الأربعاء، 5 يوليو، 2017

الحياة التي يريدها كتاب الله!!


بقلم: أ. د. عماد الدين خليل
[وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ، أَلّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ](سورة الرحمن: الآيات 7-9 )..
في هذه الآيات الثلاث ثمة تأسيس لجوهر التنظيم الإسلامي للحياة البشرية : إنه الميزان.. وضع كل شيء في حالة توازن مع ذاته، ومع الأشياء والكائنات الأخرى.. حيث تجيئ الآية التالية: [وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ](سورة الرحمن : الآية 10 )، بعد التأكيد مراراً على (الميزان)، كأنها تريد أن تقول: بأن الله سبحانه وتعالى إذ وضع الأرض للأنام، أراد لها أن تحيا تحت مظلة الميزان، فتكون الحياة سعيدة، جديرة بأن تعاش!! [وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ، الّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ، أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ ، لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ](سورة المطففين: الآيات 1-6)، [وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ...](سورة الإسراء : الآية 35)،
[وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ...](سورة الأعراف : الآية 8)، [وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ](سورة الحجر: الآية 19)، [...وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ...](سورة الأنعام : الآية 152)، [...فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ ...](سورة الأعراف : الآية 85)، [... وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ ...](سورة هود: الآية 84)، [وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ...](سورة هود: الآية 85)، [اللّهُ الّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ...](سورة الشورى: الآية 17)، [...وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ...](سورة الحديد: الآية 25)، [وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ...](سورة الأنبياء : الآية 47)، [أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ](سورة الشعراء : الآية 181).
أما عن القسط، الذي هو رديف الميزان، فهذه بعض شواهده: [لَا يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ](سورة الممتحنة: الآية 8)،  [...فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ](سورة الحجرات: الآية 9)، [...ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ ...](سورة البقرة: الآية 282)، [ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ ...](سورة الأحزاب: الآية 5)، [...وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ](سورة المائدة: الآية 42)، [شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ  وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ..](سورة آل عمران: الآية 18)، [...وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ](سورة آل عمران: الآية 21)، [يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ ...](سورة النساء: الآية 135)، [...وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ](سورة المائدة: الآية 42)، [...وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ...](سورة الأنعام: الآية 152)،  [قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ ...](سورة الأعراف: الآية 29)، [...لِيَجْزِيَ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ ...](سورة يونس: الآية 4)، [وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ...](سورة هود: الآية 85)، [وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ...](سورة الأنبياء: الآية 47)..
ومع مفردتي الميزان والقسط، ثمة مفردات أخرى تتردد في جنبات القرآن.. إنهما: الحق، والعدل، من أجل تأكيد دعوة القرآن إلى إقامة حياة وضيئة، عادلة، تقوم على الحق والعدل، وهما أكبر قيمتين في بناء الكون والعالم، فلا يطيش بها الميزان، كما طاش - ولا يزال - بعقائد وأديان ومذاهب ونظريات ونظم وفلسفات، ما لبثت أن تساقطت، لأنها لم تقم على التأسيس الكوني المتمثل بالميزان والقسطاس والحق والعدل..
فلنتابع بعض شواهد هاتين المفردتين في كتاب الله، واللتين وردت أولاهما، وهي (الحق)، فيما يزيد على المائتين والثلاثين مرة، ووردت ثانيتهما، وهي (العدل)، بتصريفاتها المختلفة، فيما تقرب من الثلاثين مرة: [إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً..](سورة البقرة: الآية 119)، [ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ...](سورة البقرة: الآية 176)، [..وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ ...](سورة البقرة: الآية 213)، [نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ...](سورة آل عمران: الآية 3)، [إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ ...](سورة النساء: الآية 105)، [يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ ...](سورة النساء: الآية 170)، [...وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ...](سورة المائدة: الآية 48)، [قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ ...](سورة المائدة: الآية77)، [وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا جَاءنَا مِنَ الْحَقِّ ...](سورة المائدة: الآية 84)، [وَهُوَ الّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ ...](سورة الأنعام: الآية 73)، [وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ...](سورة الأعراف: الآية 8)، [...لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ...](سورة الأعراف: الآية 43)، [وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ](سورة الأعراف: الآية 181)، [هُوَ الّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ...](سورة التوبة: الآية 33)، [...مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ](سورة يونس: الآية 5)، [...فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ](سورة يونس: الآية 32)، [...أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاّ يَهِدِّيَ إِلاّ أَن يُهْدَى ...](سورة يونس: الآية 35)، [...إَنَّ الظّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً...](سورة يونس: الآية 36)، [وَيُحِقُّ اللّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ](سورة يونس: الآية 82)، [لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ...](سورة الرعد: الآية 14)، [أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحقِّ ...](سورة إبراهيم: الآية 19)، [بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ](سورة الأنبياء: الآية 18)، [هُوَ الّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ...](سورة الصف: الآية 9).
أما عن العدل، فهذه بعض شواهده: [...وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ...](سورة الشورى: الآية 15)، [...فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ...](سورة النساء: الآية 135)، [...وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ...](سورة المائدة: الآية 8)، [...وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ...](سورة الأنعام: الآية 152)، [...وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ...](سورة النساء: الآية 58)، [...هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ؟](سورة النحل: الآية 76)، [إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى ...](سورة النحل: الآية 90)، [وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ](سورة الأنعام: الآية 115).
وإلى جانب (الميزان) و(القسط) و(الحق) و(العدل)، هنالك تأكيد قرآني متواصل على (الصراط)، وهو الطريق المستقيم الذي يصل إلى هدفه دون أي قدر من الاعوجاج.. بدءاً من (سورة الفاتحة) التي تتضمن دعوة المؤمنين في العالم بأن يلتزموا الصراط المستقيم، فلا تنحرف بهم الأهواء ذات اليمين وذات الشمال.. وعلى مدى كتاب الله كله يتدفق الخطاب القرآني كالسيل مؤكداً على الصراط.. وهذه بعض شواهده: [اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ ، صِرَاطَ الّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ](سورة الفاتحة: الآيتان 6-7) من أجل أن يمضي المؤمنون بهذا الدين إلى أهدافهم، متجنبين سلوك اليهود الملتوي الذي استدعى غضب الله سبحانه وتعالى ، وضلال النصارى بالشرك المكشوف.. هذا الدعاء الحار الذي يتردد على كل لسان في اليوم الواحد عشرات المرات: [...قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ](سورة البقرة: الآية 142)، [...وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ](سورة البقرة: الآية 213)، [إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ](سورة آل عمران: الآية 101)، [...مَن يَشَإِ اللّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ](سورة الأنعام: الآية 39)، [وَهَـذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً...](سورة الأنعام: الآية 126)، [قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً...](سورة الأنعام: الآية 161)، [...لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ](سورة إبراهيم: الآية 1)، [...فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى](سورة طه: الآية 135)، [وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ](سورة المؤمنون: الآية 74)، [أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ](سورة الملك: الآية 22)، [قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ](سورة الأعراف: الآية 16)، [وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ](سورة الأنعام: الآية 153).
وفي مقابل هذا، إدانة قرآنية متواصلة للاعوجاج، الذي هو نقيض الميزان والقسط والحق والعدل والتزام الصراط: [...لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً ...](سورة آل عمران: الآية 99)، [قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ](سورة الزمر: الآية 28)، [الّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً...](سورة الأعراف: الآية 45)، [...وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً...](سورة الأعراف: الآية 86)، [الّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً...](سورة هود: الآية 19)، [...وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً أُوْلَـئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ](سورة إبراهيم: الآية 3).
فأيّ دين أو عقيدة في العالم تنطوي تعاليمها على هذا القدر من الحسم والجزم والوضوح في إقامة حياة يسودها الحق والعدل، وتلتزم القسط والميزان، وتمضي إلى أهدافها على الصراط الذي يحميها من الانحراف ذات الشمال وذات اليمين، والخضوع لإغواء الطواغيت والمشركين والأرباب، الذين يسوقونها عبر الطرق المعوجة المنبثقة عن رغبتهم الجارفة في تعبيد الناس لأنفسهم من دون الله ؟!
إن هذا الدين بتأكيده المتواصل، وطرقه المستمرّ، على قيم الحق والعدل والقسط والميزان والصراط، لهو الدين الذي يحرر الإنسان من شتى صنوف القهر والاستعباد والابتزاز والاستلاب.. ويرفع قامته عالياً لكي لا يخضع إلا لله سبحانه وتعالى.. ولكي يحيا حياة طيبة آمنة سعيدة متوازنة، تحرسها قيم الحق والعدل والميزان والقسط.. وتمضي إلى أهدافها على الصراط الذي يرفض أي جنوح أو اعوجاج..
والقرآن الكريم وهو يتحدث عن هذه القيم، ويؤكد عليها، يربط – على طريقته المدهشة – بين الأرض والسماء.. بين اليومي والأبدي.. بين الموقوت والدائم.. بين أسباب النزول، وبين إطلاق الحكم، لكي يمضي مخترقاً حواجز الزمن والمكان.. بين الميزان الذي توزن به الأشياء اليومية، وبين ذلك الذي قامت عليه السماوات والأرض: [وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ، الّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ، أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ ، لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ](سورة المطففين: الآيات 1-6)، [...وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ...](سورة الحديد: الآية 25)، [وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ](سورة الحجر: الآية 19).
ألا تعكس هذه الآيات رؤية الإسلام الكونية الشاملة، التي لا تغفل – وحاشا لله – عن أدق خصوصيات الناس، ولكنها ما تلبث أن تنقلهم إلى الفضاءات الواسعة للعالم والكون، فتجعل من الميزان خطاباً بيانياً يبدأ بوزن الحاجيات اليومية، ثم يمضي مصعداً باتجاه إقامة العدل بين الناس، وبناء العالم بما يجعله صالحاً لاستمرارية الحياة.. بل بيوم القيامة العظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين، لكي يتلقوا جزاءهم العادل عن كل صغيرة في موازين الحاجات اليومية.. وكبيرة في تجاوز التعاليم الدينية الكبرى، التي تؤكد على التزام الحق والعدل والقسط بمفاهيمها الشاملة.
كل المذاهب والنظريات والمبادئ والأديان المحرفة الأخرى التي طاش بها الميزان، ما لبثت أن تساقطت الواحدة تلو الأخرى، لأنها لم تقم على الحق والعدل.. ولأنها أغفلت التعامل بالقسط والميزان.. وضعت في آذانها شمعاً لكي لا تصغي لخطاب الله الذي يدعوها إلى التزام الصراط، ومضت عبر الطرق المعوجة، فضّيعت نفسها وكل المنتمين إليها، ولم تحصد في نهاية الأمر إلا الدمار والخراب..
والذي يمعن النظر في كتاب الله، من زاوية معينة، قد تتمركز بعبارة "وما هي الحياة التي يدعو إليها كتاب الله في هذا العالم"، يجد نفسه قبالة البعد الإنساني الذي يستهدف إقامة حياة طيبة، متوازنة، آمنة، سعيدة، حرة، لا ظلم فيها، ولا فساد، ولا انحراف.. ومن خلال ذلك يستهدف تحقيق إنسانية الإنسان بأعلى وتائرها، وأكثرها مقاربة لتكوينه وطموحاته كإنسان.
وعلى سبيل المثال، فإن في الآيات 144-153 من (سورة الأنعام) تأكيداً على أن قاعدة هذا الدين هي (الحلال)، وأن (التحريم) الاعتباطي الذي يضيّق الخناق على مطالب الإنسان الحيوية أمرٌ ممقوت ومرفوض. وفي الآيات 26-31 من (سورة النساء) دعوة قرآنية لحياة يسودها التوازن، والحق، والتخفيف، وإدانة كل صيغ الميل والعدوان والظلم وأكل أموال الناس بالباطل واقتراف الكبائر التي تمسخ الحياة البشرية وتقودها إلى البوار: [وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً](سورة النساء: الآية 27). وفي الآية 97 من (سورة النحل) تأكيد على الحياة (الطيبة) التي يدعو إليها هذا الدين بالتزام الإيمان والعمل الصالح: [مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ]. وفي الآيات 62-64 من (سورة يونس) أن المؤمنين يتلقون البشرى، بكل ما تنطوي عليه من دلالات، في الدنيا قبل الآخرة، وأن ذلك هو الفوز العظيم، وأنهم يعيشون حياة آمنة مطمئنة لا خوف فيها ولا حزن: [أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ، الّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ، لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ]. هذا إلى أن الله سبحانه وتعالى يمنحهم الثبات في الحياة الدنيا وفي الآخرة (سورة إبراهيم الآية 27). وفي الآية 51 من (سورة غافر) وعد إلهي بنصر رسله وأتباعهم المؤمنين، في الحياة الدنيا، قبل يوم القيامة: [إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ].. وولاية الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين تكلؤهم في الدنيا والآخرة: [نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ...](سورة فصلت: الآية 31).. ووعد آخر للذين يقيمون حكم الله في الأرض، بأنهم سيأكلون من فوقهم ومن تحت أرجلهم: [وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم، مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ](سورة المائدة: الآية 66)، [وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً...](سورة البقرة: الآية 58)، [وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ](سورة النحل: الآية 112).
وثمة حشود المقاطع والآيات القرآنية التي تفتح الطريق لإشباع الغرائز، وتضبط التعامل معها، بحيث لا تسمح بالإفراط أو التفريط.. وآيات أخرى تحذّر من السرقة، والغش، وتتوعد القتلة بغير الحق بأشد أنواع العقاب في الدنيا والآخرة.. وآيات أخرى تحمي ظهر الإنسان، في غيابه عن الآخرين، وتنذر من يفعل ذلك بالويل والثبور، فيما لا نكاد نجده - على الإطلاق - في عقائد الوضاعين والكهنة والمشرعين بغير ما أنزل الله..
وثمة الدعوة القرآنية المتكررة للالتزام بالعهود والإيمان والمواثيق، والتنديد بمن يخرقها.. وبإقامة العلاقات الأسرية على المودة والمحبة والرحمة بين الزوج وزوجه، وبين الآباء والأبناء، وبين هؤلاء وآبائهم.. وبصلة الرحم، ووضعها في الدرجة التالية للتوحيد، الذي هو قاعدة هذا الدين.
وفي الآيتين 87-88 من (سورة المائدة): [يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ، وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَيِّباً وَاتَّقُواْ اللّهَ الّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ]، يطرح القرآن معادلة ذات بعد إنساني تحريري، حيث يقرن تحريم الطيبات بالظلم، ثم يدعو إلى الإباحة، ولكن تحت مظلة التقوى والإيمان.. وهي أكثر المعادلات إحكاماً لحياة إنسانية يتحرر فيها الإنسان من شد الضرورات، ويأكل الطيبات، ويتقي الله سبحانه وتعالى.
وفي الآيات 5-18 من (سورة النحل)، صورة رائعة للحياة التي يريدها كتاب الله: حيث ترد هذه المنظومة من نعم الله للبشرية، متمثلة بتوفير الحاجات الأساسية للإنسان، وبالخدمات، وبالجماليات، وبتسخير الليل والنهار، والشمس والقمر والنجوم، وفي جعل فيزياء البحار تحمل الفلك، وتقدم الغذاء، وأدوات الزينة للناس، وفي إلقاء الجبال الرواسي بالأرض، كي لا تميد بالناس.. وبالنعم التي لا يحصيها عدّ، من أجل جعل الحياة في هذه الدنيا جديرة بأن تعاش، شرط أن يتوجه الناس بالشكر والعرفان والامتنان للخلاق، الذي أنعم عليهم بهذا كلّه.. ولن تتم الإفادة القصوى من هذه النعم إلا بأن تلتحم الأمة الإسلامية، وعلماؤها، بفيزياء العالم، وجغرافيته، للكشف عن سنن الله ونعمه في العالم، وتسخيرها لخدمة الإنسان.. وهي – إذا أردنا الحق – نقطة الانطلاق في بناء الحضارات: [وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ، وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ، وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ، وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ، هُوَ الّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ، يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ، وَسَخَّرَ لَكُمُ اللّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ، وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ، وَهُوَ الّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ ، وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لّعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ، وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ، أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكّرُونَ ، وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ].
وفي الآيات 87-93 من (سورة المائدة) دعوة مؤكدة أخرى إلى أكل الحلال الطيب، وإطعام المساكين، وكسوتهم، وتحرير الأرقاء، واجتناب الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، لأنها رجس من عمل الشيطان، الذي يسعى من خلالها إلى الإيقاع بين المسلمين، وإثارة العداوة والبغضاء، والصدّ عن ذكر الله.. وأما الآيات 136 ، 138-139 ، 142-153 من (سورة الأنعام)، فتنطوي على حملة شاملة، وسخرية مرة، بأتباع الأديان المحرفة، لتحريم ما أحل الله. حيث ترد هذه الآية، التي تحسم الموضوع فيما لا يقبل لجاجة ولا إنكاراً: [قُل لاّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ](سورة الأنعام: الآية 145).
بل إن القرآن يمضي خطوات أخرى في تصوير الحياة الإسلامية الآمنة، المتوازنة، السعيدة، المطمئنة، بتأكيده على التزيّن.. وإضافة البعد الجمالي لبنية هذه الحياة، من أجل أن تشع بالروعة والجمال: [يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ، قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ](سورة الأعراف: الآيتان 31-32)، حيث ها هنا أيضاً تلتقي الرؤية القرآنية الثنائية، التي تدير المنظور على جوانب الحالة كافة، فنجد أنفسنا قبالة (الجمال) و(الضرورة).. التزّين، وإشباع الحاجات الأساسية.
حيثما قلبنا أبصارنا في كتاب الله، وجدنا الخطاب القرآني يحمل دعوة واضحة مؤكدة لبناء حياة إسلامية تلبـي حاجات الإنسان الضرورية، وتحرّره، وتفتح الطريق أمامه واسعاً عريضاً لكي يحيا حياة متوازنة، آمنة، متوحدة، وسعيدة.. ولكن أين العقول التي تفقه.. والقلوب التي تكسر ما علاها من صدأ.. لكي تتلقى هذا الخطاب المشع وضاءة وطهراً ؟!
ثم ماذا عن غير المسلمين في المجتمع الإسلامي؟ إنهم، بشهادة التاريخ.. وقبلها: بتأسيسات كتاب الله، وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم)، واجتهاد فقهائه الكبار.. تلقوا حريتهم الدينية والمدنية كاملة، وعاشوا مع رفاقهم المسلمين، وباعترافهم هم، أجمل حياة، وهم يمارسون طقوسهم الدينية بحرية، ويشاركون في بناء وصيرورة الحياة الاجتماعية والثقافية والإدارية والاقتصادية والعمرانية، في وتائرها العليا، حيث برز منهم كبار الكتاب والمترجمين والأطباء والمهندسين والوزراء والإداريين، دون أن يمسهم أحد بسوء، أو يقف قبالة مطامحهم عائق واحد..
وبدلاً من إيراد الشواهد والتفاصيل التي يعج بها تاريخنا الحضاري، والتي سبق وأن عرضنا لها في أكثر من بحث وكتاب، لنكتفي بهذا الموقف القرآني المدهش، في حماية حقوق غير المسلمين، والتنديد الصارم بكل من تسوّل له نفسه المساس بها من المسلمين!! والذي تتضاءل دونه سائر القمم الأخرى في مجال التعامل العادل، كالصراط مع الإنسان، أياً كان موقعه في الزمن أو المكان أو الطبقة أو العرق أو المكانة أو – حتى – الدين !: [إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً ، وَاسْتَغْفِرِ اللّهَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ، وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً ، يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ، هَاأَنتُمْ هَـؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ، وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَّحِيماً ، وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً ، وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ، وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً](سورة النساء: الآيات 105-113).
وعن هذه الآيات يقول الشهيد (سيد قطب): "إنها تحكي قصة لا تعرف لها الأرض نظيراً، ولا تعرف لها البشرية شبيهاً. وتشهد وحدها بأن هذا القرآن، وهذا الدين، لابدّ أن يكون من عند الله. لأن البشر – مهما ارتفع تصورهم، ومهما صفت أرواحهم، ومهما استقامت طبائعهم – لا يمكن أن يرتقوا – بأنفسهم – إلى هذا المستوى الذي تشير إليه هذه الآيات، إلاّ بوحي من الله... إنه في الوقت الذي كان اليهود في المدينة يطلقون كل سهامهم المسمومة التي تحويها جعبتهم اللئيمة، على الإسلام والمسلمين... في الوقت الذي كانوا فيه ينشرون الأكاذيب، ويؤلبون المشركين، ويشجعون المنافقين، ويرسمون لهم الطريق، ويطلقون الإشاعات، ويضللون العقول، ويطعنون في القيادة النبوية، ويشككون في الوحي والرسالة، ويحاولون تفسيخ المجتمع المسلم من الداخل، في الوقت الذي يؤلبون عليه خصومه ليهاجموه من الخارج = والإسلام ناشئ في المدينة، ورواسب الجاهلية ما يزال لها آثارها في النفوس، ووشائج القربى والمصلحة بين بعض المسلمين وبعض المشركين والمنافقين واليهود أنفسهم، تمثل خطراً حقيقياً على تماسك الصف المسلم وتناسقه. في هذا الوقت الحرج الخطر... كانت هذه الآيات كلها تتنزل على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وعلى الجماعة المسلمة، لتنصف رجلاً يهودياً اتهم ظلماً بسرقة، ولتدين الذين تآمروا على اتهامه، وهم بيت من الأنصار في المدينة، والأنصار يومئذ هم عدة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وجنده، في مقاومة هذا الكيد الناصب من حوله، ومن حول الرسالة والدين والعقيدة الجديدة !
"إن المسألة لم تكن مجرد تبرئة برئ، تآمرت عليه عصبة لتوقعه في الاتهام – وإن كانت تبرئة برئ أمراً هائلاً، ثقيل الوزن في ميزان الله – إنما كانت أكبر من ذلك: هي إقامة الميزان الذي لا يميل مع الهوى، ولا مع العصبية، ولا يتأرجح مع المودة والشنآن، أياً كانت الملابسات والأحوال.. وكانت المسألة هي تطهير هذا المجتمع الجديد، وعلاج عناصر الضعف البشري فيه، مع علاج رواسب الجاهلية والعصبية، في كل صورها، حتى في صورة العقيدة، إذا تعلق الأمر بإقامة العدل بين الناس، وإقامة هذا المجتمع الجديد، الفريد في تاريخ البشرية، على القاعدة الطيبة النظيفة الصلبة، التي لا تدنسها شوائب الهوى والمصلحة والعصبية، والتي لا تتدحرج مع الأهواء والميول والشهوات...
"ولقد كان هناك أكثر من سبب للإغضاء عن الحادث، أو عدم التشديد فيه، والتنديد به، وكشفه هكذا لجميع الأبصار، بل فضحه بين الناس، على هذا النحو العنيف المكشوف.. كان هناك أكثر من سبب، لو كانت الاعتبارات الأرضية هي التي تتحكم، وتحكم، ولو كانت موازين البشر، ومقاييسهم، هي التي يرجع إليها هذا المنهج! كان هناك سبب واضح عريض: إن هذا المتهم (يهودي)، من (يهود)، يهود التي لا تدع سهماً مسموماً تملكه إلا أطلقته في حرب الإسلام وأهله، والتي يذوق منها المسلمون الأمرين، والتي لا تعرف حقاً ولا عدلاً ولا نصفة، ولا تقيم اعتباراً لقيمة واحدة من قيم الأخلاق في التعامل مع المسلمين على الإطلاق!
"وكان هناك سبب آخر، وهو أن الأمر في الأنصار، الذين آووا ونصروا، والذين قد يوجد هذا الحادث بين بعض بيوتهم ما يوجد من الضغائن، بينما أن اتجاه الاتهام إلى يهودي يبعد شبح الشقاق! وكان هناك سبب ثالث، هو عدم إعطاء اليهود سهماً جديداً يوجهونه إلى الأنصار، وهو أن بعضهم يسرق بعضاً، ثم يتهمون اليهود! ولا يدعون هذه الفرصة تفلت، للتشديد عليها.
"ولكن الأمر كان أكبر من هذا كله... أن يقام ميزان العدل في الجماعة المسلمة، لتحكم بين الناس مجرداً من جميع الاعتبارات الأرضية، والمصالح القريبة الظاهرة، والملابسات التي يراها الناس شيئاً كبيراً لا يقدرون على تجاهله.
"ومن ثم لم يكن هناك مجال للباقة ! ولا للكياسة ! ولا للسياسة ! ولا للجهارة، في إخفاء ما يحرج، وتغطية ما يسوء.. ولم يكن هناك لمصلحة الجماعة المسلمة الظاهرية ! ومراعاة الظروف الوقتية المحيطة بها! هنا كان الأمر جداً خالصاً، لا يتحمل الدهان، ولا التمويه ! وكان هذا الجد هو أمر هذا المنهج الرباني وأصوله، وأمر هذه الأمّة التي تعد لتنهض بهذا المنهج وتنشره، وأمر العدل بين الناس في هذا المستوى، الذي لا يرتفع إليه الناس، إلا بوحي من الله !
"وينظر الإنسان من هذه القّمة السامقة على السفوح الهابطة، في جميع الأمم على مدار الزمان، فيراها هناك في السفوح، ويرى بين تلك القّمة السامقة والسفوح الهابطة، صخوراً متردية هنا وهناك، من: الدهاء،والمراء، والسياسة، والكياسة، والبراعة، والمهارة، ومصلحة الدولة، ومصلحة الوطن، ومصلحة الجماعة، إلى آخر الأسماء والعنوانات، فإذا دقق الإنسان فيها النظر رأى من تحتها الدود" (في ظلال القرآن 5/214-219، باختصار عن ط3).
أليس هو الميزان الذي بنيت عليه السماوات والأرض بالحق والعدل؟ أليس هو القسط بين الناس كافة، بغض النظر عن أديانهم وانتماءاتهم ؟ أليس هو الصراط الذي لا عوج فيه ولا أمتا؟
ثمة لقطة من فيلم (عمر المختار)، الذي أخرجه مصطفى العقاد (رحمه الله)، أريد أن أختم بها مقالي هذا، لأنها تعبّر عن الكثير مما يمكن أن يقال، ومما بدأنا به الحديث حول ارتباط الميزان بقضية العدل في العالم، وليس بمجرد التطفيف في حاجات الناس اليومية.. إنه – دائماً – الارتباط الصميم بين الخاص والعام، بين الموقوت والدائم، وبين الأرضي والكوني.. فلنرَ ..
عمر المختار، قائد حركة المقاومة الليبية للغزو الإيطالي الفاشستي الذي لا يرحم، يقف قبالة مجموعة من صبيان الكتاتيب، يعلمهم التلاوة.. حتى إذا وصل الآيات التي تقول: [وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، أَلّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ](سورة الرحمن: الآيات 7-9)، جاءه مستشاره وساعده الأيمن لكي يهمس في أذنه أن الايطاليين الفاشست استغلوا فرصة غياب الرجال عن إحدى القرى الليبية فانقضوا عليها وقتلوا كل من فيها من الشيوخ والنساء والأطفال ...

فذلك هو (القسط)، وذلك هو (الميزان)!!
r
توقف (عمر المختار) لحظات.. وثم نهض قائماً وهو يردد: [وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ، أَلّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ].. ثم ما لبث أن أصدر أوامره إلى المجاهدين الذين انطلقوا كالسهم إلى الكتيبة الإيطالية نفسها التي ذبحت القرية المسالمة، فأبادوها عن آخرها..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق