة على حدة،فهناك تجربة الاستقلال بالتخصص بشكل كامل، مثل تجربة حزب العدالة والتنمية التركي.وتجربة إنشاء ذراع سياسي للجماعة يخضع  لها،مثل تجربة الإخوان في الأردن ومصر واليمن والعراق.. و ثمة تجربة حزب العدالة والتنمية المغربي،حيث قررت الحركة (حركة التوحيد والإصلاح) المضي في الخط الدعوي، وأن يمضي (حزب العدالة) في الخط السياسي، دون تداخل أو خلط، مع الإبقاء على مرجعية تشاورية.
 وهناك تجارب أخرى تدمج بين الدعوي والسياسي والاجتماعي، مثل (الاتحاد الإسلامي الكوردستاني)، و(حركة حماس)، و(مجتمع السلم) الجزائري.
ونحن في كوردستان نحتاج إلى دراسات معمقة، ومراجعات جذرية، وتشخيص الحالة الإسلامية في كوردستان، وقراءة الظروف والمتغيرات التي تشهدها الساحة، والتجاذبات الموجودة فيها، وتقاطع المصالح، وتصارع المشاريع التي تتنازع المنطقة، للوصول إلى صيغة مثلى في فك ارتباط الدعوي بالسياسي، تناسب كوردستان والحالة الإسلامية فيها.

وتجري في أروقة (الاتحاد الإسلامي الكوردستاني) المناقشات والحوارات حول الفرز بين الملفين السياسي والدعوي على قدم وساق، وهناك تقدم ملحوظ على المستوى العملي، وإن كان بطيئاً، في صالح التمييز بين الدعوي والسياسي، من حيث التخصص والهيكل التنظيمي والإداري، لذلك ففي المؤتمر السابع للحزب اتخذ قرار التمييز داخل إطار الحزب، فأنشئت ثلاثة مجالس: مجلس للشؤون السياسية والجماهيرية، ومجلس للدعوة العامة، وآخر للتنظيم والتربية والشأن الداخلي للحزب. وهذا التقسيم بمثابة مقدمة وتمهيد للفصل الكامل بين الدعوي والسياسي في المستقبل.. وبالله التوفيقr

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق